التنافس بين الصين وأميركا في مجال الذكاء الاصطناعي... متعدد الأوجه

يشمل الاعتبارات الجيوسياسية والبيانات والمواهب والتنظيم والبنية التحتية التكنولوجية

التنافس بين الصين وأميركا في مجال الذكاء الاصطناعي... متعدد الأوجه
TT

التنافس بين الصين وأميركا في مجال الذكاء الاصطناعي... متعدد الأوجه

التنافس بين الصين وأميركا في مجال الذكاء الاصطناعي... متعدد الأوجه

في 13 مارس (آذار) الحالي، أصدرت شركة «أوبن إيه آي» مقترحاً لخطة عمل الولايات المتحدة للذكاء الاصطناعي. وأكدت في تقريرها أنه على الرغم من أن الولايات المتحدة تحتل حالياً مكانة رائدة في مجال الذكاء الاصطناعي، فإن نجاح شركة «ديب سيك» الصينية يشير إلى أن هذه الميزة ليست بالأهمية نفسها التي تبدو عليها، وأنها تتضاءل تدريجياً، كما كتب دينغدينغ تشين، وينغفان تشين، ورونيو هوانغ *.

وتهدف خطة عمل الذكاء الاصطناعي إلى ضمان استمرار تفوق ابتكارات الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة على ابتكارات الصين، ما يضمن ريادة الولايات المتحدة في هذا المجال.

تنافس متعدد الأوجه

مع ذلك، فإن اختزال التنافس في إطار تبسيطي لـ«مَن يقود الذكاء الاصطناعي» يتجاهل التعقيدات المحيطة به. فالتنافس بين الولايات المتحدة والصين في مجال الذكاء الاصطناعي ليس لعبة محصلتها صفر؛ بل هو تنافسٌ متعدد الأوجه ومعقد، تُشكِّله عوامل كثيرة، كالاعتبارات الجيوسياسية، والوصول إلى البيانات، والمواهب، والبيئات التنظيمية، والبنية التحتية التكنولوجية.

تصاميم ذكية متنوعة

دفعت المنافسة بين الصين والولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى منافسة أكثر تنوعاً وتميزاً. ويُجسِّد تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي الكبيرة الطبيعة المتطورة لهذه المنافسة. على سبيل المثال، صُمم «GPT-4.5» من «أوبن إيه آي» خصيصاً للمهام المعقدة عالية الأداء، متفوقاً في توليد النصوص المعقدة وفهمها من خلال موارد حاسوبية هائلة. يسمح هذا التخصص له بالتعامل مع المهام التي تتطلب فهماً عميقاً للغة والسياق والفروق الدقيقة.

من ناحية أخرى، يتبنى «Perceiver» من «ديب مايند» نهجاً مختلفاً؛ حيث يُقدِّم نسخة من أداة تحويلية قادرة على معالجة البيانات متعددة الوسائط -مثل الصور والأصوات والفيديو- ما يجعله متعدد الاستخدامات عبر مجموعة متنوعة من أنواع المدخلات.

أنظمة ذكية متكيفة ليست بنمط واحد مهيمن

أدى التنافس في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي بين البلدين إلى استكشاف هياكل معمارية متنوعة مُحسنة لحالات استخدام مختلفة، بدلاً من مجرد تجاوز حدود الحوسبة. تُبرز هذه المناهج الوطنية المتباينة الطبيعة الديناميكية والمتطورة لبحوث الذكاء الاصطناعي؛ حيث تظهر أساليب وتطبيقات مبتكرة. وهذا يُشير إلى أن مستقبل الذكاء الاصطناعي ستُحدده أنظمة متعددة متخصصة وقابلة للتكيف، وليست بنية معمارية واحدة مهيمنة.

التطوير المتنوع لنماذج الذكاء الاصطناعي الكبيرة

يزداد تنوع المشهد التقني لنماذج الذكاء الاصطناعي الكبيرة، ما يجعل من غير العملي إجراء مقارنات بناءً على منظور أحادي البعد فقط. يشمل نموذج الذكاء الاصطناعي مجموعة متنوعة من المجالات، مثل الذكاء الاصطناعي التوليدي، والتعلم الآلي، والتعلم العميق، والرؤية الحاسوبية، ونماذج الذكاء الاصطناعي الهجين؛ حيث يستخدم كل منها أطراً معمارية مختلفة.

