الذكاء الاصطناعي: الابتكار الخارق يتطلب ضوابط آمنة

مخاوف كبرى على الأمن القومي من التضليل الإعلامي وانفلات العنف والاضطرابات

الذكاء الاصطناعي: الابتكار الخارق يتطلب ضوابط  آمنة
TT

الذكاء الاصطناعي: الابتكار الخارق يتطلب ضوابط آمنة

الذكاء الاصطناعي: الابتكار الخارق يتطلب ضوابط  آمنة

يتطور مشهد الذكاء الاصطناعي بسرعة، حيث يشير مشروع «ستارغيت Stargate» الأمريكي الذي تبلغ تكلفته 500 مليار دولار إلى استثمار هائل في البنية التحتية، بينما تظهر «ديب سيك» الصينية منافساً هائلاً، كما كتب فيصل حقّ(*).

مخاوف أميركية من الصين

وتثير نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة من «ديب سيك»، التي تنافس القدرات الغربية بتكاليف أقل، مخاوف كبيرة بشأن التهديدات المحتملة للأمن السيبراني واستخراج البيانات وجمع المعلومات الاستخباراتية على نطاق عالمي. ويسلط هذا التطور الضوء على الحاجة الملحة إلى تنظيم قوي للذكاء الاصطناعي وتدابير أمنية في الولايات المتحدة.

الفجوة بين التقدم التكنولوجي والحوكمة

ومع تكثيف سباق الذكاء الاصطناعي، تتسع الفجوة بين التقدم التكنولوجي والحوكمة. تواجه الولايات المتحدة التحدي الحاسم المتمثل ليس فقط في تسريع قدرات الذكاء الاصطناعي من خلال مشاريع مثل «ستارغيت»، ولكن أيضاً في تطوير أطر تنظيمية شاملة لحماية أصولها الرقمية ومصالح الأمن القومي.

ومع قدرة «ديب سيك» على التغلب على ضوابط التصدير وإجراء عمليات سيبرانية متطورة، يجب على الولايات المتحدة أن تتحرك بسرعة لضمان بقاء ابتكاراتها في مجال الذكاء الاصطناعي آمنة وقادرة على المنافسة في هذا المشهد التكنولوجي المتغير بسرعة.

موجة من مخاطر التزييف والعنف

لقد شهدنا بالفعل الموجة الأولى من المخاطر التي تعمل بالذكاء الاصطناعي. اذ ساعدت عمليات التزييف العميق وحسابات الروبوتات والتلاعب الخوارزمي على وسائل التواصل الاجتماعي في تقويض التماسك الاجتماعي مع المساهمة في إنشاء غرف سياسية لها صدى. لكن هذه المخاطر هي لعبة أطفال مقارنةً بالمخاطر التي ستظهر في السنوات الخمس إلى العشر القادمة.

الذكاء الاصطناعي سيصنع أسلحة بيولوجية

خلال الوباء، رأينا السرعة غير المسبوقة التي يمكن بها تطوير لقاحات جديدة بمساعدة الذكاء الاصطناعي. وكما أشار مصطفى سليمان، مؤسس «ديب مايند» والرئيس التنفيذي لشركة «مايكروسوفت إيه آي»، (Microsoft AI)، الآن، فلن يمر وقت طويل قبل أن يتمكن الذكاء الاصطناعي من تصميم أسلحة بيولوجية جديدة بنفس السرعة. ولن تقتصر هذه القدرات على الجهات الفاعلة في الدولة.

إن تكنولوجيا الطائرات من دون طيار الحديثة جعلت من السهل الوصول إلى القدرات التي كانت ذات يوم حكراً على الجيش وحده. كما أن أي فرد لديه حتى معرفة أولية بالبرمجة سوف يكون قادراً قريباً على تسليح الذكاء الاصطناعي من غرفة نومه في المنزل.

وعندما تنهار الثقة في قدرة الحكومة على التعامل مع مثل هذه الأحداث غير المتوقعة، فإن النتيجة هي الخوف والارتباك والفكر التآمري.

مخاطر جيوسياسية

لقد شكَّلت سبع سنوات قضيتها في مساعدة وزارتَي الدفاع والأمن الداخلي في الابتكار والتحول (التنظيمي والرقمي) تفكيري حول المخاطر الجيوسياسية الحقيقية التي يجلبها الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية معها. ولكن هذه المخاطر لا تأتي من خارج بلادنا فقط. فقد شهد العقد الماضي تسامحاً متزايداً بين كثير من المواطنين الأميركيين لفكرة العنف السياسي، وهي الظاهرة التي برزت بشكل واضح في أعقاب إطلاق النار على الرئيس التنفيذي لشركة «يونايتد هيلث كير» براين تومسون.

