باحثون أميركيون يسبرون أغوار «تفكير» الذكاء الاصطناعي التوليدي

نشاط غامض ناجم عن إشارات رياضية وشبكات عصبية

باحثون أميركيون يسبرون  أغوار «تفكير» الذكاء الاصطناعي التوليدي
TT

باحثون أميركيون يسبرون أغوار «تفكير» الذكاء الاصطناعي التوليدي

باحثون أميركيون يسبرون  أغوار «تفكير» الذكاء الاصطناعي التوليدي

لماذا تُعد روبوتات الدردشة القائمة على الذكاء الاصطناعي ذكية للغاية، فهي قادرة على فهم الأفكار المعقدة، وصياغة قصص قصيرة رائعة بشكل مدهش، وفهم ما يقصده المستخدمون بديهياً؟ الحقيقة هي أننا لا نعرف الإجابة تماماً.

نشاط فكري غامض

تُفكر نماذج اللغة الكبيرة بطرق لا تبدو بشرية تماماً، إذ تتكون مخرجاتها من مليارات الإشارات الرياضية التي تتدفق عبر طبقات من الشبكات العصبية التي تعمل بأجهزة كمبيوتر ذات قوة وسرعة غير مسبوقتين. ويظل معظم هذا النشاط غير مرئي أو غامض بالنسبة لباحثي الذكاء الاصطناعي.

يُمثل هذا الغموض تحديات واضحة، لأن أفضل طريقة للتحكم في شيء ما، فهم كيفية عمله.

لقد كان لدى العلماء فهم راسخ للفيزياء النووية قبل بناء أول قنبلة أو محطة طاقة. ولكن لا يمكن قول الشيء نفسه عن نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدية. ولا يزال الباحثون العاملون في مجال سلامة الذكاء الاصطناعي، وهو فرع من فروع «التفسير الآلي»، والذين يقضون أيامهم في دراسة التسلسلات المعقدة للدوال الرياضية التي تُؤدي إلى إخراج هذه النماذج للكلمة أو البكسل (عنصر الصورة) التالي، يحاولون اللحاق بالركب.

أبحاث جديدة

الخبر السار هو أنهم يُحرزون تقدماً حقيقياً. ومثال على ذلك: إصدار بحثين جديدين من شركة أنثروبيك، يُقدمان رؤى جديدة حول «التفكير» الداخلي لبرنامج الدردشة الذكي.

«مجهر» لتدقيق الذكاء الاصطناعي

وكما تعتمد المعاملات داخل الشبكات العصبية على «الخلايا العصبية» في الدماغ، استعان باحثو أنثروبيك بعلم الأعصاب لدراسة الذكاء الاصطناعي. وصرّح جوشوا باتسون، عالم الأبحاث في «أنثروبيك»، لمجلة «فاست كومباني»، بأن فريقه طوّر أداة بحثية - أشبه بـ«مجهر الذكاء الاصطناعي» - يمكنها تتبع أنماط البيانات وتدفقات المعلومات داخل البرنامج الذكي، ومراقبة كيفية ربطه للكلمات والمفاهيم في طريقه إلى الإجابة.

قبل عام، لم يكن بإمكان الباحثين سوى رؤية سمات محددة لهذه الأنماط والتدفقات، لكنهم بدأوا الآن في ملاحظة كيف تُؤدي فكرة إلى أخرى من خلال سلسلة من التفكير المنطقي. ويقول باتسون: «نحاول ربط كل ذلك معاً، ونشرح خطوة بخطوة عند وضع مُوجِّه في نموذج، لماذا يقول الكلمة التالية؟ وبما أن إجابات النموذج تأتي كلمة تلو أخرى، فإذا استطعت تحليلها والقول: حسناً، لماذا قال هذه الكلمة بدلاً من تلك؟ يمكنك حينها فهم الأمر برمته».

الذكاء الاصطناعي والرياضيات

الذكاء الاصطناعي يُفكِّر بشكل مختلف - حتى عندما يتعلق الأمر بالرياضيات البسيطة.

ويُعزِز هذا البحث فكرة أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تُعالج المشكلات بشكل مختلف تماماً عن البشر. لا تُدرس الأنظمة مهام مثل الحساب بشكل صريح، بل تُعرَض عليها الإجابات الصحيحة، وتترك لتطوير مسارها الاحتمالي الخاص نحو هذا الاستنتاج.

