مستقبل العلاقة بين ذكاء الإنسان والحاسوب... تعايش أم صراع؟

يُعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل الذكاء البشري بتوسيع قدراته وتعزيز تفاعله مع الحواسيب (شاترستوك)
يُعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل الذكاء البشري بتوسيع قدراته وتعزيز تفاعله مع الحواسيب (شاترستوك)
TT

مستقبل العلاقة بين ذكاء الإنسان والحاسوب... تعايش أم صراع؟

يُعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل الذكاء البشري بتوسيع قدراته وتعزيز تفاعله مع الحواسيب (شاترستوك)
يُعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل الذكاء البشري بتوسيع قدراته وتعزيز تفاعله مع الحواسيب (شاترستوك)

لقد جادل العلميون مطولاً إلى أي مدى سيصل التداخل بين الذكاء البشري والذكاء الاصطناعي، وعدّوا أن هناك نقطة في المستقبل يكون الإنسان فيها قادراً بدماغه على الدخول الشامل إلى الحواسيب السحابية وإلى كل مكتسبات الذكاء الاصطناعي، وسموها «النقطة الآحادية» (Singularity). عندها ستكون قدرة الذكاء البشري المتصل بالذكاء الاصطناعي توازي ملايين المرات من قدرة الذكاء البشري الحالية، وستكون نتائج ذلك أبعد من قدرتنا الحالية على التصور والتخيل. كان أول من ناقش هذه الأمور المستقبلي الشهير راي كورزول في مقالاته أواخر القرن الماضي، ثم عاد إلى ذلك في كتابه الثاني الصادر عام 2024.

شراكة الإنسان والحاسوب

من الواضح أن الحاسوب يتطور بسرعة مذهلة، ويكتسب قدرات تفوق قدرات الإنسان، وإن كان -ظاهرياً على الأقل- يستخدم كلياً لصالح الإنسان ولتحسين حياته وتعزيز قدراته. صحيح أن التحسن في قدرات الحاسوب يلغي كثيراً من المهن والوظائف التي كانت مقصورة على الدماغ البشري، لكن الصحيح أيضاً أن «الإنسان» ليس بالضرورة في منافسة مباشرة مع «الحاسوب»، وقبل ذلك لم يكن عملياً في تنافس مباشر مع كل تقدم تكنولوجي مكتسب. إن التفكير السليم هو في تطوير شراكة بين الإنسان والحاسوب، وتنظيمها، بحيث يقدم كل طرف في الشراكة أفضل ما لديه من قدرات ومهارات لصالح الإنسان، وللتقدم والرقي بالحضارة الإنسانية بتكامل بين الطرفين.

محفزات الشراكة بين الإنسان والحاسوب

محفزات الشراكة بين الإنسان والحاسوب تتجلَّى في عدد من الجوانب الحاسمة؛ حيث أصبحت الحواسيب منتشرة في كل مجال ومترابطة ومتشابكة على امتداد العالم. وهذا الانتشار يتكامل مع زيادة التشابك والترابط بين كل نظم الشبكات العالمية، ما يُضيف تعقيدات متزايدة على كل النظم والمؤسسات والمنظمات العالمية. ونتيجة هذه التعقيدات، تراكمت المعلومات بشكل هائل، وأصبح من الصعب على الإنسان الفرد استيعاب هذه المعلومات بمفرده ومعالجتها، ما يدعو إلى تعزيز شراكة فعّالة بين الإنسان والحاسوب لمواجهة هذه التحديات.

المفهوم المعروف بـ«النقطة الآحادية» يُشير إلى لحظة مستقبلية حيث تتضاعف قدرات الذكاء البشري ملايين المرات بفضل التكنولوجيا

النظم الذكية التشاركية

تسعى النظم الذكية التشاركية لتداخل القدرات الإنسانية الأهم مع القدرات التي يوفرها الحاسوب، لتسرع باتخاذ القرار. وتسعى هذه النظم للاستفادة المُثلى من قدرات طرفي الشراكة. وعلى المبرمج أن يُقيِّم بشكل مناسب حدود الذكاء الاصطناعي للحاسوب، وتعظيم الاستفادة المُثلى للإنسان الشريك.

إن كل التطبيقات التي تم تطويرها، إلى اليوم، تفترض كيانين مستقلين، للإنسان والحاسوب، يتشاركان في تنفيذ مهمة معينة؛ وهذا هو المستوى الأول والبسيط التقليدي للشراكة.

