اختراق تقني لتصنيع الروبوتات بطرق مدعمة بالذكاء الاصطناعي

أميركا تتهيأ لتعزيز إنتاجها محلياً لتحدي الصين

اختراق تقني لتصنيع الروبوتات بطرق مدعمة بالذكاء الاصطناعي
TT

اختراق تقني لتصنيع الروبوتات بطرق مدعمة بالذكاء الاصطناعي

اختراق تقني لتصنيع الروبوتات بطرق مدعمة بالذكاء الاصطناعي

قد تُحدث طريقة جديدة لتدريب روبوتات المصانع، ثورة في كيفية تصنيع الجيوش للطائرات من دون طيار وغيرها من الأسلحة، ما يُتيح تصنيعاً بكميات كبيرة بالقرب من خطوط المواجهة.

وبعيداً عن ساحة المعركة، تُوضح هذه الطريقة مساراً مُحتملاً للمضي قدماً في عصر التصنيع المُقبل، وهو موضوع محوري في المنافسة بين الولايات المتحدة والصين الذي تُطلق عليه استراتيجية الدفاع الوطني «تحدي محدودية وتيرة التصنيع».

تصنيع محرَّك بالذكاء الاصطناعي

تُقدم الورقة البحثية، المنشورة في عدد يناير (كانون الثاني) الماضي من «المجلة الدولية للتصنيع المُتطرف»، رؤية تحويلية للتصنيع الإضافي المُحرَّك بالذكاء الاصطناعي (AAM) AI-driven additive manufacturing.

لا تستطيع روبوتات المصانع الحالية سوى القيام بعدد مُحدد من الحركات الثابتة، ويصعب تكيفها مع المهام الجديدة، وتتطلب أماكن مُتخصصة للغاية في طوابق الإنتاج، فهي لا تستطيع مثلاً رؤية متى يتم صفُّها في اصطفاف غير صحيح، أو متى ترتكب هي نفسها الأخطاء.

طريقة مطورة لتدريب الروبوتات

وبالمقابل، تستخدم الطريقة الجديدة (التي طورها فريق دولي من الباحثين من جامعة ولاية كاليفورنيا، نورثريدج؛ والجامعة الوطنية في سنغافورة؛ ومختبر الدفع النفاث التابع لوكالة ناسا؛ وجامعة ويسكونسن-ماديسون) مهندسين ذوي مهارات عالية لتدريب الروبوتات على نطاق أوسع بكثير للحركات الشبيهة بالحركات البشرية، ما يُمكِّنها من إدراك وفهم ما تفعله (على مستوى أساسي).

وعند دمجها مع تقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد، يفتح هذا التطوير المجال أمام إمكانية التصنيع الكامل للإلكترونيات من البداية إلى النهاية، مثل الطائرات الصغيرة من دون طيار التي تُعيد تشكيل ساحة المعركة.

الصراع الأميركي الصيني

لكن هذا التطوير يُعالج أيضاً سؤالاً رئيسياً، يكمن في جذور صراع النفوذ الشامل بين الولايات المتحدة والصين: كيفية زيادة القوة التصنيعية للولايات المتحدة.

وقد أطلق «البنتاغون» عدة مبادرات لإعادة إنتاج أشياء مثل الإلكترونيات الدقيقة إلى الداخل الأميركي، عادّاً هيمنة الصين في تلك القطاعات عبئاً استراتيجياً. ويعكس قانون رقائق الكومبيوتر والعلوم لعام 2022 الذي يخصص أكثر من 52 مليار دولار لتصنيع أشباه الموصلات محلياً، اعترافاً مشتركاً بين الحزبين بأن القدرة الصناعية (المحلية) تدعم القوة العسكرية والاقتصادية. فمن دون وصول محلي آمن إلى التقنيات الحيوية، تُخاطر الولايات المتحدة بتأخير العمليات، وأنظمة الأسلحة المُعرَّضة للخطر، وتراجع قدرتها على الردع في النزاعات المستقبلية.

لكن الولايات المتحدة تعاني نقصاً حاداً في العمالة الماهرة اللازمة لتحقيق هذه الأهداف. وتتوقع معاهد مثل المعهد الوطني للمعايير والتكنولوجيا، بالإضافة إلى رؤساء الصناعة، أنه حتى مع الاستثمار الحكومي، سيستغرق بناء تلك القوى العاملة 7 سنوات على الأقل.

