اختراق تقني لتصنيع الروبوتات بطرق مدعمة بالذكاء الاصطناعي

أميركا تتهيأ لتعزيز إنتاجها محلياً لتحدي الصين

اختراق تقني لتصنيع الروبوتات بطرق مدعمة بالذكاء الاصطناعي
TT

اختراق تقني لتصنيع الروبوتات بطرق مدعمة بالذكاء الاصطناعي

اختراق تقني لتصنيع الروبوتات بطرق مدعمة بالذكاء الاصطناعي

قد تُحدث طريقة جديدة لتدريب روبوتات المصانع، ثورة في كيفية تصنيع الجيوش للطائرات من دون طيار وغيرها من الأسلحة، ما يُتيح تصنيعاً بكميات كبيرة بالقرب من خطوط المواجهة.

وبعيداً عن ساحة المعركة، تُوضح هذه الطريقة مساراً مُحتملاً للمضي قدماً في عصر التصنيع المُقبل، وهو موضوع محوري في المنافسة بين الولايات المتحدة والصين الذي تُطلق عليه استراتيجية الدفاع الوطني «تحدي محدودية وتيرة التصنيع».

تصنيع محرَّك بالذكاء الاصطناعي

تُقدم الورقة البحثية، المنشورة في عدد يناير (كانون الثاني) الماضي من «المجلة الدولية للتصنيع المُتطرف»، رؤية تحويلية للتصنيع الإضافي المُحرَّك بالذكاء الاصطناعي (AAM) AI-driven additive manufacturing.

لا تستطيع روبوتات المصانع الحالية سوى القيام بعدد مُحدد من الحركات الثابتة، ويصعب تكيفها مع المهام الجديدة، وتتطلب أماكن مُتخصصة للغاية في طوابق الإنتاج، فهي لا تستطيع مثلاً رؤية متى يتم صفُّها في اصطفاف غير صحيح، أو متى ترتكب هي نفسها الأخطاء.

طريقة مطورة لتدريب الروبوتات

وبالمقابل، تستخدم الطريقة الجديدة (التي طورها فريق دولي من الباحثين من جامعة ولاية كاليفورنيا، نورثريدج؛ والجامعة الوطنية في سنغافورة؛ ومختبر الدفع النفاث التابع لوكالة ناسا؛ وجامعة ويسكونسن-ماديسون) مهندسين ذوي مهارات عالية لتدريب الروبوتات على نطاق أوسع بكثير للحركات الشبيهة بالحركات البشرية، ما يُمكِّنها من إدراك وفهم ما تفعله (على مستوى أساسي).

وعند دمجها مع تقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد، يفتح هذا التطوير المجال أمام إمكانية التصنيع الكامل للإلكترونيات من البداية إلى النهاية، مثل الطائرات الصغيرة من دون طيار التي تُعيد تشكيل ساحة المعركة.

الصراع الأميركي الصيني

لكن هذا التطوير يُعالج أيضاً سؤالاً رئيسياً، يكمن في جذور صراع النفوذ الشامل بين الولايات المتحدة والصين: كيفية زيادة القوة التصنيعية للولايات المتحدة.

وقد أطلق «البنتاغون» عدة مبادرات لإعادة إنتاج أشياء مثل الإلكترونيات الدقيقة إلى الداخل الأميركي، عادّاً هيمنة الصين في تلك القطاعات عبئاً استراتيجياً. ويعكس قانون رقائق الكومبيوتر والعلوم لعام 2022 الذي يخصص أكثر من 52 مليار دولار لتصنيع أشباه الموصلات محلياً، اعترافاً مشتركاً بين الحزبين بأن القدرة الصناعية (المحلية) تدعم القوة العسكرية والاقتصادية. فمن دون وصول محلي آمن إلى التقنيات الحيوية، تُخاطر الولايات المتحدة بتأخير العمليات، وأنظمة الأسلحة المُعرَّضة للخطر، وتراجع قدرتها على الردع في النزاعات المستقبلية.

لكن الولايات المتحدة تعاني نقصاً حاداً في العمالة الماهرة اللازمة لتحقيق هذه الأهداف. وتتوقع معاهد مثل المعهد الوطني للمعايير والتكنولوجيا، بالإضافة إلى رؤساء الصناعة، أنه حتى مع الاستثمار الحكومي، سيستغرق بناء تلك القوى العاملة 7 سنوات على الأقل.

الروبوتات والأتمتة

وقد صرح وزير التجارة هوارد لوتنيك، هذا الشهر، بأن الروبوتات والأتمتة يمكن أن تلعب دوراً رئيسياً في نهضة صناعية تقودها الولايات المتحدة. وتدفع كثيراً من شركات الروبوتات الأميركية نحو استراتيجية وطنية لتعزيز أتمتة التصنيع.

ومع ذلك، فإن الوضع الحالي لروبوتات المصانع لا يرقى إلى مستوى الآمال في انتقال سريع إلى أتمتة المصانع. ويشير تقرير صادر عن مجموعة بوسطن الاستشارية عام 2019 إلى أمر بَدَهِيٍّ: تفتقر روبوتات التصنيع إلى قدرة العمال البشريين على التكيف والبراعة، كما تفتقر الروبوتات إلى قدرات حل المشكلات التي لا تزال أساسية لإنتاج الأشياء فعلياً.

ولهذا السبب تُعدُّ هذه الورقة البحثية الجديدة بالغة الأهمية. قال المؤلف المشارك بينجبينج لي من جامعة ولاية كاليفورنيا، نورثريدج، إن أساليب التصنيع التقليدية، وحتى الروبوتات: «تحتاج إلى كثير من المهندسين المدربين تدريباً جيداً». وحتى أكثر الطابعات ثلاثية الأبعاد تقدماً غالباً ما تتطلب خطوات يدوية لإدخال التصميم، واختيار العملية، أو المعالجة اللاحقة.

