لماذا يمثل ذوبان جليد القطبين أزمة للأرض بأكملها؟

يهدد بالمزيد من الاضطراب في توازن الطاقة وتيارات المحيطات على الكوكب

لماذا يمثل ذوبان جليد القطبين أزمة للأرض بأكملها؟
TT

لماذا يمثل ذوبان جليد القطبين أزمة للأرض بأكملها؟

لماذا يمثل ذوبان جليد القطبين أزمة للأرض بأكملها؟

أسفر التغير المناخي الذي تسبب فيه الإنسان عن تدمير الجليد البحري في طرفي الأرض، في حدث قد يصبح وضعاً طبيعياً جديداً ومثيراً للقلق.

انحسار الغطاء الجليدي

شهد شهر فبراير (شباط) من العام الحالي انخفاضاً قياسياً في المساحة العالمية للجليد البحري، حيث تزامن ازدياده البطيء في شتاء القطب الشمالي مع السنة الرابعة على التوالي من انخفاض الغطاء الجليدي بشدة خلال صيف القطب الجنوبي.

يقول الدكتور إيد دودريدج، عالم المحيطات الفيزيائي، من جامعة تسمانيا في أستراليا: «يبدو الأمر أشبه بجزء مفقود من قارة». وتنذر ملايين الكيلومترات المربعة من الجليد البحري المفقود، بكارثة على الناس والنظم البيئية في هذه الأجزاء النائية من كوكب الأرض. ومع ذلك، سوف يكون لهذا الانخفاض الاستثنائي عواقب عالمية أيضاً، تتراوح بين المزيد من الاضطراب في توازن الطاقة على الأرض وتيارات المحيطات، وزيادة في انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون المنبعث من المياه الخالية من الجليد.إن الغطاء الجليدي البحري في كل من القطب الشمالي والقطب الجنوبي قد أصبح الآن أقل بكثير من متوسط المستويات التاريخية. لكن القصة مختلفة في كل من القطبين.

القطب الشمالي

في القطب الشمالي، حيث يطفو الجليد في محيط تحيط به القارات، كان هناك انخفاض شبه ثابت منذ بدء تسجيل الأقمار الاصطناعية في عام 1979. وفي كل عام منذ عام 2007، انخفض الحد الأدنى لامتداد الجليد البحري في القطب الشمالي، بصفة سنوية، إلى أقل بكثير من المتوسط الطويل الأجل، ما يشير إلى أن المنطقة - التي ترتفع درجة حرارتها أربعة أضعاف سرعة ارتفاع درجة حرارة بقية أجزاء الكوكب - تشهد «وضعاً طبيعياً جديداً»، كما يقول الدكتور والتر ماير من «المركز الوطني الأميركي لبيانات الثلوج والجليد». فخلال أدنى مستوى له في فصل الصيف في القطب الشمالي، تُعادل مساحة الجليد المفقود تقريباً مساحة الولايات المتحدة القارية بأكملها إلى الشرق من نهر المسيسيبي.

كما يتناقص الجليد البحري في القطب الشمالي أيضاً في خلال فصل الشتاء؛ ففي مارس (آذار) من العام الحالي، سجل أقصى امتداد له مستوىً منخفضاً قياسياً جديداً، حيث انخفضت مساحة الجليد البحري في القطب الشمالي بأكثر من 1.3 مليون كيلومتر مربع عن المتوسط على المدى الطويل.

القارة القطبية الجنوبية

أما في القارة القطبية الجنوبية «أنتاركتيكا»، حيث يطوق الجليد البحري قارة محاطة بالمحيط، فقد كان التغير أكثر تعقيداً مما سلف. يقول الدكتور ماير: «حتى وقت قريب، لم يكن الجليد البحري في القطب الجنوبي متواكباً مع ظاهرة الاحتباس الحراري».

فقد كانت هناك عوامل أخرى، مثل التقلبات الطبيعية في درجة حرارة المحيط وأنماط الرياح، التي تقود التغيرات في الجليد البحري من عام إلى آخر. وفي واقع الأمر، فقد شهد مداه زيادة بطيئة منذ بداية تسجيل الأقمار الاصطناعية، حتى حدوث انخفاض حاد في أواخر عام 2016.

وفي أوائل عام 2022، انخفضت مساحة الغطاء الجليدي خلال صيف القارة القطبية الجنوبية إلى ما دون المستوى القياسي السابق، حيث انخفضت مساحته إلى أقل من المتوسط بنحو مليوني كيلومتر مربع، أي ما يعادل فقدان مساحة تعادل مساحة المملكة العربية السعودية بأسرها تقريباً. وقد اقترب كل صيف من فصول الصيف الثلاثة التالية من هذا المستوى من الانخفاض أو تجاوزه، ما دفع الباحثين إلى اقتراح أننا نشهد «تحولاً دائماً في النظام»، مثل ذلك الذي حدث في القطب الشمالي. وتشير عملية إعادة بناء حديثة للجليد البحري في القارة القطبية الجنوبية، استناداً إلى سجل طويل الأمد للتغيرات في الغلاف الجوي، إلى أن مساحة الجليد الشتوي هناك الآن أقل مما كانت عليه في أي وقت في القرن العشرين.