لكن هناك مستويين آخرين أرقى وأكثر تعقيداً؛ المستوى الأول يرتكز على زرع رقائق الحاسوب داخل جسم الإنسان لتنفيذ بعض عمليات تعزيز القدرات الذاتية للإنسان المعني، وهذا هو المستوى الثاني للشراكة، مثل زرع مساعدات السمع للتغلُّب على الطرش، وزرع مساعدات النظر للتغلُّب على العمى البيولوجي للإنسان الأعمى، ومستقبلاً زرع رقاقات لتضخيم قدرات الدماغ، مثل الذاكرة والتواصل مع الإنترنت.

أما المستوى الثالث المستقبلي، والأرقى والأكثر تعقيداً، فسيكون باستخدام الحاسوب في إعادة رسم الخريطة الجينية الوراثية للجنين قبل ولادته، لتصميم إنسان مُعزز القدرات كما يراها ويُخطط لها الشخص المعني.

وهناك مستوى أخير يتعلَّق بالتداخل والتفاعل الكامل الممتد بين الحاسوب ودماغ الإنسان؛ بحيث يظهر كائن هجين يمتلك كل مهارات الإنسان الطبيعية (أو الإنسانية مجتمعة)، وقدرات الحاسوب المعروفة (أو مجموع شبكات الحواسيب المترابطة).

راي كورزول والنقطة الآحادية

في كتابه عام 2005 «النقطة الآحادية قريبة» (The Singularity is Near)، ذكر راي كورزول أن تطور الذكاء الاصطناعي يسمح بمزيد من توفير المعلومات وتراكمها، ويسهل استخدامها من قبل الدماغ البشري. كذلك فإن تطور «تقنية النانو » (Nanotechnology) والزيادة المطردة في القدرات الحاسوبية، ستنمي قدرات الدماغ البشري بتطوير وسائل الاتصال (Interface) بين الحاسوب والآلة، ما يوفر للدماغ البشري قدرات هائلة، من خلال قدرته على التواصل المباشر مع القدرات الحاسوبية الخارجية، بما في ذلك القدرات الحاسوبية السحابية.

وبهذه التطورات ستتداخل قدرات الذكاء البشري مع الذكاء الاصطناعي، ما يسمح للبشر بمضاعفة قدراتهم الفكرية ملايين المرات، وكذلك بمضاعفة ذكائهم الذاتي وقدراتهم الإدراكية، بما لا يمكن تصوره في الوقت الراهن. وهذا ما سماه النقطة الآحادية (singularity). وقد استعار هذه التسمية من الرياضيات والعلوم الفيزيائية، وبشكل خاص فكرة «جرم الحفرة السوداء» (Black Hole star)؛ حيث تنهار كل قوانين الفيزياء المعروفة. وذكر أنه أراد من هذه الاستعارة الإشارة إلى أن هذا التضاعف الهائل في قدرات الذكاء البشري سيؤدي إلى عجز قدراتنا الحالية على تصور ما ستكون عليه الحضارة البشرية مع هذه القدرات الفائقة في الذكاء المتوافر. وقدَّر أن مثل هذا الوضع سيظهر نحو عام 2045.

«النقطة الآحادية أقرب»

في كتابه الثاني، الصادر عام 2024 (The singularity is nearer) «النقطة الآحادية أقرب»، أشار كورزول إلى أن تطور خوارزميات الذكاء الاصطناعي والتعلم الذاتي السريع للحاسوب، وإدماجها مع قدرات التعامل مع الكميات الهائلة من البيانات (big data)، جعلت قدرات الذكاء الاصطناعي تنمو أسرع مما كان متوقعاً، بما في ذلك قدرات الحاسوب للتعامل مع «اللغة الطبيعية» (Natural Language) -المحكية والمكتوبة- وترجمتها إلى خوارزميات حاسوبية سرعت بشكل دراماتيكي إمكانات التفاعل والتداخل بين الإنسان والآلة. يضاف إلى ذلك بالطبع الانخفاض الهائل في تكلفة المعاملات الحاسوبية.

كما أشار إلى أنه، وفي الوقت نفسه، انخفضت أيضاً، وبسرعة هائلة، تكلفة تحليل المؤشرات الوراثية بكل أبعادها؛ بحيث أصبح بالإمكان الكشف عن هذه المؤشرات (Genome DNA) للشخص بأقل من دولار واحد. ما أصبح يوفر اكتشافات كبيرة في كيفية تصرف جسم الإنسان وقدراته الفكرية. يضاف إلى ذلك، بالطبع، الزيادة الملحوظة في التداخل والتفاعل بين دماغ الإنسان والحاسوب.