الروبوتات والأتمتة

وقد صرح وزير التجارة هوارد لوتنيك، هذا الشهر، بأن الروبوتات والأتمتة يمكن أن تلعب دوراً رئيسياً في نهضة صناعية تقودها الولايات المتحدة. وتدفع كثيراً من شركات الروبوتات الأميركية نحو استراتيجية وطنية لتعزيز أتمتة التصنيع.

ومع ذلك، فإن الوضع الحالي لروبوتات المصانع لا يرقى إلى مستوى الآمال في انتقال سريع إلى أتمتة المصانع. ويشير تقرير صادر عن مجموعة بوسطن الاستشارية عام 2019 إلى أمر بَدَهِيٍّ: تفتقر روبوتات التصنيع إلى قدرة العمال البشريين على التكيف والبراعة، كما تفتقر الروبوتات إلى قدرات حل المشكلات التي لا تزال أساسية لإنتاج الأشياء فعلياً.

ولهذا السبب تُعدُّ هذه الورقة البحثية الجديدة بالغة الأهمية. قال المؤلف المشارك بينجبينج لي من جامعة ولاية كاليفورنيا، نورثريدج، إن أساليب التصنيع التقليدية، وحتى الروبوتات: «تحتاج إلى كثير من المهندسين المدربين تدريباً جيداً». وحتى أكثر الطابعات ثلاثية الأبعاد تقدماً غالباً ما تتطلب خطوات يدوية لإدخال التصميم، واختيار العملية، أو المعالجة اللاحقة.

مشروع جديد

تتضمن رؤية مشروع «AAM» في الورقة البحثية استقلالية شاملة: بدءاً من إعداد نماذج التصميم بمساعدة الحاسوب ودمجها، وصولاً إلى الجدولة، وتحسين العمليات، وآلات ما بعد الطباعة، وكلها تُدار بواسطة أسطول من الروبوتات أو الطائرات من دون طيار المتعاونة.

سيكون هذا التكامل بالغ الأهمية للتصنيع في الفضاء الخارجي، ومن هنا جاء اهتمام ودعم وكالة «ناسا». وقال لي إنه كان على اتصال أيضاً بمتعاقدين عسكريين ومكتب الاختبار والتقييم التشغيلي التابع لوزارة الدفاع الأميركية، لمشروع دفاعي قد يبدأ في مايو (أيار)، في حال الحصول على الموافقات النهائية.

يعتمد مشروع «AAM» بشكل كبير على ما يُطلق عليه المؤلفون التصميم المتكامل مع المستشعرات: استخدام كثير من مستشعرات الضوء المرئي والحرارة وظواهر أخرى لخلق نوع من الإدراك في «دماغ» برمجي.

دماغ روبوتات المصانع

سيتكون هذا الدماغ الذي يُميز روبوتات المصانع المستقبلية عن روبوتات اليوم، من 4 طبقات: «طبقة المعرفة» في قاعدة النموذج، تجمع البيانات من المستشعرات، وعمليات المحاكاة والعمليات السابقة. تستخدم «طبقة الحلول التوليدية» أدوات الذكاء الاصطناعي، مثل نماذج اللغة الكبيرة والرسوم البيانية المعرفية، لنمذجة عملية صنع القرار. وتُنفِّذ «الطبقة التشغيلية» القرارات على الأجهزة والبرمجيات وأنظمة الروبوتات؛ بينما تُمكِّن «الطبقة المعرفية» الآلات من اتخاذ القرارات، مما يسمح لها بالتفكير والتصرف، وحتى التأمل.

وكتب مؤلفو الدراسة: «ضمن هذه الطبقة (المعرفية)، يعمل وكلاء الذكاء الاصطناعي كوحدات تحكم عالية المستوى؛ حيث تُقيِّم مجموعة المهارات في الطبقة التشغيلية لاختيار المهارات المناسبة لتنفيذ المهام بناءً على الوضع الراهن». وأضافوا: «يتولى هؤلاء الوكلاء مسؤولية تخطيط وتنفيذ الإجراءات المثلى، والانخراط في عملية تعلم مدى الحياة تُعزز خبراتها من خلال التأمل والتعلم المستمرين».

