سقوط الإمبراطورية البشرية: هل نحن حقاً في طريقنا إلى الزوال؟

الدليل المُسلِّي لانقراض الإنسان

سقوط الإمبراطورية البشرية: هل نحن حقاً في طريقنا إلى الزوال؟
TT
20

سقوط الإمبراطورية البشرية: هل نحن حقاً في طريقنا إلى الزوال؟

سقوط الإمبراطورية البشرية: هل نحن حقاً في طريقنا إلى الزوال؟

يقول هنري جي: «نحن في طريقنا إلى الزوال، إلى الزوال!». لقد بلغ الإنسان العاقل ذروته، وبعدها سيبدأ عدد السكان العالمي في التناقص، كما كتب روان هوبر*.

سقوط الإمبراطورية البشرية

في الكتاب الجديد لهنري جي Henry Gee «انحدار وسقوط الإمبراطورية البشرية: لماذا جنسنا البشري على حافة الانقراض» The Decline and Fall of the Human Empire: Why our species is on the edge of extinction، تتمثل مهمة المؤلف في تتبع المسار من نشأتنا إلى ذروتها، ثم إلى فنائنا المُحتمل.

تطور الإنسان العاقل

عندما تطور الإنسان العاقل قبل نحو 300 ألف عام، كنا محاطين بأقارب. في موطننا، في أفريقيا، عشنا جنباً إلى جنب مع إنسان ناليدي H. naledi، وإنسان هايدلبيرغ H. heidelbergensis. وفي أوروبا، عندما وصلنا إليها، كان هناك إنسان نياندرتال Neanderthal. وفي آسيا، إنسان دينيسوفان Denisovan.

ربما تداخلنا مع أنواع بشرية أخرى لا تزال مجهولة. وبينما انقرضت أجناسنا الشقيقة، لم نزدهر فحسب؛ بل سيطرنا على الكوكب كله.

ازدهار التكنولوجيا والثقافة

يتساءل جي: لماذا -من بين جميع المجموعات البشرية الأخرى- نجحنا إلى هذا الحد؟ إجابته هي: حجم السكان؛ إذ في النهاية، وبعد عدة مواجهات مع الانقراض، بدأنا ننمو في العدد. وبدلاً من أن تتلاشى الأفكار، فقد رسخت وتطورت؛ لذا ازدهرت التكنولوجيا والثقافة.

وعندما توجد قرى يسكنها عشرات الأشخاص، يصبح الرسم على الكهوف أمراً ممكناً. أما عندما تكون لديك حضارة تضم مليارات البشر، فيصبح السفر إلى الفضاء أمراً محتملاً. ولهذا السبب، لا تفصل سوى 66 عاماً بين أول رحلة جوية للأخوين رايت عام 1903 والهبوط على سطح القمر عام 1969.

بداية زمن الركود

انتهى زمن الازدهار، والآن زمن الركود. يستخدم جي العمل الكلاسيكي لإدوارد غيبون «تاريخ تراجع وسقوط الإمبراطورية الرومانية» إطاراً. وتقول وجهة نظر غيبون إنه بمجرد أن هزمت روما أعداءها جميعهم، بدأت الإمبراطورية في التآكل.

ويحذر جي: «وينطبق علينا الأمر نفسه». بمجرد أن قضينا على جميع الأنواع البشرية الأخرى، بدأ وقت انقراضنا يدق. وما يزيد الطين بلة أن البشر مرُّوا أيضاً بكثير من الاختناقات (أحدها شهد انخفاضاً في عدد السكان إلى نحو 1300 فرد منذ ما يقرب من مليون عام)، وأن هذه الاختناقات حرمتنا من كثير من تنوعنا الجيني.