تطور الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا يسمح بزيادة استيعاب واستخدام البيانات بشكل فعّال وسريع ما يُحسن القدرات الفكرية والتحليلية (شاترستوك)

تطور القدرات الحاسوبية

ربط كورزول كل هذا التقدم بما سماه «قانون تسارع المردود» (return Law of accelerating)، فالقدرات الحاسوبية والتكنولوجية أصبحت أرخص وأكبر، ما جعل استخدامها لمزيد من التطورات التكنولوجية أكبر بشكل أُسي، بحيث أصبح الدولار الواحد يشتري ما يوازي 11.200 مرة ما كان يشتريه من القدرات الحاسوبية في عام 2005. وهذا يُسرع بشكل ملحوظ استخدامات الذكاء الاصطناعي وكل قدرات الحاسوب في الحياة اليومية للإنسان، من قيادة السيارة دون سائق في الشارع العام، إلى الطائرات الصغيرة دون طيار التي أصبحت الأداة الأساسية في الحرب اليوم. بمعنى آخر إذا كان التطور التكنولوجي والحاسوبي ينمو بشكل أسي، فقد وصلنا في العشرينات من هذا القرن إلى القسم سريع النمو في المنحنى الأسي. وكذلك وتيرة المستجدات التكنولوجية التي تؤثر على التطور الحضاري والمجتمعي.

وبالطبع لم نصل بعد إلى «النقطة الآحادية» في الذكاء البشري - الاصطناعي، فما زالت هناك تحديات كثيرة على الطريق، لكننا نقترب من ذلك بسرعة، من مرحلة التحليل النظري إلى المرحلة العملية في البحث والتطوير، خاصة في التواصل بين الإنسان والحاسوب.

وبالطبع إذا كان لهذا التطور المتسارع فوائده الملحوظة في الحضارة الإنسانية، فإنه يحمل معه احتمالات الاستخدامات السيئة من قبل مَن يستطيعون توظيف هذا التطور لأهداف سيئة يتعمدونها للأضرار بالحضارة الإنسانية.

تقارب التكنولوجيا والإنسانية

يتوقع راي كورزول أن تشهد سنوات الثلاثينات من هذا القرن تطورات هائلة ومتسارعة في القدرات الحاسوبية وفي التكنولوجيا الصغرية، ما سيجمع بشكل أسرع وأفضل قدرات الحاسوب والتكنولوجيا مع القدرات البشرية الفكرية والبيولوجية، ما يزيد بشكل هائل الاحتمالات الجيدة والسيئة لمثل هذا التطور. فلو نجحنا في توظيف هذه التطورات لصالح الحضارة البشرية - من النواحي العلمية والاجتماعية والحضارية والأخلاقية - فمن الممكن أن تتحسن الحياة على الأرض بمستويات هائلة نحو الأفضل، وإلا فإن مصير الإنسانية نفسها سيكون على المحك.

ويُشير كورزول إلى أننا لسنا في تسابق مع الحاسوب، فالمقاربة العملية هي في التشارك والتفاعل بين الإنسان والآلة، ما يبقي الدماغ البشري في موقع القيادة. إلا إذا...

ومن المهم الإشارة إلى أن من ضمن التطورات الإيجابية لمثل هذا التفاعل بين الإنسان والحاسوب المتطور، القدرة على إدارة الأطر البيولوجية للكبر بالعمر. وإذا نجحنا في ذلك فسيكون بإمكاننا ليس فقط هزيمة الشيخوخة، ولكن الوصول إلى احتمالات واسعة لعمر صحي مديد، مع قدرات هائلة للتعامل الجيد بين الإنسان والحاسوب، ما يجعل «النقطة الآحادية» أقرب من عام 2045، وربما نبدأ بالإحساس بها في ثلاثينات هذا القرن.

** بعض ما ورد هنا مقتبس من كتاب راي كورزول الثاني.


مقالات ذات صلة

ارتفاع طلبات إعانة البطالة الأميركية الأسبوعية بأقل من التوقعات

الاقتصاد أشخاص يصطفّون خارج مكتب مؤقت لإعانات البطالة أنشأته وزارة العمل بولاية كنتاكي (أرشيفية-رويترز)

ارتفاع طلبات إعانة البطالة الأميركية الأسبوعية بأقل من التوقعات

ارتفع عدد الأميركيين المتقدمين بطلبات جديدة للحصول على إعانات البطالة، الأسبوع الماضي، بأقل من التوقعات، في ظل استمرار انخفاض وتيرة تسريح العمال.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
تكنولوجيا الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي قد يقلل من الطلب على بعض الوظائف المبتدئة (رويترز)

سوق العمل يفرض الذكاء الاصطناعي... كيف تتعلمه وتواكب التغيير؟

بات أصحاب العمل في مختلف القطاعات يبحثون بشكل متزايد عن مرشحين يمتلكون فهماً عملياً لتقنيات الذكاء الاصطناعي وقدرة على استخدامها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد تجاوزت القيمة السوقية لأسهم «سامسونغ إلكترونيكس» تريليون دولار مما يجعلها ثاني شركة آسيوية تصل لهذا الإنجاز (رويترز)

قيمة «سامسونغ» السوقية تتجاوز تريليون دولار

تجاوزت القيمة السوقية لأسهم شركة سامسونغ إلكترونيكس العادية تريليون دولار، اليوم الأربعاء، مما يجعلها ثاني شركة آسيوية تصل لهذا الإنجاز.

