الشرق الأوسط وآسيا- أكثر الوفيات بأمراض القلب الناجمة عن البلاستيك

مكوناته الضارة تتسرب عبر الطعام أو الجلد أو عند استنشاقها

الشرق الأوسط وآسيا- أكثر الوفيات بأمراض القلب الناجمة عن البلاستيك
TT

الشرق الأوسط وآسيا- أكثر الوفيات بأمراض القلب الناجمة عن البلاستيك

الشرق الأوسط وآسيا- أكثر الوفيات بأمراض القلب الناجمة عن البلاستيك

تصدّر هذا الخبر عناوين الصحف هذا الأسبوع: أظهرت الأبحاث أن المواد الكيميائية الشائعة في البلاستيك ارتبطت بـ350 ألف حالة وفاة بأمراض القلب حول العالم عام 2018، كما كتبت نينا أغراوال(*).

وجاءت هذه الإحصائية من دراسة نُشرت يوم الاثنين الماضي في مجلة eBioMedicine. وقدّر الباحثون، وهم مجموعة من الخبراء في كلية غروسمان للطب بجامعة نيويورك، أن نحو 13 في المائة من وفيات القلب والأوعية الدموية لدى الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 55 و64 عاماً حول العالم في ذلك العام، يُمكن أن تُعزى إلى الفثالات phthalates، المستخدمة في تغليف الأطعمة والشامبو ولعب الأطفال وغيرها.

تقديرات وافتراضات علمية

لا تزال الأبحاث حول تأثير الفثالات على أمراض القلب والأوعية الدموية قيد التطوير، لكن ارتباطها بعوامل الخطر الأيضية مثل السمنة يُشير إلى أنها قد تلعب دوراً في أمراض القلب.

وبينما يتفق الخبراء على أن الفثالات ضارة، فإنهم حذّروا من أن الدراسة اعتمدت على نمذجة إحصائية معقدة وسلسلة من الافتراضات والتقديرات التي تُصعّب تحديد عدد الوفيات التي قد ترتبط بهذه المواد الكيميائية.

وصرح الدكتور مارك هوفمان، طبيب أمراض القلب والمدير المشارك لمركز الصحة العالمية في كلية واشنطن للطب في سانت لويس: «هذه خطوة مبكرة في محاولة فهم حجم المشكلة». لكنه أضاف أن هناك حاجة إلى المزيد من الدراسات لفهم العلاقة بين الفثالات وصحة القلب، والعوامل الأخرى التي قد تؤثر.

دور الفثالات

توجد الفثالات في منتجات العناية الشخصية مثل الشامبو والمنتجات السائلة، وكذلك في عبوات حفظ الطعام. ومن الممكن أن تتسرب عن طريق الطعام، أو عند امتصاصها عبر الجلد من المنتجات التي تحتوي عليها، أو استنشاقها على شكل غبار.

أضرار صحية ملموسة

أظهرت الدراسات أن الفثالات تُسبب اضطرابات في الغدد الصماء، أي أنها قد تتداخل مع هرموناتنا. وقد ارتبطت هذه المواد بآثار سلبية على الصحة الإنجابية، ومشكلات الحمل والولادة.

وأظهرت بعض الدراسات وجود علاقة بين الفثالات وأمراض القلب والأوعية الدموية، ولكن لا توجد أدلة قوية على أن هذه المواد الكيميائية تسبب مشكلات قلبية مباشرة، وفقاً لسونغ كيون بارك، أستاذ علم الأوبئة والعلوم البيئية في كلية الصحة العامة بجامعة ميشيغان.

وهناك أدلة على أن الفثالات تزيد من خطر الإصابة باضطرابات التمثيل الغذائي مثل السمنة وداء السكري من النوع الثاني، التي يمكن أن تسبب أمراض القلب والأوعية الدموية.