درس باتسون وفريقه مثالاً بسيطاً على هذه الرياضيات - طلب من برنامج دردشة جمع العددين 36 و59 - ووجد أن «عملية» الذكاء الاصطناعي كانت مختلفة تماماً عن حسابات الإنسان العادي. فبدلاً من اتباع خطواتٍ بشرية، استخدم نموذج الاختبار نوعين من المنطق للوصول إلى الإجابة: تقريب الإجابة (هل هي في التسعينات؟) وتقدير الرقم الأخير منها. بجمع احتمالات الإجابات المختلفة، تمكن برنامج «كلود» الذي طورته شركة «أنثروبيك» من الوصول إلى المجموع الصحيح. يقول باتسون: «لقد تعلم بالتأكيد استراتيجية مختلفة في الرياضيات عن تلك التي تعلمناها في المدرسة».

التفكير بمفاهيم شمولية

درس الباحثون أيضاً ما إذا كانت برامج التعلم الآلي، التي غالباً ما تُحلل وتُنتج محتوى بلغات متعددة، تُفكّر بالضرورة بلغة الكلمات المُعطاة لها التي يوجهها المستخدم. يتساءل باتسون: «هل تستخدم الكلمات الإنجليزية فقط عند التعامل مع اللغة الإنجليزية، والأجزاء الفرنسية عند التعامل مع اللغة الفرنسية، والأجزاء الصينية عند التعامل مع اللغة الصينية؟... أم أن هناك أجزاءً من النموذج تُفكّر بالفعل بمفاهيم شمولية عالمية بغض النظر عن اللغة التي تعمل بها؟».

رموز عالمية تترجم إلى اللغات

وجد الباحثون أن برامج التعلم الآلي تقوم بكلا الأمرين. طلبوا من «كلود» ترجمة جمل بسيطة إلى لغات متعددة، وتتبعوا الرموز المتداخلة التي استخدمها أثناء المعالجة. تُمثّل هذه الرموز المُشتركة - أي مقتطفات من المعنى - أفكاراً جوهرية لا تعتمد على لغة مُحددة، مثل «الصغر» أو «التضاد». وقد أدى استخدام هذين الرمزين معاً إلى تمثيل مفهوم عالمي آخر يُمثّل «الكبر» (عكس الصغير هو الكبير). يستخدم النموذج هذه المفاهيم العالمية قبل أن يترجمها إلى لغة معينة للمستخدم.

يشير هذا إلى أن «كلود» يستطيع تعلم مفهوم مثل «الصغر» في لغة ما، ثم تطبيق هذه المعرفة عند التحدث بلغة أخرى دون أي تدريب إضافي، كما يقول باتسون. تُعدّ دراسة كيفية مشاركة النموذج لما يعرفه عبر السياقات أمراً مهماً لفهم طريقة تفكيره في الأسئلة في العديد من المجالات المختلفة.

نظم ذكية في التخطيط والارتجال

لا يفكر «كلود» فقط في الكلمة المنطقية التالية التي يجب توليدها، بل لديه أيضاً القدرة على التفكير «مستقبلاً». عندما طلب منه فريق البحث كتابة الشعر، أدرج «كلود» بالفعل أنماط القافية في أنماط معالجته. على سبيل المثال، بعد أن انتهى السطر بالعبارة الإنجليزية ـ «grab it»، اختار «كلود» كلمات في السطر التالي من شأنها أن تُهيئ بشكل جيد لاستخدام كلمة «rabbit» خاتمة.

الذكاء الاصطناعي ونَظْم القصائد الشعرية

يقول باتسون: «وجد أحد أعضاء فريقي أنه في نهاية هذا السطر، بعد (grab it)، وقبل أن يبدأ حتى في كتابة السطر التالي، كان يفكر في أرنب (rabbit)»، تدخل الباحثون بعد ذلك في تلك المرحلة تحديداً من العملية، فأدخلوا إما نظام قافية جديداً أو كلمة ختامية جديدة، وقام (كلود) بتغيير خطته وفقاً لذلك، مختاراً مساراً لفظياً جديداً للوصول إلى قافية منطقية.