مشروع جديد

تتضمن رؤية مشروع «AAM» في الورقة البحثية استقلالية شاملة: بدءاً من إعداد نماذج التصميم بمساعدة الحاسوب ودمجها، وصولاً إلى الجدولة، وتحسين العمليات، وآلات ما بعد الطباعة، وكلها تُدار بواسطة أسطول من الروبوتات أو الطائرات من دون طيار المتعاونة.

سيكون هذا التكامل بالغ الأهمية للتصنيع في الفضاء الخارجي، ومن هنا جاء اهتمام ودعم وكالة «ناسا». وقال لي إنه كان على اتصال أيضاً بمتعاقدين عسكريين ومكتب الاختبار والتقييم التشغيلي التابع لوزارة الدفاع الأميركية، لمشروع دفاعي قد يبدأ في مايو (أيار)، في حال الحصول على الموافقات النهائية.

يعتمد مشروع «AAM» بشكل كبير على ما يُطلق عليه المؤلفون التصميم المتكامل مع المستشعرات: استخدام كثير من مستشعرات الضوء المرئي والحرارة وظواهر أخرى لخلق نوع من الإدراك في «دماغ» برمجي.

دماغ روبوتات المصانع

سيتكون هذا الدماغ الذي يُميز روبوتات المصانع المستقبلية عن روبوتات اليوم، من 4 طبقات: «طبقة المعرفة» في قاعدة النموذج، تجمع البيانات من المستشعرات، وعمليات المحاكاة والعمليات السابقة. تستخدم «طبقة الحلول التوليدية» أدوات الذكاء الاصطناعي، مثل نماذج اللغة الكبيرة والرسوم البيانية المعرفية، لنمذجة عملية صنع القرار. وتُنفِّذ «الطبقة التشغيلية» القرارات على الأجهزة والبرمجيات وأنظمة الروبوتات؛ بينما تُمكِّن «الطبقة المعرفية» الآلات من اتخاذ القرارات، مما يسمح لها بالتفكير والتصرف، وحتى التأمل.

وكتب مؤلفو الدراسة: «ضمن هذه الطبقة (المعرفية)، يعمل وكلاء الذكاء الاصطناعي كوحدات تحكم عالية المستوى؛ حيث تُقيِّم مجموعة المهارات في الطبقة التشغيلية لاختيار المهارات المناسبة لتنفيذ المهام بناءً على الوضع الراهن». وأضافوا: «يتولى هؤلاء الوكلاء مسؤولية تخطيط وتنفيذ الإجراءات المثلى، والانخراط في عملية تعلم مدى الحياة تُعزز خبراتها من خلال التأمل والتعلم المستمرين».

تشبه عملية التعلم هذه طريقة تفاعل البشر مع نماذج اللغة الكبيرة. في البداية، تكون النتائج عامة وعرضة للخطأ، ولكن مع مرور الوقت، تُنتج العلاقة بين المدرب والآلة نوعاً من الذكاء البشري يُمكن تكراره عبر روبوتات متعددة. وقال لي: «نأمل في تقليل التدخل البشري إلى الصفر تقريباً؛ لأننا نريد أتمتة العملية كلها».

تكيُّف روبوتي وإشراف بشري

ستعتمد درجة إمكانية أتمتة بعض عمليات التصنيع بشكل كبير على تعقيد المُنتَج، ومدى سرعة أنظمة الذكاء الاصطناعي في تعلم التكيف مع الأحداث الجديدة غير المتوقعة. وأضاف لي أن الخبراء البشريين سيظلون يلعبون دوراً حاسماً في هذه العملية، ولكنهم أقرب إلى دور المشرفين منهم إلى دور المشغلين. فبدلاً من القيام بالمهام اليدوية التي تتجاوز قدرة الروبوت، سيساعد الإنسان الروبوتات على تطوير وتحسين طرق التعامل مع الأحداث غير المتوقعة والتحقق منها.

في الوضع المثالي، سيصبح الذكاء الاصطناعي ذكياً بما يكفي للتفكير في كيفية تحسين التصاميم البشرية، من خلال ما يُطلق عليه المؤلفون «أدوات التصميم التوليدية».

وكتب المؤلفون: «تمهد هذه التطورات الطريق لإنشاء محتوى ثلاثي الأبعاد، مما قد يقربنا من تحقيق مبدأ (ما تفكر فيه هو ما تحصل عليه)». وأضافوا: «من خلال استكشاف مساحات تصميمية شاسعة، تُنتج هذه الأدوات حلولاً مبتكرة قد تغفلها الطرق التقليدية».

تطبيقات في الساحات العسكرية

في السياق العسكري، يعني هذا أن بإمكان الجندي في الميدان مسح (تصوير) قطعة معطلة، ويمكن لنظام مُحسَّن بالذكاء الاصطناعي إعادة تصميم وطباعة بديل لها بأقل قدر من الإشراف، وهي قدرة قد تُقلل بشكل كبير من احتياجات التوظيف والخدمات اللوجستية في الجبهة.

وأكدت وزارة الدفاع، بما في ذلك وكالة مشاريع البحوث الدفاعية المتقدمة (DARPA)، بشكل متزايد على التصنيع الآمن والقابل للتطوير، والقابل للتوصيل عند الطلب للبيئات اللوجستية المتنازع عليها.