تلف الخلايا وتقوية الالتهابات

إحدى الطرق التي قد تؤدي بها الفثالات إلى ذلك هي زيادة الإجهاد التأكسدي - تلف الخلايا والأنسجة الذي يحدث عند وجود الكثير من الجزيئات غير المستقرة في الجسم - وتقوية الالتهابات، وفقاً للدكتور ليوناردو تراساندي، المؤلف الرئيسي للورقة البحثية الجديدة وأستاذ طب الأطفال وصحة السكان في جامعة نيويورك.

طريقة البحث

في أحدث دراسة، حاول الباحثون تحديد عدد الوفيات العالمية بأمراض القلب والأوعية الدموية المنسوبة تحديداً إلى نوع واحد من الفثالات، المعروف باسم DEHP (فثالات مضاعف (2-إيثيل الهكسيل)- الويكيبيديا). ويُعدّ DEHP أحد أكثر الفثالات استخداماً ودراسةً، ويوجد في منتجات الفينيل، بما في ذلك مفارش المائدة وستائر الحمام والأرضيات.

اعتمد الباحثون على تقديرات من أبحاث سابقة في عدة مقاييس: التعرض للفثالات، وخطر التعرض لها على وفيات القلب والأوعية الدموية، والعبء العالمي لأمراض القلب والأوعية الدموية. ثم حسبوا نسبة الوفيات الناجمة عن التعرض للفثالات في مختلف البلدان، وفقاً لتراساندي.

الشرق الأوسط وآسيا - وفيات أكثر بسبب الفثالات

وشكّلت منطقة الشرق الأوسط وجنوب آسيا وشرق آسيا والمحيط الهادئ ما يقرب من ثلاثة أرباع هذه الوفيات.

وأظهرت دراسة الملاحظة والرصد هذه، وجود علاقة بين التعرض المُقدّر للمادة الكيميائية والمرض على مستوى السكان. وصرح الخبراء بأن الأساليب المُستخدمة ليست غريبة على الدراسات التي تُنمذج الأمراض العالمية، ولكن هذه الدراسات تأتي مع بعض المحاذير.

محاذير الدراسة

على سبيل المثال، قال هوفمان إن التقديرات المُستمدة من الأدبيات التي اعتمد عليها المؤلفون في حساباتهم ربما تكون قد تضمنت بعض المتغيرات المُتحيزة أو المُربكة، مثل الوضع الاجتماعي والاقتصادي أو السلوكيات الغذائية، والتي قد ترتبط بكل من التعرض للبلاستيك ومعدلات أمراض القلب والأوعية الدموية.

وأضاف هوفمان: «جزءٌ مهمٌّ للغاية من نتيجة النموذج، هو ما يُضاف إليه».

واعتمدت الدراسة أيضاً على تحليل سابق أجراه تراساندي لتقدير خطر الوفاة بأمراض القلب والأوعية الدموية الناتجة عن التعرض للفثالات، بعد ضبط عوامل الخطر الأخرى المعروفة. إلا أن تلك الدراسة لم تنفذ سوى فحص مرضى أميركيين، مما يعني أنه قد لا يكون من الممكن تعميم النتائج على سكان العالم، حيث قد تختلف العادات الغذائية، والتعرض لدخان السجائر، والنشاط البدني، وعوامل الخطر الأخرى لأمراض القلب والأوعية الدموية.

دراسات المستقبل

يتضح من الدراسة، كما أوضح الخبراء، أننا بحاجة إلى مزيد من البحث حول التعرض للفثالات والمخاطر الصحية المرتبطة به. ورغم أنه من المستحيل أخلاقياً وغير عملي إجراء تجربة عشوائية تقليدية، حيث يتم تعريض مجموعة من الأشخاص للفثالات بينما لا يتم تعريض مجموعة أخرى، وتمت متابعتهم لسنوات عديدة، فإن أنواعاً أخرى من الدراسات يمكن أن تساعد في تحديد العلاقة بشكل أوضح.

