الاختراقات المستقبلية ستتحقّق بفضل «التفكير المتعدد الذكاء»

بالقوة المشتركة للذكاء البشري والاصطناعي وذكاء الطبيعة

الاختراقات المستقبلية ستتحقّق بفضل «التفكير المتعدد الذكاء»
TT

الاختراقات المستقبلية ستتحقّق بفضل «التفكير المتعدد الذكاء»

الاختراقات المستقبلية ستتحقّق بفضل «التفكير المتعدد الذكاء»

تتزايد التعليقات المتداولة في قنوات الأخبار والمنشورات التجارية والمجلات العلمية حول القوة المشتركة للذكاء البشري والذكاء الاصطناعي. لا شك أن هذا التقارب يسفر بالفعل عن اكتشافات مثيرة في الكثير من المجالات، كما كتب نوبار أفييان (*).

ذكاء الطبيعة: التكيّف المستمر

ومع ذلك، هناك نوع ثالث من الذكاء، بالقدر نفسه من الأهمية، يتمّ استبعاده من المناقشة: ذكاء الطبيعة.

إن فكرة أن الطبيعة نفسها تعرض السمات المميزة لما نفهمه على أنه ذكاء؛ ليست فكرة جديدة، إذ إن للطبيعة القدرة على التعلم، وتشفير ذلك التعلّم في نماذج جديدة أكثر فاعلية، والتكيف المستمر.

الطبيعة كانت مصدر إلهام دافنشي

وقد فهم ليوناردو دافنشي هذا جيداً. كانت الطبيعة معلمه ومصدر إلهامه. لم يفلت أي شيء من مراقبته المكثفة: الماء، والتربة، والنباتات، والطيور. إذ كان إدراك الأنظمة الخفية -القوى والقوانين غير المرئية- التي تحكم كل شيء من عمل جسم الإنسان إلى حركة الأشياء عبر الهواء؛ جزءاً من عبقريته الشمولية.

واليوم، فإننا نبني على حكمة دافنشي عندما نحلل الاتصالات الكيميائية المعقدة للنباتات، وذكاء أسراب الحشرات، وأنماط النقر المعقدة لأغاني الحيتان. لقد أصبحنا ندرك، ببعض التواضع، أن الطبيعة أكثر ذكاءً مما فهمناه نحن البشر على الإطلاق.

ولكن ما بدا أنه أذهل دافنشي أكثر من أي شيء آخر كان الترابطات بين هذه الأنظمة، وعبر التخصصات. فعندما درس جسم الإنسان، أو صمّم الآلات، أو خلق روائع الفن، كان يفعل ذلك بشكل شامل، مستفيداً من نطاق فهمه المتزايد الاتساع، ومنتجاً عملاً أعظم من مجموع أجزائه.

اندماج الذكاء الطبيعي والبشري والآلي

ولم يكن هذا النهج في الابتكار أكثر أهمية أو أكثر إمكانية مما هو عليه اليوم. إن اندماج الذكاء الطبيعي والبشري والآلي -وهو التوليف الذي أسميه «الذكاء المتعدد» (polyintelligence)- يعد بحلول لبعض أكثر مشكلات العالم صعوبة.

والواقع أن هذا الإطار المتكامل قد بدأ بالفعل في إحداث ثورة بالتكنولوجيا الحيوية. فمن تطوير العقاقير إلى البيولوجيا الاصطناعية التوليدية، تمكّن الذكاء المتعدد من تحقيق اختراقات لا يمكن لأي شكل واحد من أشكال الذكاء -أو حتى التقارب بين اثنين- أن يحققها بمفرده.

أبحاث الجينوم والبروتينات

ولنتأمل على سبيل المثال مشروع الجينوم البشري، الذي أكمل رسم خريطة للمخطط الأولي للحمض النووي البشري في عام 2003. وبعد أكثر من عقدين من الزمان، لا يزال هذا الاتحاد بين الطبيعة والذكاء البشري والذكاء الاصطناعي يسفر -من بين أمور أخرى- عن تسلسلات جديدة من الحمض النووي وحمض الريبونووي النووي المرسال من شأنها أن تفتح الباب أمام أدوية جديدة رائدة.

أو لنتأمل كيف يستخدم العلماء الذكاء المتعدد لـ«تعلم لغة» البروتينات، مما يمكننا من صياغة بروتينات جديدة غير موجودة في الطبيعة ذات وظائف علاجية محددة.