تشبه عملية التعلم هذه طريقة تفاعل البشر مع نماذج اللغة الكبيرة. في البداية، تكون النتائج عامة وعرضة للخطأ، ولكن مع مرور الوقت، تُنتج العلاقة بين المدرب والآلة نوعاً من الذكاء البشري يُمكن تكراره عبر روبوتات متعددة. وقال لي: «نأمل في تقليل التدخل البشري إلى الصفر تقريباً؛ لأننا نريد أتمتة العملية كلها».

تكيُّف روبوتي وإشراف بشري

ستعتمد درجة إمكانية أتمتة بعض عمليات التصنيع بشكل كبير على تعقيد المُنتَج، ومدى سرعة أنظمة الذكاء الاصطناعي في تعلم التكيف مع الأحداث الجديدة غير المتوقعة. وأضاف لي أن الخبراء البشريين سيظلون يلعبون دوراً حاسماً في هذه العملية، ولكنهم أقرب إلى دور المشرفين منهم إلى دور المشغلين. فبدلاً من القيام بالمهام اليدوية التي تتجاوز قدرة الروبوت، سيساعد الإنسان الروبوتات على تطوير وتحسين طرق التعامل مع الأحداث غير المتوقعة والتحقق منها.

في الوضع المثالي، سيصبح الذكاء الاصطناعي ذكياً بما يكفي للتفكير في كيفية تحسين التصاميم البشرية، من خلال ما يُطلق عليه المؤلفون «أدوات التصميم التوليدية».

وكتب المؤلفون: «تمهد هذه التطورات الطريق لإنشاء محتوى ثلاثي الأبعاد، مما قد يقربنا من تحقيق مبدأ (ما تفكر فيه هو ما تحصل عليه)». وأضافوا: «من خلال استكشاف مساحات تصميمية شاسعة، تُنتج هذه الأدوات حلولاً مبتكرة قد تغفلها الطرق التقليدية».

تطبيقات في الساحات العسكرية

في السياق العسكري، يعني هذا أن بإمكان الجندي في الميدان مسح (تصوير) قطعة معطلة، ويمكن لنظام مُحسَّن بالذكاء الاصطناعي إعادة تصميم وطباعة بديل لها بأقل قدر من الإشراف، وهي قدرة قد تُقلل بشكل كبير من احتياجات التوظيف والخدمات اللوجستية في الجبهة.

وأكدت وزارة الدفاع، بما في ذلك وكالة مشاريع البحوث الدفاعية المتقدمة (DARPA)، بشكل متزايد على التصنيع الآمن والقابل للتطوير، والقابل للتوصيل عند الطلب للبيئات اللوجستية المتنازع عليها.

وتُقدم طريقة التصنيع بالحلقة المغلقة (AAM) التي تستخدم أجهزة استشعار متعددة، وتُغذي ذكاءً متعدد الطبقات، خريطة طريق، لا لإنتاج أكثر ذكاءً؛ بل لقدرات تصنيع مرنة وقابلة للتكيف يُمكن أن تُعيد تعريف الخطوط الأمامية الصناعية.

تحديات صينية

لكن هذا التقدم يُسلط الضوء أيضاً على تحديات خطيرة أخرى تعيق مستقبلاً أكثر أتمتة للتصنيع، ألا وهي أن الصين تتصدر حصة السوق في المكونات الرئيسية التي تحتاج إليها الروبوتات، مثل أجهزة الاستشعار والمشغلات. بالإضافة إلى ذلك، تتمتع الصين بإمكانية وصول أكبر بكثير إلى المواد اللازمة لطباعة وتصنيع المنتجات -بما في ذلك الأسلحة- في المصانع التي تديرها الروبوتات. ومع أن الروبوتات ستُمكِّن الولايات المتحدة من بناء مزيد من الأشياء، فإنها لن تُصنِّع نفسها بنفسها.

* مجلة «ديفينس وان»، خدمات «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

الاقتصاد جانب من ملتقى «حكومة الرقمية 2025» (الهيئة)

الحكومة السعودية تواصل تقدمها في استخدام التقنيات الناشئة لتتجاوز 76 %

أعلنت هيئة الحكومة الرقمية السعودية تقرير «مؤشر جاهزية تبنّي التقنيات الناشئة»، الذي يؤكد التطور المتسارع في جاهزية الجهات الحكومية لتبنّي التقنيات الناشئة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
علوم بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية

الذكاء الاصطناعي في الطب

نحو 64 % من الدول الأوروبية باتت تعتمد الذكاء الاصطناعي في مجالات التشخيص.