وأوضح بارك أن إحدى الطرق تتمثل في قيام الباحثين بتجنيد عينة كبيرة وممثلة من المرضى، وقياس مستويات تعرضهم، ومتابعتهم لسنوات، ربما حتى الوفاة. وأشار هوفمان إلى أنه من المفيد أيضاً تجربة استراتيجيات قد تقلل من مستويات التعرض، ثم قياس أي تغيرات في النتائج الصحية.

وقالت تريسي وودروف، مديرة برنامج الصحة الإنجابية والبيئة في جامعة كاليفورنيا، سان فرانسيسكو، إنه على الرغم من عدم اليقين في تقديرات الدراسة الحالية، فمن الواضح أن الفثالات يمكن أن تزيد من مخاطر الولادة المبكرة، ومشكلات الإنجاب، واضطرابات التمثيل الغذائي. وبالنسبة لها، فإن هذه النتائج تضاف إلى قائمة الأسباب التي تدعو إلى تقليل كمية الفثالات في سلسلة التوريد.

* خدمة «نيويورك تايمز».

حقائق

حوالي 13٪

من وفيات القلب والأوعية الدموية لدى الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 55 و64 عاماً حول العالم في ذلك العام يُمكن أن تُعزى إلى الفثالات


مقالات ذات صلة

هل يؤثر توقيت شرب الماء على ضغط الدم؟

صحتك يساعد شرب الماء في خفض ضغط الدم (رويترز)

هل يؤثر توقيت شرب الماء على ضغط الدم؟

تتأثر مستويات ضغط الدم بكمية الماء المُستهلك بشكل يومي، وقد جرى ربط عدم شرب كمية كافية من الماء أو الإصابة بالجفاف، بشكل مباشر، باضطراب مستويات ضغط الدم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك يُعدّ الكبد من أهم أعضاء الجسم (رويترز)

عادات صباحية تدعم صحة الكبد

يؤدي الكبد السليم دوراً مهماً في صحة الإنسان بشكل عام، ومن أكثر الحالات شيوعاً المرتبطة بضعف صحة الكبد «مرض الكبد الدهني المرتبط بخلل التمثيل الغذائي».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا بكتيريا «إي كولاي» (ويكيبيديا)

«إي كولاي»... لغز الجرثومة المعوية يُقلق الصيف الأوروبي

بكتيريا «إي كولاي» تغلق شواطئ مالقة بإسبانيا إثر فيضانات، وسط مخاوف صحية من عولمة العدوى وانتقالها عبر السياحة.

كوثر وكيل (لندن)
صحتك أحماض «أوميغا-3» الدهنية تساعد في الحفاظ على صحة العينين والوقاية من جفافهما (بيكسلز)

من جفاف الجلد إلى تشوش الذهن... 5 علامات تكشف نقص «أوميغا-3»

تؤدي أحماض «أوميغا-3» الدهنية دوراً أساسياً في الحفاظ على صحة الجسم، فهي من الدهون الضرورية التي يحتاج إليها الدماغ والعينان والقلب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك قد يبدأ ضغط الدم بالانخفاض خلال أسبوع واحد من تقليل استهلاك الملح (بيكسلز)

ماذا يحدث لضغط الدم عند تقليل تناول الملح؟

قد يبدأ ضغط الدم بالانخفاض خلال أسبوع من تقليل الملح، فيما يتطلب بلوغ التأثير الكامل أسابيع عدة، وتختلف الاستجابة بين الأشخاص.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

اكتشاف أسرع نجم يدور حول ثقب أسود بـ«درب التبانة»

الثقوب السوداء هي أجسام شديدة الكثافة تتمتع بجاذبية قوية لدرجة أن الضوء لا يستطيع أن ينفذ منها (رويترز)
الثقوب السوداء هي أجسام شديدة الكثافة تتمتع بجاذبية قوية لدرجة أن الضوء لا يستطيع أن ينفذ منها (رويترز)
TT

اكتشاف أسرع نجم يدور حول ثقب أسود بـ«درب التبانة»