وتُقدم طريقة التصنيع بالحلقة المغلقة (AAM) التي تستخدم أجهزة استشعار متعددة، وتُغذي ذكاءً متعدد الطبقات، خريطة طريق، لا لإنتاج أكثر ذكاءً؛ بل لقدرات تصنيع مرنة وقابلة للتكيف يُمكن أن تُعيد تعريف الخطوط الأمامية الصناعية.

تحديات صينية

لكن هذا التقدم يُسلط الضوء أيضاً على تحديات خطيرة أخرى تعيق مستقبلاً أكثر أتمتة للتصنيع، ألا وهي أن الصين تتصدر حصة السوق في المكونات الرئيسية التي تحتاج إليها الروبوتات، مثل أجهزة الاستشعار والمشغلات. بالإضافة إلى ذلك، تتمتع الصين بإمكانية وصول أكبر بكثير إلى المواد اللازمة لطباعة وتصنيع المنتجات -بما في ذلك الأسلحة- في المصانع التي تديرها الروبوتات. ومع أن الروبوتات ستُمكِّن الولايات المتحدة من بناء مزيد من الأشياء، فإنها لن تُصنِّع نفسها بنفسها.

* مجلة «ديفينس وان»، خدمات «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

معلومات مضللة عن الانتخابات الأميركية تثير الشكوك في موثوقية روبوتات الدردشة

الولايات المتحدة​ منطقة «كابيتول هيل» بالعاصمة واشنطن (رويترز) p-circle

معلومات مضللة عن الانتخابات الأميركية تثير الشكوك في موثوقية روبوتات الدردشة

يتزايد اعتماد ملايين الناخبين الأميركيين على روبوتات الدردشة القائمة على الذكاء الاصطناعي للحصول على معلومات انتخابية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تحليل إخباري متداولون يعملون في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)

تحليل إخباري صناديق الاقتراع الأميركية تفتح حسابات جديدة لـ«وول ستريت»

تتجه الأنظار في «وول ستريت» إلى صناديق الاقتراع الأميركية، الثلاثاء، في أسبوع تتداخل فيه الحسابات السياسية مع رهانات الأسواق على الذكاء الاصطناعي ومسار الفائدة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد خلال التوقيع على مذكرة أحكام غير ملزمة بين صندوق الاستثمارات العامة و«أرامكو» و«هيوماين» في أكتوبر من العام 2025 (الصندوق)

«أرامكو» تستحوذ على 49 % من «هيوماين» باستثمار نقدي وأصول تقنية

أكمل صندوق الاستثمارات العامة و«أرامكو السعودية» صفقة دخول الأخيرة شريكاً في شركة «هيوماين» المتخصصة في الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (الظهران)
تكنولوجيا شعار «أوبن إيه آي» (رويترز)

عمالقة الذكاء الاصطناعي يتعهدون بآلية موحدة لمنع استخراج محتوى المواقع الإلكترونية

تعهَّدت شركات تكنولوجية رائدة بتوفير آلية موحَّدة لوسائل الإعلام والمواقع الإلكترونية الأخرى لمنع استخراج محتواها بهدف تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (سان فرانسيسكو)
الاقتصاد متداولو العقود الآجلة والخيارات يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك (رويترز)

10 مليارات دولار تتدفق إلى الأسهم العالمية رغم الانسحاب من أميركا

واصلت صناديق الأسهم العالمية استقطاب الاستثمارات للأسبوع السادس على التوالي، رغم تباطؤ وتيرة التدفقات.

«الشرق الأوسط» (لندن)

بعد نجاح تخليق خلية شبه حية... ماذا يخبئ المستقبل؟

التخليق الكيميائي لخلية «سبادسيل» الاصطناعية
التخليق الكيميائي لخلية «سبادسيل» الاصطناعية
TT

بعد نجاح تخليق خلية شبه حية... ماذا يخبئ المستقبل؟

التخليق الكيميائي لخلية «سبادسيل» الاصطناعية
التخليق الكيميائي لخلية «سبادسيل» الاصطناعية

تحركت كايت أدمالا على المنصة ذهاباً وإياباً، داخل «معهد تاريخ العلوم» في فيلادلفيا، بينما ظهرت على شاشة القاعة كتلة تتوهج باللون الأحمر. وكانت الباحثة ترتدي بدلة سوداء، تحمل على إحدى طيات صدرها شارة (رسماً كرتونياً لكتلة تبتسم، وهي تغرس علماً على سطح القمر).

وحملت الشارة عبارة: «خطوة صغيرة لـ(سباد سيل)»، في محاكاة ساخرة لـ«سباد سيل» (SpudCell)، الاسم الذي أطلقته أدمالا، عالمة البيولوجيا الاصطناعية بجامعة مينيسوتا، على الخلية الحمراء التي تطفو فوقها.

العلماء يسعون لخلق خلايا مصنّعة تماثل خلايا الجسم الحي الطبيعية

خلية مخلّقة تنمو وتتكاثر

جدير بالذكر أنه يمكن لخلية «سباد سيل» أن تنمو، وتنسخ حمضها النووي، وتنقسم إلى خليتين، ثم تبدأ دورة حياتها من جديد. والمثير أن هذه الخلية صنعها البشر من مكونات جامدة لا حياة فيها. وعند الكشف عنها في يوليو (تموز)، لاقت إشادة من بعض الخبراء، باعتبارها أقرب ما وصل إليه العلم لصنع حياة من الصفر.

والآن، وصلت أدمالا إلى فيلادلفيا، لعقد لقاء مع باحثين وعلماء في الأخلاقيات «العلمية»، إلى جانب ممثلين عن قطاع التكنولوجيا الحيوية والحكومة؛ إذ إن الوقت قد حان للبت في كيفية الاقتراب بـ«سباد سيل» أكثر من مفهوم الحياة، وتحديد السبل الآمنة لاستخدامها في تحسين حياة البشر.