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
خاص مراكز البيانات المدارية قد تكون مفيدة عندما تكون البيانات مولودة في الفضاء أو متسامحة مع التأخير (شاترستوك)

خاص مراكز البيانات المدارية... هل تخفف اختناق الذكاء الاصطناعي أم تبقى حلاً متخصصاً؟

تبرز مراكز البيانات المدارية كخيار ناشئ لتخفيف اختناقات طاقة الذكاء الاصطناعي، لكنها تبدو أقرب إلى حل متخصص، لا بديل شامل.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
الاقتصاد يظهر شعار شركة «إس كيه هاينكس» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

استثمار ملياريّ لـ«إس كيه هاينكس» لتعزيز ريادتها في رقائق الذكاء الاصطناعي

أعلنت شركة «إس كيه هاينكس»، يوم الأربعاء، أنها تخطط لاستثمار 19 تريليون وون (12.85 مليار دولار) في إنشاء مصنع جديد بكوريا الجنوبية.

«الشرق الأوسط» (سيول)

الذكاء الاصطناعي في الطب

بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية
بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية
TT

الذكاء الاصطناعي في الطب

بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية
بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية

في الطب، لا تبدأ الحقيقة دائماً بما نراه... بل كثيراً بما لا يُعرض علينا أصلاً، فالأرقام، مهما بدت دقيقة، لا تحكي القصة كاملة، والخوارزميات، مهما بلغت من ذكاء، لا تُفصح عن حدودها بصراحة.

حين تعتمد أوروبا على الذكاء الاصطناعي

تقرير أوروبي

في هذا السياق، صدر تقرير حديث عن منظمة الصحة العالمية - المكتب الإقليمي لأوروبا، ونُشر رسمياً في 20 أبريل (نيسان) 2026، ليُقدّم أول صورة شاملة عن واقع استخدام الذكاء الاصطناعي في الأنظمة الصحية داخل دول الاتحاد الأوروبي. لا بوصفه وعداً تقنياً، بل محاولة لقياس ما أصبح بالفعل جزءاً من الممارسة الطبية اليومية: مَن يستخدم هذه الأنظمة؟ كيف تُدمج في القرار السريري؟ وإلى أي حد يمكن الوثوق بها؟

ما الذي نقيسه... وما الذي يغيب عنا؟

لكن ما يلفت الانتباه في هذا التقرير، ليس فقط ما كشفه من أرقام بل ما تركه خارج القياس. فبينما يشير إلى أن نحو 64 في المائة من الدول الأوروبية باتت تعتمد الذكاء الاصطناعي في مجالات التشخيص، خصوصاً في تحليل الصور الطبية، يظل السؤال الأعمق معلقاً: هل تكفي هذه المؤشرات لفهم ما يحدث فعلاً داخل غرفة القرار الطبي؟

في مقالات سابقة، كان السؤال: مَن يقرر؟ أما اليوم، فقد تغيّر السؤال: ماذا لا نرى؟

بين الانتشار والفهم... فجوة لا تُرى

لم يعد إدخال أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى المستشفيات تحدياً تقنياً يُذكر؛ فالنماذج قادرة اليوم على تحليل آلاف الصور الطبية في لحظات، واقتراح مسارات تشخيصية بدقة لافتة. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في القدرة على الاستخدام، بل في القدرة على الفهم: ماذا تفعل هذه الأنظمة حين تعمل؟ وأين تتوقف حدودها؟

تفاوت الجاهزية البشرية والتنظيمية

يكشف تقرير منظمة الصحة العالمية عن تفاوت واضح بين الدول، لا في توفر التكنولوجيا، بل في جاهزيتها البشرية والتنظيمية؛خصوصاً في مجالات الحوكمة الأخلاقية، وتأهيل الأطباء، وإدارة البيانات. لكن هذا التفاوت الظاهر يخفي وراءه فجوة أعمق، لا تُقاس بسهولة.

إنها فجوة معرفية قبل أن تكون تقنية، فالذكاء الاصطناعي لا يعمل بمنطق الشك الذي اعتاد عليه الطبيب، ولا يعلن عن مناطق ضعفه كما يفعل العقل البشري حين يتردد. إنه يولد إجابات، لكنه لا يكشف عمّا استُبعد من الحساب، ولا عمّا لم يُمثَّل في البيانات أصلاً.