يقول باتسون إن ملاحظة الشعر هي من مفضلاته لأنها تعطي نظرة واضحة نسبياً على جزء محدد من تفكير البرنامج الذكي في حل مشكلة ما، ولأنها تثبت أن أدوات الملاحظة التي استخدمها فريقه (مثل مجهر الذكاء الاصطناعي) تؤدي عملها.

تسلط دراسة الشعر الضوء على مقدار العمل الذي لا يزال يتعين القيام به.

يلتقط الباحثون في هذا الميدان لقطات سريعة، بنفس الطريقة التي قد يدرس بها عالم أعصاب الطريقة التي يحول بها إحدى مناطق «الحُصين (hippocampus)» البشري الذكريات قصيرة المدى إلى ذكريات طويلة المدى. يقول باتسون: «استكشاف هذا المجال المعقد أشبه بمغامرة في كل مرة، ولذلك كنا في الواقع نحتاج فقط إلى أدوات لفهم كيفية ترابط الأشياء وتجربة الأفكار والتنقل بينها... لذا، نمر بمرحلة التحقيق هذه بعد بناء المجهر، وننظر إلى شيء ما ونقول: حسناً، ما هذا الجزء؟ وما هذا الجزء؟ وما هذا الشيء هنا؟».

التوجيه نحو سلوك آمن

ولكن بافتراض أن شركات الذكاء الاصطناعي تواصل تمويل أبحاث قابلية التفسير الآلي وإعطائها الأولوية، فإن اللقطات ستتوسع وتبدأ في الترابط، ما يوفر فهماً أوسع لسبب ما تفعله البرامج الذكية.

إن الفهم الأفضل لهذه الأنماط يمكن أن يمنح الباحثين فهماً أفضل للمخاطر الحقيقية التي قد تشكلها هذه الأنظمة، بالإضافة إلى طرق أفضل «لتوجيه» الأنظمة نحو سلوك آمن وخير.

يشير باتسون إلى أننا قد نطور ثقة أكبر بأنظمة الذكاء الاصطناعي بمرور الوقت من خلال اكتساب المزيد من الخبرة في مخرجاتها. ومع ذلك، يضيف أنه سيكون «أكثر ارتياحاً بكثير إذا فهمنا أيضاً ما يجري (في الداخل)».

* مجلة فاست كومباني، خدمات «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

«ميتا» تطور نظارات ذكية تدعم العدسات الطبية لتوسيع الاستخدام اليومي

تكنولوجيا دمج العدسات الطبية في التصميم يجعل النظارات الذكية أقرب إلى الاستخدام اليومي بدلاً من كونها جهازاً إضافياً (ميتا)

«ميتا» تطور نظارات ذكية تدعم العدسات الطبية لتوسيع الاستخدام اليومي

تدعم نظارات "ميتا" الذكية العدسات الطبية لتوسيع الاستخدام لكنها تواجه تحديات في القيمة اليومية والخصوصية واعتماد المستخدمين على نطاق واسع.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا تتجه الرعاية الصحية نحو دمج مصادر بيانات متعددة لتكوين فهم أكثر شمولاً لحالة المريض (شاترستوك)

لم يعد الطبيب وحده… كيف يشارك الذكاء الاصطناعي في القرار الطبي؟

يعيد الذكاء الاصطناعي والبيانات المتكاملة تشكيل الرعاية الصحية نحو التنبؤ والتخصيص مع تحديات تتعلق بالجودة والخصوصية والتنظيم.

نسيم رمضان (لندن)
يوميات الشرق الأشخاص الذين يتمتعون بذكاء عاطفي عالٍ قادرون على خلق بيئة يشعر فيها الآخرون بالأمان النفسي (بيكسلز)

«قوة خارقة نادرة» تزداد أهميتها بزمن الذكاء الاصطناعي... هل تمتلكها؟

 لا يزال الذكاء الاصطناعي عاجزاً عن أداء جوانب إنسانية أساسية مثل بناء الثقة وإدارة التوتر وفهم المشاعر وجعل الآخرين يشعرون بالتقدير والاهتمام

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم الذكاء الاصطناعي أداة قوية لتنفيذ الأهداف الطموحة

الذكاء الاصطناعي أداة قوية لتنفيذ الأهداف الطموحة

القدرة على التعايش مع التوتر -دون تفاؤل ساذج أو خوف مُشلّ- إحدى أهم مهارات عصر الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
خاص جانب من منافسات كأس العالم للرياضات الإلكترونية في الرياض (واس)

خاص سوق الألعاب السعودية تقترب من 2.4 مليار دولار بنهاية 2025

بلغ حجم سوق الألعاب الإلكترونية في السعودية نحو 2.39 مليار دولار خلال عام 2025، في وقت تشهد فيه الصناعة تحولاً متسارعاً مدفوعاً بنمو قاعدة اللاعبين.