وبينما يعتمد معظم نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدية الرائدة في الولايات المتحدة، مثل «ChatGPT-O3» من «OpenAI» و«Grok-3» من «xAI»، على هياكل لأدوات تحويلية، فإن هذا لا يعني بالضرورة أن هذه النماذج ستستمر في الهيمنة على مستقبل تطوير الذكاء الاصطناعي.

الريادة التكنولوجية

يُظهر التطور السريع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تغير المتطلبات في مختلف القطاعات، أن الريادة التكنولوجية لا يمكن تحديدها فقط من خلال التفوق الحالي لأي بنية معمارية واحدة؛ بل سيُشكل مستقبل الذكاء الاصطناعي مجموعة من النماذج المتخصصة التي يُعالج كل منها مهامَّ ومتطلبات فريدة.

ابتكارات لنظم ذكية متنوعة

تعمل شركات التكنولوجيا في كل من الصين والولايات المتحدة باستمرار على ابتكار نماذج الذكاء الاصطناعي وتحسينها، مُصدرة منتجات واسعة النطاق ذات تطبيقات مُتنوعة ومزايا مُتميزة. على سبيل المثال، يُعزز نظام «Claude 3.5 Sonnet» من «أنثروبيك» قدرات التفكير البصري من خلال تحسين قدرة الذكاء الاصطناعي على نسخ النصوص من صور غير مُكتملة أو مُشوشة، ما يُمثل تقدماً كبيراً في مجال الذكاء الاصطناعي مُتعدد الوسائط. وبالمثل، يُجسد استخدام «DeepSeek» نموذج «MoE» (مزيج الخبراء) مفتوح المصدر، كيفية تعزيز الكفاءة من خلال تخصيص الموارد ديناميكياً للخبراء المُتخصصين في مهام مُحددة، ما يُحسِّن كلاً من استخدام الموارد وأداء المهام.

من ناحية أخرى، يُمثل نموذج «Hunyuan Turbo S» من «تنسنت» نهجاً مختلفاً؛ إذ يستفيد من بنية «Hybrid Mamba Transformer» لتحقيق التوازن بين التفكير السريع والسطحي والتفكير البطيء والمدروس، ما يُحقق مرونة فريدة في صنع القرار.

تُوضح هذه الأمثلة اتساع نطاق النهج الذي يتبعه مطورو الذكاء الاصطناعي؛ حيث يُمثل كل نموذج آفاقاً جديدة في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي. وعلى الرغم من تفوق هذه النماذج في مجالات مختلفة، فإنها لا تستبعد بعضها بعضاً؛ بل تعكس مشهداً سريع التطور؛ حيث تُحرك الابتكارات اتجاهات معمارية متعددة ومتباينة.

فرص التعاون بين الصين والولايات المتحدة

للحفاظ على هيمنتها في مجال الذكاء الاصطناعي، شددت الولايات المتحدة ضوابط التصدير، وقيدت تعاونها مع الصين. في يناير (كانون الثاني) 2025، قدَّم مكتب الصناعة والأمن Bureau of Industry and Security» (BIS)» إطار عمل لنشر الذكاء الاصطناعي، ما حدَّ من وصول الصين إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي الأميركية المتقدمة، بما في ذلك الرقائق المتطورة، والحوسبة السحابية.

ومع ذلك، يتجاهل هذا النهج الفوائد المحتملة للتعاون؛ إذ تتمتع كلتا الدولتين بنقاط قوة فريدة، ويمكن للتعاون أن يدفع عجلة الابتكار في البحث والأمن ومعايير الذكاء الاصطناعي العالمية، ما يعود بالنفع في نهاية المطاف على منظومة الذكاء الاصطناعي الأوسع.

تدفق متبادل للمواهب في الذكاء الاصطناعي

هناك تدفق كبير للمواهب في مجال الذكاء الاصطناعي بين الصين والولايات المتحدة، مع درجة عالية من التكامل العابر للحدود في بحوث الذكاء الاصطناعي.