الثقوب السوداء هي أجسام شديدة الكثافة تتمتع بجاذبية قوية لدرجة أن الضوء لا يستطيع أن ينفذ منها (رويترز)
الثقوب السوداء هي أجسام شديدة الكثافة تتمتع بجاذبية قوية لدرجة أن الضوء لا يستطيع أن ينفذ منها (رويترز)

اكتشف العلماء أسرع نجم معروف حتى الآن، يدور بسرعة فائقة حول الثقب الأسود فائق الكتلة الموجود في مركز مجرتنا، درب التبانة، وقد يصبح المفتاح لقياس دوران هذا الثقب لأول مرة، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتزيد كتلة هذا النجم بنحو 50 في المائة عن شمسنا ويفوقها في درجة السطوع بمقدار خمسة أمثال، ويتحرك بسرعات تصل إلى نحو 90 مليون كيلومتر في الساعة أثناء دورانه حول «ساجيتاريوس إيه*» وهو الثقب الأسود الرئيسي لمجرة درب التبانة.

وهذه السرعات أكبر من سرعة الضوء بثمانية في المائة. ولم يتم اكتشاف أي نجم آخر في مجرتنا أو في أي مكان آخر بهذه السرعة من قبل.

ويتحرك النجم الذي يطلق عليه «إس301» في مدار بيضاوي حول «ساجيتاريوس إيه*»، ويستغرق نحو 8.7 سنة لإتمام دورة كاملة.

وتبلغ أقرب نقطة له من الثقب الأسود نحو 11.5 مثل المسافة بين الأرض عن الشمس، وهي وحدة قياس تعرف بالوحدة الفلكية.

وهذا يعني أن أقرب نقطة مرور للنجم تزيد قليلاً على المسافة التي تفصل كوكب زحل عن الشمس، وأبعد نقطة له عن «ساجيتاريوس إيه*» عند نحو 1360 وحدة فلكية.

والثقوب السوداء أجسام شديدة الكثافة تتمتع بجاذبية قوية لدرجة أن الضوء نفسه لا يستطيع أن ينفذ منها. وتبلغ كتلة الثقب «ساجيتاريوس إيه*» نحو أربعة ملايين مثل الشمس، ويقع على بعد نحو 26 ألف سنة ضوئية من الأرض.

والسنة الضوئية الواحدة هي المسافة التي يقطعها الضوء في سنة كاملة، وتساوي 9.5 تريليون كيلومتر.

و«ساجيتاريوس إيه*» في حالة سكون حالياً، لكن جاذبيته هائلة مما يعني أنه قادر على ابتلاع النجوم أو أي مواد أخرى تقترب منه أكثر من اللازم. لكن الباحثين يقولون إن من المفترض أن يظل النجم «إس301» في مأمن من غضب الثقب الأسود.

وقال ستيفان غيلسن عالم الفيزياء الفلكية في معهد «ماكس بلانك» للفيزياء في ألمانيا، وهو أحد قادة البحث الذي نُشر اليوم الأربعاء في دورية «نيتشر»، إن «مداره لن يتلاشى في أي وقت قريب. ومن ثم، سيتغير اتجاه المدار، لكنه ليس معرضاً لخطر الابتلاع».

ولا يعرف حتى الآن أي نجم آخر يدور بهذه الدرجة من القرب من الثقب الأسود.

وراقب الباحثون «إس301» باستخدام مقياس التداخل للتلسكوب الكبير التابع للمرصد الأوروبي الجنوبي في تشيلي.

وقد يتيح التأثير المستمر الذي يمارسه «ساجيتاريوس إيه*» على هذا النجم خلال مداره للعلماء فهم الثقب الأسود بشكل أفضل، بما في ذلك إمكانية قياس دورانه.


ظاهرة «إلنينو» الاستثنائية... لمحة عن مستقبل الأرض «الحراري»

ظاهرة «إلنينو» الاستثنائية... لمحة عن مستقبل الأرض «الحراري»
TT

ظاهرة «إلنينو» الاستثنائية... لمحة عن مستقبل الأرض «الحراري»

ظاهرة «إلنينو» الاستثنائية... لمحة عن مستقبل الأرض «الحراري»

تزداد ظاهرة «إلنينو» قوةً باستمرار، وقد تكون الظروف الجوية الحادة التي ستجلبها بمثابة لمحة عما ينتظرنا في عالم أكثر دفئاً.