انحسار القدرات الجنسية

تشير توقعات الأمم المتحدة إلى أن عدد سكان العالم سيبلغ ذروته عند ما يزيد قليلاً على 10.4 مليار نسمة في عام 2086، ثم ينخفض. وأحد العوامل المساهمة -كما يكتب جي- هو الانخفاض العالمي في عدد الحيوانات المنوية على مدى العقود القليلة الماضية، والذي ربما يرجع (من بين أسباب أخرى) إلى التعرض التدريجي للملوثات الناتجة عن الوقود الأحفوري... رائع. إذا لم تقضِ علينا شركات النفط الكبرى من خلال تغير المناخ، فقد تساعد في ذلك من خلال آثارها على العقم.

إن أبحاث جي لا تشوبها شائبة، ولكنها تبدو مستهلكة بعض الشيء. وكان قد فاز بجائزة الجمعية الملكية للكتاب العلمي عام 2022 عن كتابه «تاريخ قصير جداً للحياة على الأرض: 4.6 مليار سنة في 12 فصلاً» Short History of Life on Earth: 4.6 billion years in 12 chapters، وعمل محرراً في مجلة «نتشر» لعقود.

فرصة الإنسان للهروب

كتاب «انحدار وسقوط الإمبراطورية البشرية» غني بالمعلومات وممتع للغاية؛ إذا كان مفهومك عن الترفيه هو التذكير المستمر بالهاوية التي نقترب منها، بوصفنا نوعاً حياً. ولكنني لا أستطيع التفكير في مؤلف آخر يمكنه أن يتقن أسلوب جي الصريح والمنفصل والمرح في آن واحد. إنه دليل ودود على مصيرنا المحتوم.

تتغير هذه النبرة في الجزء الثالث، عندما يحاول جي وضع نهاية سعيدة على غرار هوليوود؛ لأننا -على عكس الرومان، كما يقول- لدينا فرصة للهروب.

الانطلاق إلى الكواكب الأخرى

ويجادل بأن التوسع خارج الكوكب في غضون المائة إلى المائتي عام المقبلة هو فرصتنا الوحيدة لبقاء نوعنا على قيد الحياة. وكان الفيزيائي وعالم الكونيات الراحل ستيفن هوكينغ قد ادَّعى شيئاً مشابها في حلقة من برنامج «عالم الغد» عام 2017، قائلاً إن أمامنا مائة عام لإيجاد موطن جديد، مُخفِّضاً تقديره السابق البالغ ألف عام. كما صرَّح إيلون ماسك بأنه يريد المساعدة في جعل الإنسان العاقل نوعاً متعدد الكواكب.

قد يكون جميعهم على حق. ولكن مع استمتاعي بفكرة استعمار الفضاء في الخيال العلمي، فإنني أشعر أنها تفتح الباب أمام التشاؤم والانهزامية. علينا أن نبذل كل طاقتنا في الانتقال إلى عالم مستدام على هذا الكوكب، ومن ثمّ يمكننا التطلع إلى التوسع.

لا تزال كلتا النتيجتين ممكنة: مستقبل مستدام على هذا الكوكب، والتوسع إلى عوالم أخرى. يُظهر جي أن جزءاً كبيراً من نجاحنا حتى الآن كان بفضل الحظ، ولكن لا يمكننا الاعتماد عليه للوصول بنا إلى أبعد من ذلك.

* مجلة «نيو ساينتست»، خدمات «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

«صندوق التنمية العقارية» يضخ 273.3 مليون دولار للمستفيدين من الدعم السكني

الاقتصاد مقر «صندوق التنمية العقارية» بالرياض (موقع الصندوق)

«صندوق التنمية العقارية» يضخ 273.3 مليون دولار للمستفيدين من الدعم السكني

أعلن «صندوق التنمية العقارية» إيداع مليار و21 مليون ريال (273.3 مليون دولار)، في حسابات المستفيدين من برنامج «سكني».

يوميات الشرق سريلانكيون يتجمعون للمشاركة في احتفال ديني (إ.ب.أ)

دراسة: عدد سكان العالم قد يكون أكبر بكثير من المعتقد

قد يكون عدد الأشخاص الذين يعيشون على الأرض أكثر بمليارات مما هو معتقد حالياً.