زينب علي (الرياض)

الذكاء الاصطناعي أداة قوية لتنفيذ الأهداف الطموحة

الذكاء الاصطناعي أداة قوية لتنفيذ الأهداف الطموحة
TT

الذكاء الاصطناعي أداة قوية لتنفيذ الأهداف الطموحة

الذكاء الاصطناعي أداة قوية لتنفيذ الأهداف الطموحة

حديثاً، طرح أحد المدرسين على الطلاب سؤالاً بسيطاً حول الذكاء الاصطناعي، خلال تدريسه لأحد مواضيع العلوم الإنسانية: «هل لاحظتم أنكم تُصبحون أكثر تعلقاً ببرامج الدردشة الآلية المُفضلة لديكم؟ على سبيل المثال: هل تجدون أنفسكم تُرددون كلمتَي: «من فضلك»، و«شكراً»، لبرامج الدردشة الآلية أكثر من ذي قبل؟». أومأ جميع الطلاب تقريباً بالموافقة.

ثم سأل المدرس: «لماذا؟»، حينها رفعت إحدى الطالبات يدها وقالت: «حتى يتذكر الذكاء الاصطناعي عندما يسيطر أنني كنت لطيفة معه». وضحك الطلاب، ولكن ليس كلهم، كما كتب ويل جونسون*.

الخوف والتهويل حول الذكاء الاصطناعي

تميل المناقشات العامة حول الذكاء الاصطناعي إلى التأرجح بشدة بين التهويل الواعد والكارثة. فمن جهة، نرى وعوداً بإنتاجية وإبداع غير مسبوقين. ومن جهة أخرى، لا يخلو الأمر من تحذيرات بشأن البطالة الجماعية، وفقدان القدرة على التأثير البشري، وحتى انقراض جنسنا البشري.

في استطلاع رأي وطني أجريناه في ديسمبر (كانون الأول) شمل أكثر من 1600 أميركي، أفاد نحو 4 من كل 10 أشخاص بقلقهم البالغ إزاء التهديد الوجودي الذي يمثله الذكاء الاصطناعي للبشرية. ويُضاهي مستوى هذا القلق مستوى القلق الذي يشعر به كثيرون حيال تغير المناخ. والجدير بالذكر أن هذا القلق يتجاوز السن والدخل والعِرق والجنس والانتماء السياسي.

وتستحق هذه المخاوف اهتماماً جاداً، لذا ينبغي للحكومات وشركات التكنولوجيا مواصلة الاختبارات والإشراف والضمانات الصارمة، للتأكد من التطوير المسؤول لنماذج اللغة الضخمة.

ولكن التركيز حصرياً على أسوأ السيناريوهات قد يُغفل سؤالاً أكثر هدوءاً، وربما أكثر أهمية: هل يُساعد الذكاء الاصطناعي الناس على أن يصبحوا أكثر وعياً بأهدافهم؟

الذكاء الاصطناعي: الغاية والهدف

لاستكشاف هذا السؤال، قدَّمنا ​​مقياساً جديداً في استطلاع رأي شمل بالغين أميركيين: «مقياس الذكاء الاصطناعي من أجل غاية وهدف محددين»، AI for Meaningful Purpose Scale» (AMPS)».

يسأل المقياس عما إذا كان الناس يشعرون بأن الذكاء الاصطناعي يُساعدهم على تحقيق أهداف مهمة بالنسبة لهم، وتطوير مهارات يجدونها ذات مغزى، والبقاء على اتصال بقيمهم وشعورهم بالاتجاه.

