علماء يعثرون على مصدر آخر للذهب في الكون

النجوم المغناطيسية قد تكون سبباً في 10 % من العناصر الأثقل من الحديد بمجرتنا

وجد الباحثون أدلة تُشير إلى أن النجم المغناطيسي يُطلق عناصر ثقيلة خلال التوهجات العملاقة (ناسا)
وجد الباحثون أدلة تُشير إلى أن النجم المغناطيسي يُطلق عناصر ثقيلة خلال التوهجات العملاقة (ناسا)
TT

علماء يعثرون على مصدر آخر للذهب في الكون

وجد الباحثون أدلة تُشير إلى أن النجم المغناطيسي يُطلق عناصر ثقيلة خلال التوهجات العملاقة (ناسا)
وجد الباحثون أدلة تُشير إلى أن النجم المغناطيسي يُطلق عناصر ثقيلة خلال التوهجات العملاقة (ناسا)

يحاول علماء الفلك تحديد الأصول الكونية لأثقل العناصر، مثل الذهب، منذ عقود. والآن، يشير بحث جديد يستند إلى ملاحظات من بيانات أرشيفية لبعثات فضائية، إلى دليل محتمل: النجوم المغناطيسية أو (النجوم النيوترونية شديدة المغناطيسية)، وفق ما ذكرته شبكة «سي إن إن» الأميركية.

ويعتقد العلماء أن عناصر أخف وزناً مثل الهيدروجين والهيليوم، وحتى كمية صغيرة من الليثيوم، ربما وُجدت في وقت مبكر بعد الانفجار العظيم الذي كوّن الكون قبل 13.8 مليار سنة. ثم أطلقت النجوم المتفجرة عناصر أثقل مثل الحديد، التي اندمجت في النجوم والكواكب حديثة الولادة. لكن توزيع الذهب، وهو أثقل من الحديد، في جميع أنحاء الكون شكّل لغزاً لعلماء الفيزياء الفلكية.

ويقول أنيرود باتيل، طالب الدكتوراه في الفيزياء بجامعة كولومبيا في نيويورك والمؤلف الرئيسي للدراسة التي نُشرت، الثلاثاء، في دورية «مجلة الفيزياء الفلكية»، في بيان: «إنه (أصل الذهب) سؤال جوهري للغاية. إنه لغزٌ مُثير للاهتمام لم يُحل بعدُ».

توهجات النجوم المغناطيسية

وفي السابق، كان يُربط إنتاج الذهب الكوني بتصادمات النجوم النيوترونية فقط. ورصد علماء الفلك تصادماً بين نجمين نيوترونيين عام 2017. وأطلق هذا الاصطدام تموجات في الزمكان، تُعرف باسم موجات الجاذبية، بالإضافة إلى ضوء من انفجار أشعة غاما. كما نتج عن هذا الاصطدام، المعروف باسم «كيلونوفا»، عناصر ثقيلة مثل الذهب والبلاتين والرصاص. وقد شُبّه «كيلونوفا» بأنه «مصنع» ذهب في الفضاء. ويُعتقد أن معظم اندماجات النجوم النيوترونية حدثت خلال مليارات السنين الماضية، وفقاً لإريك بيرنز، الباحث المشارك في الدراسة والأستاذ المساعد وعالم الفيزياء الفلكية في جامعة ولاية لويزيانا.

لكن بياناتٍ قديمة، عمرها 20 عاماً، مأخوذة من تلسكوبات وكالة «ناسا» ووكالة الفضاء الأوروبية، التي لم تكن قابلةً للفهم سابقاً، تُشير إلى أن التوهجات الصادرة عن النجوم المغناطيسية التي تشكلت قبل ذلك بكثير، خلال نشأة الكون، ربما وفرت طريقةً أخرى لتكوين الذهب، كما قال بيرنز.

والنجوم النيوترونية هي بقايا أنوية النجوم المنفجرة، وهي كثيفة لدرجة أن ملعقة صغيرة من مادة النجم تزن مليار طن على الأرض. والنجوم المغناطيسية نوع شديد السطوع من النجوم النيوترونية، يتميز بمجال مغناطيسي قوي للغاية.

ولا يزال علماء الفلك يحاولون تحديد كيفية تشكل النجوم المغناطيسية بدقة، لكنهم يفترضون أن النجوم المغناطيسية الأولى ظهرت على الأرجح بعد النجوم الأولى مباشرةً خلال نحو 200 مليون سنة من بداية الكون، أو منذ نحو 13.6 مليار سنة، وفقاً لبيرنز.