«الشرق الأوسط» (هلسنكي)
المشرق العربي وزير التخطيط العراقي محمد علي تميم خلال مؤتمر إعلان النتائج الأساسية للتعداد العام للسكان في العراق (واع)

العراق يعلن نتائج التعداد السكاني: 46 مليون نسمة

أظهرت النتائج النهائية للتعداد السكاني الأول في العراق منذ ما يقرب من 40 عاماً والذي تم إصداره اليوم (الاثنين) أن عدد السكان بلغ 46.1 مليون نسمة.

حمزة مصطفى (بغداد)
آسيا أمهات مع أطفالهن خارج أحد المحلات في تشنغتشو الصينية 12 أبريل 2021 (رويترز)

تقرير: السلطات الصينية تمارس ضغوطاً على النساء لحثّهن على الإنجاب

في الصين، تواجه النساء ضغوطاً متزايدة من السلطات للإنجاب في ظل أزمة ديموغرافية حادة. واشتكت نساء من التدخّل بخصوصياتهن، وفق ما نقلته صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية.

«الشرق الأوسط» (باريس)
بيئة سيارات متضررة جراء الأمطار الغزيرة التي تسببت في حدوث فيضانات على مشارف فالنسيا إسبانيا 31 أكتوبر 2024 (رويترز)

فيضانات منطقة المتوسط... تغير المناخ بات هنا

زادت ظاهرة التغيّر المناخي نسبة حدوث فيضانات في منطقة البحر المتوسط، حيث تلعب الجغرافيا والنمو السكاني دوراً في مفاقمة الأضرار الناجمة عن الكوارث الطبيعية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

195 عامل خطر وراثي تؤثر على الصحة الإنجابية للمرأة

195 عامل خطر وراثي تؤثر على الصحة الإنجابية للمرأة
TT
20

195 عامل خطر وراثي تؤثر على الصحة الإنجابية للمرأة

195 عامل خطر وراثي تؤثر على الصحة الإنجابية للمرأة

أحدثت دراسة جينية رائدة ضجة في الأوساط الطبية، بعد تحديدها 195 عامل خطر وراثي قد يكون لها دور محوري في تشكيل الصحة الإنجابية للمرأة.

جاءت الدراسة التي شارك فيها باحثون من إستونيا والنرويج باستخدام بيانات ضخمة من بنوك البيانات الحيوية في إستونيا وفنلندا، حيث اعتمدوا على دراسات الارتباط على مستوى الجينوم «GWAS» للكشف عن الاختلافات الجينية المسبِّبة لمشكلات صحية مثل متلازمة تكيُّس المبايض، والتهاب بطانة الرحم، وحتى اضطرابات مثل ركود الصفراء داخل الكبد أثناء الحمل.

نهج استباقيّ للرصد الصحي

تؤثر اضطرابات الإنجاب على واحدة من كل عشر نساء حول العالم، مما يؤدي إلى ضعف الخصوبة والتأثير السلبي على نتائج الحمل والصحة العامة. وعلى الرغم من انتشار هذه الاضطرابات، فقد ظل فهم أسبابها محدوداً حتى الآن. ويأمل مؤلفو الدراسة أن يُحدث فهم أعمق للأسس الجينية تحولاً في كيفية تشخيص هذه الحالات وعلاجها. وقد شمل البحث تحليل بيانات ما يقرب من 300 ألف امرأة، باستخدام تقنيات حسابية متقدمة، ما سمح برسم خرائط لـ42 نمطاً ظاهرياً للصحة الإنجابية، استناداً إلى رموز التصنيف الدولي للأمراض المعتمَدة من منظمة الصحة العالمية.

وأشار الباحثون إلى أن هذه النتائج تمثل خطوة مهمة نحو تحقيق رعاية صحية إنجابية شخصية إذ يمكن من خلالها الانتقال من النهج التفاعلي إلى نهج استباقي في إدارة صحة المرأة، عبر تحديد عوامل الخطر الجينية بدقة.