وقد وجدت بدور الشبلي وآخرون، من خلال تحليل مجموعات بيانات لأكثر من 350 ألف عالم ذكاء اصطناعي، و5 ملايين ورقة بحثية في هذا المجال، أن معظم علماء الذكاء الاصطناعي المهاجرين إلى الصين يأتون من الولايات المتحدة، بينما يأتي معظم المهاجرين إلى الولايات المتحدة من الصين، ما يُبرز بوضوح التدفق الثنائي للكفاءات.

بحوث صينية- أميركية مشتركة

إضافة إلى ذلك، ورغم وجود اتجاه تنازلي، فلا تزال الأدبيات العلمية حول بحوث الذكاء الاصطناعي الناتجة عن التعاون الصيني الأميركي، تتفوق بشكل ملحوظ على مثيلاتها الناتجة عن تعاون الولايات المتحدة مع دول أخرى.

ووفقاً لقاعدة بيانات أنشأتها جامعة جورجتاون؛ بلغ عدد المقالات المشتركة بين الصين والولايات المتحدة 47715 مقالاً، وهو رقم أعلى بكثير من ثاني أكبر متعاون، المملكة المتحدة، التي بلغ عدد المقالات المشتركة معها 18400 مقال. كما أظهرت الدراسات أن أوراق البحوث التي تتضمن تعاوناً بين الولايات المتحدة والصين تميل إلى أن يكون لها تأثير أكبر من تلك التي تقودها دولة واحدة بمفردها.

ومع ذلك، اتخذت الحكومة الأميركية خطوات للحد من تبادل المواهب والتعاون بين البلدين، ولا سيما في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي. وقد طُرح أخيراً مشروع قانون يُسمَّى «قانون إيقاف تأشيرات الحزب الشيوعي الصيني»، ويهدف إلى استبعاد الطلاب الصينيين من المشاركة في المشاريع الأكاديمية الأميركية. وتُهدد هذه الإجراءات بإلحاق الضرر ببيئة التعاون بين الولايات المتحدة والصين في مختلف مجالات البحث والابتكار.

من ناحية أخرى، هناك إمكانات كبيرة للتعاون بين شركات الذكاء الاصطناعي الصينية والأميركية، ولا سيما في مجالات مثل الأمن والحوكمة والمعايير التكنولوجية الدولية.

ابتكارات صينية متميزة

ومع التقدم السريع لنماذج الذكاء الاصطناعي الكبيرة في الصين، فإنها تُضيِّق الفجوة بشكل متزايد مع تلك التي تقودها الشركات الأميركية. على سبيل المثال، أظهر الإصدار الأخير من «Ernie 4.5» من «Baidu» قدرات رائعة في فهم الوسائط المتعددة ومعالجة اللغات، بينما يُمكِّن برنامج «Hunyuan 3D-2.0» مفتوح المصدر من «Tencent» الذي أُطلق في 18 مارس، من تحويل النصوص والصور إلى نماذج ثلاثية الأبعاد، ما يُمثل تقدماً ملحوظاً في المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي (AIGC).

علاوة على ذلك، يُبرز التعاون المستمر بين شركات الذكاء الاصطناعي الصينية والأميركية إمكانات التآزر التكنولوجي.

وأخيراً، دخلت شركة «أبل» في شراكة مع «علي بابا» لتطوير ميزات متقدمة للذكاء الاصطناعي، بينما تستكشف «فورد» دمج نماذج الذكاء الاصطناعي في تصميم السيارات، بما في ذلك نماذج من شركتي «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» الأميركيتين، و«ديب سيك» الصينية. تساعد نماذج الذكاء الاصطناعي هذه في أتمتة مهام، مثل إنشاء نماذج ثلاثية الأبعاد من الرسومات، وإجراء تحليلات الإجهاد على مكونات السيارة، مما يُقلل بشكل كبير من أوقات المحاكاة والاختبار.

التنافس: تحدٍّ متعدد الأبعاد وتعاوني

في الختام، بينما يُصوَّر التنافس بين الصين والولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي غالباً على أنه تنافس على الهيمنة العالمية، فإنه في الواقع تحدٍّ متعدد الأبعاد وتعاوني.