البطالة الجماعية والاضطرابات المقبلة

ومع استبدال الأتمتة بأعداد متزايدة من الوظائف، فمن المحتمل تماماً أن تؤدي موجة من البطالة الجماعية إلى اضطرابات شديدة، مما يُضاعف من خطر استخدام الذكاء الاصطناعي سلاحاً للهجوم على المجتمع ككل. ستكون هذه المخاطر على عتبات أبوابنا قريباً.

ولكن الأكثر إثارة للقلق هو المجهول. إذ يتطور الذكاء الاصطناعي بسرعة البرق، وحتى أولئك المسؤولون عن هذا التطور ليس لديهم أي فكرة بالضبط عن المكان الذي سننتهي إليه.

الذكاء الاصطناعي قد يمحو البشرية

وقد صرح جيفري هينتون الحائز جائزة نوبل، الذي يسمَّى الأب الروحي للذكاء الاصطناعي، بأن هناك فرصة كبيرة لأن يمحو الذكاء الاصطناعي البشرية في غضون 30 عاماً فقط. ويفترض خبراء آخرون أن الأفق الزمني أضيق بكثير.

ضوابط قائمة على المخاطر

«يجب أن يكون التنظيم المنظم قائماً على المخاطر»، إذ لا يمكننا أن نتحمل التعامل مع تنظيم الذكاء الاصطناعي بنفس الطريقة العشوائية التي جرى تطبيقها على تكنولوجيا الطائرات من دون طيار. نحن بحاجة إلى نهج قابل للتكيف وبعيد المدى وموجه نحو المستقبل للتنظيم والذي تم تصميمه لحمايتنا من أي شيء قد ينشأ بينما ندفع حدود الذكاء الآلي.

خلال مقابلة أُجريت أخيراً مع السيناتور ريتشارد بلومنثال، ناقشت مسألة كيف يمكننا تنظيم تكنولوجيا لا نفهمها بالكامل بعد بشكل فعال؟ وبلومنثال هو المؤلف المشارك مع السيناتور جوش هاولي لقانون الإطار الحزبي لقانون الذكاء الاصطناعي الأمريكي، والمعروف أيضاً باسم «إطار بلومنثال-هاولي».

يقترح بلومنثال نهجاً خفيفاً نسبياً، مما يشير إلى أن الطريقة التي تنظم بها حكومة الولايات المتحدة صناعة الأدوية يمكن أن تكون بمثابة نموذج لنهجنا تجاه الذكاء الاصطناعي. ويزعم أن هذا النهج يوفر ترخيصاً صارماً وإشرافاً على التقنيات الناشئة الخطيرة المحتملة دون فرض قيود غير مبرَّرة على قدرة الشركات الأمريكية على البقاء في طليعة العالم في هذا المجال.

و يقول بلومنثال: «نحن لا نريد خنق الابتكار. ولهذا السبب يجب أن يكون التنظيم المنظم قائماً على المخاطر. إذا لم يشكل خطراً، فلن نحتاج إلى هيئة تنظيمية».

يقدم هذا النهج نقطة انطلاق قيمة للمناقشة، لكنني أعتقد أننا بحاجة إلى الذهاب إلى أبعد من ذلك. في حين أن النموذج الدوائي قد يكون كافياً لتنظيم تطوير الذكاء الاصطناعي للشركات، فإننا نحتاج أيضاً إلى إطار من شأنه أن يحد من المخاطر التي يفرضها الأفراد.

يتطلب تصنيع وتوزيع الأدوية بنية تحتية كبيرة، لكنَّ الرموز الكومبيوترية هي «وحش مختلف» تماماً، إذ يمكن تكرارها إلى ما لا نهاية ونقلها إلى أي مكان على الكوكب في جزء من الثانية.

وقف انفلات الذكاء الاصطناعي

إن احتمالية إنشاء الذكاء الاصطناعي «الإشكالي» (المسبب للمشكلات) و«تسربه إلى العالم» أعلى بكثير مما هي الحال بالنسبة للأدوية الجديدة والخطيرة.