وكما تحدّد الكلمات والقواعد النحوية لغة منطوقة، يحلّل الذكاء الاصطناعي كميات هائلة من بيانات البروتين لفهم «القواعد» التي تملي بنية البروتين ووظيفته. وتسمح هذه المعرفة للعلماء بتصميم بروتينات جديدة من خلال كتابة تسلسلات جديدة ضمن الإطار اللغوي للطبيعة، وتجاوز القيود التقليدية، وتطوير علاجات مبتكرة للأمراض المعقدة.

دراسات المناخ والمحاصيل الزراعية

وبعيداً عن الطب الحيوي، فإن التفكير متعدد الذكاء، والأنظمة متعددة الذكاء، والحلول متعددة الذكاء سوف تكون لها تطبيقات أوسع نطاقاً، وأعتقد أنها سوف تتمتع بقوة لا مثيل لها في التخفيف من آثار تغير المناخ، وزيادة المحاصيل الزراعية بطريقة مستدامة، ومعالجة تحديات عالمية معقدة أخرى.

ومرة ​​أخرى، هذا ليس نظرياً. فالذكاء الطبيعي الذي يعزّزه الذكاء الاصطناعي، يُطبق الآن لتسريع العملية التطورية للمحاصيل الأساسية؛ مثل: الذرة، والقمح، وفول الصويا، لتمكينها من النمو في بيئة أكثر حرارة وجفافاً.

الذكاء المتعدد لدعم تحديات الاستدامة

ومن الواضح أن الوعد الذي يحمله الذكاء المتعدد أعظم حتى من آمالنا في الذكاء الاصطناعي. ومن الأهمية بمكان، إذن، أن ندير هذا التحول بفاعلية وحكمة. وينبغي للمبادئ التي نضعها اليوم -والقرارات التي نتخذها فيما يتصل بالحوكمة والأخلاق والتحيز- لاستخدام الذكاء الاصطناعي أن تعزّز هدف تمكين الذكاء المتعدد.

ولتحقيق إمكاناته الكاملة، يتعيّن علينا إعطاء الأولوية للتعاون بين التخصصات المختلفة من خلال تعزيز البحوث متعددة التخصصات ودمج الخبرات المتنوعة عبر القطاعات. ومن خلال توحيد صناع السياسات والعلماء وقادة الصناعة والمدرسين، يمكننا تسخير نقاط القوة الجماعية اللازمة لفهم التحديات الأكثر إلحاحاً في العالم ومعالجتها.

ومن التخطيط للمرونة الحضرية والحفاظ على التنوع البيولوجي إلى تحسين إنتاج الطاقة وتوزيعها، يمكن للذكاء المتعدد أن يحفّز الحلول المستدامة ذات التأثير الواسع النطاق.

الحكم النهائي هو للذكاء المتعدد

وأخيراً وربما الأهم من ذلك، سوف يتطلّب الذكاء المتعدد أيضاً تحولًا في الذكاء البشري. وعلى وجه الخصوص، يتعيّن علينا أن نتوقف عن النظر إلى أنفسنا باعتبارنا الحكم النهائي على ما هو جيد أو صحيح أو ذكي. سواء كنا نتحدث عن الطرق المعقدة والمتغيرة التي يستخدمها الجسم لمقاومة الأمراض، أو دراسة حديثة تظهر أن الخيول قادرة على التفكير بشكل استراتيجي والتخطيط لأفعالها، فيتعيّن علينا أن نتحلى بالتواضع -كما فعل دافنشي، العبقري الحقيقي- لندرك أن قدراً كبيراً من العالم الطبيعي يعمل بما يتجاوز قدرتنا على استيعابه.

إن معرفتنا كانت وستظل دوماً غير مكتملة. ولكنها تتوسع بشكل كبير، بطرق مثيرة، فتعيد تشكيل طبيعة الاكتشاف ذاتها.