وتدفع كلتا الدولتين عجلة الابتكار التكنولوجي في مجال الذكاء الاصطناعي قُدماً، وبدلاً من مجرد التنافس، تتوفر لهما فرص كثيرة للتعاون. ومن خلال التركيز على الأهداف المشتركة في سلامة الذكاء الاصطناعي والحوكمة والابتكار، لا تستطيع الولايات المتحدة والصين فقط تطوير أجنداتهما التكنولوجية الخاصة؛ بل تُسهمان أيضاً في تشكيل مشهد عالمي مسؤول ومبتكر للذكاء الاصطناعي.

* «ذا دبلومات»، خدمات «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

«رابطة الصحافة الأجنبية» تتهم الجيش الإسرائيلي بفبركة صورة لصحافي لبناني لتبرير قتله

المشرق العربي أشخاص يمرون أمام لافتة تعرض صور الصحافييَن فاطمة فتوني وعلي شعيب اللذين قُتلا في غارة إسرائيلية في جنوب لبنان خلال مظاهرة في بغداد 7 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

«رابطة الصحافة الأجنبية» تتهم الجيش الإسرائيلي بفبركة صورة لصحافي لبناني لتبرير قتله

هاجمت «رابطة الصحافة الأجنبية» الجيش الإسرائيلي بسبب صورة مفبركة بالذكاء الاصطناعي استخدمها لاتهام صحافي لبناني قتله الشهر الماضي بأنه عضو في «حزب الله».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
الاقتصاد وحدة لجهاز طباعة ضوئية فوق بنفسجية فائقة الدقة من إنتاج «إيه إس إم إل» معروضة في مقر مختبر بحوث الرقائق البلجيكي (رويترز)

«إيه إس إم إل» الهولندية ترفع توقعات مبيعاتها لـ2026 إلى 40 مليار يورو

رفعت شركة «إيه إس إم إل» (ASML)، المورِّد الأكبر عالمياً لمعدات صناعة الرقائق، توقعاتها لإيرادات عام 2026.

«الشرق الأوسط» (أمستردام)
تكنولوجيا يؤكد تصدر السعودية لمراكز متقدمة عالمياً نجاح توجهات البلاد في بناء منظومة وطنية تنافسية (واس)

السعودية تحقق أعلى نمو عالمي في كفاءات الذكاء الاصطناعي

حققت السعودية، المرتبة الأولى عالمياً في الأمن والخصوصية والتشفير في الذكاء الاصطناعي وفقاً لـ«مؤشر ستانفورد 2026».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد جناح «أرامكو الرقمية» في ملتقى الحكومة الرقمية (موقع الشركة الإلكتروني)

شراكة بين «أرامكو الرقمية» و«كومولوسيتي» لتقديم حلول الذكاء الصناعي في الخليج

أعلنت شركة «أرامكو الرقمية» السعودية توقيع اتفاقية شراكة استراتيجية مع «كومولوسيتي» العالمية الرائدة في مجال الذكاء الصناعي للأشياء في القطاع الصناعي.

«الشرق الأوسط» (الظهران)

منصة فضائية بأذرع آلية لتزويد الأقمار الاصطناعية بالوقود

منصة «ميدنايت» من شركة «إم دي إيه»
منصة «ميدنايت» من شركة «إم دي إيه»
TT

منصة فضائية بأذرع آلية لتزويد الأقمار الاصطناعية بالوقود

منصة «ميدنايت» من شركة «إم دي إيه»
منصة «ميدنايت» من شركة «إم دي إيه»

يبدو أن الجميع يطمح للسيطرة على الفضاء. ولكن المشكلة تتمثل في أنه وكلما زاد عدد الأقمار الاصطناعية التي تطلقها الجيوش وتعتمد عليها، ازدادت الحاجة إلى نظام رقابي فعَّال لحماية تلك الأقمار، كما كتبت لورين سي. ويليامز(*).