وفي حديثها أمام الجمهور، قالت أدمالا: «مع ابتكار الخلايا الاصطناعية، أصبح لدينا نظام حيوي نستطيع فهمه والتحكُّم فيه بالكامل. وهنا تحديداً تبدأ المتعة (العلمية) الحقيقية».

في يوليو (تموز)، أسست أدمالا بالتعاون مع ثلاثة علماء آخرين منظمة غير ربحية تُدعى «بيوتيك»، لدعم الأبحاث المتعلقة بـ«سباد سيل».

ودارت الفكرة حول تخليق خلية ذاتية الاستدامة، يمكن للباحثين دراستها وتعديلها هندسياً، لإنتاج أدوية وأغذية ووقود وغيرها من المواد، التي تعجز البيولوجيا الطبيعية عن إنتاجها.

وكان اجتماع الشهر الماضي بمثابة الظهور الأول لمنظمة «بيوتيك».

وأطلق العلماء على يوم الاجتماع اسم «بلومزداي» (يوم الازدهار)، على أمل أن يكون معادلاً لمصطلح «يوم القيامة». واستعرض نحو 12 منهم تفاصيل العمل الأساسي، الذي بدأوه من أجل تطوير «سباد سيل».

ونجحت «سباد سيل» بالفعل في إثارة اهتمام الكثير من العلماء فور ظهورها الأول، في يوليو (تموز) الماضي، وذلك لأسباب تجاوزت قربها الشديد من أن تكون كائناً حياً بحق؛ فالحقيقة أن الخلايا الطبيعية معقدة وغارقة في الغموض، وحتى أصغر الميكروبات تحتوي على عشرات الجينات، التي لم يستوعب العلماء طبيعتها تماماً بعد.

في المقابل، وبحكم بناء «سباد سيل» من الصفر، يمتلك فريق أدمالا استيعاباً كاملاً لكل جزء استخدموه. ويأملون أن يجعل هذا الفهم الشامل تعديل خلايا «سابد سيل» هندسياً أسهل بكثير من الخلايا العادية.

صورة تبين مراحل نمو خلية «سباد سيل» الاصطناعية

ريبة وشكوك... وآفاق واعدة

ومع ذلك، استقبل بعض العلماء «سباد سيل» بشيء من الريبة والشك، وينتظرون رؤية ما إذا كانت هذه التكنولوجيا قادرة على الوفاء بوعودها. وفي هذا الصدد، قال سيس ديكر، العالم الفيزيائي بجامعة ديلفت للتكنولوجيا: «لا أجدها دراسة مقنعة». وعبَّر ديكر عن اعتقاده بأن «سباد سيل» - في الوقت الحالي – هي في الواقع أقل مما تبدو عليه في الظاهر، موضحاً أن أدمالا وزملاءها زودوها بـ 36 جيناً، لكن جيناً واحداً فقط منها كان نشطاً خلال تجاربهم.

وكان من مؤشرات التحفظ العلمي كذلك رفض دورية «سيل» العلمية، نشر ورقة بحثية تفصل ابتكار «سباد سيل». وحتى الآن، تتوفر هذه الورقة البحثية عبر الإنترنت باعتبارها مسودة أولية سابقة للنشر. وخلال اجتماع «بلومزداي»، ذكرت أدمالا أن الورقة تخضع حالياً للمراجعة في دورية أخرى.

وفي أثناء انعقاد الاجتماع نفسه، أقر باحثو «سباد سيل»، وعلى رأسهم أدمالا، بأنه ما يزال أمامهم شوط كبير قبل الوصول إلى خلية ذاتية الاستدامة، يمكن لأي عالم تصنيعها من مكونات معدة سلفاً. وجدير بالذكر أن الخلايا البيولوجية على سبيل المثال، تصنع البروتينات داخل مصانع جزيئية تُعرف بـ«الريبوسومات» (ribosomes). إلا أنه كي تستخدم الخلايا هذه الريبوسومات، يتعين عليها في المقام الأول أن تتولى إنتاجها بنفسها.

في المقابل، تعجز خلايا «سباد سيل» عن تصنيع ريبوسوماتها الخاصة؛ إذ يضطر العلماء (المشرفون عليها) إلى إمدادها بريبوسومات مُستخلصة من خلايا أخرى. ومع استخدام «سباد سيل» لهذه الريبوسومات في إنتاج البروتينات، تبدأ تلك المصانع الجزيئية في التهالك.

من جهته، يعمل يوشيرو شيميزو، عالم البيولوجيا الجزيئية في معهد «ريكن» الوطني للأبحاث في اليابان، على معالجة هذه المشكلة، من خلال إجراء تجارب على عشرات الجزيئات، التي تتكون منها الريبوسومات، أملاً في إيجاد طريقة تحفزها على التجمع لتشكيل مصانع جديدة. وفي الوقت ذاته، يختبر باحثون آخرون بروتينات مختلفة، لمعرفة ما إذا كان بإمكانها جعل خلايا «سباد سيل» تنقسم بدقة أكبر، بينما يتقصى فريق آخر سبل جعل الحمض النووي لـ«سباد سيل» حساساً للضوء، بحيث يمكنهم تفعيل جيناتها عبر ومضات بألوان مختلفة.

اللافت أن جميع مشروعات «سباد سيل» القائمة حول العالم، تجابه التحدي ذاته: كثرة الخيارات المتاحة؛ إذ توجد حلول وتركيبات لا حصر لها، عملياً، لتكوين الريبوسوم أو أي خاصية أخرى في «سباد سيل».