ومع ذلك، فإن السجل القصير للأقمار الاصطناعية والنماذج غير الكاملة تعني أنه لا تزال هناك بعض الشكوك حول ما إذا كان قد وقع تحول في النظام البيئي في هذه المنطقة، وإلى أي مدى يقف الاحتباس الحراري وراء هذا التغيير، كما تقول الباحثة كارولين هولمز من «هيئة المسح البريطاني للقطب الجنوبي»، لكنها تضيف أن هذه السلسلة من الانخفاضات الشديدة «تشير إلى أن الجليد البحري في القارة القطبية الجنوبية يستجيب لتغير المناخ بطريقة لم نشهدها من قبل»، كما قالت.

عواقب على الحياة

يؤثر التحول الجوهري في كلا القطبين بالفعل على الناس وعلى النظم البيئية. تقول الدكتورة تويلا مون، من جامعة كولورادو فرع بولدر: «إنه تغيير في النظام بأكمله». ففي القارة القطبية الجنوبية، على سبيل المثال، شهدت مستعمرات طيور بطريق الإمبراطور - التي تعتمد على الجليد في تربية أفراخها - حالات من النفوق الجماعي.

أما في القطب الشمالي، فقد شهدت مجتمعات السكان الأصليين التي تستخدم البحر المتجمد منصة للصيد هناك تقلصاً في طول موسم الصيد وحجم صيدها. وفي مناطق مثل ساحل ألاسكا الشمالي، أدى فقدان الجليد البحري إلى تسريع التآكل من خلال تعريض الأرض للأمواج. وقد شرعت بنية وبيئة المحيط المتجمد الشمالي بصورة عامة في أن تصبح أكثر شبهاً بتلك التي نراها في خطوط العرض المنخفضة في عملية تسمى «التحوّل الأطلسي».

لكن عواقب فقدان ذلك الكم الهائل من الجليد لا تقتصر على القطبين وحدهما. فمن أحد أوضح التداعيات العالمية انخفاض كمية الإشعاع الشمسي المنعكس من الأرض إلى الفضاء. إذ يعكس الجليد البحري معظم أشعة الشمس التي تصل إليه. وعندما يذوب، فإنه يكشف المحيط المظلم في الأسفل، الذي يمتص أغلب الطاقة الشمسية الواردة.

تأثيرات على المناخ

وخلصت دراسة حديثة حول هذا الأمر إلى أن انخفاض مستويات الجليد البحري العالمي منذ عام 2016 يعني أن تأثير التبريد للجليد أصبح الآن أضعف بنسبة 14 في المائة تقريباً مما كان عليه الأمر في الثمانينات. وتقول الباحثة هولمز: «هذا التأثير كبير بالنسبة إلى ما نعرف بالفعل أننا نفعله بالنظام المناخي من خلال غازات الاحتباس الحراري».

وإذا ما تم قياس هذه الظاهرة بالنسبة للقطب الشمالي وحده، فإن التغيير يعدّ أكبر بكثير، إذ يفقد الجليد هناك ربع تأثير التبريد خلال تلك الفترة. وهذا ما يغذي معدل الاحترار المتسارع في الشمال، والمعروف باسم «تضخيم القطب الشمالي». ويؤدي الاحترار بدوره إلى تقليل الفرق في درجة الحرارة بين هواء القطب الشمالي والهواء الأكثر دفئاً في الجنوب، ما قد يؤدي إلى تعطيل التيار النفاث القطبي الذي يتحكم في الطقس عبر أجزاء من نصف الكرة الأرضية الشمالي.

ويقول أندرياس كلوكر الباحث البارز في مركز الأبحاث النرويجي: «هذا يغير تماماً من أنظمة الطقس لدينا فوق الولايات المتحدة وأوروبا»، مما يؤدي إلى موجات حر أكثر استمراراً وأمطار غزيرة وهبوب الرياح القطبية شديدة البرودة.

كما يمكن أن يؤدي فقدان الجليد البحري إلى تحويل المحيط الجنوبي من منشأ لغازات الدفيئة إلى مصدر جديد.

تيارات المحيطات

في القارة القطبية الجنوبية، قد يساهم فقدان الجليد البحري هناك أيضاً في تباطؤ ملحوظ في الدوران المنقلب لمحيطات العالم. تتحرك هذه التيارات القوية مدفوعة بالمياه الكثيفة والمالحة - المتبقية من تكوين الجليد البحري - التي تغوص في أعماق المحيط. تمكّن التيارات التي تحركها «مياه القاع في القارة القطبية الجنوبية» المحيطات من امتصاص المزيد من الحرارة من الغلاف الجوي، وتحمل المياه الغنية بالمغذيات والأكسجين من المحيط الجنوبي إلى النظم البيئية في المياه العميقة في جميع أنحاء الكوكب.

وقد لاحظ الباحثون تباطؤاً في تكوّن مياه القاع هذه منذ تسعينات القرن الماضي، وعزوا ذلك بشكل رئيس إلى تدفق المزيد من المياه العذبة من ذوبان الجروف الجليدية. غير أن التحول المحتمل في نظام الجليد البحري، إلى جانب المزيد من المياه الذائبة، يزيد من المخاوف من تباطؤ تكوين مياه القاع بصورة أكبر، حيث تتوقع النماذج انخفاضاً بنسبة 50 في المائة على مدى العقود الثلاثة المقبلة في ظل سيناريو الانبعاثات العالية. ويقول الباحث كلوكر إن هذا من شأنه أن يقلل من كمية الحرارة التي يمكن أن تمتصها المحيطات.