منصة دعم فضائية

وهنا يأتي دور نظام جديد لقمر اصطناعي مزود بذراع آلية قادرة على تزويد الأقمار بالوقود اللازم: منصة«ميدنايت» من شركة «إم دي إيه» MDA Midnight الكندية هذه، التي كُشف عنها النقاب في ندوة الفضاء في كولورادو هذا الأسبوع. وقالت هولي جونسون، نائبة رئيس قسم الروبوتات والعمليات الفضائية في الشركة، لموقع «ديفنس وان»: «يستطيع هذا القمر الاصطناعي المزوَّد بذراع آلية، الاقتراب من السفن الفضائية الأخرى لفحصها، ومراقبة محيطها، واستكشاف الأجسام المقتربة، والدفاع ضد التهديدات المحتملة عند الحاجة».

التزويد بالوقود بسلامة

وأضافت جونسون أن هذه المنصة تستطيع أيضاً تزويد الأقمار الاصطناعية الأخرى بالوقود باستخدام ذراعه مع الحفاظ على مسافة آمنة من القمر الاصطناعي الذي يحتاج إلى التزويد بالوقود، وضمان استمرارية عمله.

وتابعت: «يتصل الذراع بواجهة تزويد الأقمار الاصطناعية بالوقود، بينما ستعوِّض الروبوتات معدلات الانحراف النسبي لهاتين المنصتين، لتأمين تزوبد القمر الاصطناعي بالوقود بسلاسة تامة».

10 آلاف قمر اصطناعي

وأضافت جونسون: «هناك مساعٍ حثيثة للحصول على مزيد من المعلومات حول الأجسام الموجودة في الفضاء - بما في ذلك ما يزيد عن 10 آلاف قمر اصطناعي - وما تقوم به، ومن يملكها، وأي تهديدات محتملة... ولكن الجزء المفقود من الوعي بالمجال الفضائي كان القدرة على اتخاذ أي إجراء حيال ذلك».

التنافس مع الصين

يأتي إطلاق هذا المنتج بعد أن أعرب الجنرال ستيفن وايتينغ قائد القيادة الفضائية الأميركية عن مخاوفه بشأن تجارب الصين الأخيرة في تزويد الأقمار الاصطناعية بالوقود؛ كما شدَّد في الآونة الأخيرة على ضرورة القدرة على نقل الأقمار الاصطناعية.

وقال وايتينغ أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ الشهر الماضي: «ما يقلقني هو أنه إذا طوَّروا هذه القدرة، فسيكون لديهم القدرة على المناورة لتحقيق التفوق كما فعلت الولايات المتحدة لعقود - براً وبحراً وجوَّاً - حيث استخدمنا المناورة لصالحنا». وأضاف: «نحن بحاجة إلى تطوير قدراتنا الخاصة في حرب المناورة لضمان قدرتنا على الاستفادة من المزايا التي طوَّرتها القوات المشتركة على مدى عقود في الفضاء، كما فعلنا في مجالات أخرى».

* مجلة «ديفنس وان»، خدمات «ترييون ميديا».


روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم نصائح طبية مضللة

روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم نصائح طبية مضللة
TT

روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم نصائح طبية مضللة

روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم نصائح طبية مضللة

كشفت دراسة جديدة أن روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم للمستخدمين نصائح طبية خاطئة في نحو نصف الحالات، ما يسلط الضوء على المخاطر الصحية لهذه التقنية التي باتت جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية.

تقييم 5 نماذج ذكية

وأجرى باحثون من الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة تقييماً لـ5 منصات شائعة: «تشات جي بي تي»، و«جيميناي»، و«ميتا إيه آي»، و«غروك»، و«ديب سيك» من خلال طرح 10 أسئلة على كل منها، ضمن 5 فئات صحية.

نصف الإجابات خاطئة

ووفقاً للنتائج المنشورة هذا الأسبوع في المجلة الطبية «BMJ Open»، اعتُبر نحو 50 في المائة من إجمالي الإجابات خاطئاً، بما في ذلك ما يقرب من 20 في المائة كانت إجابات خاطئة للغاية، وفقاً لتقرير نشرته وكالة «بلومبرغ».

وأظهرت الدراسة أن أداء روبوتات الدردشة كان أفضل نسبياً في الإجابة عن الأسئلة المغلقة، والأسئلة المتعلقة باللقاحات والسرطان، بينما كان أداؤها أسوأ في الإجابة عن الأسئلة المفتوحة وفي مجالات مثل الخلايا الجذعية والتغذية.