ونظراً إلى إمكانية الذكاء الاصطناعي توليد نتائج على مستوى الانقراض (البشري)، فليس من المبالغة القول إن الأطر التنظيمية المحيطة بالأسلحة النووية والطاقة النووية أكثر ملاءمة لهذه التكنولوجيا من تلك التي تنطبق على صناعة الأدوية.

ومهما اخترنا من موازنة المخاطر والمكافآت في أبحاث الذكاء الاصطناعي، فنحن بحاجة إلى التحرك قريباً. إذ إن الافتقار إلى إطار شامل ومتماسك لإدارة التهديدات من التقنيات الجديدة يمكن أن يترك الوكالات الحكومية مشلولة.

ومع المخاطر التي تشمل أي شيء يصل إلى انقراض البشرية، لا يمكننا أن نتحمل هذا النوع من الجمود والارتباك. نحن بحاجة إلى إطار تنظيمي شامل يوازن بين الابتكار والسلامة، وهو الإطار الذي يعترف بالإمكانات التحويلية للذكاء الاصطناعي ومخاطره الوجودية.

بين الابتكار والسلامة

وهذا يعني:

• تعزيز الابتكار المسؤول، وتشجيع تطوير ونشر تقنيات الذكاء الاصطناعي في القطاعات الحيوية بطريقة آمنة وأخلاقية.

• وضع لوائح قوية. تتطلب الثقة العامة في أنظمة الذكاء الاصطناعي أطراً تنظيمية واضحة وقابلة للتنفيذ وأنظمة شفافة للمساءلة.

• تعزيز الأمن القومي. يجب على صناع السياسات الاستفادة من الذكاء الاصطناعي لتحديث القدرات العسكرية، ونشر حلول الذكاء الاصطناعي التي تتنبأ بالتهديدات السيبرانية وتكتشفها وتواجهها مع ضمان الاستخدام الأخلاقي للأنظمة المستقلة.

• الاستثمار في تنمية القوى العاملة. يجب علينا إنشاء برامج تدريبية شاملة تعمل على رفع مهارات العمال للصناعات التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي مع تعزيز التعليم في العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات لبناء الخبرة الأساسية في الذكاء الاصطناعي بين الطلاب والمهنيين.

• الريادة في معايير الذكاء الاصطناعي العالمية. يجب على الولايات المتحدة أن تقود الجهود الرامية إلى وضع معايير عالمية لاستخدام الذكاء الاصطناعي من خلال الشراكة مع الحلفاء لتحديد المعايير الأخلاقية وحماية الملكية الفكرية.

• معالجة المخاوف العامة. يتطلب تأمين الثقة العامة في الذكاء الاصطناعي زيادة الشفافية حول أهداف وتطبيقات مبادرات الذكاء الاصطناعي مع تطوير استراتيجيات للتخفيف من تشريد العاملين في الوظائف وضمان الفوائد الاقتصادية العادلة.

* مجلة «فاست كومباني»، خدمات «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

قبل 5 سنوات من حدوثه... أداة ذكاء اصطناعي تتنبأ بخطر فشل القلب

صحتك فشل القلب يُعدّ من الحالات الصحية الخطيرة التي تؤثر على أكثر من 60 مليون شخص حول العالم (بيكسلز)

قبل 5 سنوات من حدوثه... أداة ذكاء اصطناعي تتنبأ بخطر فشل القلب

توصّل علماء من جامعة أكسفورد في بريطانيا إلى أداة ذكاء اصطناعي بسيطة يمكنها الكشف عن خطر الإصابة بفشل القلب قبل نحو خمس سنوات من حدوثه.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الذكاء الاصطناعي يقرأ الوجه حيث تبدأ المؤشرات قبل الأعراض

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي وجهك… قبل أن تفتح فمك

قادر على تحليل تعابير الوجه بدقة عالية مع توافق لافت مع التقييم البشري

د. عميد خالد عبد الحميد (الرياض)
خاص الاحتيال تحوّل من استهداف الأنظمة التقنية إلى التلاعب بالسلوك البشري ما يغيّر طبيعة التهديد بشكل جذري (رويترز)

خاص هل أنهى الذكاء الاصطناعي عصر أنظمة كشف الاحتيال الرقمية التقليدية؟

يُضعف تحول الاحتيال إلى استهداف السلوك البشري الأنظمة التقليدية، ويفرض اعتماد تحليلات سلوكية، ومقاربات جديدة لحماية الثقة الرقمية، والهوية.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا أداة «غوغل» للذكاء الاصطناعي تفتقر إلى الدقة