الأقوى على الإطلاق

يقول خبراء الأرصاد الجوية إن ظاهرة «إلنينو»، هذا العام، قد تصبح الأقوى على الإطلاق؛ وهذا يعني احتمال حدوث تأثيرات مناخية شديدة، تتراوح بين فترات جفاف طويلة في بعض أنحاء العالم وزيادة في العواصف وهطول الأمطار بمناطق أخرى، ما قد يؤدي إلى فيضانات عارمة.

«إلنينو» ظاهرة تجتاح مياه المنطقة الاستوائية للمحيط الهادئ

عالم يشهد ارتفاعاً مؤقتاً في الحرارة بمقدار درجتين مئويتين

تعتمد شدة ظاهرة «إلنينو» على مدى ارتفاع درجات حرارة المحيطات عن معدلاتها الطبيعية؛ إذ تؤثر هذه المياه الأكثر دفئاً على الغلاف الجوي، ما يؤدي إلى تغيير أنماط الطقس وتضخيم حِدتها. وتتزامن ظاهرة «إلنينو»، هذا العام، مع درجات حرارة مرتفعة بالفعل في المحيطات ومع صيف شديد الحرارة.

وهذا يعني أن الحرارة التي تجلبها الظاهرة قد تدفع متوسط ​​درجة الحرارة العالمية الشهرية لتتجاوز حاجز الارتفاع بمقدار درجتين مئويتين (3.6 درجة فهرنهايت)؛ وهو الحد الذي طالما عددناه سقفاً ينبغي عدم تجاوزه لتجنب «الأضرار الواسعة وغير المتوقعة» الناجمة عن تغير المناخ.

تفاقم الآثار المناخية

في الواقع، تجدر الإشارة إلى أنه لا يوجد حد «آمن» للاحتباس الحراري. فنحن نشهد، بالفعل، آثار تغير المناخ، متمثلة في تسجيل الولايات المتحدة أكثر فصول الصيف حرارة على الإطلاق، وتوالي موجات الحر الشديدة في أنحاء أوروبا. ومع ذلك فإن كل زيادة، ولو طفيفة، في درجات الحرارة تؤدي إلى تفاقم الآثار المناخية، والحد من الاحترار يمكن أن يساعد في درء كوارث أكثر تطرفاً.

اختبار حقيقي لصمود كوكب الأرض

نحن لم نصل بعدُ إلى عالمٍ ترتفع فيه الحرارة بمقدار درجتين مئويتين؛ إذ يقول الخبراء إنه باستثناء تأثير دورة «إلنينو»، لن يصل كوكبنا إلى هذا المستوى من الاحترار قبل عقد أو عقدين آخرين. لكن إذا قادتنا ظاهرة «إلنينو» إلى هذا المستوى مؤقتاً، فقد نحصل على لمحة عما سيبدو عليه ذلك العالم.

وكتب روبرت رود، كبير العلماء بمنظمة «بيركلي إيرث» (Berkeley Earth)، على منصة «بلوسكاي» (Bluesky) تعليقاً على ظاهرة «إلنينو»، هذا العام: «قد تكون الأشهر الاثنا عشر المقبلة بمثابة اختبار حقيقي للقدرة على الصمود: حرارة قياسية، وطقس متطرف، وخسائر في المحاصيل، وتأثيرات متتابعة... إنها، جزئياً، لمحة عما يُخبئه لنا المستقبل».

من جهته يصف زيك هاوسفاذر، وهو عالم مناخ يعمل لدى منظمة «بيركلي إيرث» ويشغل منصب رئيس أبحاث المناخ بشركة «سترايب» (Stripe)، ظاهرة «إلنينو» الحالية بأنها بمثابة «آلة زمن»، إذ إن الاحترار الذي تجلبه هذه الظاهرة المناخية - الذي يمتد حتى نهاية عام 2026 ويدخل في عام 2027 - قد يماثل درجات الحرارة التي يتوقع العلماء أن تسود في عام 2037.