على سبيل المثال: هل يُساعد الذكاء الاصطناعي المعلمين على قضاء وقت أطول مع الطلاب بدلاً من الأعمال الورقية؟ هل يُساعد مقدمي الرعاية على التعامل مع الأنظمة الصحية المعقدة؟ هل يُتيح لكبار السن فرصاً جديدة للإبداع والتعلم والتواصل؟ وهل يُساعد الشباب -الذين يُعتبرون اليوم الجيل الأكثر قلقاً في التاريخ الحديث- على إيجاد مسار حياة يبدو حقيقياً وقابلاً للتحقيق؟

تباين رأي الأجيال

كان التباين بين الأجيال لافتاً للنظر. فقد كان الشباب أكثر ترجيحاً بـ«نعم» بمرتين تقريباً من الجيل الأسبق، للقول بأن الذكاء الاصطناعي يدعم هذه الأهداف الأعمق. وكان الرجال أكثر ترجيحاً بمرتين من النساء، للحصول على درجة عالية في مقياس «AMPS».

ومن المرجح أن تعكس هذه الفجوة اختلافات في درجة الوصول المتاحة للتكنولوجيا، والتشجيع، والخيارات المبكرة، أكثر من كونها اختلافات جوهرية في الاهتمام أو القدرة. وهذه التفاوتات ليست قدراً محتوماً، ولكنها مؤشرات مبكرة. وإذا حدث وأصبح الذكاء الاصطناعي عاملاً مُضاعفاً لقوة الحياة الهادفة، فلن يحدث ذلك تلقائياً أو بشكل عادل.

كيف يُمكن للذكاء الاصطناعي أن يُؤثر في الرفاهية؟

لكن ما أثار دهشتنا أكثر هو مدى ارتباط درجات مقياس «AMPS» بمؤشرات أوسع للرفاهية. كان الأشخاص الحاصلون على درجات عالية في مقياس «AMPS» يعبِّرون بأكثر من الضعف عن شعور قوي لديهم بالاعتداد وقدرة التأثير الشخصي، والتواصل الاجتماعي، والأمل في المستقبل. بعبارة أخرى: كانوا يبدون أكثر أملاً في ازدهار حياتهم.

وهذا لا يعني أن الذكاء الاصطناعي يجعل الناس سعداء بطريقة سحرية، ولكنه يشير إلى أنه عندما يستخدم الناس الذكاء الاصطناعي بطرق تتوافق مع ما يهمهم حقاً، فإنهم يشعرون بمزيد من الكفاءة والتوجيه.

وجهات نظر متضاربة

ظهرت إحدى أكثر النتائج إثارة للاهتمام عند دراسة كيفية امتلاك الناس وجهات نظر متضاربة حول الذكاء الاصطناعي. كانت الأجيال الأكبر سناً التي كانت قلقة للغاية بشأن التهديد الوجودي للذكاء الاصطناعي، أقل عرضة بنسبة أقل من النصف لاستخدامه في خدمة ما يهمهم حقاً. أما بين الشباب، فلم يكن القلق بشأن الذكاء الاصطناعي مؤشراً على عدم الانخراط فيه.

وكان أفراد جيل الشباب قلقين بشأن مخاطر الذكاء الاصطناعي تماماً مثل كبار السن، ومع ذلك، كانوا لا يزالون يستخدمونه بنشاط للتعلم والنمو والسعي وراء أهدافهم.

مهارة تقبُّل حقيقتين متناقضتين

يُظهر لنا هذا أن الأجيال الشابة تبدو أكثر استعداداً لتقبُّل حقيقتين تبدوان متناقضتين في آن واحد: أن الذكاء الاصطناعي قد يشكل مخاطر جسيمة، وأنه لا يزال بإمكانه أن يكون أداة قوية لحياة كريمة. قد تُصبح هذه القدرة على التعايش مع التوتر -دون تفاؤل ساذج أو خوف مُشلّ- إحدى أهم مهارات عصر الذكاء الاصطناعي.

كيف سيبدو مستقبل الذكاء الاصطناعي؟

لن يتحدد مستقبل الذكاء الاصطناعي بما سيؤول إليه تطوير الآلات فحسب؛ بل إن كيفية استخدام البشر لها، والغايات التي يسعون لتحقيقها، ستؤثر أيضاً على مسار تطوره وتُشكّله.

إذا تعاملنا مع الذكاء الاصطناعي كمجرد تهديد، أو أداة لزيادة الكفاءة، فإننا نُفوّت فرصة ثمينة. ولكن إذا استخدمناه بوعي، فبإمكانه أن يُعزز الإنتاجية؛ بل والغاية أيضاً. فهو يمنح الناس شعوراً بالقدرة على التأثير، ويُضفي الأمل والتواصل في زمنٍ يندر فيه كل ذلك.