أداة «غوغل» للذكاء الاصطناعي تفتقر إلى الدقة

أكثر من نصف الإجابات الصحيحة كانت «غير مدعومة بأدلة»

كيد ميتز (نيويورك)

جيل الشباب الأميركي يستخدم الذكاء الاصطناعي… ويتذمر منه

جيل الشباب الأميركي يستخدم الذكاء الاصطناعي… ويتذمر منه
TT

جيل الشباب الأميركي يستخدم الذكاء الاصطناعي… ويتذمر منه

جيل الشباب الأميركي يستخدم الذكاء الاصطناعي… ويتذمر منه

كشفت دراسة جديدة أجرتها مؤسسة غالوب أن الشباب أصبحوا أقل تفاؤلاً وأكثر غضباً تجاه الذكاء الاصطناعي. وإذا كنت تعتقد أن الشباب يندفعون بحماس نحو مستقبل يعتمد على الذكاء الاصطناعي... فعليك أن تفكّر مرة أخرى، كما كتبت كالي هولترمان(*).

استخدام شائع

يستخدم أكثر من نصف أبناء جيل زد (الأشخاص المولودون من عام 1997 إلى عام 2012) المقيمين في الولايات المتحدة الذكاء الاصطناعي التوليدي بانتظام، لكن مشاعرهم تجاه هذه التقنية تتجه نحو السلبية، وفقاً لاستطلاع جديد نشرته مؤسسة غالوب، ومؤسسة والتون فاميلي، وشركة GSV Ventures الاستثمارية العاملة في مجال تكنولوجيا التعليم.

انحسار التفاؤل وتراجع الحماس

انخفضت نسبة المشاركين الذين تتراوح أعمارهم بين 14 و29 عاماً والذين أعربوا عن تفاؤلهم بشأن الذكاء الاصطناعي بشكل حاد منذ العام الماضي، من 27 في المائة إلى 18 في المائة. كما تراجع حماس الشباب تجاه الذكاء الاصطناعي، وأشار ما يقرب من ثلث المشاركين إلى أن هذه التقنية تُشعرهم بالغضب.

وأُجري استطلاع الرأي الذي شمل أكثر من 1500 شخص خلال شهري فبراير (شباط) ومارس(آذار) الماضيين. وتشير نتائجه إلى أن العداء الأميركي تجاه الذكاء الاصطناعي يمتد ليشمل جيلاً أصغر سناً، وهو جيل يكافح حالياً لإيجاد مكانه في سوق العمل.

تأثير سيء على الإبداع والتفكير النقدي

يقول زاك هرينوفسكي، باحث تربوي أول في مؤسسة غالوب، الذي شارك في إعداد الاستطلاع: «في معظم هذه الحالات، أصبح أبناء جيل زد أكثر تشككاً وسلبية، بعد أن كانوا في العام الماضي غير متفائلين بشأنه».

وأضاف أنه فوجئ بالتغير الملحوظ في مواقف الشباب. وأوضح أن العديد من المشاركين أقروا بأن الذكاء الاصطناعي قد يجعلهم أكثر كفاءة في الدراسة والعمل، لكنهم أعربوا عن قلقهم بشأن تأثير هذه التقنية على إبداعهم ومهاراتهم في التفكير النقدي.

في العمل: مخاطره تفوق فوائده

وكان الشباب العاملون أكثر تشككاً، حيث قال ما يقرب من نصف المشاركين إن مخاطر الذكاء الاصطناعي تفوق فوائده المحتملة في مكان العمل، بزيادة قدرها 11 نقطة عن العام السابق. وقال 15 في المائة فقط إنهم يرون أن الذكاء الاصطناعي... كفائدة صافية.

تأتي هذه النتائج في وقتٍ يتناقش فيه الآباء والطلاب وصناع السياسات حول مدى الدور الذي ينبغي أن تلعبه أنظمة الذكاء الاصطناعي في حياة الشباب.

استخدامات الشباب

ويلجأ أفراد جيل زد إلى برامج الدردشة الآلية مثل «تشات جي بي تي» للحصول على نصائح في العلاقات والمساعدة في الواجبات المدرسية. ويستخدم البعض هذه الأدوات لتفويضه اتخاذ قرارات معقَّدة وهامة، مثل اختيار الجامعة.