إلنينو ظاهرة لا تشبه الاحتباس الحراري

لكن ثمة أمراً مهماً يجب مراعاته؛ فلكل من ظاهرة «إلنينو» وغازات الدفيئة تأثيرات مختلفة. فقد كتب هاوسفاذر وعالِم المناخ أندرو ديسلر، في مقال نُشر على منصتهما المشتركة «ذا كلايمت برينك» (The Climate Brink) عبر خدمة «سابستاك »: «يمكن للعالم المستقبلي الذي ارتفعت حرارته بفعل الغازات الدفيئة، والعالم الحالي الذي ارتفعت حرارته مؤقتاً بفعل ظاهرة إلنينو، أن يتشاركا في متوسط ​​درجة الحرارة العالمية نفسه، رغم وجود اختلافات جوهرية في تأثيرات هذا الاحترار».

إن ما نشير إليه جميعاً باسم «التغير المناخي» يرتبط بالاحترار العالمي الناجم عن انبعاث الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي؛ حيث تعمل هذه الانبعاثات على حبس الحرارة، ما يؤدي إلى رفع درجة حرارة الكوكب.

في المقابل، يرى خبراء المناخ أن ظاهرة «إلنينو» تشبه، إلى حد كبير، «إعادة توزيع للحرارة» الموجودة بالفعل داخل نظامنا المناخي؛ فخلال هذه الظاهرة، تتغير الرياح وتدفع مياه المحيط الدافئة نحو مناطق أخرى، ما يؤثر، بدوره، على حرارة الغلاف الجوي.

احترار «إلنينو» ليس متساوياً عبر العالم

وهذا يعني أن الاحترار المرتبط بظاهرة «إلنينو» ليس عالمياً بالمعنى الشامل؛ إذ تشهد بعض أجزاء الكوكب درجات حرارة أعلى، بينما تنخفض الحرارة في أجزاء أخرى. كما تُغير الظاهرة أنماط هطول الأمطار بطريقة متفاوتة ومتباينة حول العالم.

وبهذا المعنى، لن تحاكي ظاهرة «إلنينو» الحالية الصورة الكاملة للاحترار العالمي- الناجم عن الأنشطة البشرية وتراكم الغازات الدفيئة- الذي يتوقع العلماء أن يشهده الكوكب بحلول عام 2037.

ومع ذلك، ستجلب هذه الظاهرة لمناطق معينة من العالم بعضاً من تلك التأثيرات المتفاقمة التي يحملها في طياته كوكب أكثر سخونة- مثل درجات الحرارة القياسية وفترات هطول الأمطار الغزيرة للغاية- وبصورة غير مسبوقة، مقارنة بأي دورة سابقة لظاهرة «إلنينو».

* مجلة «فاست كومباني»

Your Premium trial has ended


لماذا تجمع أفضل استراتيجيات الذكاء الاصطناعي بين التنبؤ والاستدلال؟

لماذا تجمع أفضل استراتيجيات الذكاء الاصطناعي بين التنبؤ والاستدلال؟
TT

لماذا تجمع أفضل استراتيجيات الذكاء الاصطناعي بين التنبؤ والاستدلال؟

لماذا تجمع أفضل استراتيجيات الذكاء الاصطناعي بين التنبؤ والاستدلال؟

أجريتُ على مدار العامين الماضيين مئات المحادثات حول الذكاء الاصطناعي، مع جهات تنظيمية ومؤسسات مالية ومهندسين ومديرين تنفيذيين وأشخاص متشككين. وما يبرز باستمرار هو حجم الالتباس والغموض المحيط بهذا المجال؛ فالجميع يتحدثون عن الذكاء الاصطناعي وكأنه تقنية واحدة تسير في اتجاه واحد، في حين أن الواقع أكثر تعقيداً وتفصيلاً بكثير؛ كما كتب شون كامكار*.