إذن، السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيُغير حياتنا، فقد غيّرها بالفعل. السؤال هو: هل سنُصمم الذكاء الاصطناعي -ونُعلّم الناس استخدامه- بطرقٍ تُعزز إحساسنا بالمعنى والغاية بدلاً من أن تُمحوهما؟

* مجلة «فاست كومباني».


الصحافي أم الذكاء الاصطناعي: أيهما أفضل؟

الصحافي أم الذكاء الاصطناعي: أيهما أفضل؟
TT

الصحافي أم الذكاء الاصطناعي: أيهما أفضل؟

الصحافي أم الذكاء الاصطناعي: أيهما أفضل؟

يدور كثير من المناقشات حول ميزانيات التسويق اليوم في الشركات والمؤسسات، في سؤال واحد: هل نستثمر في توظيف كاتب؟ أم نترك للذكاء الاصطناعي كتابة المحتوى؛ خصوصاً أن النسخ المُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي سريعة وغير مكلفة، كما يزعم مصمموها أنها تتحسن في محاكاة أسلوب الكتابة البشري؟ هكذا تساءلت ديانا كيلي ليفي*.

أسلوب الكتابة البشري- إنساني

هنا تكمن المشكلة؛ إذ قد يبدو أسلوب كتابة الذكاء الاصطناعي بشرياً، ولكن الكُتّاب الحقيقيين يدركون أن الصحافة ليست مجرد أسلوب كتابة؛ بل هي ممارسة مبنية على العلاقات مع المصادر، والخبرة في الموضوع، والتجربة العملية. وهي الممارسة التي تُنتج تفاصيل مُدهشة أو عبارة مؤثرة تُثير مشاعر القارئ.

بين محتوى المقال وعمق التفاعل

لقد ثبت أن الذكاء الاصطناعي قادر على محاكاة بنية المقال، ولكنه لا يُحاكي حدس شخص أمضى سنوات في إجراء مقابلات مع الخبراء، والاستماع إلى مخاوف الجمهور، والتعاون مع محررين ذوي خبرة، وفهم ما يُبقي القراء مُتفاعلين.

وغالباً ما يشعر الجمهور عندما يبدو المحتوى عاماً ومكرراً؛ لأنهم يرغبون في تعلم شيء جديد أو الاستمتاع. ونادراً ما تحقق النقاط المتكررة في مجال الذكاء الاصطناعي أياً من هذين الهدفين.

قيمة الصحافيين

هنا تكمن قيمة الصحافيين؛ إذ يعمل كثير من كتّاب ومحرري المجلات السابقين الآن مع الشركات التجارية كمسوقين للمحتوى. وهم يستخدمون مهاراتهم الصحافية لصياغة قصص تجذب الانتباه، وتشرح المواضيع المعقدة، وتترك القراء متشوقين للمزيد.

الصحفي- الخيار الأمثل

إليكم 6 أسباب تجعل الصحافي الخيار الأمثل لفريق المحتوى لديكم:

1- الصحافيون مدرَّبون على الكتابة للناس، لا لمحركات البحث:

تُعلّمك دراسة الصحافة -وسنوات العمل في غرف الأخبار وعلى صفحات المجلات– الكتابة للشخص الجالس أمامك. وهذا يعني كتابة فقرات افتتاحية آسرة تجذب القراء. ويعني أيضاً الانتقالات المنطقية التي تحافظ على انسيابية القراءة. ويتجلى ذلك في فقرات ختامية تجمع كل شيء معاً برؤية واضحة.

2- يتمتع الصحافيون بانضباط فطري:

تُدرّب ثقافة غرف الأخبار الصحافيين على الالتزام بالمواعيد النهائية كأمر لا يقبل المساومة. ويلازمهم هذا الانضباط في جميع المشاريع. ويعتبر الصحافيون سرعة التسليم معياراً أساسياً في العمل. لذا، ينبغي على المؤسسات التي تبحث عن محتوى عالي الجودة يلتزم بالمواعيد النهائية أن تفكر في توظيف صحافيين سابقين.