في الدراسة، أفاد نحو نصف الشباب باستخدامهم للذكاء الاصطناعي بشكل يومي أو أسبوعي، وهو ما يُشابه العام الماضي. بينما قال أقل من 20 في المائة إنهم لا يستخدمونه.

وقال هرينوفسكي: «لم نشهد زيادة في استخدام هذه الأدوات خلال العام الماضي، على الرغم من أنني أعتقد أن المزيد من أبناء جيل زد يقولون إنهم يمتلكون هذه الأدوات»، وأضاف أن أصغر أفراد هذا الجيل هم الأكثر استخداماً للذكاء الاصطناعي بشكل متكرر.

تهديد الوظائف واستبدال التفاعل البشري

في المقابلات التي أجريت مع الشباب، ذكر شبابٌ بالغون أسباباً عديدةً لتحفظاتهم بشأن الذكاء الاصطناعي، منها تهديده للوظائف المبتدئة، واستبداله للتفاعل البشري، وانتشار المعلومات المضللة التي يغذيها الذكاء الاصطناعي على وسائل التواصل الاجتماعي.

تصورات فردية

وقالت سيدني جيل (19 عاماً)، وهي طالبةٌ في السنة الأولى بجامعة رايس في هيوستن، إنها كانت متفائلةً بشأن الذكاء الاصطناعي كأداةٍ تعليميةٍ عندما كانت في المدرسة الثانوية. أما الآن، ومع محاولتها اختيار تخصصها الجامعي، فقد أصبحت نظرتها أقل تفاؤلاً. وقالت: «أشعر أن أي شيءٍ أهتم به مُعرَّضٌ للاستبدال، حتى في السنوات القليلة المقبلة».

من جهتها، قالت أبيجيل هاكيت (27 عاماً)، التي تعمل في قطاع السياحة والضيافة بالقرب من أنكوريج، إنها وجدت بعض أدوات الذكاء الاصطناعي موفرةً للوقت في العمل. غير أنها لا تستخدم الذكاء الاصطناعي كثيراً في حياتها الشخصية، لأنها لا تريد أن تضعف مهاراتها الاجتماعية.

وأضافت هاكيت، التي شاركت في استطلاع «غالوب»: «ما زلت أشعر بالتردد في استخدامه لصياغة رسائلي للآخرين، لأنني أعتقد أن بعض هذه الأمور إنسانية للغاية، وأود أن تبقى كذلك».

ومن بين المشاركين الآخرين في الاستطلاع، ريان غوكيان (30 عاماً) المتخصص في اختبار البرمجيات في ديترويت. وكان أكثر حماساً لاستخدام الذكاء الاصطناعي، وقال إنه يستخدم «جي بي تي» يومياً لمهام البحث.

أهمية إتقان استخدام الذكاء الاصطناعي

على الرغم من مشاعرهم المُختلطة، يعتقد العديد من الشباب أن إتقان استخدام الذكاء الاصطناعي، ولو بدرجة معينة، سيكون أمراً بالغ الأهمية مع نضوجهم. وتوقع ما يقرب من نصف المشاركين الذين لم يتخرجوا في المدرسة الثانوية بعد، أنهم سيحتاجون إلى معرفة كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي في مساراتهم المهنية المستقبلية.

وقد يكون هناك مجال لتطور مواقف الشباب تجاه الذكاء الاصطناعي. ومن بين جميع ردود الفعل العاطفية التي رصدها الاستطلاع، كان الفضول وحب الاستطلاع... الأكثر شيوعاً بين المشاركين.

* خدمة «نيويورك تايمز».


حين يقرأ الذكاء الاصطناعي وجهك… قبل أن تفتح فمك

الذكاء الاصطناعي يقرأ الوجه حيث تبدأ المؤشرات قبل الأعراض
الذكاء الاصطناعي يقرأ الوجه حيث تبدأ المؤشرات قبل الأعراض
TT

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي وجهك… قبل أن تفتح فمك

الذكاء الاصطناعي يقرأ الوجه حيث تبدأ المؤشرات قبل الأعراض
الذكاء الاصطناعي يقرأ الوجه حيث تبدأ المؤشرات قبل الأعراض

في العادة، ننظر إلى الوجه بوصفه مرآة للمشاعر: ابتسامة عابرة، قلق خفي، أو دهشة مفاجئة.

