أطلس الذكاء الاصطناعي لمرض السكري

مبادرة بحثية تربط بين العوامل البيئية والعلامات الحيوية للمرض

أطلس الذكاء الاصطناعي لمرض السكري
TT

أطلس الذكاء الاصطناعي لمرض السكري

أطلس الذكاء الاصطناعي لمرض السكري

أطلقت مبادرة بحثية رائدة أول مجموعة بيانات رئيسة تربط بين العوامل البيئية والعلامات الحيوية ومرض السكري من النوع الثاني. وكشفت دراسة «أطلس الذكاء الاصطناعي الجاهز والعادل لمرض السكري» -التي تهدف إلى جمع البيانات من 4 آلاف مشارك متنوع بالفعل- عن روابط مثيرة للاهتمام بين تلوث الهواء وحالة مرض السكري، مع وضع معايير جديدة للبحث الصحي الشامل.

نظرة جديدة على مرض السكري

غالباً ما ركّزت أبحاث مرض السكري التقليدية على القياسات الطبية القياسية، لكن دراسة جديدة نُشرت في مجلة «Nature Metabolism» في 8 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، تتبنى نهجاً مختلفاً تماماً، تجمع مبادرة «أطلس الذكاء الاصطناعي الجاهز والعادل لمرض السكري» (Artificial Intelligence Ready and Equitable Atlas for Diabetes Insights) (AI-READI) بين أجهزة الاستشعار البيئية ومسح العين ومقاييس الاكتئاب والعلامات البيولوجية، لرسم صورة أكثر اكتمالاً عن كيفية تطور مرض السكري من النوع الثاني وتقدمه.

ويتضمن الإصدار الأولي بيانات من 1067 مشاركاً، تُمثل الربع الأول من أهداف التسجيل الطموحة للدراسة. وكشفت النتائج الأولية بالفعل عن أنماط غير متوقعة، بما في ذلك وجود رابط واضح بين حالة المرض والتعرض لجزيئات صغيرة من تلوث الهواء.

آفاق جديدة في تنوع الأبحاث

تعمل مبادرة «أطلس الذكاء الاصطناعي» على إنشاء مجموعة بيانات كبيرة مصممة لأبحاث الذكاء الاصطناعي حول مرض السكري من النوع الثاني. وحتى الآن تم جمع بيانات من 25 في المائة فقط من هدف الدراسة، التي تعطي الأولوية للتنوع، وتضمن التمثيل المتساوي عبر الأعراق (الأبيض والأسود والإسباني والآسيوي) والجنسين (تقسيم متساوٍ بين الذكور والإناث) ومراحل مرض السكري (غير المصابين بالسكري ومرحلة ما قبل السكري أو مراحل مختلفة من المرض، أي من يعتمدون على الأدوية أو على الأنسولين).

ويوضح الدكتور آرون لي، الباحث الرئيس في قسم طب العيون، وأستاذ مشارك وجراح شبكية بجامعة واشنطن بالولايات المتحدة، أن المشروع يُركز على فهم عوامل الخطر للإصابة بمرض السكري، وعوامل تعزيز الصحة التي تُساعد على تحسين الحالة، ومن خلال دراسة هذه العوامل يمكن أن تؤدي مجموعة البيانات إلى اكتشافات رائدة في الوقاية من مرض السكري من النوع الثاني وإدارته.

وتؤكد الدكتورة سيسيليا لي، من كلية الطب بجامعة واشنطن في الولايات المتحدة، وهي مديرة «أطلس الذكاء الاصطناعي» أن مرض السكري من النوع الثاني ليس نفسه لدى الجميع؛ حيث يُظهِر المرضى اختلافات كبيرة في حالاتهم، ومع توفر مجموعات بيانات كبيرة ومفصلة ​​يُمكن للباحثين دراسة هذا التباين بشكل أفضل، ما يؤدي إلى اتباع نهج أكثر تخصيصاً لفهم المرض وعلاجه.