«الشرق الأوسط» (سيول)
الاقتصاد الشريك المؤسس لـ«أوبن إيه آي» يتهم ماسك بسعيه للسيطرة على ذراع الشركة الربحية لتمويل خطط بناء مدينة على كوكب المريخ (رويترز)

«أوبن إيه آي» تعتزم إنفاق 50 مليار دولار لزيادة قدراتها الحوسبية في 2026

تتوقع شركة الذكاء الاصطناعي «أوبن إيه آي» المطورة لمنصة المحادثة الآلية «شات جي بي تي»، إنفاق نحو 50 مليار دولار على القدرات الحوسبية، خلال العام الحالي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
خاص «آي بي إم»: على المملكة استخدام التقنيات الرقمية لرفع الإنتاجية وجعلها جزءاً من القوى العاملة لا مجرد طبقة تقنية إضافية (آي بي إم)

خاص الرئيس التنفيذي لـ«آي بي إم» لـ«الشرق الأوسط»: السعودية تدخل مرحلة التنفيذ في الذكاء الاصطناعي

يقول الرئيس التنفيذي لـ«آي بي إم»، أرفيند كريشنا، إن السعودية تجاوزت سؤال البنية التحتية ودخلت مرحلة يُقاس فيها الذكاء الاصطناعي بالتنفيذ والأثر التشغيلي.

نسيم رمضان (بوسطن)

سوق العمل يفرض الذكاء الاصطناعي... كيف تتعلمه وتواكب التغيير؟

الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي قد يقلل من الطلب على بعض الوظائف المبتدئة (رويترز)
الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي قد يقلل من الطلب على بعض الوظائف المبتدئة (رويترز)
TT

سوق العمل يفرض الذكاء الاصطناعي... كيف تتعلمه وتواكب التغيير؟

الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي قد يقلل من الطلب على بعض الوظائف المبتدئة (رويترز)
الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي قد يقلل من الطلب على بعض الوظائف المبتدئة (رويترز)

أصبحت الكفاءة في مجال الذكاء الاصطناعي شرطاً شبه أساسي في سوق العمل الحديث، إذ بات أصحاب العمل في مختلف القطاعات يبحثون بشكل متزايد عن مرشحين يمتلكون فهماً عملياً لتقنيات الذكاء الاصطناعي وقدرة على استخدامها.

وتُظهر دراسة أجرتها شركة Resume Genius أن 8 من كل 10 من مديري التوظيف يعتبرون مهارات الذكاء الاصطناعي أولوية عند التوظيف. وتشير بيانات أخرى إلى تحول لافت في معايير الاختيار، حيث يفضّل عدد متزايد من أصحاب العمل توظيف مرشح يمتلك مهارات في الذكاء الاصطناعي على آخر يملك سنوات إضافية من الخبرة العملية، وفقاً لموقع «سي بي إس نيوز».

ورغم إدراك كثير من الموظفين أهمية تطوير مهاراتهم في هذا المجال، فإن فرص التدريب التي توفرها الشركات لا تزال محدودة. وفي هذا السياق، تقول ليزا جيفيلبر، رئيسة مبادرة «غرو ويث غوغل» التابعة لشركة «غوغل»، وهي برنامج يقدّم تدريباً على المهارات الرقمية للعاملين والشركات، إن الفجوة لا تزال واضحة بين الطلب على هذه المهارات وتوفر التدريب.

وتوضح قائلةً: «نعلم أن الذكاء الاصطناعي مفيد للغاية، وأن مديري التوظيف يؤكدون أهمية إتقانه، لكن أصحاب العمل لا يلبّون هذه الحاجة بشكل كافٍ فيما يتعلق بتدريب الموظفين».

وفي الواقع، يرى خبراء أن أماكن العمل والمؤسسات الأكاديمية ليست دائماً البيئة الأنسب لاكتساب مهارات الذكاء الاصطناعي بالوتيرة المطلوبة. ويقول سام كاوتشي، مؤسس شركة «1Huddle»، وهي شركة متخصصة في تطوير برامج تدريبية للموظفين بالتعاون مع المؤسسات، إن السبب يعود إلى بطء تحديث المناهج مقارنةً بسرعة تطور التكنولوجيا.