كما يمكن أن يؤثر التباطؤ أيضاً على التيارات الحيوية الأخرى، بما في ذلك «الدوران الانقلابي الأطلسي الزوالي» الذي يعمل على تدفئة أوروبا، والتيار القطبي الجنوبي القوي الذي يعزل القارة عن بقية محيطات العالم التي ترتفع درجة حرارتها. ويقول الدكتور إيد دودريدج: «هناك الكثير من التوازنات الحساسة هنا، ويقع الجليد البحري في منتصفها جميعاً».

ارتفاع مستوى البحر

وهناك عواقب أخرى أكثر غموضاً لفقدان الجليد البحري في القارة القطبية الجنوبية، غير أنها ليست أقل إثارة للقلق. على سبيل المثال، يساعد الجليد البحري على إبعاد الأمواج والمياه الدافئة عن الجروف الجليدية في القارة، وهي الهياكل الساحلية العائمة التي تتشكل عندما تتدفق الصفائح الجليدية الداخلية إلى البحر. وقد يؤدي فقدان هذا العازل إلى زيادة معدل انكسار الجبال الجليدية عن تلك الجروف، الأمر الذي سوف يؤدي بدوره إلى تسريع تدفق الصفائح الجليدية إلى المحيط، ما يزيد من ارتفاع مستوى سطح البحر بشكل عام. يقول الدكتور دودريدج: «لم نر سوى عدد قليل من الجروف الجليدية تتفكك، ولكنها تفككت بصفة عامة بعد فترة من انخفاض مستوى الجليد البحري في تلك المنطقة».

في فصل الشتاء، عندما تمتزج المياه العميقة الغنية بالكربون بقوة مع السطح، يعمل الجليد البحري في القارة القطبية الجنوبية أيضاً كغطاء على المحيط الجنوبي، ما يمنع انبعاث ثاني أكسيد الكربون المذاب في الغلاف الجوي. يقول الدكتور دودريدج إن التأثير الكلي غير مؤكد، حيث إنه من الصعب قياس تدفق الغازات خلال فصل الشتاء في القارة القطبية الجنوبية، لكن فقدان الجليد البحري يمكن أن يفتح هذا الغطاء، ما يحول المحيط نفسه من منشأ لغازات الدفيئة المسببة للاحتباس الحراري إلى مصدر رئيسي جديد. ويضيف قائلاً: «هذا تأثير مرعب للغاية لا يمكننا تحديده على الإطلاق».

* مجلة «نيو ساينتست»

ـ خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

موجات الحر الشديدة تهدد غذاء أكثر من مليار شخص حول العالم

يوميات الشرق أشخاص يحملون مظلاتٍ احتماءً من الشمس في نيويورك (أ.ب)

موجات الحر الشديدة تهدد غذاء أكثر من مليار شخص حول العالم

أفاد تقرير جديد بأن موجات الحر الشديدة تدفع النظم الغذائية الزراعية العالمية إلى حافة الانهيار؛ مما يهدد سبل عيش وصحة أكثر من مليار شخص.

«الشرق الأوسط» (روما )
يوميات الشرق شارع جامعة الدول العربية الخميس (تصوير: عبد الفتاح فرج)

«فصول السنة» في يوم واحد... اضطرابات جوية تضرب مصر

ضربت مصر الخميس موجة قوية من الاضطرابات الجوية وعدم الاستقرار تمثلت في تصاعد كثيف للأتربة وتدهور ملحوظ بالرؤية الأفقية.

محمد السيد علي (القاهرة)
يوميات الشرق القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)

أمطار رعدية بالمنطقة في فصل الربيع... ما علاقة التغير المناخي؟

تشهد الدول العربية واحدة من أبرز التقلبات الجوية الموسمية التي يشهدها فصل الربيع بالمنطقة، إذ يتقاطع فيها تأثير المنخفضات الجوية المقبلة من حوض البحر المتوسط.

أحمد حسن بلح (القاهرة)
العالم طرق مغطاة بالطين في جنوب شرقي البرازيل بعد هطول أمطار غزيرة (د.ب.أ)

مقتل 22 شخصاً على الأقل جراء أمطار غزيرة في البرازيل

كشفت السلطات المحلية اليوم الثلاثاء أن ما لا يقل عن 22 شخصاً لقوا حتفهم بعد هطول أمطار غزيرة على ولاية ميناس جيرايس جنوب شرقي البرازيل.

«الشرق الأوسط» (برازيليا)
يوميات الشرق الشتاء في فنلندا يستمر ما بين مائة ومائتي يوم (رويترز)

حيث لا يذوب الجليد: ما أكثر دول العالم برودة؟

تشهد ولايات عدة في شمال شرقي الولايات المتحدة حالياً عاصفة ثلجية قوية، دفعت السلطات إلى إصدار تحذيرات لأكثر من 40 مليون نسمة، بسبب سوء الأحوال الجوية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

حوكمة «الذكاء الاصطناعي المسؤول» لمؤسستك... خلال 90 يوماً

حوكمة «الذكاء الاصطناعي المسؤول» لمؤسستك... خلال 90 يوماً
TT

حوكمة «الذكاء الاصطناعي المسؤول» لمؤسستك... خلال 90 يوماً

حوكمة «الذكاء الاصطناعي المسؤول» لمؤسستك... خلال 90 يوماً

أعلنت شركة أنثروبيك هذا الشهر عن تطويرها نموذج ذكاء اصطناعي فائق القدرات، الأمر الذي حال دون نشره للجمهور.