سهولة القراءة ومتعتها

3- تحويل المواضيع المعقدة إلى مقالات سهلة القراءة وممتعة:

يعرف الصحافيون كيفية تحويل المواضيع التقنية المعقدة إلى مقالات يفهمها القارئ العادي ويتذكرها. إذا كانت مؤسستك تعمل في مجال الصحة، أو التمويل، أو القانون، أو الصيدلة، أو تكنولوجيا الأعمال، أو أي مجال يتطلب تعلماً سريعاً، فإن هذه المهارة لا تُقدّر بثمن.

4- يعرف الصحافيون كيفية إيجاد المصادر واستخدامها:

لم يكن هناك وقت أفضل من الآن لإضافة مزيد من اقتباسات الخبراء إلى المحتوى الإعلامي. ويعرف الصحافيون كيفية تحديد المصادر المناسبة، وإجراء المقابلات، ودمج تلك الأفكار في المحتوى بطريقة سلسة وطبيعية. قد تستغرق هذه المهارات سنوات لتطويرها، ولكنها تُحسّن المحتوى بشكل ملحوظ.

عناوين جذابة

5- يعتقد الصحافيون أن كتابة العناوين رياضة أولمبية:

ما الفرق بين المحتوى الذي يجتذب الناس والمحتوى الذي يمرون به مرور الكرام؟ العناوين. يُدرك الصحافيون الذين عملوا في الصحف والمجلات مدى أهمية العنوان المناسب لجذب انتباه القارئ، وحثّه على شراء المنشور.

إنّ القدرة الفطرية على فهم المشاعر التي تدفع القارئ للنقر على مقال أو فتح رسالة إخبارية من أي مؤسسة، تنبع من سنوات من التجربة والملاحظات التحريرية.

6- إتقان أسلوب المؤسسة في التعامل والحفاظ على جاذبية المحتوى:

إنّ العمل في منشورات ومجالات مختلفة، ومع جمهور متنوع، يُعلّم الصحافيين المخضرمين تغيير النبرة والأسلوب باستمرار. عندما تُوظّف صحافياً للكتابة لمؤسستك، فإنك ستُقدّر إضفاءه طابعاً شخصياً على المحتوى، مع الحفاظ على النبرة والأسلوب المُحددين في وثائق المؤسسة.

يمكن لنماذج اللغة الكبيرة اتباع دليل لتطوير الأسلوب، ولكنها لا تستطيع مُحاكاة ما يحدث عندما يستمع الصحافي إلى قصة شخص ما، ويُحوّل تلك المُحادثة إلى محتوى يتفاعل معه جمهورك، ويرغب في قراءته مُجدداً.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».


تحذيرات من طلب نصيحة الذكاء الاصطناعي في الأمور العاطفية والاجتماعية

تحذيرات من طلب نصيحة الذكاء الاصطناعي في الأمور العاطفية والاجتماعية
TT

تحذيرات من طلب نصيحة الذكاء الاصطناعي في الأمور العاطفية والاجتماعية

تحذيرات من طلب نصيحة الذكاء الاصطناعي في الأمور العاطفية والاجتماعية

سواء رغبنا في ذلك أم لا، فقد تسلل الذكاء الاصطناعي إلى أماكن العمل، ويتعرض كل الموظفين لضغوط لاستخدامه. ومع ذلك، ووفقاً لدراسة جديدة، قد يكون من الأفضل تجنب طلب المساعدة من الذكاء الاصطناعي في إدارة شؤونك العاطفية، كما كتبت سارة بريغل(*).

ذكاء اصطناعي «متملق»

نُشرت الدراسة المكونة من جزأين، بعنوان «الذكاء الاصطناعي المتملق يقلل من النيّات الاجتماعية الإيجابية ويعزز الاعتماد»، أخيراً في مجلة «ساينس». وأظهرت التجربة أن استخدام روبوتات الدردشة للحصول على نصائح شخصية والتعامل مع المواقف العاطفية قد يكون ضاراً، لأن النظام مصمَّم ليقول للناس ما يريدون سماعه. كما قد يؤدي استخدام روبوتات الدردشة إلى تعزيز السلوكيات المقلقة بدلاً من مساعدة الناس على تحمل مسؤولية أفعالهم، والاعتذار.