الزلازل النجمية

وفي بعض الأحيان، تُطلق النجوم المغناطيسية كميات هائلة من الإشعاع بسبب «الهزات النجمية». وعلى الأرض، تحدث الزلازل لأن نواة الأرض المنصهرة تُسبب حركة في قشرة الكوكب، وعندما يتراكم الضغط الكافي، ينتج عنه حركة متقلبة، أو اهتزاز الأرض تحت قدميك. والزلازل النجمية مُشابهة، كما قال بيرنز.

وأضاف بيرنز: «للنجوم النيوترونية قشرة ونواة فائقة السيولة». وأضاف: «الحركة تحت السطح تُسبب ضغطاً عليه، مما قد يُسبب في النهاية زلزالاً نجمياً. وتُنتج هذه الزلازل في النجوم المغناطيسية دفعات قصيرة جداً من الأشعة السينية. وهناك فترات يكون فيها النجم نشطاً بشكل خاص، مُنتجاً مئات أو آلاف التوهجات في غضون أسابيع قليلة».

ووجد الباحثون أدلة تُشير إلى أن النجم المغناطيسي يُطلق مواداً خلال التوهجات العملاقة. ومن المُرجح أن التوهجات تُسخن وتقذف مادة القشرة بسرعات عالية، وفقاً لبحث حديث أجراه العديد من المشاركين في الدراسة. وقال باتيل: «لقد افترضوا أن الظروف الفيزيائية لهذا القذف الكتلي المتفجر كانت واعدة لإنتاج العناصر الثقيلة (مثل الذهب)».

ويعتقد الباحثون أن التوهجات المغناطيسية العملاقة قد تكون مسؤولة عما يصل إلى 10 في المائة من العناصر الأثقل من الحديد في مجرة ​​درب التبانة.


مقالات ذات صلة

كيف تبني «ناسا» قاعدة على القمر؟

علوم صورة تخيلية لقاعدة على سطح القمر

كيف تبني «ناسا» قاعدة على القمر؟

قد يفصل البشرية سنوات معدودة فقط، عن رؤية رواد الفضاء لا يهبطون على القمر فحسب، وإنما يُقيمون فيه ويعملون على سطحه. رؤية طموحة تمتلك وكالة «ناسا» رؤية طموحة…

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق المريخ ليس أبعد ما سنصل إليه... الإنسان أبعد (ناسا)

مستعدّون للعيش كأنكم على المريخ؟ «ناسا» تبحث عن متطوّعين

تبحث وكالة «ناسا» عن 4 متطوّعين لخوض مهمّة تستمر عاماً كاملاً، تُحاكي التحدّيات التي قد يواجهها روّاد الفضاء في الرحلات المستقبلية إلى المريخ والقمر...

«الشرق الأوسط» (تكساس)
يوميات الشرق على القمر... لا تحترق النار بالطريقة التي نعرفها (ناسا)

للمرة الأولى... إشعال النار على القمر

تعتزم وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) إشعال النار على سطح القمر، في تجربة علمية غير مسبوقة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم المركبة «بيرسيفيرانس» عند «فوهة جيزيرو» (رويترز)

كربون «فوهة جيزيرو»... هل وجدت «ناسا» علامات حياة على سطح المريخ؟

يكوّن العلماء فكرة أعمق عن طبيعة بعض الكربون العضوي، الذي تم اكتشافه على سطح المريخ، بمساعدة مركبة الفضاء «بيرسيفيرانس».

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم وكالة «ناسا» تُظهر النجم الشبيه بالشمس وكوكبين عملاقين يدوران حوله (د.ب.أ)

اكتشاف أقدم «أشباه نجوم» يزيد على العلماء معضلات فهم الكون

رصد التلسكوب الفضائي «إقليدس» أقدم «أشباه النجوم» أو «النجوم الزائفة»، وهي الأجرام الأشدُّ سطوعاً في الكون، مما أضاف بُعداً جديداً في محاولة فهم هذا اللغز.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«الهُيام» ليس حباً... بل نوع من الانجذاب الهوسي

الهيام دافع قهري قد يستمر شهوراً وسنوات (بيكسلز)
الهيام دافع قهري قد يستمر شهوراً وسنوات (بيكسلز)
TT

«الهُيام» ليس حباً... بل نوع من الانجذاب الهوسي

الهيام دافع قهري قد يستمر شهوراً وسنوات (بيكسلز)
الهيام دافع قهري قد يستمر شهوراً وسنوات (بيكسلز)

على مدى 8 سنوات، شعرت جوردان وكأنها واقعة تحت تأثير سحر قوي. كانت تربطها علاقة عابرة بزميل لها في العمل، ولكن رغم عدم معرفتها به جيداً، كانت منجذبة إليه بشدة، ومتيقنة أنه «توأم روحها». وقالت جوردان، البالغة من العمر 35 عاماً التي طلبت عدم ذكر اسمها كاملاً حفاظاً على خصوصيتها: «كنت أفكر فيه كل يوم، طوال الوقت». كانت تفكر فيه مع كل كلمة أغنية. كانت تختلق الأعذار للتواصل معه. كانت تتخيل خيالات مفصلة ينتهي بهما المطاف فيها معاً، كما كتبت ميليندا وينر موير*.