تطويرات متلاحقة

اكتشف البرنامج الجديد «كلود ميثوس» بشكل مستقل، آلاف الثغرات الأمنية الحرجة في جميع أنظمة التشغيل ومتصفحات الويب الرئيسية. لذا اختارت «أنثروبيك» توفير النموذج فقط لمجموعة محددة من شركات التكنولوجيا، لمنحها فرصة لسد الثغرات وتعزيز الدفاعات قبل أن تقع نماذج مماثلة في أيدي من يستغلونها.

ويسلط هذا التطور الضوء على المخاطر المستقبلية المحتملة التي يحملها التطور السريع لنماذج الذكاء الاصطناعي، كما كتب فيصل حقّ(*).

أهمية الذكاء الاصطناعي المسؤول

ومن المتوقع أن تنتشر هذه النماذج القوية على نطاق واسع، وسيؤدي انتشارها إلى تزايد الحاجة إلى سياسات حوكمة تستند إلى مبادئ الذكاء الاصطناعي المسؤول.

وتهدف ممارسة الذكاء الاصطناعي المسؤول إلى ضمان أن تظل أنظمة الذكاء الاصطناعي، مع ازدياد قوتها، عادلة وقابلة للتفسير وخاضعة للإشراف البشري، وفقاً لمبادئ أخلاقية وهياكل مساءلة تحمي الأفراد المتأثرين بهذه الأنظمة.

إن الذكاء الاصطناعي المسؤول ضرورة ملحة للأعمال، وليس مجرد طموح مستقبلي. فالمؤسسات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي دون أطر حوكمة معرضة بالفعل لمخاطر متزايدة على سمعتها وقانونها وتشغيلها، وتتفاقم هذه المخاطر بمرور الوقت مع توسع الأنظمة وتعمقها.

تبعات اجتماعية بتسريح العاملين

والأهم من ذلك، أن المخاطر تتجاوز الأعطال التقنية أو انتهاكات الامتثال. للذكاء الاصطناعي تبعات مجتمعية كبيرة، لا سيما في مجال التوظيف: إذ يتوقع استطلاع رأي أُجري بين المديرين الماليين فقدان نحو 500 ألف وظيفة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي في عام 2026، مما يؤكد ضرورة أن تعالج المؤسسات اضطراب القوى العاملة، وليس فقط أداء النظام. لذا، يجب أن يدمج الذكاء الاصطناعي المسؤول الاعتبارات الأخلاقية والتنظيمية والإنسانية في استراتيجية حوكمة موحدة.

إطار الذكاء الاصطناعي المسؤول

يرتكز الإطار المُقدم للذكاء الاصطناعي المسؤول على ثلاثة أركان أساسية:

1. الأسس الأخلاقية. غالباً ما تبدأ المؤسسات بسياسات استخدام الذكاء الاصطناعي - وهي قواعد تحكم الاستخدام المقبول له - لكن هذه السياسات غير كافية دون قيم أساسية واضحة المعالم.

المبادئ الأخلاقية... قبل السياسات

يجب أن تسبق المبادئ الأخلاقية السياسات، لتكون بمثابة بوصلة لاتخاذ القرارات عند ظهور سيناريوهات جديدة لا تغطيها كل تفاصيل السياسات. وتُحدد هذه المبادئ الالتزامات بالعدالة، وعدم التمييز، والإشراف البشري، والمسؤولية المجتمعية. ومن دون هذا الأساس، تُصبح السياسات عرضةً لأن تكون ردود فعلية وغير متسقة.

تحديد السلطة والمسؤولية

2. المساءلة والإشراف. يفشل الذكاء الاصطناعي المسؤول عندما تكون الملكية غير واضحة. تتطلب الحوكمة الفعّالة تحديداً واضحاً للسلطة والمسؤولية: من يُوافق على عمليات النشر، ومن يُمكنه إيقافها، ومن الذي يُحاسب أمام القيادة عند حدوث إخفاقات. يجب أن يُستكمل ذلك بضمانات تشغيلية تضمن مشاركة بشرية فعَّالة، لا سيما في القرارات المصيرية أو التي لا رجعة فيها.

إن الحوكمة ليست مجرد تركيبة هيكلية؛ بل يجب أن تُمارس عملياً بسلطة قابلة للتنفيذ.

3. التأثير البشري. تُعيد أنظمة الذكاء الاصطناعي تشكيل حياة البشر - إذ تُغير الوظائف، والفرص، وبيئات صنع القرار. ويتطلب النهج المسؤول اهتماماً أصيلاً بهذه التأثيرات، مع إعطاء الأولوية للعدالة، والكرامة، والتحسين على عملية الاستبدال. وهذا يُحوِّل (توظيف النظم الذكية) من التركيز من التحسين التقني البحت إلى التصميم الاجتماعي التقني، حيث تُعامل النتائج البشرية كاعتبارات أساسية.

خطة تنفيذية بـ90 يوماً

وإليكم خطة تنفيذية بـ90 يوماً لتحقيق هذه الأهداف، مقسَّمة إلى ثلاث مراحل: التخطيط، والبناء، والتطبيق.