* مجلة «فاست كومباني» - خدمات «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

أسبوع حاسم: نتائج «إنفيديا» ومحضر «الفيدرالي»... والعين على عمالقة التجزئة

الاقتصاد شعار «إنفيديا» (رويترز)

أسبوع حاسم: نتائج «إنفيديا» ومحضر «الفيدرالي»... والعين على عمالقة التجزئة

يتأهب المستثمرون في الأسواق العالمية لأسبوع يوصف بأنه الأهم هذا الموسم حيث تتجه الأنظار صوب عمالقة قطاع التكنولوجيا والتجزئة وفي مقدمتهم شركة «إنفيديا»

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد رئيس مجلس إدارة «سامسونغ» جاي واي لي ينحني معتذراً عن نزاع العمال في الشركة (رويترز)

«سامسونغ» تسبق الزمن لتفادي إضراب يهدد طفرة الذكاء الاصطناعي العالمية

تتجه الأنظار صوب العاصمة الكورية الجنوبية سيول، يوم الاثنين، حيث يعقد عملاق التكنولوجيا «سامسونغ إلكترونيكس» والاتحاد العمالي الممثل لموظفيه اجتماعاً حاسماً.

«الشرق الأوسط» (سيول)
تحليل إخباري متداول في بورصة نيويورك (أ.ب)

تحليل إخباري «مضاربات محمومة»: هل تعيد «وول ستريت» استنساخ «فقاعة دوت كوم» المرعبة؟

تسيطر حالة من التوجس والترقب على أروقة أسواق المال العالمية، في وقت تتدفق فيه سيولة نارية غير مسبوقة نحو قطاع التكنولوجيا.

«الشرق الأوسط» (نيويورك )
علوم الذكاء الاصطناعي يهيمن على مؤتمر طب الأسنان البريطاني في برمنغهام

حين دخل الذكاء الاصطناعي قاعات طب الأسنان البريطانية... تغيَّر المشهد بالكامل

تحذيرات من اتساع الفجوة بين سرعة تطور الخوارزميات وجاهزية الأطباء لفهمها

د. عميد خالد عبد الحميد (برمنغهام (بريطانيا))
صحتك هدف التطبيق إلى مساعدة المستخدمين على كشف مسببات الحساسية في الأطباق والمنتجات الغذائية بدقة وسهولة (بكسلز)

ابتكره أب لمساعدة ابنته… تطبيق ذكاء اصطناعي يغيّر حياة مرضى حساسية الطعام

لم يعد التعامل مع حساسية الطعام مجرد مسألة حذر فردي، بل أصبح تحدياً يواجه ملايين الأشخاص حول العالم عند تناول الطعام خارج المنزل أو قراءة الملصقات الغذائية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

مهمة فضائية أوروبية - صينية لدراسة تأثير العواصف الشمسية على الأرض

ثلاث عواصف شمسية تم رصدها تتجه نحو الأرض عام 2023 (أرشيفية - رويترز)
ثلاث عواصف شمسية تم رصدها تتجه نحو الأرض عام 2023 (أرشيفية - رويترز)
TT

مهمة فضائية أوروبية - صينية لدراسة تأثير العواصف الشمسية على الأرض

ثلاث عواصف شمسية تم رصدها تتجه نحو الأرض عام 2023 (أرشيفية - رويترز)
ثلاث عواصف شمسية تم رصدها تتجه نحو الأرض عام 2023 (أرشيفية - رويترز)

تُقلع، الثلاثاء، مركبة فضائية أوروبية - صينية مشتركة لدراسة آثار اصطدام العواصف الشمسية بالدرع المغناطيسية لكوكب الأرض.

وبحسب «وكالة الصحافة الفرنسية»، يمكن أن تؤدي العواصف الشمسية الشديدة إلى تعطيل أقمار اصطناعية وتهديد رواد الفضاء. وهي الظاهرة التي ينتج عنها الشفق القطبي الملون في سماء المناطق القطبية الشمالية والجنوبية من كوكب الأرض.

وللتعمق في دراسة هذه الظاهرة التي ما زالت غير مفهومة تماماً، تتولى المركبة الفضائية «سمايل»، وهي بحجم شاحنة صغيرة، تنفيذ أول عملية رصد بالأشعة السينية للمجال المغناطيسي للأرض.

المركبة الفضائية «سمايل» (أ.ف.ب)

ومن المقرَّر أن تنطلق المركبة غير المأهولة على متن صاروخ «فيغا - سي» عند الساعة 3.52 بتوقيت غرينتش من يوم الثلاثاء، من قاعدة كورو في غويانا الفرنسية في أميركا الجنوبية.

وكان مقرراً الإقلاع في التاسع من أبريل (نيسان)، لكنه أُجِّل؛ بسبب مشكلة تقنية.

وهذه المهمة مشتركة بين «وكالة الفضاء الأوروبية» و«الأكاديمية الصينية للعلوم».