50 % من الناس يمرون به مرة واحدة على الأقل

الهيام هوَس رومانسي

كانت تجربة جوردان شديدة، ولكنها ليست نادرة. وعلى الرغم من قلة البحوث في هذا المجال، فإن توم بيلامي، عالم الأعصاب في جامعة نوتنغهام بإنجلترا، قدَّر أن ما يصل إلى 50 في المائة من الناس يمرون بهذا النوع من الهوس الرومانسي مرة واحدة على الأقل في حياتهم. ويُطلق عليه اسم «الوله» أو «الهيام».

ما هو الهيام؟

الهيام حالة نفسية تتميز بشوق عميق لشخص ما، وأفكار وسواسية ومتطفلة، وسلوكيات قهرية، ورغبة شديدة في التبادل العاطفي، كما أوضحت أورلي ميلر، وهي اختصاصية نفسية مرخصة في نيو ساوث ويلز، بأستراليا. وقد صاغت هذا المصطلح عالمة النفس دوروثي تينوف في سبعينيات القرن الماضي، ولكنَّه غير مُدرج في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية، وهو المرجع التشخيصي المُستخدم في البحوث والتدريب الطبي والرعاية السريرية.

وبينما يكون الإعجاب العابر عادة عابراً، قد يستمر الهيام أشهراً أو سنوات أو حتى عقوداً، كما أوضحت ميلر. وهو أيضاً أكثر حدة. ويتحول الإعجاب أو الانجذاب إلى هيام عندما يبدأ في التأثير سلباً على قدرة الشخص على أداء وظائفه، كأن يمنعه من العمل أو النوم أو الأكل، على سبيل المثال.

الهيام تجربة نفسية ذاتية مبنية على الخيال والغموض إذ يصبح الشخص الآخر «رمزاً»

الهيام ليس هو الحب

الهيام ليس هو الحب. وتقول ميلر إنه على الرغم من أن كليهما يشتمل على مشاعر قوية، فإن الهيام تجربة نفسية مركزة على الذات، مبنية على الخيال والغموض؛ إذ يصبح الشخص الآخر «رمزاً: (أنت مصدر سعادتي، أنت مصدر اكتمالي)»، كما قال ألبرت واكين، أستاذ علم النفس المتقاعد في جامعة «القلب المقدس» في كونيتيكت.

لا يشترط أن يكون الهيام رومانسياً أو جنسياً، كما أوضحت لين مارشال، عالمة النفس التي تدرس الهيام في جامعة تشيتشستر في إنجلترا. واليك مثال ليلي (46 عاماً) وهي اختصاصية اجتماعية سريرية في ماساتشوستس، التي قالت إنها شعرت أخيراً بمشاعر قوية تجاه صديق. وعندما لم يرُد عليها هذا الصديق برسائل نصية ولا ببريد إلكتروني، انتابها اليأس. وقالت: «كان الأمر مؤلماً للغاية. كنت استيقظ صباحاً وأبدأ في التفكير فيه، وأخلد إلى النوم ليلاً وأظل أفكر فيه». وطلبَت أيضاً عدم ذكر اسم عائلتها حفاظاً على خصوصيتها.

دافع قهري

يشتمل الهيام على دافع قهري للبحث عن علامات تدل على اهتمام الشخص الآخر. وقالت ميلر: «قد يُستخدم شيء عابر (نظرة خاطفة، رسالة نصية، تفاعل على وسائل التواصل الاجتماعي) لخلق قصص وروايات مُفصَّلة حول ما إذا كان ذلك الشيء العابر يعني الرفض أم التبادل».

التعلق بالأمل

في حالة الهيام، يأمل الشخص أن تكون للطرف الآخر مشاعر، ولكنه يشكُّ في ذلك أيضاً. تقول آبي ميدكال، عالمة النفس المقيمة في كاليفورنيا: «الغموض هو الوقود الذي يُبقي الأمر مستمراً». وفقاً لبيلامي، يُشبه الهيام الإدمان. فعندما يشعر الشخص بالتبادل، يُسجِّله الدماغ كمكافأة. وإذا جاءت هذه المكافآت بشكل غير متوقع، فقد يُزيد ذلك من الرغبة في الاستمرار في البحث عنها.