ويضيف: «الشركات والمؤسسات الأكاديمية غير مهيأة بالشكل الكافي، لأن عملية تطوير المناهج التعليمية بطيئة جداً»، في حين أن تقنيات الذكاء الاصطناعي تتطور بوتيرة متسارعة ومتجددة باستمرار.

عبارة: مرحباً بكم في «أوبن إيه آي» تظهر على الصفحة الرئيسية لـ«شات جي بي تي» (د.ب.أ)

كيف يمكن للعاملين تطوير مهاراتهم في الذكاء الاصطناعي؟

في ظل هذا الواقع، يطرح السؤال نفسه: كيف يمكن للأفراد تعلم الذكاء الاصطناعي بطريقة عملية تُحسّن فرصهم في الحصول على وظائف أو تطوير مساراتهم المهنية؟

حسب خبراء الذكاء الاصطناعي والتطوير المهني، فإن أفضل نقطة للانطلاق هي الاستخدام اليومي المباشر لأدوات الذكاء الاصطناعي المتاحة للجميع.

ويقول كاوتشي: «يتعلم العاملون الذكاء الاصطناعي بشكل طبيعي من خلال استخدام المنصات مباشرةً، بهدف تحسين مهاراتهم في توظيفه. إنهم يتعلمون من خلال التفاعل مع أدوات مثل (شات جي بي تي) و(جيميناي) و(كلاود) وغيرها من النماذج والمنصات».

وتُعد العديد من هذه الأدوات مجانية الاستخدام، في حين توفر الاشتراكات المدفوعة ميزات إضافية متقدمة. كما تقدم بعض الشركات المطورة للذكاء الاصطناعي دورات تدريبية مجانية للمستخدمين. فعلى سبيل المثال، توفر شركة «أوبن إيه آي»، مطورة «شات جي بي تي»، برامج تدريبية فيما تُعرف بـ«هندسة التوجيه»، والتي تُعرّف بأنها «فن التواصل مع نماذج الذكاء الاصطناعي للحصول على أفضل النتائج الممكنة».

وإلى جانب ذلك، يشير كاوتشي إلى توفر كمّ كبير من المحتوى التعليمي المجاني عبر الإنترنت، بما في ذلك منصات مثل «يوتيوب» و«تيك توك» و«إنستغرام»، التي يمكن أن تساعد المتعلمين على اكتساب أساسيات قوية في هذا المجال.

تعلّم الذكاء الاصطناعي باستخدام الذكاء الاصطناعي نفسه

من جهتها، تنصح كريستين كروزفيرغارا، نائبة رئيس قسم التعليم العالي ونجاح الطلاب في منصة «هاندشيك» للتوظيف، باستخدام الذكاء الاصطناعي نفسه أداةً تعليمية.

وتقول: «يمكنك حرفياً استخدام الذكاء الاصطناعي ليعلّمك الذكاء الاصطناعي. ادخل إلى (شات جي بي تي) أو (كلاود)، واطلب منهما شرح كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي في مجالك المهني، وسيقومان بمساعدتك على البدء».

وتضيف: «يمكنك أيضاً أن تطلب منهما إعداد خطة تدريبية لمدة أسبوعين أو شهر، وسيقدمان لك برنامجاً مفصلاً خطوة بخطوة لما عليك تعلّمه وتنفيذه».

ورغم وجود مؤشرات على أن الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي قد يقلل من الطلب على بعض الوظائف المبتدئة، تتوقع كروزفيرغارا أن يشهد المستقبل اتجاهاً مختلفاً، حيث ستلجأ الشركات بشكل أكبر إلى توظيف الشباب الذين نشأوا مع هذه التكنولوجيا واكتسبوا خبرة مبكرة في استخدامها.

وتختتم قائلةً: «أصحاب العمل ينظرون إلى هذا الجيل الجديد بوصفه الأكثر جاهزية، لأنه أول جيل يتعامل مع الذكاء الاصطناعي بشكل طبيعي، وقد بدأ بالفعل في تعلّمه وتوظيفه بشكل ذاتي».