ولخص فيليب إسكوبيه، أحد علماء «وكالة الفضاء الأوروبية»، أهداف هذا المشروع بـ«دراسة العلاقة بين الأرض والشمس».

ما العواصف الشمسية؟

العواصف الشمسية هي تيارات من الجسيمات المشحونة المنبعثة من الشمس.

أحياناً، تتحوَّل هذه الرياح إلى عاصفة هائلة بفعل انفجارات ضخمة من البلازما تُعرف باسم «الانبعاثات الإكليلية»، نسبة لإكليل الشمس، أي الطبقة الخارجية من الغلاف الجوي للشمس.

وتندفع هذه الانفجارات بسرعة نحو مليونَي كيلومتر في الساعة، وتستغرق يوماً أو يومين لبلوغ كوكب الأرض.

وعند وصولها، يعمل المجال المغناطيسي للأرض بوصفه درعاً تصدُّ معظم الجسيمات المشحونة.

لكن خلال العواصف الشمسية الشديدة، يمكن لبعض الجسيمات اختراق الغلاف الجوي، ما قد يؤدي إلى تعطيل شبكات الكهرباء أو الاتصالات. كما تنتج عنها ظاهرة «الشفق القطبي».

أضواء «الشفق القطبي» في أستراليا عام 2024 (إ.ب.أ)

وتُعدُّ عاصفة عام 1859 أسوأ عاصفة مغناطيسية مسجَّلة، وشوهد يومها الشفق القطبي وصولاً إلى بلدان قريبة من خط الاستواء، وتعرَّض مشغلو التلغراف حول العالم لصدمات كهربائية.

ومن شأن العواصف الشمسية أن تُشكِّل خطراً على الأقمار الاصطناعية وعلى رواد الفضاء المقيمين في محطات تسبح في مدار الأرض.

لهذه الأسباب، يعكف العلماء اليوم على التعمق في فهم أفضل لـ«الطقس الفضائي».

وفي سبيل ذلك، ستعمل مهمة «سمايل» على رصد الأشعة الناتجة عن تفاعل الجسيمات المشحونة المنبعثة من الشمس مع تلك الموجودة في الغلاف الجوي العلوي للأرض.

مهمة من 3 سنوات

ستُراقب المركبة هذا التفاعل من مواقع مهمة عدة، وستحلِّق فوق قطبي الأرض الشمالي والجنوبي، حيث تكون فوتونات الأشعة السينية مرئية، وفقاً لديميترا كوترومبا من «المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي»، المشارِكة في المهمة.

وستحلق المركبة على ارتفاع 700 كيلومتر فوق سطح الأرض الثلاثاء، قبل أن تستقر في مدار أعلى.

وحين تحلق فوق القطب الجنوبي، ستكون على ارتفاع 5 آلاف كيلومتر، وستُرسل بياناتها إلى محطة أبحاث في القارة القطبية الجنوبية.

أما فوق القطب الشمالي، فيصل ارتفاعها عن سطح الأرض إلى 121 ألف كيلومتر، ما يتيح لها رؤية أوسع.

ويتيح ذلك رصد «الشفق القطبي» بشكل متواصل لمدة 45 ساعة لأول مرة على الإطلاق، وفقاً لـ«وكالة الفضاء الأوروبية».

ومن المتوقع أن تبدأ «سمايل» بجمع البيانات بعد ساعة واحدة فقط من بلوغها مدار الأرض.

تستمر هذه المهمة 3 سنوات، مع إمكانية تمديدها إن سارت الأمور على ما يرام.


حين دخل الذكاء الاصطناعي قاعات طب الأسنان البريطانية... تغيَّر المشهد بالكامل

الذكاء الاصطناعي يهيمن على مؤتمر طب الأسنان البريطاني في برمنغهام
الذكاء الاصطناعي يهيمن على مؤتمر طب الأسنان البريطاني في برمنغهام
TT

حين دخل الذكاء الاصطناعي قاعات طب الأسنان البريطانية... تغيَّر المشهد بالكامل

الذكاء الاصطناعي يهيمن على مؤتمر طب الأسنان البريطاني في برمنغهام
الذكاء الاصطناعي يهيمن على مؤتمر طب الأسنان البريطاني في برمنغهام

داخل قاعات «المؤتمر البريطاني لطب الأسنان ومعرض طب الأسنان 2026» (British Dental Conference and Dentistry Show 2026) في مدينة برمنغهام البريطانية، بدا واضحاً هذا العام أن طب الأسنان العالمي لا يعيش مجرد تطور تقني عابر؛ بل يقف أمام لحظة تحوّل تاريخية قد تغيّر شكل المهنة لعقود قادمة.