وتساءل العلماء عما إذا كان بعض الأشخاص أكثر عرضة لتجربة الهيام من غيرهم. وتشير إحدى الدراسات إلى أن البالغين الذين يعانون من اضطراب التعلق القلق -والذين لديهم خوف من الهَجر، وغالباً ما عانوا من رعاية غير موثوقة عاطفياً في طفولتهم- هم أكثر عرضة من غيرهم.

والأشخاص الذين يعانون من الهيام العاطفي غالباً ما يكونون قلقين، وقد يُظهرون سلوكيات قهرية ووسواسية، ولكن هذا لا يعني بالضرورة إصابتهم باضطراب القلق العام أو اضطراب الوسواس القهري.

كسر السحر

على الرغم من أن الهيام العاطفي عادة ما يُسبب التعاسة، فإنه لا يمكن التخلص منه بمجرد التمني، كما قالت ميلر. ومع ذلك، أشار بيلامي إلى أنه قد يكون من المفيد ملاحظة وتصنيف السلوكيات القهرية عند ظهورها، كأن تفكر: «أريد مراسلة هذا الشخص، وهذه رغبة جامحة». كما اقترح التركيز على عيوب الشخص الآخر، أو تخيل ما سيحدث لو اكتشف الآخرون هذا الإعجاب.

وأوضح أن أنجع طريقة هي قطع التواصل مع الشخص الآخر، فحينها ستتوقف تلك الرغبات المتقطعة. ولكنه أضاف أن هذا ليس ممكناً دائماً، وبالتأكيد ليس سهلاً.

التعاون مع معالج نفسي

وأشارت ميلر إلى أن العمل مع معالج نفسي مُلمٍّ بمفهوم التعلق العاطفي الشديد قد يكون مفيداً. وقد تُساعد استراتيجيات العلاج السلوكي المعرفي. وأوضحت أن الناس غالباً ما يشعرون بالتعلق العاطفي الشديد تجاه الآخرين الذين يمتلكون صفات يتوقون إليها أو فقدوها في أنفسهم. وفي جلسات العلاج، يمكنهم تعلم كيفية تحديد هذه الرغبات وتلبيتها، وتحويل التعلق العاطفي الشديد إلى مصدر للشفاء. وأضافت ميلر: «يمكن أن يكون ذلك وسيلة للتحول والتطوير الشخصي».

* خدمة «نيويورك تايمز»


كيف نجح العلماء في خلق خلية من العَدَمْ؟

شكل تصويري للخلية الحية للإنسان المكونة من نواة تحيط بها السيتوبلازما داخل غشاء محيط بها
شكل تصويري للخلية الحية للإنسان المكونة من نواة تحيط بها السيتوبلازما داخل غشاء محيط بها
TT

كيف نجح العلماء في خلق خلية من العَدَمْ؟

شكل تصويري للخلية الحية للإنسان المكونة من نواة تحيط بها السيتوبلازما داخل غشاء محيط بها
شكل تصويري للخلية الحية للإنسان المكونة من نواة تحيط بها السيتوبلازما داخل غشاء محيط بها

لطالما حلم العلماء باكتشاف سرّ تحويل المواد الكيميائية إلى حياة. وهذا الشهر أعلن فريق من جامعة مينيسوتا عن تحقيق خطوة كبيرة نحو تحقيق هذا الحلم، كما كتب كارل زيمر، وماركو هيرنانديز.

تصنيع خلايا بسيطة

بمزج عشرات المكونات تمكن الباحثون من تصنيع خلايا بسيطة تتغذى، وتنمو، وتتكاثر، وتتنافس فيما بينها على الغذاء. ورغم أن هذه الخلايا ليست حية تماماً، فإنّها تحمل معظم سمات الحياة.

وقالت كيت أدامالا، عالمة الأحياء التركيبية في الجامعة، التي قادت البحث: «الحياة ليست ثنائية... لهذا السبب أتردد في وصفها بأنها (حية). إذ لا يوجد خط فاصل واضح، مهما تمنينا ذلك».

حتى الآن لم يتقن العلماء وصفة خلية قادرة على أداء هذا الكمّ الهائل من الوظائف، كما صرّح جون غلاس، عالم الأحياء التركيبية في معهد جيه كريغ فينتر في سان دييغو، والذي لم يشارك في الدراسة. وأضاف: «من المذهل أنها استطاعت الجمع بين كل هذه العناصر». وقالت روزانا ضياء، عالمة الأحياء الحاسوبية بجامعة ميسوري، والتي لم تشارك في المشروع: «سنتذكر هذه اللحظة».