من ناحيتها، تعمل روزانا زيا، عالمة البيولوجيا الحاسوبية بجامعة ميزوري، على تقليص هذه الخيارات، من خلال بناء نموذج افتراضي لـ«سباد سيل». وكانت زيا وفريقها قد طوروا بالفعل نماذج حاسوبية دقيقة للميكروبات الطبيعية. وشرحت زيا أنه: «لدينا القدرة على سبر أغوار هذه الأنواع من الخلايا، ورصد مواقع كل الجزيئات بدقة متناهية في كل لحظة زمنية». ويعكف فريقها حالياً على محاكاة ملايين الجزيئات داخل خلية «سباد سيل» واحدة، آملين أن تثمر هذه التجارب الافتراضية، خلية «سباد سيل» مطوَّرة، يمكن لأي مختبر إنتاجها بنفسه، باستخدام بروتوكول مفتوح المصدر من منظمة «بيوتيك».

تطوير كيانات بيولوجية ذاتية الاستدامة يمكن تعديلها هندسياً لإنتاج أدوية وأغذية ووقود تعجز البيولوجيا الطبيعية عن إنتاجها

هندسة بيولوجية

ويستلهم العلماء فكرتهم من نظام «يونكس» ـ نظام تشغيل حاسوبي رائد، أُنشئ في سبعينات القرن الماضي. ولأنه كان بسيطاً ومفتوحاً أمام الجميع، جذب «يونكس» مجتمعاً عالمياً من علماء الحاسوب الذين استخدموه في الابتكار والتطوير.

ويأمل الباحثون أن تصبح «سباد سيل» بمثابة نظام «يونكس» للتكنولوجيا الحيوية (خلية بسيطة يمكن تعديلها هندسياً بأشكال لا حصر لها من التطبيقات النافعة). ورغم أن الجزء الأكبر من اجتماع فيلادلفيا استغرق في التخطيط العلمي، فإن علماء الأخلاقيات وخبراء الأمن الحيوي ناقشوا كذلك التساؤلات الأخلاقية التي تفرضها «سباد سيل».

وتتساءل لوري زولوث، اختصاصية الأخلاق البيولوجية بجامعة شيكاغو: «هل يُعد هذا خلقاً للحياة؟» من جهتها، لطالما شددت أدمالا وزملاؤها على أنهم لم يخلقوا حياة بالفعل، ويؤكدون في الوقت ذاته صعوبة وضع حد فاصل ومطلق بين ما هو حي وما هو غير حي.

ومع ذلك، يدرك العلماء إمكانية إساءة استخدام «سباد سيل»، وأن ثقة الرأي العام في هذا النمط من العلوم البيولوجية قد تنهار. وأشارت زولوث إلى أن شركة «أوبن إيه آي» تأسست في البداية (تماماً مثل «بيوتيك») باعتبارها منظمة غير ربحية، مكرسة لتطوير ذكاء اصطناعي آمن لمصلحة البشرية.

وتساءلت زولوث: «ما الذي انحرف عن مساره هناك؟ ولماذا بات الناس غير واثقين بالذكاء الاصطناعي عموماً إلى حد الاستعداد للتظاهر أمام مراكز البيانات؟».

من جانبها، تتعامل أدمالا وزملاؤها مع ملف السلامة والأمن بجدية بالغة منذ البداية؛ فقبل تقديم «سباد سيل» على نطاق واسع، عملوا على هندسة حمضها النووي وبروتيناتها، بحيث لا يمكنها البقاء على قيد الحياة إلا عبر الاعتماد على نظام غذائي كيميائي فريد وغير موجود في الطبيعة.

ويأمل الباحثون أن تضمن هذه التدابير عدم تسرب «سباد سيل» من المختبرات أو إمكانية إطلاقها كسلاح بيولوجي. وقالت أدمالا: «يمكننا حماية الأحياء والتحكم فيها عند أكثر مستوياتها جوهرية».

إن الآفاق الواعدة (وربما المخاطر كذلك) تبدو هائلة فيما يتعلق بفقاعة ميكروسكوبية لا تكاد تظل حية في الوقت الحالي، حتى في ظل توفير الكثير من الرعاية والتغذية.

من ناحيته، قال درو إندي، عالم البيولوجيا الاصطناعية بجامعة ستانفورد، وأحد مؤسسي منظمة «بيوتيك»: «سنحتاج إلى كل ما يمكننا نيله من التوفيق وحسن الحظ، فنحن بحاجة ماسة إليهما».

* خدمة «نيويورك تايمز»


حقنة واحدة لإصلاح الطفرة الجينية المسببة لمرض تخزين الحديد

 يتراكم الحديد لدى المصابين بالمرض في الكبد بصورة ملحوظة
يتراكم الحديد لدى المصابين بالمرض في الكبد بصورة ملحوظة
TT

حقنة واحدة لإصلاح الطفرة الجينية المسببة لمرض تخزين الحديد

 يتراكم الحديد لدى المصابين بالمرض في الكبد بصورة ملحوظة
يتراكم الحديد لدى المصابين بالمرض في الكبد بصورة ملحوظة

في خطوة قد تمهّد لعلاج جذري لأحد أكثر الأمراض الوراثية شيوعاً في أوروبا نجح باحثون في تطوير طريقة جديدة لتصحيح الخلل الجيني المسؤول عن داء ترسّب الأصبغة الدموية الوراثي أو ما يعرف بـ«مرض تخزين الحديد». وقد أظهرت التجارب قبل السريرية أن التقنية تمكنت من إصلاح الطفرة المسببة للمرض، وخفض تراكم الحديد في الكبد بصورة ملحوظة.