هنا يظهر ما يمكن تسميته بـ«الصمت الخوارزمي»؛ ليس بوصفه خللاً في الأداء، بل خاصية بنيوية في هذه الأنظمة: فراغ غير مرئي داخل القرار؛ حيث لا يكون الخطأ في ما قِيل، بل فيما لم يُطرح أصلاً.

هل يُقاس الطب بالخوارزميات وحدها؟

في بيئة طبية تتسارع فيها الأنظمة الذكية، يسهل اختزال جودة الرعاية الصحية في مؤشرات الأداء: دقة أعلى، وقت أقل، وقرارات أسرع. غير أن هذا القياس، على أهميته، يظل عاجزاً عن التقاط جوهر القرار الطبي. فالطب لا يقوم فقط على ما يُكتشف، بل على كيفية التعامل مع ما يظل غير محسوم.

الطبيب لا يعمل داخل معادلة مغلقة، بل داخل مساحة مفتوحة من الاحتمالات؛ حيث تُعاد صياغة القرار مع كل معلومة جديدة، ومع كل شك يظهر في الطريق. وهذا ما لا تعكسه المؤشرات الرقمية، ولا تُترجمه النماذج الحسابية بسهولة.

تفاعل الطبيب

التقرير الأوروبي يقيس مدى انتشار الذكاء الاصطناعي، لكنه لا يقيس كيفية تفاعل الطبيب مع مخرجاته: متى يقبلها؟ ومتى يعيد تفسيرها؟ ومتى يختار أن يتجاوزها؟ هذه اللحظات -التي لا تُسجل في البيانات- هي التي تُشكّل جوهر الممارسة السريرية.

وهنا تتجلى المفارقة بوضوح: كلما أصبحت الأنظمة أكثر دقة في الإجابة، ازدادت الحاجة إلى عقل قادر على إعادة طرح السؤال.

من يكتب القواعد... الإنسان أم الآلة؟

يُظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن الدول الأوروبية لا تتحرك بإيقاع واحد في تنظيم الذكاء الاصطناعي الطبي؛ فبعضها صاغ استراتيجيات وطنية واضحة، في حين لا يزال بعضها الآخر في طور البحث عن إطار ينظم ما يتسارع قبل أن يُفهم بالكامل.

غير أن المسألة لا تتعلق فقط بوجود القوانين، بل بطبيعة ما نحاول تنظيمه. فالذكاء الاصطناعي لم يعد أداة ثابتة يمكن إخضاعها لقواعد جامدة، بل نظام يتعلم ويتغير، وتتشكل مخرجاته من تفاعل معقد بين البيانات والسياق وطريقة الاستخدام.

وهنا تظهر مفارقة تنظيمية عميقة: نحن نكتب قواعد لأنظمة لا تتوقف عن إعادة تشكيل نفسها. فالقانون يفترض ثبات السلوك، في حين تقوم هذه الأنظمة على التحول المستمر.

لهذا، لم تعد مساءلة الذكاء الاصطناعي مساءلة تحديد «من أخطأ»، بل فهم كيف تُشكّل القرار أصلاً، ومن أين بدأ مساره. إنها مساءلة لا تبحث فقط في النتيجة، بل في البنية التي أنتجتها، وهذا ما يجعلها أقرب إلى سؤال فلسفي منه إلى إجراء تنظيمي تقليدي.

أوروبا تتقدم... فماذا عن العالم العربي؟

ما يلفت النظر في تقرير منظمة الصحة العالمية ليس فقط ما حققته أوروبا، بل ما يكشفه ضمنياً عن موقعنا نحن في هذه الخريطة المتحركة. ففي العالم العربي، تبدو الصورة غير متجانسة، بل أقرب إلى تفاوت حاد بين دول تقود التجربة، وأخرى لا تزال في بداياتها الأولى.

المملكة تقود التحول حيث يلتقي الطب بالذكاء

في المقدمة، تبرز المملكة العربية السعودية نموذجاً يقود التحول في الذكاء الاصطناعي الطبي، ضمن رؤية استراتيجية واضحة ترتبط بـ«رؤية السعودية 2030»؛ حيث لم يعد الاستخدام مقصوراً على التجريب، بل أصبح جزءاً من البنية التشغيلية في المستشفيات، ومنصات الرعاية الافتراضية، وتحليل البيانات الصحية على نطاق واسع.