خلية تشابه البطاطا

ومن جهته قال درو إندي، عالم الأحياء التركيبية في جامعة ستانفورد: «إنها خلية مُصنّعة، وليست وليدة. إنها مُركّبة، لكنها تؤدي وظائف الخلايا». وأطلقت أدامالا على ابتكارها اسم «سباد سيل» (SpudCell)، نسبةً إلى شكلها الشبيه بالبطاطا. وبدلاً من تسجيل براءة اختراع لها، تعمل هي وإندي على تنظيم مجتمع من العلماء للتركيز على جعل «سباد سيل» أكثر حيوية، وتكييفها مع أنواع جديدة من التجارب. وقد أسسا مع زملائهما منظمة بحثية غير ربحية يُقدّر إندي أنها ستنفق مئات الملايين من الدولارات على هذا الجهد خلال العقد القادم. ومن المتوقع انضمام مئات العلماء إليها.

ونشرت أدامالا وزملاؤها تقريراً مفصلاً من 190 صفحة عن عملهم على الإنترنت. ويخضع البحث حالياً للمراجعة تمهيداً لنشره في إحدى المجلات العلمية.

هندسة الخلايا اصطناعياً لأهداف البحث العلمي

يأمل العلماء أن تُتيح لهم الخلايا الاصطناعية معرفة جوانب من الحياة لا تستطيع الخلايا الطبيعية كشفها، بما في ذلك أسئلة أساسية مثل عدد الجينات اللازمة لأبسط أشكال الحياة.

وقد تُهندَس الخلايا اصطناعياً يوماً ما للقيام بأمور لا تستطيع الخلايا الطبيعية القيام بها، مثل إنتاج أنواع جديدة من الأدوية، أو استخلاص كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي. ونظرياً، قد تُنتج خلايا «سباد» المُهندسة مجموعة واسعة من البروتينات التي لا تستطيع الخلايا الطبيعية إنتاجها، أو حتى مواد كيميائية سامة، مثل وقود الصواريخ. وقال غلاس: «الآن يُمكننا التفكير في إجراء تجارب كيميائية لا نزال نعجز عن فهمها».

سبر لغز الحياة

يكمن لغز الحياة كما نعرفها في تعقيدها الغامض، والمتشابك. إذ يحتوي حمضنا النووي على عشرات الآلاف من الجينات، بالإضافة إلى ملايين المفاتيح الجزيئية التي تُفعّل هذه الجينات، وتُعطّلها. ولا يزال العلماء يجهلون وظائف العديد من هذه الأجزاء من الحمض النووي. وكثيراً ما يتبين أن الجين الذي يعتقدون أنهم يفهمونه يؤدي وظائف أخرى غير متوقعة.

ومنذ تسعينات القرن الماضي انكبّت عدة مختبرات على البحث في أجزاء صغيرة من هذه المشكلة. وقد أتقن بعضها طرقاً لصنع فقاعات مجوفة من جزيئات زيتية. بينما وجد البعض الآخر طرقاً لتغليف جزيئات جينية بسيطة داخل هذه الفقاعات.

لكن العلماء واجهوا صعوبة في تجميع هذه الأجزاء في أنظمة أكثر تعقيداً، فضلاً عن تكوين ما يُمكن تسميته خلية.

في السنوات الأخيرة، تصدّت أدامالا لأحد التحديات الأساسية: انقسام الخلية. تنقسم الخلية الطبيعية بمساعدة بروتينات تتشابك معاً لتُشكّل حلقة مُثبّتة على جدارها الداخلي. ثم تلتفّ الحلقة حول نفسها بإحكام، فتقسم الخلية إلى قسمين. وتعمل بروتينات أخرى كرافعات، وتنقل الحمض النووي وجزيئات أخرى إلى الخلايا المُتشكّلة، لتوفير المكونات اللازمة لاستمرار الحياة.

من المحاكاة إلى التصنيع

في البداية، حاولت أدامالا بناء نسخة أبسط من النظام الطبيعي. لكنها قررت لاحقاً عدم محاكاة الخلايا الحقيقية على الإطلاق.

كان علماء الفيزياء الحيوية قد اكتشفوا أنه عند تثبيت البروتينات على غشاء، فإنه يتولد ضغطٌ يُسبب انحناء الغشاء. لذا ابتكرت أدامالا وفريقها فقاعات قادرة على التقاط البروتينات العائمة حولها. عندما تجمع الفقاعة كمية كافية من البروتينات، يبدأ سطحها بالانحناء إلى الداخل حتى تنفجر إلى نصفين.

وعلى الرغم من بساطة الفكرة، فإن تطبيقها عملياً في المختبر استغرق عاماً من التجارب. قالت أدامالا: «لكن بمجرد أن تنجح، فإنها تؤدي العمل».