من المرض إلى الصحة والعكس

تتخذ هذه الدراسة نهجاً جديداً، ليس من خلال دراسة كيفية إصابة الناس بالمرض فحسب بل استكشاف ما يساعدهم على التعافي أيضاً. ويريد الباحثون فهم الرحلة من الصحة إلى المرض، ومن المرض إلى الصحة مرة أخرى.

وقد يؤدي هذا التركيز المزدوج إلى طرق أفضل للوقاية من الأمراض وعلاجها، ويهتم مجتمع البحث العالمي بشكل كبير بهذه الدراسة؛ حيث تمت مشاركة البيانات من مجموعة صغيرة من 204 مشاركين بالفعل مع أكثر من 110 منظمات بحثية حول العالم.

وأوضح الدكتور آرون لي أن الأبحاث التقليدية تُركز على علم الأمراض، أي دراسة كيفية تطور الأمراض وتحديد عوامل الخطر، مثل انخفاض حساسية الأنسولين وتأثيرات نمط الحياة أو الإصابة بفيروس «كورونا» أثناء الطفولة، ما قد يزيد من خطر الإصابة بمرض السكري في وقت لاحق من الحياة.

ومع ذلك يريد فريقه أيضاً دراسة علم التسبب في المرض، والذي يبحث فيما يساعد الناس على تحسين صحتهم. وعلى سبيل المثال قد يكشف فهم سبب تحسن مرض السكري لدى بعض الأشخاص عن إسهامات رئيسة.

ذكاء اصطناعي لفحص صوت مريض السكري

ويتم ذلك بتوظيف الذكاء الاصطناعي في 10 ثوانٍ من الصوت لفحص مرض السكري.

وقد أظهرت دراسة بعنوان «التحليل الصوتي والتنبؤ بمرض السكري من النوع الثاني»، باستخدام مقاطع صوتية مسجلة بالهواتف الذكية، في ديسمبر (كانون الأول) 2023، برئاسة جايسي كوفمان، في مختبرات كليك للعلوم التطبيقية، بتورنتو كندا، ونُشرت في «مايو كلينك» (Mayo Clinic Proceedings: Digital Health) كيف يمكن للتسجيلات الصوتية جنباً إلى جنب مع الذكاء الاصطناعي اكتشاف مرض السكري من النوع الثاني بدقة ملحوظة. إذ من خلال تحليل 6 إلى 10 ثوانٍ فقط من كلام الشخص، إلى جانب تفاصيل صحية أساسية، مثل العمر والجنس والطول والوزن، حقق نموذج الذكاء الاصطناعي دقة بنسبة 89 في المائة لدى النساء و86 في المائة لدى الرجال.

وجمع الباحثون عينات صوتية من 267 مشاركاً (سواء كانوا مصابين بالسكري أو غير مصابين به)، وسجلوا عبارات في هواتفهم الذكية 6 مرات يومياً على مدار أسبوعين من أكثر من 18 ألف تسجيل.

14 سمة صوتية

وحدد العلماء 14 سمة صوتية، مثل تغيرات درجة الصوت والشدة، والتي تباينت بشكل كبير بين الأفراد المصابين بالسكري وغير المصابين به. ومن المُثير للاهتمام أن هذه التغيرات الصوتية تختلف بين الرجال والنساء. ولهذه الأداة القدرة على اكتشاف الحالة في وقت مبكر، وبشكل أكثر ملاءمة، وذلك باستخدام الهاتف الذكي فقط.

ويمكن أن يؤدي هذا النهج المبتكر القائم على الصوت إلى إحداث ثورة في فحص مرض السكري ومعالجة حواجز التكلفة والوقت، وإمكانية الوصول المرتبطة بأساليب التشخيص الحالية.

وتشمل الاختبارات التشخيصية الأكثر استخداماً لمرحلة ما قبل السكري والسكري من النوع الثاني الهيموغلوبين السكري (السكر التراكمي) (HbA1C) إلى جانب اختبار غلوكوز الدم الصائم (FBG) واختبار تحمل الغلوكوز في الدم (OGTT) (هو طريقة يمكن أن تساعد في تشخيص حالات مرض السكري أو مقاومة الأنسولين).