تلي السعودية كل من قطر والإمارات العربية المتحدة بخطوات متفاوتة؛ حيث تتشكل منظومات واعدة، لكنها لم تصل بعد إلى مستوى التكامل الشامل الذي نشهده في التجربة السعودية.

أما بقية العالم العربي، والتي تمثل أكثر من 70 في المائة من الدول، فتتراوح بين مراحل وضع الأسس الأولية للذكاء الاصطناعي الطبي، أو غيابه شبه الكامل عن الممارسة السريرية المنظمة. وهنا لا تكون الفجوة تقنية فحسب، بل فجوة في الرؤية والتخطيط والجاهزية البشرية.

لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في تسريع التبني فقط، بل في كيفية توجيهه. فالسؤال لم يعد: كم نظاماً نملك؟ بل: كيف نستخدمه؟ ومن يفسر نتائجه؟ وهل الطبيب العربي اليوم مُهيأ ليكون شريكاً في القرار، لا مجرد متلقٍ لمخرجاته؟

ما الذي لا يظهر في التقارير؟

ربما يكون أهم ما كشفه تقرير منظمة الصحة العالمية... هو ما لم يقله صراحة. فبين الأرقام، تختفي تفاصيل لا تُقاس: قلق طبيب شاب أمام توصية لا يفهم آليتها، أو مريض يبدأ موازنة ثقته بين الإنسان والنظام.

هذه المساحات غير المرئية ليست هامشية، بل هي التي تُشكّل جوهر القرار الطبي؛ حيث تتقاطع الدقة مع الشك، والتوصية مع المسؤولية.

الخلاصة: السؤال الذي تغيّر

في نهاية المطاف، لا يكمن السؤال فيما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيُستخدم في الطب، بل في مَن يقود القرار حين يلتقي الإنسان بالخوارزمية.

في هذا العصر، لم تعد الأخطاء تختبئ فقط في القرارات الخاطئة، بل في القرارات التي لم تُتخذ، وفيما لم يُعرض أصلاً على طاولة التفكير السريري. ولهذا، لم يعد السؤال: هل أخطأ النظام؟ بل أصبح:

ما الذي لم نره... وكان ينبغي أن يكون جزءاً من القرار؟


«ناسا» تكشف عن تلسكوب سيوفر «أطلساً جديداً للكون»

صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)
صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)
TT

«ناسا» تكشف عن تلسكوب سيوفر «أطلساً جديداً للكون»

صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)
صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)

كشفت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) عن تلسكوبها الفضائي الجديد «رومان» القادر على مسح أجزاء شاسعة من الكون بحثاً عن كواكب خارجية، وكذلك عن إجابات لأكبر الألغاز الفيزيائية المتمثلة في المادة والطاقة المظلمتين.

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مدير «ناسا» جاريد آيزاكمان قوله أمس (الثلاثاء) من مركز غودارد التابع للوكالة في ولاية ماريلاند (شرق الولايات المتحدة)، إن هذا التلسكوب من الجيل الأحدث «سيوفِّر لكوكب الأرض أطلساً جديداً للكون».

وسيُنقل التلسكوب الذي يتجاوز طوله 12 متراً والمزوَّد ألواحاً شمسية ضخمة إلى فلوريدا، تمهيداً لإرساله إلى الفضاء في أقرب وقت مطلع سبتمبر (أيلول)، بواسطة صاروخ تابع لشركة «سبيس إكس».

وأُطلقت تسمية «رومان» على هذا التلسكوب الذي فاقت تكلفته 4 مليارات دولار، تيمناً بنانسي غريس رومان، إحدى أهم عالمات الفلك الأميركيات، والملقبة بـ«أم هابل»، نسبة إلى تلسكوب «هابل» الشهير التابع لـ«ناسا».

ومن نقطة مراقبة تبعد 1.5 مليون كيلومتر عن كوكب الأرض، سيمسح «رومان» مناطق شاسعة من السماء، بفضل مجال رؤيته الواسع الذي يفوق مجال رؤية «هابل» بأكثر من مائة مرة.