*احتوت «الوصفة» على نحو مائة نوع من البروتينات والجزيئات البسيطة اللازمة للتفاعلات الكيميائية الحيوية*

بناء خلية اصطناعية كاملة

شجع هذا النجاح الفريق على محاولة بناء خلية اصطناعية كاملة. وكانت الخطوة الأولى هي تحضير «مرق»، أي مزيج من الجزيئات الضرورية لعمل الخلية. احتوت الوصفة في النهاية على نحو مائة نوع من البروتينات والجزيئات البسيطة اللازمة للتفاعلات الكيميائية الحيوية، مثل إنتاج بروتينات جديدة من الجينات.

كما زوّد الباحثون خليتهم الاصطناعية بجينات مُستعارة من فيروس وبكتيريا الإشريكية القولونية المنتشرة. واختاروا 36 جيناً للوظائف الأساسية، مثل نسخ الحمض النووي. وبعد مزج هذه المكونات معاً أضاف العلماء المكونات الأساسية للأغشية. واندمجت هذه المكونات تلقائياً لتُشكّل فقاعات، كل منها يبتلع جزءاً من المزيج.

انتهى المطاف بالعديد من هذه الفقاعات بتغليف المزيج المناسب من الجينات، والبروتينات، والجزيئات الأخرى، وبدأت في إجراء التفاعلات الكيميائية التي تحدث في الخلايا الحقيقية. وبينما كانت الخلايا الجديدة تطفو في القوارير، أضافت أدامالا وزملاؤها الغذاء. وامتصت الخلايا الجزيئات الصغيرة عبر قنوات على أسطحها.

كما وضع العلماء فقاعات صغيرة مُحمّلة بالبروتينات، وجزيئات أخرى كبيرة الحجم بحيث لا يمكنها المرور عبر القنوات. وعن طريق الاصطدام والاندماج بإحدى هذه الفقاعات تتغذى الخلية على ما بداخلها من مواد غذائية.

ومع تغذية الخلايا، فإنها بدأت تنمو. وفي غضون ساعات قليلة تصبح كبيرة بما يكفي للانقسام. ثم أضاف العلماء بروتيناً خاصاً إلى القوارير، والذي يلتصق بسطح الخلايا، ويجبرها على الانحناء إلى الداخل. وبمجرد انقسام الخلايا إلى خليتين تستمر الخليتان الجديدتان في النمو.

تنمية أجيال من الخلايا الاصطناعية

وهكذا نمت خلايا «سباد سيل»، وتغذت، وتكاثرت. واتضح أن هذه الخلايا تمتلك قدرة بدائية على التطور. وابتكرت أدامالا وزملاؤها نسخة متحولة تلتصق بقوة أكبر بالفقاعات المليئة بالمواد الغذائية التي تطفو حولها. ولاختبارها قاموا بتحضير مزيج بنسبة 50-50 من خلايا «سباد سيل» الأصلية والمتحولة.

تنافست الخلايا على الغذاء لخمسة أجيال. وفي النهاية، فاق عدد الخلايا المتحولة عدد الخلايا الأصلية، ما يشير إلى تفوقها عليها في المنافسة على الغذاء.

وعلقت روزانا ضياء: «هذا هو الإنجاز الذي سيُحدث ثورة في هذا المجال». إذ سيتمكن العلماء من وضع خلايا اصطناعية مختلفة في منافسة فيما بينها، وتطوير خلايا أكثر تطوراً بسرعة.

قصور أساسي في الخلية الاصطناعية

على الرغم من كل هذه الأدلة على وجود حياة، لا تزال خلية «سباد سيل» تعاني من بعض أوجه القصور الرئيسة. فهي، على سبيل المثال، لا تستطيع إنتاج المصنع الجزيئي المسؤول عن إنتاج البروتينات الجديدة، والذي يُسمى الريبوسوم ribosome. تستطيع الخلايا حمل جميع الجينات اللازمة لبناء الريبوسومات، ولكن لسبب ما لا تتحد الأجزاء معاً. (الريبوسوم هو جسيم بروتيني نووي موجود في جميع الخلايا، سواء كانت بدائية أو متقدمة. وهو مسؤول عن تخليق البروتينات-الويكيبيديا الإنجليزية).

تحذيرات من تطويرات لا أخلاقية لتوظيفها... كسلاح

في الوقت الحالي لا تستطيع الخلية الاصطناعية البقاء إلا لبضعة أجيال فقط بفضل نظام غذائي مختبري خاص. لكن قد تكون الإصدارات المستقبلية أكثر قوة، ما يزيد من احتمالية استخدام خلايا «سباد سيل» بطريقة غير أخلاقية في يوم من الأيام، وربما حتى لصنع سلاح.