الوجه... لغة لا ننتبه لها

لكن ما لا نراه في هذا المشهد اليومي، أن الوجه يحمل طبقات أعمق من المعنى... إشارات دقيقة لا يدركها الإنسان، لكنها تعكس تغيرات بيولوجية وصحية تجري في صمت داخل الجسد. فحركة عضلات الوجه، وتبدّل لون الجلد، واتساع حدقة العين، وحتى الاختلال الطفيف في التناسق بين جانبي الوجه... ليست مجرد تعابير عابرة، بل قد تكون انعكاساً دقيقاً لما يحدث في الدماغ أو الجهاز العصبي، بل وحتى في أعماق الحالة النفسية.

وهنا يبدأ الذكاء الاصطناعي في قراءة ما لا نقرأه نحن.

الوجه بين القياس والفهم

ماذا تقول الأبحاث الحديثة؟

في دراسة حديثة نُشرت عام 2026 في مجلة «الذكاء الاصطناعي الطبي الرقمي» (JMIR AI)، قادها الباحث شينغو يوشيهارا من معهد أبحاث الصحة الرقمية في طوكيو باليابان، ظهر أن أنظمة الذكاء الاصطناعي قادرة على تحليل تعابير الوجه بدقة عالية، مع توافق لافت مع التقييم البشري، ما يعزز إمكانية استخدامها كأداة مساعدة في التقييم النفسي والسريري، لا سيما في الحالات التي تعتمد على قراءة الإشارات الدقيقة غير المرئية.

ولا تقف أهمية هذه النتائج عند حدود الدقة التقنية، بل تمتد لتعيد تعريف دور الوجه نفسه؛ إذ لم يعد مجرد وسيلة للتعبير... بل قد يتحول إلى مصدر بيانات تشخيصية صامتة، تحمل في ملامحه ما لا تقوله الكلمات.

كيف يقرأ الذكاء الاصطناعي الوجه؟

على عكس الإنسان، الذي يرى الوجه كوحدة متكاملة ويُدركه كصورة واحدة، يقوم الذكاء الاصطناعي بتفكيكه إلى شبكة معقدة من النقاط والقياسات. ففي أنظمة الرؤية الحاسوبية، يُعاد بناء الوجه رقمياً عبر ما يُعرف بـ«المعالم الوجهية» (Facial Landmarks)، وهي عشرات — وأحياناً مئات — النقاط الدقيقة التي تحدد مواقع العينين، وحواف الشفاه، وانحناءات الحاجبين، وتفاصيل العضلات الدقيقة.

لكن القراءة لا تقف عند حدود الشكل. فالخوارزميات الحديثة تحلل أيضاً التغيرات الديناميكية في الوجه: سرعة الحركة، وزمن الاستجابة العضلية، والتناسق بين جانبي الوجه، وحتى التغيرات الدقيقة في تدفق الدم تحت الجلد، والتي لا تُرى بالعين المجردة، لكنها تُستدل من تغيرات طفيفة في اللون باستخدام تقنيات تصوير دقيقة.

التصوير الضوئي الحيوي

وفي هذا السياق، تعتمد بعض النماذج على ما يُعرف بالتصوير الضوئي الحيوي عن بُعد (Remote Photoplethysmography)، حيث يتم استخراج مؤشرات فسيولوجية مثل معدل نبض القلب أو مستوى الإجهاد من تغيرات لونية شبه غير مرئية في الوجه أثناء الفيديو.

ومن خلال تدريب هذه الأنظمة على قواعد بيانات ضخمة تضم آلاف — بل ملايين — الوجوه، وفي ظروف وإضاءة وثقافات مختلفة، تصبح قادرة على التعرف إلى أنماط دقيقة ومعقدة لا يمكن للعين البشرية ملاحظتها، مثل بطء التفاعل العضلي، أو اختلال التناسق الحركي، أو تغيرات طفيفة في الإيقاع التعبيري قد ترتبط باضطرابات عصبية أو نفسية.

وبهذا، لا يعود الوجه مجرد صورة نراها، بل يتحول إلى إشارة فسيولوجية متعددة الطبقات، تُقرأ وتُحلَّل، وتكشف ما يخفيه الجسد في صمت.