وقال مهندس الأنظمة في مهمة «رومان» مارك ميلتون، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن التلسكوب الجديد سيُرسِل إلى الأرض «11 تيرابايت من البيانات يوميّاً، ما يعني أن كمَّ البيانات التي سيوفِّرها في السنة الأولى وحدها يفوق ما جمعه تلسكوب هابل طوال فترة عمله» منذ دخوله الخدمة قبل 35 عاماً.

وتوقَّعت المسؤولة عن الأنشطة العلمية في «ناسا» نيكي فوكس، أن يتيح «رومان» بفضل عدسته الواسعة الزاوية «اكتشاف عشرات الآلاف من الكواكب الجديدة»، فضلاً عن «آلاف المستعرات العظمى» أي النجوم الضخمة التي شارفت دورة حياتها نهايتها.

لكنَّ «رومان» يهدف أيضاً إلى دراسة ما هو غير مرئي، أي دراسة المادة والطاقة المظلمتين اللتين يُعتقد أنهما تمثِّلان 95 في المائة من الكون.

وبفضل الأشعة تحت الحمراء، سيتمكَّن «رومان» من رصد الضوء المنبعث من أجرام سماوية قبل مليارات السنين، والعودة بذلك إلى الماضي، لفهم هاتين الظاهرتين الغامضتين بصورة أفضل.


دراسة: دخان حرائق الغابات قد يرفع خطر الإصابة بأنواع من السرطان

جانب من حرائق غابات في إزمير (إكس)
جانب من حرائق غابات في إزمير (إكس)
TT

دراسة: دخان حرائق الغابات قد يرفع خطر الإصابة بأنواع من السرطان

جانب من حرائق غابات في إزمير (إكس)
جانب من حرائق غابات في إزمير (إكس)

خلصت دراسة قدمت في اجتماع الجمعية الأميركية لأبحاث السرطان في سان دييغو إلى أن التعرض للدخان الناتج عن حرائق الغابات يرتبط بارتفاع كبير في مخاطر الإصابة بعدة أنواع من السرطان.

وحلل الباحثون بيانات عن انتشار الإصابة بالسرطان من تجربة فحص سرطان البروستاتا والرئة والقولون والمستقيم والمبيض، والتي تتعقب حالات التشخيص الجديدة بالسرطان لدى بالغين في أنحاء الولايات المتحدة ليس لديهم تاريخ سابق من الإصابة بالأورام الخبيثة.

ولتحديد مقدار التعرض لدخان حرائق الغابات، أجرى الباحثون تقييما للجسيمات الدقيقة والكربون الأسود في الجو باستخدام بيانات تلوث الهواء على مستوى سطح الأرض من الأحياء التي يعيش فيها المشاركون، إلى جانب صور الأقمار الصناعية التي ساعدت في حساب عدد الأيام التي تعرضت فيها مناطق إقامتهم للدخان.

ومن بين 91460 مشاركا تم تسجيل بياناتهم بين عامي 2006 و2018، ارتبط التعرض لدخان حرائق الغابات بشكل كبير بزيادة خطر الإصابة بسرطان الرئة والقولون والمستقيم والثدي والمثانة والدم، ولكن ليس بسرطان المبيض أو الجلد.

ووجد الباحثون أيضا أن خطر الإصابة بهذه الأنواع من السرطان يزداد مع ارتفاع مستوى تلوث الهواء الناتج عن الحرائق.

وقال رئيس الدراسة تشي تشن وو من مركز السرطان الشامل بجامعة نيو مكسيكو في بيان «الرسالة الرئيسية هي أن دخان حرائق الغابات ليس مجرد مشكلة قصيرة الأمد تتعلق بالجهاز التنفسي أو القلب والأوعية الدموية. فقد ينطوي التعرض المزمن له أيضا على مخاطر الإصابة بالسرطان على المدى الطويل».

وأضاف «من الملحوظ أن زيادة خطر الإصابة بالسرطان قد تحدث حتى عند مستويات منخفضة نسبيا من دخان حرائق الغابات (الجسيمات الدقيقة) التي يتعرض لها السكان عادة».

وأشار وو أيضا إلى أن مصدر ومكونات دخان حرائق الغابات تختلف باختلاف المناطق الجغرافية، وقد تتأثر الصحة أيضا بالمركبات والتحولات الكيميائية التي تحدث للدخان أثناء انتشاره.