يرى إندي أن مجتمع البحث مفتوح المصدر سيكون أكثر استعداداً لمنع حدوث ذلك. وقال: «يمكننا إجراء هذه النقاشات الآن، بدلاً من انتظار الآخرين للقيام بذلك، ثم نكتفي جميعاً برد الفعل».

يشبّه إندي شركة «سباد سيل» بنسخة بيولوجية من طائرة رايت فلاير، الطائرة البدائية التي استخدمها الأخوان رايت في أول رحلة طيران مستدامة ومتحكم بها عام 1903، مُدشّنين بذلك عصر الطائرات. ويقول إندي: «إن تحليق طائرة رايت فلاير لمدة 12 ثانية لا يُؤهّلك لامتلاك طائرة بوينغ 737. هذه مجرد البداية».

* خدمة «نيويورك تايمز»


بعد الذكاء الاصطناعي… هل يبدأ عصر «الذكاء الكمّي»؟

من قلب القمة العالمية «الذكاء الاصطناعي من أجل الخير»
من قلب القمة العالمية «الذكاء الاصطناعي من أجل الخير»
TT

بعد الذكاء الاصطناعي… هل يبدأ عصر «الذكاء الكمّي»؟

من قلب القمة العالمية «الذكاء الاصطناعي من أجل الخير»
من قلب القمة العالمية «الذكاء الاصطناعي من أجل الخير»

قبل سنوات قليلة كان الذكاء الاصطناعي يتصدر المؤتمرات العلمية بوصفه التقنية التي ستغيّر مستقبل الطب، والصناعة، والاقتصاد. أما اليوم، فقد بدأت الحوسبة الكمية تفرض نفسها بوصفها المرحلة التالية في الثورة الرقمية.

القمة العالمية «الذكاء الاصطناعي من أجل الخير»

وخلال تغطية «الشرق الأوسط» لأعمال القمة العالمية «الذكاء الاصطناعي من أجل الخير _AI for Good»، التي نظمها الاتحاد الدولي للاتصالات في جنيف خلال الفترة من 8 إلى 11 يوليو (تموز) 2026، برزت الحوسبة الكمية بوصفها أحد أبرز محاور النقاش، ولم تعد مجرد فكرة مستقبلية، بل أصبحت تقنية يُنظر إليها باعتبارها مرحلة جديدة في مسيرة الابتكار العلمي.

وجاء ذلك بالتزامن مع دراسة حديثة أظهرت أن الحوسبة الكمية بدأت تقترب من معالجة مشكلات علمية معقدة، وفي مقدمتها محاكاة الجزيئات الحيوية التي تمثل أساساً لتطوير أدوية وعلاجات جديدة. وهكذا لم يعد السؤال المطروح: ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن ينجز؟ بل: ماذا سيحدث عندما يعمل جنباً إلى جنب مع الحوسبة الكمية؟ وربما تكون الإجابة بداية فصل جديد في الطب والعلوم خلال السنوات المقبلة.

الحوسبة الكمية تقترب من الطب

إنجاز يقرّب الحوسبة الكمية من الطب

وقاد الدراسة، التي نُشرت في 5 مايو (أيار) 2026 على منصة «أرخايف» (arXiv)، البروفسور كينيث ميرز من كليفلاند كلينك، وبالتعاون مع باحثين من «آي بي إم كوانتوم»، ومعهد «ريكين» الياباني. وتمكن الفريق من محاكاة مركبين معقّدين بروتينيين يضمان أكثر من 12 ألف ذرة باستخدام منظومة هجينة تجمع بين الحوسبة الكمية والحواسيب العملاقة التقليدية. ويُعد هذا الإنجاز أكبر محاكاة جزيئية ذات أهمية بيولوجية تُنجز بهذه التقنية حتى الآن، إذ وسّع حجم الأنظمة التي يمكن دراستها بأكثر من أربعين ضعفاً، مع تحقيق مستوى أعلى من الدقة مقارنة بالأساليب السابقة.

ورغم أن الحوسبة الكمية لم تبلغ بعد مرحلة التفوق الكامل على الحواسيب التقليدية في التطبيقات الطبية، فإن هذه النتائج تمثل خطوة مهمة نحو تسريع اكتشاف الأدوية، وفهم التفاعلات الجزيئية المعقدة، مما يقرّب هذه التقنية من التطبيقات الطبية العملية خلال السنوات المقبلة.

من «البت» إلى «الكيوبت»

لماذا تختلف الحوسبة الكمية؟

يكمن الفرق الجوهري بين الحوسبة التقليدية والحوسبة الكمية في طريقة معالجة المعلومات. فالحواسيب التقليدية تعتمد على وحدات رقمية تسمى «البتات» (Bits)، لا تحمل سوى قيمة واحدة في كل لحظة، بينما يعتمد الحاسوب الكمي على «الكيوبت» (Qubit)، القادر –وفق مبادئ ميكانيكا الكم– على تمثيل حالات متعددة في الوقت نفسه، ما يمنحه قدرة استثنائية على معالجة المسائل المعقدة.