التخطيط

* الأيام 1-30: التخطيط. تركز المرحلة الأولى على فهم واقع الذكاء الاصطناعي الحالي قبل محاولة التحكم فيه. غالباً ما تقلل المؤسسات من شأن مدى انتشار استخدام الذكاء الاصطناعي لديها، لا سيما من خلال عمليات توظيفه بشكل غير رسمي أو حنى «خفي».

تعداد النظم والتهيؤ لأسوأ السيناريوهات

* حصر وتعداد أنظمة الذكاء الاصطناعي: تحديد جميع تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك الأدوات غير الرسمية التي يستخدمها الموظفون. وتجرى لكل تطبيق عمليات لتوثيق وظائفه، ومصادر بياناته، والجهات المعنية، ومسؤولية إدارته. وغالباً ما سيكشف هذا التعداد والحصر عن بيئة مجزأة وغير منظمة بشكل كافٍ.

* إجراء تحليل لأسوأ السيناريوهات: باستخدام منهجية «التصور الكارثي» المنظمة، يُطلب من فرق القيادة تصور أخطر حالات الفشل المحتملة لكل نظام. صُممت هذه الطريقة للكشف عن المخاطر الخفية التي قد تغفلها التقييمات القياسية.

الفرز الفوري: في حال الكشف عن مخاطر حرجة - مثل اتخاذ الأنظمة قرارات مصيرية دون رقابة - يجب اتخاذ إجراء فوري. قد يشمل ذلك إيقاف توظيف الأدوات الذكية مؤقتاً أو إدخال مراجعة بشرية، حتى قبل وضع إطار حوكمة متكامل.

ثقافة المؤسسة والصلاحيات

* تقييم ثقافة المؤسسة: تعتمد فعالية الحوكمة على ما إذا كان الذكاء الاصطناعي المسؤول يُعامل كأولوية استراتيجية أم مجرد واحد من المتطلبات العصرية. إذا كان الأمر كذلك، فإن الإصلاحات الهيكلية وحدها ستفشل دون تغيير ثقافي أوسع.

توضيح صلاحيات اتخاذ القرار: تتطلب الحوكمة هياكل سلطة واضحة لا لبس فيها. يجب على المؤسسات تحديد من يمكنه الموافقة على مبادرات الذكاء الاصطناعي ومراجعتها وإيقافها وتوفير الموارد لها. من دون هذا الوضوح، يصبح اتخاذ القرار خاضعاً لديناميكيات السلطة غير الرسمية، ما يقوض المساءلة.

بناء النظم وتفعيلها

* الأيام 31-60: البناء. تركز المرحلة الثانية على بناء البنية التحتية اللازمة لتفعيل الذكاء الاصطناعي المسؤول.

تطوير إطار أخلاقي: يُضفي هذا الإطار طابعاً رسمياً على مبادئ المؤسسة، ويُحوّلها إلى توجيهات عملية، تشمل العدالة، والرقابة، والاستقلالية المقبولة، وتأثيرها على القوى العاملة، وتداعياتها المجتمعية. ويُشكِّل هذا الإطار الأساس لجميع قرارات الحوكمة.

* إنشاء بنية تحتية تقنية: يجب أن تدعم السياسات أنظمة قادرة على مراقبة سلوك الذكاء الاصطناعي. ويشمل ذلك تتبع المخرجات، واكتشاف التحيز وانحراف النموذج، وتوليد أدلة التدقيق. ومن دون هذه القدرات، تبقى الحوكمة نظرية.

فريق مخصص ومسؤول

* تحديد المسؤولية والهيكل: يجب أن يكون هناك فرد أو فريق مُخصَّص مسؤول عن حوكمة الذكاء الاصطناعي، يتمتع بصلاحيات كافية لإنفاذ المعايير. بالإضافة إلى ذلك، تضمن الأدوار اللامركزية داخل وحدات الأعمال تطبيق الحوكمة عملياً.

* تصميم عمليات التقييم: وضع إجراءات موحَّدة لتقييم أنظمة الذكاء الاصطناعي وفقاً لمعايير أخلاقية ومعايير المخاطر. وينبغي أن تُنتج هذه الإجراءات تصنيفات واضحة للمخاطر، مع تحديد «عتبات» تُحدد مستوى الرقابة المطلوب.

إعادة توجيه الحوافز: يتبع سلوك المؤسسة الحوافز. إذا ركزت مقاييس الأداء على السرعة والتكلفة فقط، فسيتم تجاهل الحوكمة. يجب دمج مقاييس الذكاء الاصطناعي المسؤول - مثل تخفيف المخاطر والامتثال - في تقييم القيادة.

تهيئة الكفاءات العالية

* بدء مراجعات المخاطر العالية: ابدأ بتطبيق إطار الحوكمة على الأنظمة الأكثر أهمية التي تم تحديدها سابقاً. هذا يخفف من المخاطر العاجلة ويختبر نموذج الحوكمة تحت الضغط.

* تطوير المهارات والقدرات: يتطلب الذكاء الاصطناعي المسؤول كفاءات جديدة في جميع أنحاء المؤسسة، بما في ذلك الكفاءات التقنية (كشف التحيز)، والإدارية (التعاون بين الإنسان والذكاء الاصطناعي)، والقانونية (الوعي التنظيمي). يُعد وجود برنامج تدريبي منظم أمراً ضرورياً.

تشغيل إطار الحوكمة المسؤولة

* الأيام 61-90: «تضمين» الحوكمة داخل المؤسسة. تضمن المرحلة الأخيرة أن تصبح الحوكمة قدرة تنظيمية مستدامة وليست مبادرة مؤقتة.