ولطالما كانت صحة المرأة من المجالات التي تحظى بدراسة غير كافية، مع وجود فجوات كبيرة في فهم الحالات التي تتراوح من تكيسات المبيض، إلى مضاعفات الحمل. وقد أسهمت هذه الدراسة المنشورة بمجلة نيتشر ميديسن «nature medicine»، في 11 مارس (آذار) 2025، في تسليط الضوء على الأسباب البيولوجية وراء كثير من هذه الاضطرابات. إذ جمعت بيانات من البنك الحيوي الإستوني ومشروع FinnGen في فنلندا؛ وهما من أقوى قواعد البيانات الجينية في أوروبا، مما مكَّن الباحثين من تحديد 244 ارتباطاً جينياً متعلقاً بالصحة الإنجابية؛ نِصفها تقريباً لم يُوصف من قبل.

وأكدت الباحثة ترين لايسك، الأستاذ المشارك في علم الجينوم بجامعة تارتو في إستونيا ومنسقة الدراسة، أن هذه النتائج لا توضح آليات المرض فحسب، بل تكشف أيضاً عن تداخل المخاطر الجينية عبر الحالات، مثل ارتباط التهاب بطانة الرحم باضطرابات الكبد المرتبطة بالحمل.

ارتباطات جينية وأدوات التنبؤ

تجاوز الباحثون مجرد تحديد عوامل الخطر الجينية، حيث استكشفوا كيف تتقاسم الاضطرابات التناسلية مسارات جينية مشتركة. على سبيل المثال، أظهر التحليل ارتباطات جينية قوية بين الأورام الليفية الرحمية وفرط الطمث، وبين خلل تنسج عنق الرحم والتهاب عنقه. ومن اللافت أيضاً ظهور ارتباط وراثي سلبي بين متلازمة تكيس المبايض والولادة المبكرة، مما يشكل تحدياً لبعض الدراسات السابقة التي أشارت إلى زيادة خطر الولادة المبكرة لدى المصابات بتكيس المبايض.

وتُظهر الدراسة نتائج واعدة في مجال تحسين بروتوكولات التلقيح الاصطناعي (IVF)، من خلال تحديد جينات أساسية لنضج الجريبات والإباضة لدى النساء المصابات بتكيسات المبيض، حيث كانت أدوار هذه الجينات غامضة في البشر، رغم معرفتها في نماذج الفئران. كما أشارت النتائج إلى إمكانية التدخل المبكر في حالات مضاعفات الحمل، مثل ارتفاع ضغط الدم داخل الرحم، ما يُتيح مراقبة أدق لتفادي النتائج السلبية التي ترتبط بزيادة معدلات الإصابة والوفيات لدى الأطفال عند الولادة المبكرة.

وتميّزت الدراسة بتركيزها على المتغيرات الجينية الخاصة بالسكان لدى النساء الإستونيات والفنلنديات، حيث ظهرت بعض عوامل الخطر في هذه المجموعات بشكل أكثر تكراراً، مما يؤكد أهمية تنوع البنوك الحيوية للحصول على رؤى أدقّ. ويأمل الباحثون أن تسهم هذه النتائج في تطوير اختبارات جينية، لتقييم مخاطر الإصابة باضطرابات الإنجاب، ما يوجه تقديم الرعاية الصحية بشكل أفضل وأكثر تخصيصاً. كما أن الفهم الأعمق للأسس الجينية لهذه الاضطرابات قد يفتح آفاقاً جديدة لعلاجات تستهدف الأسباب الجذرية، بدلاً من مجرد تخفيف الأعراض، مما يعزز فعالية التدخل الطبي ويحسّن النتائج الصحية لملايين النساء حول العالم.

وتمثل هذه الدراسة نقطة تحول في مجال صحة المرأة، حيث توفّر رؤى جينية دقيقة يمكن أن تُحدث فرقاً في كيفية التعامل مع الاضطرابات الإنجابية وتشخيصها وعلاجها. ومع استمرار الأبحاث والتقدم في تقنيات علم الوراثة، يقترب حلم الرعاية الصحية الإنجابية الشخصية من التحقيق، مما يضمن مستقبلاً أكثر صحة ورفاهية للنساء على مستوى العالم.