حين تصبح الكاميرا طبيباً والوجه إشارة إنذار مبكرة

هل يصبح الوجه أداة تشخيص؟

مع هذا التطور، لم يعد السؤال ما إذا كان يمكن استخدام الوجه في الطب، بل متى سيصبح ذلك جزءاً من الممارسة اليومية. فالتقنيات التي كانت حتى وقت قريب محصورة في المختبرات البحثية، بدأت تقترب تدريجياً من الاستخدام العملي في الحياة اليومية.

قد يأتي وقت تصبح فيه كاميرا الهاتف أو الحاسوب قادرة على تحليل وجه المستخدم بشكل غير ملحوظ، لرصد تغيرات دقيقة في التعبير أو اللون أو الإيقاع الحركي، قد تشير إلى إرهاق عصبي، أو بداية اضطراب نفسي، أو حتى مؤشرات مبكرة لخلل فسيولوجي لم تظهر أعراضه بعد.

وفي هذا النموذج الجديد، لا يعود التشخيص حدثاً مرتبطاً بزيارة الطبيب فقط، بل يتحول إلى عملية مستمرة تعمل في الخلفية، تراقب الإشارات الصامتة التي يصدرها الجسد، وتحوّلها إلى تنبيهات مبكرة قد تُعيد تعريف مفهوم الوقاية نفسه.

هل يفهم الذكاء الاصطناعي ما يعنيه الوجه؟

رغم هذا التقدم، يظل هناك سؤال جوهري: هل قراءة الوجه تعني فهم الإنسان؟

فالوجه لا يعكس المرض فقط، بل يعكس أيضاً الثقافة التي تشكّله، والبيئة التي يعيش فيها، والتجارب التي مرّ بها. قد تحمل الإشارة نفسها معاني مختلفة بين شخص وآخر؛ فما يبدو توتراً في وجهٍ ما، قد يكون سمةً طبيعية في وجهٍ آخر، وما يُقرأ كحزنٍ في سياق، قد يكون مجرد تأمل في سياقٍ مختلف.

وهنا تتضح حدود الذكاء الاصطناعي: فهو قادر على القياس... لكنه لا يملك دائماً القدرة على الفهم. يلتقط الإشارة، لكنه لا يدرك معناها الكامل خارج سياقها الإنساني.

الطب بين الرؤية والفهم

في النهاية، قد يتمكن الذكاء الاصطناعي من قراءة الوجه بدقة مذهلة.

لكن هذه القراءة تظل ناقصة دون السياق الإنساني الذي يمنحها معناها الحقيقي. فالبيانات قد تكشف ما يحدث... لكنها لا تفسّر دائماً لماذا يحدث. ترصد الإشارة، لكنها لا تدرك التجربة التي تقف خلفها.

وهنا يظل دور الطبيب مختلفاً: لا يكتفي بأن يرى، بل يحاول أن يفهم... ولا يقرأ الوجه فقط، بل يقرأ الإنسان الذي يحمله.

ما الذي يتغير؟

ربما لا يكون السؤال ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيقرأ وجوهنا، بل ما إذا كنا مستعدين لأن تتحول ملامحنا إلى بيانات تُحلَّل وتُفسَّر خارج وعينا. وفي هذا التحول، قد يصبح الوجه أحد أهم المؤشرات الحيوية في الطب الحديث.

إن هذا التحول ليس بديلاً عن الطبيب، بل نافذة جديدة تمنحه قدرة أوسع على الرؤية، وفرصة أعمق للفهم. لكن ما سيحسم مستقبل هذا التحول، ليس ما تستطيع الخوارزميات أن تراه... بل ما يستطيع الإنسان أن يفهمه منها.


اكتشاف ثقبين أسودين على وشك الاندماج

تصور فني يظهر مركز مجرة «ماركاريان 501» حيث ينبعث منها نفاثتان قويتان (مرصد هون - رين كونكولي)
تصور فني يظهر مركز مجرة «ماركاريان 501» حيث ينبعث منها نفاثتان قويتان (مرصد هون - رين كونكولي)
TT

اكتشاف ثقبين أسودين على وشك الاندماج

تصور فني يظهر مركز مجرة «ماركاريان 501» حيث ينبعث منها نفاثتان قويتان (مرصد هون - رين كونكولي)
تصور فني يظهر مركز مجرة «ماركاريان 501» حيث ينبعث منها نفاثتان قويتان (مرصد هون - رين كونكولي)

رصد فريق بحثي من معهد ماكس بلانك لعلم الفلك الراديوي في ألمانيا، دليلاً مباشراً على وجود ثقبين أسودين فائقَي الكتلة في مجرة ​​«ماركاريان 501»، يدوران حول بعضهما في مدارات متقاربة جداً. وقد تكون هذه هي المرة الأولى التي يُكتشف فيها زوجٌ من الثقوب السوداء على وشك الاندماج، مما يتيح فرصة فريدة لفهم عملية محورية في تطور المجرات.