مواجهة الأزمات والمراجعة الدورية

* وضع استراتيجيات «الخروج» من الأزمات: يجب أن يكون لكل نظام ذكاء اصطناعي بروتوكول إيقاف تشغيل محدد مسبقاً. يضمن تصميم هذه الاستراتيجيات مسبقاً إمكانية إيقاف تشغيل الأنظمة بأمان أثناء الأزمات.

وضع إجراءات حوكمة فعَّالة: تُرسِّخ اجتماعات المراجعة الدورية الرقابة، موفِّرةً منبراً ثابتاً لرصد المخاطر ومعالجة القضايا المستجدة.

* دمج الحوكمة في سير العمل: يجب دمج الذكاء الاصطناعي المسؤول في سير العمل القياسي. تتطلب الأنظمة عالية المخاطر مراجعةً قبل توظيفها، ويجب إعادة تقييم جميع الأنظمة دورياً. ولهذا تصبح الحوكمة جزءاً لا يتجزأ من العمليات الاعتيادية بدلاً من كونها نقطة تفتيش خارجية.

* التحسين المستمر بناءً على الملاحظات: في هذه المرحلة، تمتلك المؤسسات بيانات تشغيلية حول أداء الحوكمة. ويُعدّ التحسين المستمر أمراً بالغ الأهمية، من خلال تحسين العمليات، ومعالجة المعوقات، وتعزيز التوافق الثقافي.

الخلاصة - الاستعداد لنظم ذكية متطورة

إن قدرات الذكاء الاصطناعي المتقدمة - كما يتضح من مثال «كلود ميثوس» - ليست افتراضية، بل وشيكة. السؤال المحوري ليس ما إذا كانت المؤسسات ستواجه أنظمة ذكاء اصطناعي قوية وربما محفوفة بالمخاطر، بل ما إذا كانت ستكون مستعدة عند حدوث ذلك.

والأهم من ذلك، يمكن تحقيق تقدم ملموس نحو حوكمة مسؤولة للذكاء الاصطناعي في غضون ربع سنة واحد إذا تم اتباع خط منهجي.

إجراءات فورية ومنظمة

الرسالة الأساسية واضحة: الذكاء الاصطناعي المسؤول ليس خياراً، ولا يمكن تأجيله. إنه يتطلب إجراءات فورية ومنظمة تدمج المبادئ الأخلاقية والمساءلة المؤسسية والتصميم الذي يركز على الإنسان في نظام حوكمة متماسك. والمنظمات التي لا تتخذ إجراءات لا تخاطر فقط بالإخفاقات التشغيلية، بل أيضاً بضرر مجتمعي أوسع وخسارة استراتيجية.

إن الذكاء الاصطناعي المسؤول ضرورة ملحة للأعمال، وليس مجرد طموح مستقبلي. فالمؤسسات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي دون أطر حوكمة معرضة بالفعل لمخاطر متزايدة على سمعتها وقانونها وتشغيلها، وتتفاقم هذه المخاطر بمرور الوقت مع توسُّع الأنظمة وتعمقها.

* مجلة «فاست كومباني».


الذكاء الاصطناعي في الطب

بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية
بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية
TT

الذكاء الاصطناعي في الطب

بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية
بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية

في الطب، لا تبدأ الحقيقة دائماً بما نراه... بل كثيراً بما لا يُعرض علينا أصلاً، فالأرقام، مهما بدت دقيقة، لا تحكي القصة كاملة، والخوارزميات، مهما بلغت من ذكاء، لا تُفصح عن حدودها بصراحة.

حين تعتمد أوروبا على الذكاء الاصطناعي

تقرير أوروبي

في هذا السياق، صدر تقرير حديث عن منظمة الصحة العالمية - المكتب الإقليمي لأوروبا، ونُشر رسمياً في 20 أبريل (نيسان) 2026، ليُقدّم أول صورة شاملة عن واقع استخدام الذكاء الاصطناعي في الأنظمة الصحية داخل دول الاتحاد الأوروبي. لا بوصفه وعداً تقنياً، بل محاولة لقياس ما أصبح بالفعل جزءاً من الممارسة الطبية اليومية: مَن يستخدم هذه الأنظمة؟ كيف تُدمج في القرار السريري؟ وإلى أي حد يمكن الوثوق بها؟

ما الذي نقيسه... وما الذي يغيب عنا؟

لكن ما يلفت الانتباه في هذا التقرير، ليس فقط ما كشفه من أرقام بل ما تركه خارج القياس. فبينما يشير إلى أن نحو 64 في المائة من الدول الأوروبية باتت تعتمد الذكاء الاصطناعي في مجالات التشخيص، خصوصاً في تحليل الصور الطبية، يظل السؤال الأعمق معلقاً: هل تكفي هذه المؤشرات لفهم ما يحدث فعلاً داخل غرفة القرار الطبي؟

في مقالات سابقة، كان السؤال: مَن يقرر؟ أما اليوم، فقد تغيّر السؤال: ماذا لا نرى؟

بين الانتشار والفهم... فجوة لا تُرى

لم يعد إدخال أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى المستشفيات تحدياً تقنياً يُذكر؛ فالنماذج قادرة اليوم على تحليل آلاف الصور الطبية في لحظات، واقتراح مسارات تشخيصية بدقة لافتة. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في القدرة على الاستخدام، بل في القدرة على الفهم: ماذا تفعل هذه الأنظمة حين تعمل؟ وأين تتوقف حدودها؟

تفاوت الجاهزية البشرية والتنظيمية

يكشف تقرير منظمة الصحة العالمية عن تفاوت واضح بين الدول، لا في توفر التكنولوجيا، بل في جاهزيتها البشرية والتنظيمية؛خصوصاً في مجالات الحوكمة الأخلاقية، وتأهيل الأطباء، وإدارة البيانات. لكن هذا التفاوت الظاهر يخفي وراءه فجوة أعمق، لا تُقاس بسهولة.