والأهم أن الباحثين انتقلوا في تطوير العلاج من استخدام النواقل الفيروسية إلى جسيمات دهنية نانوية، وهي جزيئات بالغة الصغر تستطيع إيصال أدوات التصحيح الجيني إلى خلايا الكبد بكفاءة مع بقاء مكوناتها العلاجية في الجسم لفترة قصيرة فقط. ويرى الفريق أن هذه الخطوة قد تجعل العلاج أكثر أماناً وأسهل إنتاجاً وأقل تكلفة، إذا أثبتت التجارب البشرية فاعليته.

ونُشرت النتائج في دورية «Journal of Hepatology» في 10 يونيو (حزيران) 2026 بعد أن اختبر فريق من كلية هانوفر الطبية التقنية في ألمانيا خلايا بشرية وحيوانية ونموذج فأر مصاب بزيادة الحديد.

إصلاح الخلل الجيني

• إصلاح الخلل من جذوره: يحدث داء ترسّب الأصبغة الدموية الوراثي عندما يتعطل نظام الجسم المسؤول عن ضبط امتصاص الحديد من الأمعاء. وفي أكثر من 80 في المائة من الحالات يرتبط المرض بطفرة محددة في جين (HFE) تُعرف باسم (C282Y)، وتكون موجودة في نسختي الجين الموروثتين من الوالدين.

ويؤدي هذا الخلل إلى فقدان بروتين (HFE) قدرته على تنظيم امتصاص الحديد، فيستمر الجسم في امتصاص كميات تفوق حاجته. ومع مرور الوقت يتراكم الحديد في الكبد وأعضاء أخرى ما قد يؤدي إلى آلام المفاصل والسكري وتلف الكبد، بل يزيد خطر الإصابة بسرطان الكبد في الحالات المتقدمة.

وتعتمد المعالجة الحالية بصورة أساسية على سحب الدم بشكل دوري ومنتظم لتقليل مخزون الحديد، وهو إجراء قد يستمر طوال حياة المريض. أما الأدوية التي ترتبط بالحديد وتساعد على التخلص منه، فقد تكون محدودة الاستخدام بسبب آثارها الجانبية. لكنّ الباحثين يحاولون هذه المرة إصلاح السبب الجيني نفسه بدلاً من التعامل مع نتائجه.

• «مقص جيني» أكثر دقة: كما استخدم فريق البحث من قسم أمراض الجهاز الهضمي والكبد والأمراض المعدية والغدد الصماء بكلية هانوفر الطبية بألمانيا بقيادة البروفسور مايكل أوت والدكتور سايمون كروس تقنية تعرف باسم (Base Editing)، وهي إحدى تقنيات التحرير الجيني المرتبطة بنظام كريسبر/ كاس (CRISPR/Cas).

وعلى خلاف الأساليب التقليدية التي قد تقطع شريطي الحمض النووي معاً، تعمل هذه التقنية على تعديل قاعدة واحدة محددة في أحد شريطي الحمض النووي (دي إن إيه) DNA، وبعد ذلك تستعين الخلية بآليات الإصلاح الطبيعية لديها لاستكمال التصحيح في الشريط الآخر ما يؤدي إلى إزالة الطفرة المسببة للمرض. ويقول الباحثون إن تجنب إحداث قطع مزدوج في الحمض النووي قد يقلل خطر ظهور طفرات غير مرغوبة.

ولإيصال أدوات التصحيح إلى الكبد استخدم الفريق الحمض النووي الريبي الرسول (mRNA) مغلفاً داخل جسيمات دهنية نانوية. ويحمل هذا الحمض التعليمات اللازمة لإنتاج أدوات التحرير الجيني، ثم يتحلل داخل الجسم خلال فترة قصيرة.

تصحيح الطفرة

• تصحيح أكثر من نصف الطفرات: أظهرت النتائج أن التقنية تمكنت في نموذج الفئران من تصحيح ما يصل إلى 67 في المائة من القواعد الجينية المعيبة بالتزامن مع انخفاض واضح في تراكم الحديد داخل الكبد. وبلغت كفاءة التصحيح نحو 70 في المائة في خلايا كبد الفئران، ونحو 65 في المائة في خلايا كبد بشرية مشتقة من مرضى مصابين بداء ترسّب الأصبغة الدموية.

ويشير الباحثون إلى أن تصحيح نحو 50 في المائة من الخلل قد يكون كافياً لإنتاج كمية مناسبة من بروتين (HFE) الوظيفي لاستعادة تنظيم امتصاص الحديد. واللافت أيضاً أن الفريق لم يرصد تأثيرات كبيرة غير مستهدفة في مناطق أخرى من الجينوم ما يشير إلى مستوى مرتفع من الدقة في التجارب التي أجريت حتى الآن.

• من علاج مستمر إلى إصلاح لمرة واحدة: وإذا أثبتت هذه التقنية فاعليتها وأمانها في البشر فقد تغير مستقبل علاج المرض جذرياً. فبدلاً من الاعتماد على سحب الدم بصورة متكررة مدى الحياة، قد يصبح من الممكن في المستقبل تصحيح الخلل الجيني نفسه بجرعة علاجية واحدة، ومنع تراكم الحديد قبل أن يؤدي إلى تلف دائم في الأعضاء.

ولا يزال هذا الاحتمال في مرحلة البحث؛ إذ يتعين إجراء تجارب سريرية على البشر للتأكد من سلامة العلاج وفاعليته على المدى الطويل. لكنّ الباحثين يأملون في الانتقال إلى هذه المرحلة قريباً، كما يدرسون إمكانية استخدام تقنية التصحيح الجيني نفسها لعلاج أمراض وراثية أخرى. وقد يكون هذا التطور بداية لتحول مهم في الطب الوراثي من السيطرة على المرض بعد ظهوره إلى إصلاح الخلل الذي تسبب فيه من الأساس.