الذكاء الاصطناعي نقطة التقاء التنبؤ والاستدلال

يمثل الذكاء الاصطناعي نقطة التقاء لنظامين مختلفين جوهرياً: أحدهما مصمم للتنبؤ (to predict)، والآخر مصمم للاستدلال (to reason). وستحظى الشركات التي تدرك هذا الفرق وتتعلم كيفية الجمع بينهما بميزة كبيرة، متفوقة بذلك على الشركات التي تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كأداة أحادية النمط.

الذكاء الاصطناعي التنبؤي مقابل الذكاء الاصطناعي التوليدي

الذكاء الاصطناعي التنبؤي، كان لسنوات كثيرة يدعم اتخاذ القرارات بصمت ومن وراء الكواليس؛ إذ تتفوق نماذج تعلم الآلة في رصد الأنماط عبر كميات هائلة من البيانات التاريخية. وعلى سبيل المثال، في قطاع الائتمان، تحلل هذه النماذج أحجاماً ضخمة من البيانات التاريخية لتحديد أنماط يعجز أي محلل بشري عملياً عن رصدها وسط ملايين النتائج؛ فهي تتنبأ باحتمالية سداد المبالغ المالية، ومخاطر الاحتيال، وتقلبات المحفظة الاستثمارية، بدقة تفوق بكثير دقة أنظمة التقييم التقليدية التي أُنشئت قبل عقود.

أما الذكاء الاصطناعي التوليدي، فيؤدي وظيفة مختلفة تماماً، فهو يجمع المعلومات، ويتعامل مع الغموض، ويتواصل بلغة بشرية. وبإمكانه شرح أهمية اتجاه معين، وتلخيص النتائج المعقدة، وإبراز المقايضات الاستراتيجية، ومساعدة الأشخاص على التفاعل مع أنظمة كانت تتطلب سابقاً خبرة متخصصة لفهمها. ولا تقتصر وظيفته على التنبؤ فحسب؛ بل تشمل الاستدلال والترجمة (تحويل البيانات إلى مفاهيم مفهومة).

الفرق والدمج بين الاثنين: وأبسط طريقة لفهم هذا الفرق هي التشبيه التالي: يمثل تعلم الآلة «المختبر التشخيصي» الذي يُجري الفحوصات، بينما يمثل الذكاء الاصطناعي التوليدي «الطبيب» الذي يساعد في تفسير النتائج وتحديد الخطوة التالية. لا يستغني أي منهما عن الآخر؛ بل إنهما يتكاملان معاً لإنشاء منظومة أكثر قوة وفعالية.

استخدم نوع الذكاء الاصطناعي المناسب للمهمة

تكتسب هذه التفرقة أهميتها لأن كثيراً من المؤسسات تحاول حالياً إقحام الذكاء الاصطناعي التوليدي في أدوار لم يُصمم أصلاً للقيام بها. فرغم القدرات الهائلة لنماذج اللغة الكبيرة، فإنها ليست أنظمة تنبؤ حتمية (أي لا تعطي نتائج ثابتة ومحددة بدقة رياضية).

إن مطالبة «روبوت محادثة» (chatbot) عمومي الأغراض، باتخاذ قرارات مالية أو تشغيلية مصيرية بشكل مستقل -دون وجود بنية تحتية تحليلية متخصصة تدعمه- تشبه إلى حد ما مطالبة طبيب بتشخيص حالة مريض دون الاستعانة بالمختبرات ولا الفحوصات الطبية ولا قياس المؤشرات الحيوية؛ فالاستدلال الذي يفتقر إلى بيانات موثوقة وراسخة يظل غير جدير بالثقة.

وفي الوقت نفسه، تخلق أنظمة التنبؤ التي تفتقر إلى القابلية للتفسير مشكلة من نوع آخر. ما ألاحظه هو أن المؤسسات باتت قادرة على توليد مخرجات تتسم بدقة متزايدة، ولكنها عصيَّة على الفهم، ولا يفهمها إلا عدد أقل من البشر. وهذا التباين هو ما يشكِّل ملامح المرحلة المقبلة من تبنِّي الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات.