عدم تحمل المسؤولية... وعدم الاعتذار

قد يؤدي استخدام روبوتات الدردشة إلى تعزيز السلوكيات المقلقة بدلاً من مساعدة الناس على تحمل مسؤولية أفعالهم والاعتذار.

استطلاعات ودراسات

وأظهر استطلاع رأي أجرته شركة «Cognitive FX» أخيراً أن نحو 38 في المائة من الأميركيين يستخدمون روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي أسبوعياً للحصول على الدعم النفسي، فيما وجدت دراسة حديثة أجراها مركز «بيو» للأبحاث أن 12 في المائة من المراهقين يستخدمون الذكاء الاصطناعي للحصول على المشورة. ووفقاً لاستطلاع رأي أجرته مؤسسة «كايزر فاميلي فاونديشن (KFF)»، فإن عدم وجود تأمين صحي يُعدّ أيضاً عاملاً مُحفزاً للاستخدام، حيث إن البالغين غير المُؤمّنين صحياً ​​أكثر استخداماً له من أولئك المُؤمّنين ​​(30 في المائة مقابل 14 في المائة).

رصد انتشار «التملّق»

في الدراسة الأخيرة، بحث الباحثون مدى انتشار التملق -الذي يُعرَّف بأنه «ميل نماذج اللغة الكبيرة القائمة على الذكاء الاصطناعي إلى الموافقة المفرطة على آراء المستخدمين، أو التملق لهم، أو إضفاء الشرعية عليهم»- عبر 11 نموذجاً رائداً للذكاء الاصطناعي، بما في ذلك «جي بي تي 40» و«كلود» و«جيميناي».

أجرى الباحثون ثلاث تجارب شملت 2405 مشاركين.

* في الدراسة الأولى، زوّد الباحثون نظام الذكاء الاصطناعي بسلسلة من الأسئلة لطلب المشورة، ومنشورات من منتدى «هل أنا المخطئ AITA؟» على موقع «ريديت»، وسلسلة من الأوصاف حول الرغبة في إيذاء الآخرين أو النفس، ثم قارنوا ردود الذكاء الاصطناعي، بالأحكام البشرية. وبشكل عام، كانت النماذج أكثر ترجيحاً بنسبة 49 في المائة من الإنسان لتأييد تصرفات المستخدم، حتى لو كانت ضارة أو غير قانونية.

* في الدراسة الثانية، تخيّل المشاركون أنهم في سيناريو موصوف في منشور «AITA»، حيث حُكم على تصرفاتهم بأنها خاطئة. ثم قرأوا رداً كتبه إنسان يقول إنهم مخطئون، أو رداً كتبه الذكاء الاصطناعي يقول إنهم على صواب.

* في الدراسة الثالثة، ناقش المشاركون صراعاً حقيقياً في حياتهم مع ذكاء اصطناعي أو إنسان.

ثقة أكثر بردود الذكاء الاصطناعي

المثير للقلق أن المشاركين وثقوا وفضّلوا ردود الذكاء الاصطناعي المتملقة التي أكدت تصرفاتهم. كما ازداد اقتناعهم بصحة تصرفاتهم الأصلية، مؤكدين بذلك معتقداتهم السابقة بدلاً من أن يتحدى برنامج الدردشة الآلي تفكيرهم في الموقف بشكل مختلف. وأشارت الدراسة إلى أن تأكيد معتقداتهم جعلهم أقل ميلاً للاعتذار بعد التحدث مع برنامج الدردشة الآلي.

وأوضحت الدراسة: «في تجاربنا على البشر، فإن تفاعلاً واحداً فقط مع ذكاء اصطناعي متملق، قلَّل من رغبة المشاركين في تحمل المسؤولية وإصلاح النزاعات الشخصية، فيما زاد من قناعتهم بصواب موقفهم».

مدى الضرر

مع أن تلقي النصائح من الذكاء الاصطناعي ليس بالأمر الجديد، إلا أن هذه الدراسة تُظهر مدى ضرره. فبينما تُحفز خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي التفاعل من خلال إثارة غضب المستخدمين، يُضعف الذكاء الاصطناعي قدرتنا على الاعتذار وتحمل مسؤولية إيذاء الآخرين. وكما أشار مؤلفو الدراسة، فإن هذا يعني أن «الخاصية التي تُسبب الضرر هي نفسها التي تُحفز التفاعل».

* مجلة «فاست كومباني».