محاكاة حاسوبية تشكك بدور المذنَّبات في نشأة الحياة على الأرض

تطرح الدراسة أن كوكب المريخ القديم ربما كان أكثر ملاءمة من الأرض لتكوين سيانيد الهيدروجين الناتج عن اصطدام المذنَّبات (ناسا - رويترز)
تطرح الدراسة أن كوكب المريخ القديم ربما كان أكثر ملاءمة من الأرض لتكوين سيانيد الهيدروجين الناتج عن اصطدام المذنَّبات (ناسا - رويترز)
TT

محاكاة حاسوبية تشكك بدور المذنَّبات في نشأة الحياة على الأرض

تطرح الدراسة أن كوكب المريخ القديم ربما كان أكثر ملاءمة من الأرض لتكوين سيانيد الهيدروجين الناتج عن اصطدام المذنَّبات (ناسا - رويترز)
تطرح الدراسة أن كوكب المريخ القديم ربما كان أكثر ملاءمة من الأرض لتكوين سيانيد الهيدروجين الناتج عن اصطدام المذنَّبات (ناسا - رويترز)

قد لا تصمد النظرية الشائعة التي تفترض أن المذنَّبات أدت دوراً محورياً في بدء الحياة على الأرض قبل مليارات السنين، وفقاً لعمليات محاكاة حاسوبية جديدة تتحدى عقوداً من التفكير العلمي.

وتشير النتائج إلى أن الجزيئات العضوية الهشة التي يُعتقد أن هذه الأجرام الجليدية حملتها كانت ستتحطم عند اصطدامها بالأرض، مما يقوّض نظرية راسخة عن نشأة الحياة تعود إلى عام 1961 على الأقل.

أما الفكرة الأوسع نطاقاً، التي تفترض أن مكونات الحياة وصلت من الفضاء، والمعروفة باسم «التبذر الشامل»، فهي أقدم من ذلك، إذ طُرحت علمياً عام 1908.

والتبذر الشامل (أو البانسبيرميا

- Panspermia) هي فرضية علمية تقترح أن بذور الحياة أو الكائنات الدقيقة والمركبات العضوية لا تقتصر على كوكب الأرض فحسب، بل تنتشر في جميع أنحاء الكون

، وتنقلها النيازك، والمذنَّبات، والكويكبات، والغبار الكوني.

تتطلب الحياة على الأرض جزيئات عضوية معقدة، لكن لا يزال من غير الواضح ما إذا كان كوكبنا في مراحله الأولى يمتلك ما يكفي من المواد الخام اللازمة للكيمياء قبل الحيوية، أي التفاعلات الكيميائية التي تُنتج اللبنات الأساسية للحياة.

وتتكون المذنَّبات من الغبار والجليد، لكنها تحتوي أيضاً على مواد عضوية. وقد دفعت هذه التركيبة، التي أكسبت الأجرام السماوية لقب «كرات الثلج المتسخة»، العلماء إلى طرح احتمال أن تكون المذنَّبات قد جلبت المياه والجزيئات العضوية إلى سطح الأرض.

وربما شهدت الأرض في بدايات تاريخها، قبل أكثر من 4 مليارات سنة، فترة من القصف المكثف بأكثر من 100 ألف مذنَّب يزيد قطر الواحد منها على 100 متر، وفقاً للدراسة الجديدة المنشورة الأربعاء، في دورية «ساينتيفيك ريبورتس»، ونقلتها شبكة (سي إن إن) الأميركية. غير أن معظم تلك الاصطدامات كانت عنيفة للغاية بحيث لا تستطيع الجزيئات اللازمة لبدء الحياة تحملها.

واستخدم الفريق أحدث النماذج الخاصة بتشكل المذنَّبات وتطورها لمحاكاة تلك المرحلة المبكرة من تاريخ الكوكب 100 ألف مرة.

وقال ريتشارد أنسلو، الباحث الرئيسي في الدراسة، الذي أجرى البحث خلال استكمال درجة الدكتوراه في معهد علم الفلك بجامعة كمبردج في المملكة المتحدة: «استناداً إلى ما نعرفه عن بيئات سطح الأرض في مراحلها المبكرة، أظهرت عمليات المحاكاة، في المتوسط، عدم حدوث أي اصطدامات ناجحة».

ورغم احتواء المذنَّبات على تركيزات مرتفعة من الجزيئات الأساسية اللازمة للحياة، أظهرت المحاكاة أنها كانت تتحرك بسرعة أكبر من أن تتمكن من إيصال تلك الجزيئات إلى الأرض سليمة.

وقال أنسلو: «إن السرعات المعتادة لهذه المذنَّبات عند اصطدامها بالأرض تعني أن عدداً قليلاً جداً منها، إن وُجد أصلاً، كان قادراً على إيصال جزيئات عضوية سليمة. ولذلك، لا يبدو أن المذنَّبات مفيدة للكيمياء قبل الحيوية بالقدر الذي كان يُعتقد سابقاً».

وبصورة أكثر تحديداً، أظهرت 54 في المائة من عمليات المحاكاة عدم وقوع أي اصطدام، بينما شهدت النسبة المتبقية، البالغة 46 في المائة، اصطداماً واحداً على الأقل، في حين سجلت «أقلية ضئيلة» ما يصل إلى ثلاثة اصطدامات، حسب أنسلو.