تطبيق «جيميناي» يتألق في تخطيط الرحلات

تطبيق «جيميناي» يتألق في تخطيط الرحلات
TT

تطبيق «جيميناي» يتألق في تخطيط الرحلات

تطبيق «جيميناي» يتألق في تخطيط الرحلات

قد يبدو تخطيط الرحلات مهمة شاقة، مليئة بالمهام التي يُفترض أن تُسرّعها روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي. كانت هذه التقنية لا تزال في مراحلها الأولى قبل بضع سنوات، فهل أضحت الآن على قدر المسؤولية؟

بصفتي كاتب عمود تقني في صحيفة «نيويورك تايمز» ومسافراً دائماً، كنتُ متشوقاً لاختبار ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قادراً على تبسيط عملية التخطيط، التي تستغرق مني عادةً ساعات من قراءة أدلة السفر وتدوين المعلومات في دفاتر الملاحظات وجداول البيانات.

خيارات تخطيط السفر

كنتُ أُخطط لتفاصيل رحلة مدتها 14 يوماً إلى تايوان وهونغ كونغ مع زوجتي وابنتنا البالغة من العمر 20 شهراً، كما كنتُ أرغب في الحصول على مساعدة في تخطيط عطلة صيفية قادمة إلى هاواي.

وكان لديّ العديد من الخيارات، بما في ذلك تطبيقات جزئية تستخدم الذكاء الاصطناعي لحجز الرحلات الجوية، بالإضافة إلى روبوتات دردشة شهيرة مثل «تشات جي بي تي» و«كلود». ولأنني وجدتُ أن من الأسهل عادةً استخدام تطبيق واحد بدلاً من التنقل بين عدة تطبيقات، قررتُ التركيز على تطبيق واحد.

تطبيق «جيميناي»

اخترتُ تطبيق الدردشة الآلي «جيميناي» من «غوغل» لسببين: أولاً، على عكس تطبيقات الدردشة الآلية الأخرى، كان «جيميناي» متصلاً مسبقاً بموارد «غوغل» الواسعة للعثور على رحلات الطيران والمطاعم. وثانياً، لأنني أردتُ تجربته جنباً إلى جنب مع «اسأل الخرائط (Ask Maps)»، وهي ميزة ذكاء اصطناعي جديدة مُدمجة في تطبيق «خرائط غوغل».

* الخبر السار: شكّل تطبيق الدردشة الآلي «جيميناي»، الذي تم تحسينه أخيراً ليُقدّم ردوداً أكثر تخصيصاً بناءً على البيانات الشخصية، و«اسأل الخرائط» مزيجاً فعالاً وفّر عليّ الكثير من الوقت، خاصةً في البحث عن المطاعم والمعالم السياحية. لم أستغرق سوى نحو 30 دقيقة في التخطيط لأنشطتي في تايوان وهونغ كونغ.

* الخبر السيئ: ارتكب «جيميناي» بعض الأخطاء أحياناً - مثل نسيان إضافة الملابس الداخلية إلى قائمة أغراضي - مما اضطرني إلى القيام ببعض العمل اليدوي. وعلى الرغم من هذه العيوب، أنصح عموماً باستخدام «جيميناي» كوكيل سفر افتراضي للمساعدة في التخطيط لرحلتك القادمة.

نتائج الاختبارات

* روبوت محادثة ذو شبكة علاقات واسعة. يُعدّ أكثر كفاءةً من روبوتات المحادثة الأخرى التي تعمل بالذكاء الاصطناعي في تخطيط الرحلات، وذلك بفضل وصوله المباشر إلى «رحلات غوغل الجوية (Google Flights)» و«فنادق غوغل (Google Hotels)» للبحث عن أسعار تذاكر الطيران والإقامة. وأصدرت «غوغل» مؤخراً ميزتين جديدتين للذكاء الاصطناعي تُفيدان في تخطيط الرحلات: «الذكاء الشخصي Personalized Intelligence»، وهو خيار يُمكن للمستخدمين تفعيله من إعدادات تطبيق «جيميناي»، و«اسأل الخرائط»، وهو زر بدأ بالظهور أخيراً في تطبيق «خرائط غوغل».

* استخلاص البيانات من خدمات «غوغل». بفضل «الذكاء الشخصي»، يستطيع «جيميناي» استخلاص البيانات من خدمات «غوغل» المتعددة، بما في ذلك «جي ميل» والتقويم وسجل البحث، لتقديم إجاباته. بعبارة أخرى، إذا سألت «جيميناي»: «رشّح لي بعض المطاعم القريبة من الفندق عند وصولي»، فسيعرف مكان إقامتك وموعد وصولك التقريبي بناءً على المعلومات الموجودة في بريدك الإلكتروني. لقد أعجبني سهولة وسرعة الحصول على المساعدة من «جيميناي» دون الحاجة إلى تذكيره بتفاصيل رحلتي.