إنها فجوة معرفية قبل أن تكون تقنية، فالذكاء الاصطناعي لا يعمل بمنطق الشك الذي اعتاد عليه الطبيب، ولا يعلن عن مناطق ضعفه كما يفعل العقل البشري حين يتردد. إنه يولد إجابات، لكنه لا يكشف عمّا استُبعد من الحساب، ولا عمّا لم يُمثَّل في البيانات أصلاً.

هنا يظهر ما يمكن تسميته بـ«الصمت الخوارزمي»؛ ليس بوصفه خللاً في الأداء، بل خاصية بنيوية في هذه الأنظمة: فراغ غير مرئي داخل القرار؛ حيث لا يكون الخطأ في ما قِيل، بل فيما لم يُطرح أصلاً.

هل يُقاس الطب بالخوارزميات وحدها؟

في بيئة طبية تتسارع فيها الأنظمة الذكية، يسهل اختزال جودة الرعاية الصحية في مؤشرات الأداء: دقة أعلى، وقت أقل، وقرارات أسرع. غير أن هذا القياس، على أهميته، يظل عاجزاً عن التقاط جوهر القرار الطبي. فالطب لا يقوم فقط على ما يُكتشف، بل على كيفية التعامل مع ما يظل غير محسوم.

الطبيب لا يعمل داخل معادلة مغلقة، بل داخل مساحة مفتوحة من الاحتمالات؛ حيث تُعاد صياغة القرار مع كل معلومة جديدة، ومع كل شك يظهر في الطريق. وهذا ما لا تعكسه المؤشرات الرقمية، ولا تُترجمه النماذج الحسابية بسهولة.

تفاعل الطبيب

التقرير الأوروبي يقيس مدى انتشار الذكاء الاصطناعي، لكنه لا يقيس كيفية تفاعل الطبيب مع مخرجاته: متى يقبلها؟ ومتى يعيد تفسيرها؟ ومتى يختار أن يتجاوزها؟ هذه اللحظات -التي لا تُسجل في البيانات- هي التي تُشكّل جوهر الممارسة السريرية.

وهنا تتجلى المفارقة بوضوح: كلما أصبحت الأنظمة أكثر دقة في الإجابة، ازدادت الحاجة إلى عقل قادر على إعادة طرح السؤال.

من يكتب القواعد... الإنسان أم الآلة؟

يُظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن الدول الأوروبية لا تتحرك بإيقاع واحد في تنظيم الذكاء الاصطناعي الطبي؛ فبعضها صاغ استراتيجيات وطنية واضحة، في حين لا يزال بعضها الآخر في طور البحث عن إطار ينظم ما يتسارع قبل أن يُفهم بالكامل.

غير أن المسألة لا تتعلق فقط بوجود القوانين، بل بطبيعة ما نحاول تنظيمه. فالذكاء الاصطناعي لم يعد أداة ثابتة يمكن إخضاعها لقواعد جامدة، بل نظام يتعلم ويتغير، وتتشكل مخرجاته من تفاعل معقد بين البيانات والسياق وطريقة الاستخدام.

وهنا تظهر مفارقة تنظيمية عميقة: نحن نكتب قواعد لأنظمة لا تتوقف عن إعادة تشكيل نفسها. فالقانون يفترض ثبات السلوك، في حين تقوم هذه الأنظمة على التحول المستمر.

لهذا، لم تعد مساءلة الذكاء الاصطناعي مساءلة تحديد «من أخطأ»، بل فهم كيف تُشكّل القرار أصلاً، ومن أين بدأ مساره. إنها مساءلة لا تبحث فقط في النتيجة، بل في البنية التي أنتجتها، وهذا ما يجعلها أقرب إلى سؤال فلسفي منه إلى إجراء تنظيمي تقليدي.

أوروبا تتقدم... فماذا عن العالم العربي؟

ما يلفت النظر في تقرير منظمة الصحة العالمية ليس فقط ما حققته أوروبا، بل ما يكشفه ضمنياً عن موقعنا نحن في هذه الخريطة المتحركة. ففي العالم العربي، تبدو الصورة غير متجانسة، بل أقرب إلى تفاوت حاد بين دول تقود التجربة، وأخرى لا تزال في بداياتها الأولى.

المملكة تقود التحول حيث يلتقي الطب بالذكاء

في المقدمة، تبرز المملكة العربية السعودية نموذجاً يقود التحول في الذكاء الاصطناعي الطبي، ضمن رؤية استراتيجية واضحة ترتبط بـ«رؤية السعودية 2030»؛ حيث لم يعد الاستخدام مقصوراً على التجريب، بل أصبح جزءاً من البنية التشغيلية في المستشفيات، ومنصات الرعاية الافتراضية، وتحليل البيانات الصحية على نطاق واسع.