من مؤتمر مهني إلى نافذة على مستقبل الطب

الذكاء الاصطناعي لم يعد عنواناً جانبياً في بعض المحاضرات التقنية، ولا فكرة مستقبلية تُناقَش بحذر داخل الجامعات ومراكز البحوث؛ بل أصبح الحضور الأكثر كثافة داخل المعرض والمؤتمر معاً، من منصات الشركات العالمية إلى القاعات العلمية، وصولاً إلى الأحاديث اليومية بين أطباء الأسنان أنفسهم.

وفي أروقة المؤتمر، كان المشهد يوحي بأن العيادة السِّنية تدخل تدريجياً عصراً مختلفاً، تتحول فيه من مساحة تعتمد بالكامل على الخبرة البشرية التقليدية، إلى بيئة رقمية هجينة تتشارك فيها الخوارزميات مع الطبيب في التحليل والتخطيط واتخاذ القرار السريري.

واستقطب المؤتمر الذي يُعد أكبر تجمع مهني لطب الأسنان في المملكة المتحدة، آلاف الأطباء والأكاديميين وخبراء التكنولوجيا الصحية، وسط حضور واسع لشركات عالمية متخصصة في الذكاء الاصطناعي الطبي والتصوير الرقمي والأنظمة السريرية الذكية.

لكن اللافت هذا العام لم يكن فقط حجم التقنية المعروضة؛ بل الشعور المتزايد بأن الذكاء الاصطناعي بدأ يغيّر تعريف الممارسة الطبية نفسها، وأن طبيب الأسنان القادم قد لا يُقاس فقط بمهارته اليدوية وخبرته السريرية؛ بل بقدرته أيضاً على فهم الأنظمة الذكية التي ستشاركه قراءة البيانات وصناعة القرار.

جلسات الذكاء الاصطناعي تستقطب اهتمام أطباء الأسنان في مؤتمر برمنغهام البريطاني

العيادة الذكية لم تعد خيالاً

في أروقة المعرض، ظهرت أنظمة قادرة على قراءة الأشعة السنية خلال ثوانٍ معدودة، وتحليل احتمالات التسوس وأمراض اللثة بدقة متزايدة، والمساعدة في تخطيط الزراعة والتقويم، إضافة إلى منصات ذكية توثق السجلات الطبية، وتكتب الملاحظات السريرية تلقائياً أثناء حديث الطبيب مع المريض.

وفي بعض الأجنحة، بدا المشهد أقرب إلى مختبرات المستقبل منه إلى عيادات الأسنان التقليدية: شاشات عملاقة تعرض تحليلات فورية مدعومة بالأنظمة الذكية، وأنظمة رقمية تتوقع المشكلات السنية قبل ظهورها سريرياً، وتقنيات قادرة على دمج الصور الشعاعية والفحوصات الرقمية والتاريخ المرضي للمريض، داخل نموذج تحليلي واحد يساعد الطبيب على اتخاذ القرار بسرعة ودقة أكبر.

كما خُصصت جلسات علمية كاملة لمناقشة دور الذكاء الاصطناعي في تقليل الأخطاء التشخيصية، وتحسين كفاءة العمل السريري، وتسريع تحليل البيانات الطبية، وإعادة تشكيل تجربة المريض داخل العيادة، بدءاً من لحظة التشخيص وحتى التخطيط العلاجي والمتابعة طويلة المدى.

تحول عميق في الممارسة الطبية

لكن اللافت أن القضية لم تعد مرتبطة فقط بسرعة التقنية أو دقتها؛ بل بطبيعة التحول العميق الذي بدأ يصيب مفهوم الممارسة الطبية نفسها.

فالذكاء الاصطناعي لا يغيّر الأدوات فقط؛ بل يغيّر طريقة وصول الطبيب إلى المعرفة واتخاذ القرار. ففي الماضي، كانت الخبرة السريرية تتراكم ببطء داخل عقل الطبيب، عبر سنوات طويلة من الممارسة والتجربة. أما اليوم، فقد أصبحت النماذج التحليلية قادرة على الوصول خلال ثوانٍ إلى أنماط وتحليلات تستند إلى ملايين الصور والبيانات الطبية المتراكمة حول العالم.