إذا كنتَ، مثلي، قلقاً بشأن منح تطبيق «جيميناي» إمكانية الوصول إلى هذا الكمّ الهائل من البيانات الشخصية، فأنشئ حساب «جي ميل» مخصصاً للسفر فقط، وفعّل ميزة «الذكاء الشخصي» على هذا الحساب فقط.

في «خرائط غوغل»، يتيح لك زر «اسأل الخرائط» طرح أسئلة تفاعلية مثل «هل يمكنك شرح نظام قطارات طوكيو؟» أو «هل يوجد طريق مناسب لعربة الأطفال إلى متحف الفضاء؟» والحصول على إجابات مُخصصة من «جيميناي» بناءً على موقعك.

قوائم.. مع بعض المشاكل البسيطة

في رحلتي إلى تايوان وهونغ كونغ، استخدمتُ «جيميناي» بشكل أساسي للتحضير والبحث، بما في ذلك إنشاء قوائم تهيئة محتويات حقائب السفر وقوائم المهام.

كتبتُ: «أنشئ قائمة الملابس والمواد اللازمة للسفر ولطفلي البالغ من العمر 20 شهراً». (استخدمت زوجتي قائمتها الخاصة). قدّم روبوت الدردشة قائمة مفيدة تضمنت الحفاضات والأدوية وسماعات عازلة للضوضاء ومحول طاقة. مع ذلك، أغفل الروبوت إضافة الجوارب والملابس الداخلية إلى قائمة أغراضي.

طلبتُ أيضاً من «جيميناي» إنشاء قائمة بالمهام المهمة التي يجب إنجازها قبل الرحلة، فأنشأ ملخصاً مفيداً، تضمن التحقق من صلاحية جوازات سفر العائلة والبحث عن خيارات تغطية شبكة الهاتف المحمول في الخارج، وهي مهمة أخرى أوكلتها إلى الروبوت. وقد أوصى بباقة بيانات رخيصة تعمل في كلٍّ من تايوان وهونغ كونغ - ممتاز.

عندما أصبحتُ راضياً عن القوائم، طلبتُ من «جيميناي» نسخها إلى مفكرة لاستخدامها لاحقاً. ظهرت القوائم داخل تطبيق «كيب (Keep)» للملاحظات من «غوغل»، مع مربعات لوضع علامة عليها عند إتمام المهام.

مهارة في التخطيط

تألق تطبيق «جيميناي» في وضع خطط سفر تقريبية دون الحاجة إلى بذل جهد كبير. طلبتُ منه إنشاء خطة يومية للأنشطة، ولأنه كان لديه بالفعل إمكانية الوصول إلى حجوزات تذاكر الطيران والفنادق التي أرسلتها عبر البريد الإلكتروني، ولأنه كان على دراية بأنني أسافر برفقة طفل صغير، فقد وضع خطة لأنشطة مناسبة للعائلة لكل يوم. طلبتُ من «جيميناي» حفظ خطة الرحلة كملاحظة في تطبيق «كيب».

عندما اتبعنا أنا وعائلتي خطة الرحلة في تايوان وهونغ كونغ، قضينا وقتاً ممتعاً - حتى إنه راعى إرهاق السفر وأخذ فترات راحة قصيرة مع طفل صغير. على سبيل المثال، أوصى «جيميناي» بالاسترخاء في اليوم الأول في تايوان بالذهاب سيراً على الأقدام إلى متنزه غابة دآن وشارع يونغ كانغ، وهي منطقة قريبة تشتهر بمطاعمها. استمتعنا بنزهتنا وتناولنا وعاءً من حلوى المانجو المثلجة اللذيذة قبل العودة إلى الفندق.

نجاح متفاوت في الوقت الفعلي

بينما برع تطبيق «جيميناي» في البحث عن الأفكار مسبقاً، بدأ يواجه صعوبات عندما احتجتُ إلى المساعدة في الوقت الفعلي. على سبيل المثال، عندما وصلتُ إلى هونغ كونغ، طلبتُ منه ترشيح مطاعم قريبة من فندقي، لكنه عرض مطاعم قريبة من فندقي السابق في تايوان. أوضحت «غوغل» أن ميزة الذكاء الشخصي لا تزال قيد التطوير، وأن خلط الجداول الزمنية مشكلة معروفة تعمل على حلها.

لحسن الحظ، تعاملت ميزة «اسأل الخرائط» مع هذه الأنواع من الطلبات بكفاءة عالية. في يوم ممطر في هونغ كونغ، فتحتُ «خرائط غوغل»، وضغطتُ على زر «اسأل الخرائط»، وكتبتُ: «الجو ممطر. ابحث عن أنشطة يمكنك القيام بها مع طفل صغير في مكان قريب». اقترح التطبيق زيارة متحف العلوم، وأعطاني توجيهات للوصول إليه سيراً على الأقدام في غضون 10 دقائق.