وأضاف: «لا يمكننا استبعاد احتمال عدم حدوث اصطدام ناجح على الإطلاق بشكل قاطع، فقد يكون أحد تلك الاصطدامات الاستثنائية قد وقع». لكنه أوضح أن مثل هذه الحالات النادرة كانت تتطلب حدوث الاصطدام في «موقع مثالي» تتوافر فيه بالفعل عدة شروط مهمة، من بينها وجود المياه السائلة ومواد كيميائية أخرى ضرورية لدعم الحياة، مما يجعل تحقق هذه العملية برمتها أمراً غير مرجح.

تفسيرات بديلة

وتركز الدراسة على مادة كيميائية موجودة طبيعياً تُعرف باسم سيانيد الهيدروجين (HCN)، وهي مادة أساسية في الكيمياء قبل الحيوية، ورُصدت في عشرات المذنَّبات، من بينها مذنَّبا هالي وهيل-بوب الشهيرين.

ويتكون سيانيد الهيدروجين من الهيدروجين والكربون والنيتروجين، ويمكن أن يؤدي، عند اتحاده مع الماء، إلى تكوين الأحماض الأمينية، وهي الجزيئات التي تتكون منها البروتينات. وحددت دراسات سابقة هذه المادة بوصفها أحد المكونات المحتملة المهمة لنشأة الحياة على الأرض.

وقال أنسلو: «عندما تصطدم المذنَّبات بالأرض، تتعرض لدرجات حرارة وضغوط مرتفعة للغاية، وقد وجدت دراسات حديثة أن كثيراً من الجزيئات الأولية يمكن أن تتحطم بفعل هذه الضغوط ودرجات الحرارة المرتفعة، وكذلك الاصطدامات التي تلي ذلك».

ويرى مؤلفو الدراسة أنه حتى في حال وقوع اصطدام ناجح، فمن غير المرجح أن يكون قد أتاح المادة الكيميائية بتركيز مفيد، كما أنها كانت ستذوب سريعاً إذا وقع الاصطدام في المحيط.

وأوضح أنسلو أن تهيئة الظروف اللازمة لحدوث الكيمياء قبل الحيوية تتطلب أيضاً كثيراً من الجزيئات الأولية الأخرى، مثل المركبات التي تحتوي على الفوسفور والكبريت، وهي مواد لا توجد بانتظام في المذنَّبات.

وقال: «المذنَّبات جيدة جداً في إيصال سيانيد الهيدروجين، لكن نظراً إلى أن موقع اصطدام المذنَّب بالأرض عشوائي، لا يمكن ضمان وجود كل المواد الأخرى اللازمة لهذه التفاعلات الكيميائية في الموقع نفسه».

وإذا لم تكن المذنَّبات قد جلبت اللبنات الأساسية للحياة إلى الأرض، فإن هناك مسارات أخرى واعدة يمكن استكشافها، حسب أنسلو.

وأشار أنسلو إلى نتائج حديثة توصل إليها العلماء من خلال دراسة عينات من كويكبي «بينو» و«ريوغو»، أظهرت احتواءهما على معظم الأحماض الأمينية التي تدخل في بناء البروتينات.

وتطرح الدراسة الجديدة احتمالاً آخر مثيراً للاهتمام، وهو أن كوكب المريخ القديم ربما كان أكثر ملاءمة لتكوين سيانيد الهيدروجين الناتج عن اصطدام المذنَّبات، مقارنةً بالأرض.

وقال أنسلو: «لأن المريخ أصغر بكثير من الأرض وأبعد عن الشمس، فإن السرعة المعتادة لاصطدام المذنَّبات به أقل بكثير. ولذلك، بينما كانت هذه الاصطدامات تدمر معظم سيانيد الهيدروجين على الأرض، لم يكن الأمر كذلك بالقدر نفسه على المريخ».

وقد يضيف هذا الاحتمال بُعداً جديداً إلى السؤال القائم منذ فترة طويلة بشأن ما إذا كان الكوكب الأحمر قد احتضن الحياة في الماضي.

وقال أنسلو: «إنها مجرد وجهة نظر إضافية ينبغي أن نضعها في الحسبان عندما نحاول فهم التطور المبكر للمريخ بمزيد من التفصيل».

نظرية المذنَّبات لا تزال قائمة

وفي حين حلل مؤلفو الدراسة بالتفصيل مدى قدرة سيانيد الهيدروجين على الصمود أمام اصطدام المذنَّبات، قالت كوينى تشان، الأستاذة المشاركة في علوم الأرض بجامعة «رويال هولواي» في لندن، والتي لم تشارك في الدراسة، إن المادة الكيميائية ربما خضعت لتفاعلات قبل دخول الأجرام الجليدية الغلاف الجوي للأرض، وأوضحت أن هذه العملية ربما أدت إلى تكوين مركبات مهمة بيولوجياً، مثل اللبنات الأساسية للبروتينات، تكون أقل تطايراً وأكثر قدرة على الصمود.

وكتبت تشان في رسالة عبر البريد الإلكتروني: «لذلك، فإن عدم كفاءة إيصال سيانيد الهيدروجين سليماً لا يستبعد تماماً احتمال أن تكون المذنَّبات قد أسهمت في توفير مركبات عضوية مهمة أخرى، ربما شاركت في تكوين المخزون العضوي قبل الحيوي للأرض، قبل ظهور الحياة».

من جانبها، قالت نيكول زيلنر، أستاذة الفيزياء في كلية ألبيون بولاية ميشيغان الأميركية، في رسالة عبر البريد الإلكتروني، إنها لم تفاجأ بالنتائج.

ورغم ترددها أيضاً في استبعاد المذنَّبات بوصفها أحد العوامل المحتملة التي أسهمت في ظهور الحياة، أقرت بأن «المؤلفين وضعوا بالفعل بعض المعايير الجيدة لتحديد مدى احتمالية حدوث ذلك».