وهنا يبدأ السؤال الأكثر عمقاً داخل طب الأسنان الحديث: إذا أصبحت الآلة قادرة على المساعدة في التشخيص والتنبؤ والتحليل... فما الذي سيبقى جوهراً إنسانياً خالصاً في مهنة الطب؟

الدكتور إيدي كراوتش رئيس جمعية طب الأسنان البريطانية

رئيس جمعية طب الأسنان البريطانية: التحدي لم يعد تقنياً

وفي حديث مع «الشرق الأوسط» على هامش المؤتمر، قال الدكتور إيدي كراوتش، رئيس المؤتمر ورئيس جمعية طب الأسنان البريطانية (British Dental Association)، إن الذكاء الاصطناعي «سيفرض تحولاً عميقاً على مستقبل طب الأسنان بوتيرة أسرع مما يتوقعها كثيرون»، مؤكداً أن السؤال لم يعد متعلقاً بوجود التقنية ولا غيابها؛ بل بمدى جاهزية المؤسسات الطبية والتعليمية للتعامل مع هذا التحول المتسارع بطريقة آمنة وأخلاقية.

وأوضح كراوتش أن الجامعات البريطانية بدأت بالفعل إعادة النظر في مناهج تعليم طب الأسنان؛ لأن «طبيب المستقبل لن يحتاج فقط إلى المهارة السريرية؛ بل إلى فهم عميق للأنظمة الذكية، وآليات اتخاذها للقرار، ونقاط ضعفها العلمية أيضاً».

استقلالية القرار السريري

وأضاف أن القضية لم تعد تقنية بحتة؛ بل أصبحت مرتبطة بطبيعة العلاقة الجديدة بين الطبيب والخوارزمية، وكيف يمكن الحفاظ على استقلالية القرار السريري في عصر تزداد فيه قدرة الأنظمة الذكية على التحليل والتوصية والتنبؤ.

وأكد وجود اهتمام متنامٍ بتطوير التعاون العلمي والأكاديمي بين المؤسسات البريطانية والجهات السعودية المماثلة، لا سيما في مجالات التعليم الطبي الرقمي، والذكاء الاصطناعي السريري، وحوكمة التقنيات الصحية الحديثة.

وفي كواليس المؤتمر، بدا واضحاً أن كثيراً من النقاشات العلمية لم تعد تركز فقط على ما تستطيع الأنظمة الذكية فعله؛ بل على نوع الطبيب الذي سيظهر في المرحلة القادمة. فالمهنة التي اعتمدت عقوداً طويلة على تراكم الخبرة البشرية التقليدية، بدأت اليوم تواجه واقعاً جديداً، يصبح فيه فهم الخوارزميات جزءاً من الثقافة الطبية الأساسية، تماماً كما كانت دراسة التشريح وعلم الأمراض جزءاً من تكوين الطبيب في الماضي.

الدكتور جيسون وونغ كبير أطباء الأسنان في الحكومة البريطانية

مركزية القرار البشري

* جيسون وونغ: القرار البشري يجب أن يبقى في المركز.

وفي حديث مع «الشرق الأوسط» على هامش المؤتمر، قال الدكتور جيسون وونغ (Jason Wong)، كبير أطباء الأسنان في الحكومة البريطانية (Chief Dental Officer for England)، إن الذكاء الاصطناعي «لن يلغي دور طبيب الأسنان، ولكنه سيعيد تعريف طبيعة الممارسة الطبية بالكامل خلال السنوات المقبلة».

وأوضح أن الأنظمة الذكية أصبحت قادرة على تقديم دعم تشخيصي مذهل، وتحليل كميات هائلة من البيانات الطبية بسرعة تفوق القدرات البشرية، ولكنها «لا تستطيع فهم الإنسان بكل تعقيداته النفسية والاجتماعية والإنسانية»، ولهذا يجب أن يبقى القرار البشري في قلب العملية الطبية مهما تطورت البرمجيات الطبية الحديثة.

وأضاف أن قيمة الطبيب لا تكمن في قراءة الأشعة أو تحليل النتائج فقط؛ بل في القدرة على فهم المريض كإنسان يعيش القلق والخوف والألم، وهي أمور لا تستطيع الأنظمة الذكية استيعابها بالطريقة التي يفهمها البشر.