تلي السعودية كل من قطر والإمارات العربية المتحدة بخطوات متفاوتة؛ حيث تتشكل منظومات واعدة، لكنها لم تصل بعد إلى مستوى التكامل الشامل الذي نشهده في التجربة السعودية.

أما بقية العالم العربي، والتي تمثل أكثر من 70 في المائة من الدول، فتتراوح بين مراحل وضع الأسس الأولية للذكاء الاصطناعي الطبي، أو غيابه شبه الكامل عن الممارسة السريرية المنظمة. وهنا لا تكون الفجوة تقنية فحسب، بل فجوة في الرؤية والتخطيط والجاهزية البشرية.

لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في تسريع التبني فقط، بل في كيفية توجيهه. فالسؤال لم يعد: كم نظاماً نملك؟ بل: كيف نستخدمه؟ ومن يفسر نتائجه؟ وهل الطبيب العربي اليوم مُهيأ ليكون شريكاً في القرار، لا مجرد متلقٍ لمخرجاته؟

ما الذي لا يظهر في التقارير؟

ربما يكون أهم ما كشفه تقرير منظمة الصحة العالمية... هو ما لم يقله صراحة. فبين الأرقام، تختفي تفاصيل لا تُقاس: قلق طبيب شاب أمام توصية لا يفهم آليتها، أو مريض يبدأ موازنة ثقته بين الإنسان والنظام.

هذه المساحات غير المرئية ليست هامشية، بل هي التي تُشكّل جوهر القرار الطبي؛ حيث تتقاطع الدقة مع الشك، والتوصية مع المسؤولية.

الخلاصة: السؤال الذي تغيّر

في نهاية المطاف، لا يكمن السؤال فيما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيُستخدم في الطب، بل في مَن يقود القرار حين يلتقي الإنسان بالخوارزمية.

في هذا العصر، لم تعد الأخطاء تختبئ فقط في القرارات الخاطئة، بل في القرارات التي لم تُتخذ، وفيما لم يُعرض أصلاً على طاولة التفكير السريري. ولهذا، لم يعد السؤال: هل أخطأ النظام؟ بل أصبح:

ما الذي لم نره... وكان ينبغي أن يكون جزءاً من القرار؟


«ناسا» تكشف عن تلسكوب سيوفر «أطلساً جديداً للكون»

صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)
صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)
TT

«ناسا» تكشف عن تلسكوب سيوفر «أطلساً جديداً للكون»

صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)
صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)

كشفت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) عن تلسكوبها الفضائي الجديد «رومان» القادر على مسح أجزاء شاسعة من الكون بحثاً عن كواكب خارجية، وكذلك عن إجابات لأكبر الألغاز الفيزيائية المتمثلة في المادة والطاقة المظلمتين.

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مدير «ناسا» جاريد آيزاكمان قوله أمس (الثلاثاء) من مركز غودارد التابع للوكالة في ولاية ماريلاند (شرق الولايات المتحدة)، إن هذا التلسكوب من الجيل الأحدث «سيوفِّر لكوكب الأرض أطلساً جديداً للكون».

وسيُنقل التلسكوب الذي يتجاوز طوله 12 متراً والمزوَّد ألواحاً شمسية ضخمة إلى فلوريدا، تمهيداً لإرساله إلى الفضاء في أقرب وقت مطلع سبتمبر (أيلول)، بواسطة صاروخ تابع لشركة «سبيس إكس».

وأُطلقت تسمية «رومان» على هذا التلسكوب الذي فاقت تكلفته 4 مليارات دولار، تيمناً بنانسي غريس رومان، إحدى أهم عالمات الفلك الأميركيات، والملقبة بـ«أم هابل»، نسبة إلى تلسكوب «هابل» الشهير التابع لـ«ناسا».

ومن نقطة مراقبة تبعد 1.5 مليون كيلومتر عن كوكب الأرض، سيمسح «رومان» مناطق شاسعة من السماء، بفضل مجال رؤيته الواسع الذي يفوق مجال رؤية «هابل» بأكثر من مائة مرة.

وقال مهندس الأنظمة في مهمة «رومان» مارك ميلتون، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن التلسكوب الجديد سيُرسِل إلى الأرض «11 تيرابايت من البيانات يوميّاً، ما يعني أن كمَّ البيانات التي سيوفِّرها في السنة الأولى وحدها يفوق ما جمعه تلسكوب هابل طوال فترة عمله» منذ دخوله الخدمة قبل 35 عاماً.

وتوقَّعت المسؤولة عن الأنشطة العلمية في «ناسا» نيكي فوكس، أن يتيح «رومان» بفضل عدسته الواسعة الزاوية «اكتشاف عشرات الآلاف من الكواكب الجديدة»، فضلاً عن «آلاف المستعرات العظمى» أي النجوم الضخمة التي شارفت دورة حياتها نهايتها.

لكنَّ «رومان» يهدف أيضاً إلى دراسة ما هو غير مرئي، أي دراسة المادة والطاقة المظلمتين اللتين يُعتقد أنهما تمثِّلان 95 في المائة من الكون.

وبفضل الأشعة تحت الحمراء، سيتمكَّن «رومان» من رصد الضوء المنبعث من أجرام سماوية قبل مليارات السنين، والعودة بذلك إلى الماضي، لفهم هاتين الظاهرتين الغامضتين بصورة أفضل.