إجابات بثقة... من دون مراجع

أفاد الباحثون بأن الإجابات كانت تُقدَّم غالباً بثقة ويقين، مع أن أياً من برامج الدردشة الآلية لم يُقدِّم قائمة مراجع كاملة ودقيقة استجابةً لأي سؤال. ولم يُسجَّل سوى رفضين للإجابة عن سؤال، وكلاهما من نموذج «ميتا».

افتقار النماذج للخبرة الطبية

تُسلِّط هذه النتائج الضوء على القلق المتزايد بشأن كيفية استخدام الناس لمنصات الذكاء الاصطناعي التوليدي، التي لا تملك ترخيصاً لتقديم المشورة الطبية، وتفتقر إلى الخبرة السريرية اللازمة للتشخيص.

200 مليون يستشيرون «الطبيب جي بي تي» أسبوعياً

وقد أدى النمو الهائل لبرامج الدردشة الآلية التي تعمل بالذكاء الاصطناعي إلى تحويلها لأداة شائعة للأشخاص الذين يبحثون عن إرشادات بشأن أمراضهم. وصرَّحت شركة «أوبن إيه آي» بأن أكثر من 200 مليون شخص يطرحون أسئلة حول الصحة والعافية على منصة «تشات جي بي تي» أسبوعياً.

وكانت المنصة قد أعلنت في يناير (كانون الثاني) الماضي عن أدوات صحية لكل من المستخدمين العاديين والأطباء. وفي الشهر نفسه أعلنت شركة «أنثروبيك» عن إطلاق منتجها «كلاود» كخدمة جديدة للرعاية الصحية.

تضخيم المعلومات المضللة

وأشار مؤلفو الدراسة إلى أن أحد المخاطر الرئيسية لنشر برامج الدردشة الآلية دون توعية عامة ورقابة، هو أنها قد تُضخِّم المعلومات المضللة. وكتب الباحثون أن النتائج «تُسلِّط الضوء على قيود سلوكية مهمة، وعلى ضرورة إعادة تقييم كيفية استخدام روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في التواصل الصحي والطبي الموجَّه للجمهور». وأضافوا أن هذه الأنظمة قد تُنتج «ردوداً تبدو موثوقة، ولكنها قد تكون معيبة».


حين يقترح الذكاء الاصطناعي الدواء… مَن يقرر فعلاً؟

بين الشاشة والطبيب
بين الشاشة والطبيب
TT

حين يقترح الذكاء الاصطناعي الدواء… مَن يقرر فعلاً؟

بين الشاشة والطبيب
بين الشاشة والطبيب

في الطب، لم يكن القرار يوماً مجرد اختيار بين خيارات متاحة، بل لحظة مسؤولية معقدة، يقف فيها الطبيب بين ما تقوله البيانات وما يعيشه الإنسان. فالتشخيص قد يكون علماً، لكن القرار ظل دائماً فعلاً إنسانياً يقوم على مزيج من الخبرة والحدس والقدرة على قراءة ما بين السطور.

عندما يصبح القرار احتمالاً

وفي الطب النفسي تحديداً، يزداد هذا التعقيد. فالمريض ليس رقماً ولا عضواً يمكن قياسه، بل تجربة إنسانية كاملة: مشاعر، ذاكرة، وعلاقات. لذلك؛ كان اختيار الدواء أقرب إلى محاولة فهم... لا إلى تطبيق معادلة.

لكن هذا التوازن بدأ يتغير مع دخول الذكاء الاصطناعي التنبؤي، حيث لم يعد القرار يبدأ من الفهم فقط، بل من الاحتمال.

الدواء تحت مجهر الخوارزمية

من«أي دواء أختار؟» إلى «ما احتمال النجاح؟»

في دراسة حديثة نُشرت في أبريل (نيسان) 2026 في مجلة «جاما للطب النفسي» (JAMA Psychiatry)، حلّل باحثون بيانات أكثر من 300 ألف مريض لتقدير احتمالية الاستجابة لمضادات الاكتئاب من نوع مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRIs)، وأظهرت النتائج أن النماذج التنبؤية بلغت دقة تقارب 74 في المائة، مقارنة بما يقابل نحو 48 في المائة في الممارسة التقليدية.