تجارب السعودية

وأشار وونغ إلى أن التجارب السعودية الحديثة في تحديث القطاع الصحي واستخدام الأنظمة الذكية بدأت تلفت الانتباه داخل المؤسسات الصحية البريطانية؛ خصوصاً في مجالات تطوير البنية الصحية الإلكترونية، وربط البيانات الطبية، ودمج الأنظمة الذكية داخل الخدمات العلاجية.

كما شدد على أهمية بناء شراكات دولية في مجالات تدريب الكوادر الصحية ورفع مستوى «الوعي الخوارزمي الطبي»، بحيث لا يقتصر استخدام الذكاء الاصطناعي على الجانب التقني فقط؛ بل يمتد إلى الفهم الأخلاقي، والمسؤولية السريرية، ومعرفة الحدود التي يجب أن تتوقف عندها الآلة ويبقى القرار فيها للإنسان.

وفي ظل هذا التحول المتسارع، بدا واضحاً داخل المؤتمر أن مستقبل الطب لن يكون صراعاً بين الطبيب والآلة؛ بل ستكون بينهما علاقة أكثر تعقيداً، يصبح فيها الطبيب مطالباً بأن يفهم التكنولوجيا، من دون أن يفقد إنسانيته أمامها.

القلق الصامت داخل المهنة

لكن خلف هذا الحماس التقني الكبير، برز داخل المؤتمر نوع من القلق المهني الصامت، وكأن كثيراً من أطباء الأسنان يدركون أن المهنة تدخل مرحلة جديدة أسرع من قدرة المؤسسات التعليمية على مواكبتها.

فكلما ازدادت دقة الأنظمة الذكية، ارتفع احتمال أن يتحول الطبيب تدريجياً من صانع قرار سريري إلى مراقب يعتمد نفسياً على توصيات الخوارزمية؛ خصوصاً مع قدرة هذه الأنظمة على تحليل الصور والبيانات بسرعة ودقة مذهلتين.

ولهذا خُصصت جلسات علمية عدة لمناقشة ما بات يُعرف عالمياً باسم «الوعي الخوارزمي السريري»، أي قدرة الطبيب على فهم طريقة عمل الأنظمة الذكية، ومعرفة اللحظة التي يجب أن يثق فيها بالخوارزمية، واللحظة التي ينبغي أن يعترض فيها عليها.

وكانت إحدى القضايا اللافتة داخل النقاشات العلمية، أن أعداداً كبيرة من أطباء الأسنان الحاليين لم يتلقوا أصلاً أي تعليم منهجي حول الذكاء الاصطناعي خلال دراستهم الجامعية؛ لأن معظمهم تخرّج قبل دخول هذه التقنيات إلى الممارسة اليومية.

ولهذا بدأ يظهر قلق متزايد من اتساع الفجوة بين سرعة تطور الأنظمة الذكية، وبين مستوى فهم بعض الممارسين لطبيعة عملها وحدودها ومخاطرها المحتملة.

المشكلة لم تعد في استخدام الذكاء الاصطناعي فقط؛ بل في استخدامه من دون وعي كافٍ بطريقة تفكير النماذج التحليلية، أو فهم كيفية وصولها إلى التوصيات والنتائج التي تعرضها على الطبيب.

وهنا تكمن المفارقة الأعمق: فالخطر الحقيقي قد لا يكون في ذكاء الآلة؛ بل في الطاعة البشرية المفرطة لها.

إن الخوارزمية تستطيع تحليل ملايين الصور والبيانات بسرعة مذهلة، ولكنها لا تشعر بالخوف الذي يحمله المريض، ولا تفهم القلق الإنساني المختبئ خلف الصمت، ولا تدرك الظروف النفسية والاجتماعية التي قد تغيّر القرار الطبي بالكامل.

ولهذا بدا واضحاً داخل المؤتمر أن مستقبل طب الأسنان لن يعتمد فقط على تطوير أنظمة أكثر ذكاءً؛ بل على إعداد طبيب أكثر وعياً بحدود الذكاء الاصطناعي، وأكثر قدرة على الحفاظ على استقلالية الحكم السريري في عصر الخوارزميات.

بين عصرين مختلفين

ومن أكثر المشاهد رمزية داخل المعرض، ذلك التناقض الواضح بين الأدوات السنية التقليدية المعروضة في بعض الأجنحة، والشاشات العملاقة التي تعرض تحليلات فورية تعتمد على الذكاء الاصطناعي.