رحلات طيران أذكى.. وأرخص

في تجاربي، وجدتُ أن استخدام تطبيق «جيميناي» للبحث عن خيارات الطيران والفنادق كان أكثر فاعلية من تصفح مواقع حجز السفر بالطريقة التقليدية. والسبب هو أن «جيميناي» لم يكتفِ بترتيب الأسعار حسب الأولوية، بل قدّم لي أفضل الخيارات بناءً على ظروفي الشخصية.

على سبيل المثال، لرحلتي القادمة إلى هاواي، طلبتُ من «جيميناي» البحث عن أفضل عروض الطيران في شهر يوليو (تموز). استخرج «جيميناي» معلومات من «رحلات غوغل الجوية» ليُظهر أرخص الخيارات القريبة جغرافياً.

وبالمثل، عندما كنتُ أبحث عن فندق، ساعدتني مشاركة تفاصيل وضعي في الحصول على نتائج مُخصصة.

* خدمة «نيويورك تايمز».


«آبل» ستدفع 250 مليون دولار لبعض مستخدمي «آيفون» في أميركا لتسوية دعوى قضائية

امرأة تستخدم جوالها داخل متجر لشركة «آبل» في بكين (رويترز)
امرأة تستخدم جوالها داخل متجر لشركة «آبل» في بكين (رويترز)
TT

«آبل» ستدفع 250 مليون دولار لبعض مستخدمي «آيفون» في أميركا لتسوية دعوى قضائية

امرأة تستخدم جوالها داخل متجر لشركة «آبل» في بكين (رويترز)
امرأة تستخدم جوالها داخل متجر لشركة «آبل» في بكين (رويترز)

وافقت شركة «آبل» على دفع 250 مليون دولار لمجموعة من مستخدمي هواتف آيفون في الولايات المتحدة؛ وذلك لتسوية دعوى قضائية جماعية اتهمت الشركة بتضليل المستهلكين بشأن قدرات الذكاء الاصطناعي في أجهزتها الحديثة.

ووفق شبكة «بي بي سي» البريطانية، فقد أوضحت وثائق التسوية المقدَّمة أمام محكمة فيدرالية في كاليفورنيا، أن الشركة لم تعترف بارتكاب أي مخالفات، لكنها وافقت على إنهاء النزاع القضائي الذي رُفع العام الماضي.

وتشمل التعويضات مبالغ تتراوح بين 25 و95 دولاراً للمستخدمين الذين اشتروا هاتفيْ آيفون 15 آيفون 16، خلال الفترة بين يونيو (حزيران) 2024 ومارس (آذار) 2025.

واتهمت الدعوى «آبل» بالترويج لميزات ذكاء اصطناعي، ضمن ما أطلقت عليه «ذكاء آبل Apple Intelligence»، على أنها ابتكار ثوريّ، رغم عدم توفرها فعلياً، خصوصاً فيما يتعلق بتطوير المُساعد الصوتي «سيري».

وفي تعليقها على القضية، قالت متحدثة باسم «آبل»: «تركزت الدعوى على توفر ميزتين إضافيتين ضِمن مجموعة كبيرة من الميزات التي أُطلقت»، مضيفة: «قمنا بتسوية هذه المسألة لنواصل التركيز على ما نجيده؛ وهو تقديم أكثر المنتجات والخدمات ابتكاراً لمستخدمينا».

شعار شركة «آبل» على مبنى في مانهاتن (د.ب.أ)

من جهتهم، أكد محامو المدّعين، في مذكرة معدَّلة، أن حملة التسويق التي قادتها الشركة «ترقى إلى إعلان مضلِّل»، موضحين: «روّجت لقدرات ذكاء اصطناعي لم تكن موجودة آنذاك، ولا تزال غير موجودة، ولن تكون موجودة لمدة عامين أو أكثر، إن وُجدت أصلاً، كل ذلك بينما سوّقتها على أنها ابتكار ثوري».

كما أشاروا إلى أن هذه الحملة جاءت في سياق سباق تقنيّ محتدم مع شركات كبرى في مجال الذكاء الاصطناعي مثل «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك».

وتضمنت الشكوى أيضاً انتقادات لوعود الشركة بتحويل المُساعد الصوتي «سيري» من واجهة صوتية محدودة إلى مساعد شخصي متكامل يعمل بالذكاء الاصطناعي، حيث جاء فيها أن الهواتف الجديدة «وصلت إلى المستهلكين دون ميزات الذكاء الاصطناعي الموعودة، ولم يظهر الإصدار المحسّن من المساعد الصوتي».

Your Premium trial has ended