ولهذا تُعد الحوسبة الكمية واعدة في مجالات مثل محاكاة الجزيئات الحيوية، وتصميم الأدوية، وتطوير المواد المتقدمة. ويرى باحثون أنها لن تحل محل الذكاء الاصطناعي، بل ستكمله، إذ يوفر الأول قوة حسابية هائلة، بينما يقدم الثاني أدوات التحليل، واتخاذ القرار.

من المختبر إلى سرير المريض

قد يكون القطاع الصحي من أكثر المجالات استفادة من الحوسبة الكمية خلال السنوات المقبلة. فبدلاً من استغراق سنوات في دراسة تفاعل دواء مع بروتين أو جزيء داخل الجسم، قد تتيح هذه التقنية محاكاة تلك التفاعلات بدقة، وسرعة أكبر، ما يختصر مراحل تطوير الأدوية، ويخفض تكلفة الأبحاث.

ولا يقتصر أثرها على اكتشاف العقاقير الجديدة، بل يمتد إلى تصميم بروتينات علاجية، وتعزيز الطب الدقيق، وتحليل البيانات الجينومية، وتسريع تطوير علاجات للأورام، والأمراض النادرة. وإذا أثبتت هذه التطبيقات نجاحها، فقد تنتقل الحوسبة الكمية من المختبر إلى الممارسة الطبية، لتسهم في تحسين جودة الرعاية الصحية، ونتائج علاج المرضى.

سباق عالمي يتجاوز الذكاء الاصطناعي

كشفت جلسات القمة العالمية في جنيف أن سباق التكنولوجيا لم يعد يقتصر على تطوير نماذج ذكاء اصطناعي أكثر قوة، بل امتد إلى بناء قدرات الحوسبة الكمية التي يُنظر إليها بوصفها إحدى الركائز الاستراتيجية للعلوم والاقتصاد خلال العقود المقبلة. ولهذا تتسابق الولايات المتحدة والصين وأوروبا واليابان إلى استثمار مليارات الدولارات في تطوير هذه التقنية، وإعداد الكفاءات القادرة على قيادتها.

ولم يكن اختيار عنوان «الذكاء الكمي من أجل الخير» (Quantum for Good) مجرد شعار، بل عكس توجهاً متنامياً نحو توظيف هذه القدرات في خدمة الإنسان، من تطوير الطب إلى مواجهة التحديات البيئية، مع التأكيد على أهمية الأطر الأخلاقية والعدالة في إتاحة التكنولوجيا.

السعودية تستثمر في المستقبل الكمي

هل العالم العربي مستعد؟

وكما سارعت دول العالم خلال السنوات الماضية إلى إطلاق استراتيجيات وطنية للذكاء الاصطناعي، يبدو أن الوقت قد حان للاستعداد للمرحلة التالية، حيث تصبح الحوسبة الكمية جزءاً من منظومة البحث والابتكار.

وقد حققت المملكة العربية السعودية تقدماً لافتاً في الذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، كما قطعت خطوات مهمة في الحوسبة الكمية، من خلال مبادرات بحثية تقودها جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (KAUST). لكن المرحلة المقبلة ستتطلب توسيع الاستثمار في الفيزياء الكمية، وعلوم الحاسب، والرياضيات المتقدمة، وإعداد جيل من الباحثين القادرين على دمج هذه التخصصات.

والرسالة التي خرجت بها من جنيف كانت واضحة: الدول التي تستثمر اليوم في العلوم الكمية لن تكون أكثر استعداداً للمستقبل فحسب، بل ستكون أكثر قدرة على صناعته.

الثورة القادمة

ومع اختتام أعمال القمة في جنيف، بدا واضحاً أن السؤال لم يعد ما إذا كانت الحوسبة الكمية ستغيّر العالم، بل متى يبدأ أثرها الحقيقي في الطب، والعلوم، وحياة الإنسان.

فكما أعاد الذكاء الاصطناعي تشكيل قدرتنا على تحليل المعلومات، قد توسّع الحوسبة الكمية حدود ما نستطيع فهمه ومحاكاته داخل عالم الجزيئات، والخلايا. وربما لا تكون الثورة المقبلة مجرد جيل جديد من الحواسيب، بل مرحلة علمية تعيد تعريف اكتشاف الأدوية، وتشخيص الأمراض، وتفتح آفاقاً جديدة لمستقبل الطب.