وتشير النتائج المنشورة في «مجلة الإشعارات الشهرية للجمعية الفلكية الملكية»، تحت قيادة العالم الفلكي، سيلكه بريتزن، إلى وجود ثقب أسود فائق الكتلة في مركز كل مجرة كبيرة تقريباً، بكتلة تفوق كتلة شمسنا بملايين أو حتى مليارات المرات. ولا يزال من غير الواضح تماماً كيف يمكنها الوصول إلى هذه الكتل الهائلة. لذا، من المرجح أن تندمج الثقوب السوداء فائقة الكتلة الموجودة في مراكز هذه المجرات المتصادمة؛ حيث تدور حول بعضها متقاربة أكثر فأكثر، ثم تندمج في النهاية لتشكل مجرة ​​واحدة.

وتُعدّ الثقوب السوداء فائقة الكتلة في مراكز المجرات من أكثر مجالات البحث نشاطاً في علم الفلك؛ إذ لا تستطيع النماذج النظرية وصف هذه المرحلة النهائية بدقة حتى الآن.

رصد عالي الدقة

ومما يزيد الأمر تعقيداً أنه لم يتم رصد أي زوج متقارب من الثقوب السوداء الضخمة بشكل موثوق، على الرغم من شيوع تصادمات المجرات على نطاق زمني كوني. وقد غيرت الدراسة الجديدة لـ«مجرة ماركاريان 501 (Mrk 501)» في كوكبة هرقل هذا الواقع.

ويقذف الثقب الأسود في مركز «مجرة ​​ماركاريان 501»، نفثات (دفعات) قوية من الجسيمات تتحرك بسرعة تقارب سرعة الضوء إلى الفضاء. ولإجراء هذه الدراسة، حلل الفريق عمليات رصد عالية الدقة. وكشفت بيانات رصدية طويلة الأمد عن أول صورة مباشرة لمثل هذا النظام في مركز مجرة، وعلى الدليل القاطع على وجود ثقب أسود فائق الكتلة ثانٍ مجاور. يقول بريتزن في بيان الثلاثاء: «بحثنا عن هذا النظام طويلاً، والآن نستطيع تتبع حركته أيضاً».

رقصة الثقوب السوداء

ووفق نتائج الدراسة، تتجه نفاثة الثقب الأول نحو الأرض، ولهذا تبدو ساطعة بشكل خاص لنا، وهي معروفة منذ زمن طويل. أما النفاثة الثانية، فهي موجهة بشكل مختلف، ولذلك كان رصدها أكثر صعوبة.

ويوضح بريتزن: «كان نظام النفاثات بأكمله في حركة دائمة، وهو ما يفسر بوجود نظام من ثقبين أسودين، حيث يتأرجح مستوى المدار».

ويضيف: «في أحد أيام الرصد في يونيو (حزيران) 2022، وصل إلينا الإشعاع المنبعث من النظام عبر مسار متعرج للغاية؛ حيث ظهر على شكل حلقة - وهو ما يُعرف بحلقة أينشتاين».

ومن خلال تحليل تطور سطوع النفاثات بمرور الوقت وأنماطه المتكررة، استنتج الباحثون أن الثقبين الأسودين يدوران حول بعضهما، وتبلغ المسافة بينهما ما بين 250 و540 ضعف المسافة بين الأرض والشمس - وهي مسافة ضئيلة جداً بالنسبة لأجسام بالغة الضخامة كهذه، بكتل تتراوح بين 100 مليون ومليار ضعف كتلة الشمس. وبناءً على كتلتيهما الفعليتين، قد تتقلص المسافة بينهما بسرعة كبيرة لدرجة أنهما قد يندمجان في غضون 100 عام فقط.

ويشير المؤلف المشارك بالدراسة هيكتور أوليفاريس إلى أنه «عندما يتم رصد موجات الجاذبية، فقد نشهد ارتفاعاً مطرداً في ترددها مع اقتراب هذين العملاقين من الاصطدام، مما يتيح فرصة نادرة لمشاهدة اندماج ثقبين أسودين فائقَي الكتلة».