ففي الوقت الذي ما زالت فيه كثير من أدوات طب الأسنان التقليدية تمثل جوهر العمل السريري اليومي، كانت الأنظمة الذكية في الجهة المقابلة قادرة على قراءة الصور الشعاعية، وتحليل البيانات الطبية، واقتراح خطط علاجية خلال ثوانٍ معدودة. وكان واضحاً أن طب الأسنان لا يمر فقط بمرحلة تحديث تقني؛ بل بمرحلة تغيّرت فيها طريقة ممارسة المهنة نفسها.

وعلى مدى عقود طويلة، كانت الخبرة السريرية تُبنى تدريجياً داخل عقل الطبيب عبر الدراسة والممارسة والتجربة المباشرة مع المرضى. أما اليوم، فأصبحت الأنظمة الذكية قادرة على الوصول بسرعة هائلة إلى أنماط وتحليلات تستند إلى ملايين الصور والبيانات الطبية المتراكمة حول العالم.

لكن هذا التطور يطرح في المقابل أسئلة مهنية وأخلاقية متزايدة حول طبيعة دور الطبيب في المستقبل، وحدود الاعتماد على الأنظمة الذكية داخل العيادة.

ولهذا، لم يعد السؤال الحقيقي داخل مؤتمرات طب الأسنان العالمية، هو ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيدخل العيادة؛ لأن ذلك يحدث بالفعل بصورة متسارعة؛ بل كيف يمكن للطبيب أن يحافظ على استقلالية قراره السريري وإنسانيته المهنية، في عصر أصبحت فيه الخوارزميات جزءاً أساسياً من الممارسة الطبية اليومية.

وفي برمنغهام، بدا واضحاً أن معركة المستقبل لن تكون بين الطبيب والآلة؛ بل بين الطبيب الذي يفهم الخوارزمية، والطبيب الذي يطيعها دون وعي.


حاملة الطائرات الفرنسية «شارل ديغول» في بحر العرب

حاملة الطائرات «شارل ديغول» (أ.ف.ب)
حاملة الطائرات «شارل ديغول» (أ.ف.ب)
TT

حاملة الطائرات الفرنسية «شارل ديغول» في بحر العرب

حاملة الطائرات «شارل ديغول» (أ.ف.ب)
حاملة الطائرات «شارل ديغول» (أ.ف.ب)

أعلنت وزيرة الجيوش الفرنسية أليس روفو وصول حاملة الطائرات «شارل ديغول» والسفن المواكبة لها إلى الموقع الذي ستتمركز فيه في بحر العرب، استعداداً لإمكانية إطلاق مهمة «محايدة» تهدف لإعادة حركة الملاحة في مضيق هرمز.

وقالت الوزيرة في مقابلة مع قناة «بي إف إم تي في»، الخميس، إن الحاملة «عبرت قناة السويس، وتقدمت نحو بحر العرب، وهي حالياً في موقعها، لكنها ليست في مضيق هرمز».

وأضافت: «منذ البداية، كان موقف فرنسا هو عرض إمكانية إعادة حرية الملاحة في المضيق، ولكن بطريقة غير هجومية، بل دفاعية بحتة، وتحترم القانون الدولي».

وكانت حاملة الطائرات قد عبرت قناة السويس في السادس من مايو (أيار) وتوقفت لعدة أيام في جيبوتي حيث تقيم فرنسا قاعدة بحرية.

وقالت الوزيرة إن وجود حاملة الطائرات الفرنسية في منطقة الخليج «يمنحنا إمكانية تقييم الوضع والتأثير في المعادلة الدبلوماسية الإقليمية والعالمية».

وأعلنت بريطانيا وفرنسا الشهر الماضي بلورة خطة عسكرية لتأمين مضيق هرمز، من شأنها أن تتيح استئناف حركة الملاحة التجارية فيه.

وأفادت تقارير بموافقة نحو 40 دولة على المشاركة في مهمة متعددة الجنسيات بقيادة الدولتين لحماية الملاحة في هذا الممر المائي الرئيسي، حالما توافق إيران والولايات المتحدة على رفع الحصار عنه، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويُعيق إغلاق المضيق الاستراتيجي تصدير المحروقات من الخليج، ويرفع أسعارها، ما يؤثر على الاقتصاد العالمي.