لكن الأهم من الأرقام هو ما تعكسه من تحول في طريقة التفكير الطبي. فبدلاً من أن يبدأ الطبيب من خبرته ليختار الدواء، يبدأ الآن من تقدير احتمالي مسبق يوجه القرار منذ البداية... وهنا لا تتغير الإجابة فقط... بل يتغير السؤال نفسه.

مثال من العيادة... حيث يبدأ التردد

في عيادة نفسية، يحضر مريض يعاني اكتئاباً متوسطاً. في النموذج التقليدي، يختار الطبيب الدواء بناءً على خبرته، ثم يراقب الاستجابة ويعدّل العلاج عند الحاجة.

أما مع الذكاء الاصطناعي، فيمكن إدخال بيانات المريض للحصول على تقدير لاحتمال نجاح كل خيار. قد يشير النظام إلى أن دواءً معيناً يملك فرصة نجاح أعلى بنسبة 68 في المائة. في هذه اللحظة، لا يختفي دور الطبيب... لكنه يتغير.

ويظهر سؤال جديد: هل يتبع خبرته... أم الاحتمال؟

هل أصبح القرار حسابياً؟

رغم دقة هذه النماذج، فإنها لا «تفهم» المريض كإنسان، بل تحلل أنماطاً إحصائية مستخلصة من بيانات واسعة. فهي لا تدرك التاريخ النفسي أو السياق الاجتماعي أو التعقيد الشخصي للحالة. وما تقدمه هذه الأنظمة ليس قراراً، بل هو احتمال مبني على تشابه الحالات. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يكفي أن يكون الخيار أكثر احتمالاً للنجاح... ليكون الخيار الأنسب؟

تعاون طبي بعقل واحد

بين الدقة والإقناع

كلما ازدادت دقة الخوارزميات، ازدادت قدرتها على إقناع الطبيب بنتائجها. لكن هذا الإقناع قد لا يعكس الحقيقة دائماً، بل قوة العرض الرقمي. ففي بيئة تعتمد على السرعة والكفاءة، قد يميل الطبيب إلى الوثوق بالنتيجة، لا لأنه تحقق من دقتها، بل لأنها تبدو منظمة وواثقة.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي: ليس في أن تخطئ الأنظمة... بل في أن تُقنعنا بأنها لا تخطئ.

الطب النفسي الشخصي... إلى أي مدى؟

تقود هذه التطورات إلى ما يُعرف بـ«الطب النفسي الشخصي»، الذي يسعى لتخصيص العلاج وفق خصائص كل مريض. لكن الاكتئاب ليس مجرد خلل كيميائي، بل حالة معقدة تتداخل فيها عوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية، مثل التجارب الحياتية والعلاقات والضغوط اليومية - وهي عناصر يصعب قياسها بالكامل. لذلك؛ تظل النماذج التنبؤية محدودة بقدرتها على تمثيل هذا التعقيد الإنساني.

ما الذي يتغير فعلاً؟

التغيير الأهم ليس في دقة اختيار الدواء، بل في دور الطبيب. فلم يعد الطبيب المصدر الوحيد للقرار، بل أصبح مفسراً لتوصيات خوارزمية، ومقيّماً لمدى توافقها مع واقع المريض. وهذا يعيد تعريف دوره: من صانع قرار مباشر... إلى حارس للمعنى الإنساني داخل القرار. لكن هذا التحول يطرح سؤالاً أخلاقياً عميقاً: من يتحمل المسؤولية؟ الطبيب... أم النظام؟

الخلاصة: القرار ليس رقماً

قد تساعد الخوارزميات في توجيه القرار، لكنها لا تتحمل مسؤوليته. فالطب لم يكن يوماً مجرد اختيار الخيار الأكثر احتمالاً، بل كان دائماً تحملاً لنتائج هذا الاختيار في سياق إنساني معقد. ولهذا؛ قد لا يكون السؤال:

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي اختيار الدواء؟ بل: هل يمكن اختزال القرار الطبي... في رقم؟