تطبيقات ميدانية متنوعة

على سبيل المثال، في مجال الرعاية الصحية، يمكن لنماذج التنبؤ تحديد المرضى الأكثر عرضة للمخاطر في وقت أبكر، مقارنة بأساليب الفحص التقليدية. ومع ذلك، لا يزال الأطباء بحاجة إلى أنظمة قادرة على تفسير النتائج، وتلخيص الاعتبارات العلاجية، والتواصل بوضوح مع المرضى. وفي مجال المركبات ذاتية القيادة، تعمل إحدى طبقات الذكاء الاصطناعي باستمرار على رصد المسارات والمشاة والمسافات والعوائق لحظة بلحظة، بينما تتولى طبقة أخرى تحديد كيفية استجابة المركبة للظروف المتغيرة.

ويتكرر هذا النمط في كل مكان: ذكاء تنبؤي مقترن بذكاء استنتاجي (قائم على المنطق والتحليل).

الجمع بين التنبؤ والاستنتاج... والتقدير البشري

تُعد عمليات الإقراض من أوضح الأمثلة على ذلك؛ إذ يجب أن تكون عملية التقييم الائتماني حتمية وقابلة للتكرار -بمعنى أن المُدخلات ذاتها يجب أن تُفضي إلى النتيجة والتفسير نفسيهما في كل مرة- وإلا فلن يكون القرار قابلاً للتبرير أمام الجهات الرقابية ولا المقترضين. وهنا تبرز قوة التعلم الآلي، غير أنه لا يوفر وسيلة لاستكشاف دلالات تلك الأرقام ومعانيها.

وهنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي التوليدي لسد هذه الفجوة؛ فهو يتولى تفسير النتائج في سياقها الصحيح، واختبار سيناريوهات افتراضية بديلة (تحليل «ماذا لو؟») على المحافظ الائتمانية، ومحاكاة تأثير تغيير السياسات على قرارات الموافقة. فبدلاً من الاكتفاء بتقييم القروض، يساعد هذا الذكاء المقرضين على فهم مخرجات الأنظمة التي تتولى عملية التقييم الفعلية. ولا يلغي هذا المزيج دور التقدير البشري؛ بل يعزز قيمته؛ إذ يتيح للبشر تخصيص وقت أقل للتحليل الروتيني، وتكريس وقت أكبر للتعامل مع الحالات الاستثنائية، واتخاذ القرارات الاستراتيجية، وممارسة مهام الرقابة والإشراف.

إن المؤسسات التي تحقق أفضل النتائج هي تلك التي لا تستبدل بالبشر أنظمة الذكاء الاصطناعي؛ بل تبني أنظمة تتكامل فيها أشكال الذكاء المختلفة: نماذج إحصائية ترصد الأنماط على نطاق واسع، وأنظمة توليدية تحوِّل التعقيد إلى رؤى قابلة للتطبيق، وعنصر بشري يضيف السياق ويقوم بأدوار الرقابة والتقدير.

قدرات التحليل المتقدمة

على مدى عقود، تركزت القدرات التحليلية المتقدمة داخل كبرى المؤسسات العالمية؛ إذ كانت تلك المؤسسات وحدها تمتلك الموارد المالية اللازمة لتوفير البنية التحتية والخبرات المطلوبة لمعالجة المعلومات على نطاق واسع. غير أن الذكاء الاصطناعي بدأ يُغيِّر هذا الواقع؛ فالمنظمات التي ستجني أكبر قدر من الفوائد لن تكون تلك التي تسعى وراء الأتمتة الكاملة؛ بل تلك التي تدمج بين التنبؤ والاستدلال والتقدير البشري، في منظومات عمل تعزز من فاعلية الأفراد.

* الرئيس التنفيذي للتكنولوجيا في شركة «Zest AI»، مجلة «فاست كومباني».