ووفقاً للاتحاد الدولي للسكري، فإن ما يقرب من واحد من كل اثنين أو 240 مليون بالغ، يعيشون مع مرض السكري في جميع أنحاء العالم ولا يدركون أنهم مصابون بهذه الحالة، ونحو 90 في المائة من حالات السكري هي من النوع الثاني.


مقالات ذات صلة

الصين تحذر شركاتها من برنامج «أوبن كلو» للذكاء الاصطناعي

الاقتصاد ضاحية الشركات التكنولوجية في مدينة شينزين الصينية (رويترز)

الصين تحذر شركاتها من برنامج «أوبن كلو» للذكاء الاصطناعي

حذرت وكالات حكومية وشركات مملوكة للدولة في الصين موظفيها خلال الأيام الماضية من تثبيت برنامج «أوبن كلو» للذكاء الاصطناعي

«الشرق الأوسط» (بكين)
خاص العاصمة السعودية الرياض (واس) p-circle 01:53

خاص «عام الذكاء الاصطناعي» في السعودية... دفع قوي لاقتصاد البيانات

مع تسارع السباق نحو الاقتصاد الرقمي ودخول العالم مرحلة جديدة تقودها الخوارزميات، تتجه السعودية إلى ترسيخ موقعها لاعباً مؤثراً في مستقبل التقنيات المتقدمة.

زينب علي (الرياض)
علوم الذكاء الاصطناعي يفك شفرة الورم

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي خريطة الورم… قبل أن يختار الطبيب العلاج

الطب الحديث يسعى لفهم الخصائص الفردية لكل كتلة سرطانية وكل مريض

د. عميد خالد عبد الحميد (الرياض)
تكنولوجيا تشير الدراسة إلى أن تأثير هذه الألعاب في تطور الأطفال دون سن الخامسة لا يزال غير مفهوم بشكل كافٍ (شاترستوك)

ألعاب تتحدث وتردّ… هل يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل تجربة اللّعب لدى الأطفال؟

دراسة من جامعة أكسفورد تحذر من أن ألعاب الذكاء الاصطناعي للأطفال قد تسيء فهم المشاعر وتثير مخاوف بشأن التطور العاطفي والخصوصية.

نسيم رمضان (لندن)
علوم الذكاء الاصطناعي لن يحل محل الاستراتيجية... بل سيكشف عيوبها

الذكاء الاصطناعي لن يحل محل الاستراتيجية... بل سيكشف عيوبها

لا يكفي أن تدمج أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في سير العمل وتؤتمت التحليلات وتدعم الموظفين... ليزداد الذكاء تلقائياً.

إنريكي دانس (واشنطن)

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي خريطة الورم… قبل أن يختار الطبيب العلاج

الذكاء الاصطناعي يفك شفرة الورم
الذكاء الاصطناعي يفك شفرة الورم
TT

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي خريطة الورم… قبل أن يختار الطبيب العلاج

الذكاء الاصطناعي يفك شفرة الورم
الذكاء الاصطناعي يفك شفرة الورم

في الطب الحديث لم يعد السرطان مجرد كتلة من الخلايا الشاذة تنمو في أحد أعضاء الجسم، بل يُنظَر إليه، اليوم، بوصفه نظاماً بيولوجياً معقَّداً تتفاعل فيه الخلايا السرطانية مع جهاز المناعة والأنسجة المحيطة بها، ضِمن شبكة دقيقة من الإشارات الجزيئية.

الورم يحمل بصمته الجينية الخاصة

كل ورم يحمل بصمته الجينية الخاصة وسلوكه البيولوجي المختلف، حتى بين مرضى يعانون النوع نفسه من السرطان.

لهذا بدأ العلماء يدركون أن السؤال الحقيقي في علاج السرطان لم يعد ببساطة: ما الدواء المناسب لهذا المرض؟ بل أصبح سؤالاً أكثر دقة وعمقاً: ما العلاج الأنسب لهذا المريض تحديداً؟ أيْ أن الطب لم يعد يكتفي بتشخيص المرض، بل يسعى لفهم الخصائص الفردية لكل ورم وكل مريض.

هذا التحول الفكري يقود، اليوم، ثورة علمية جديدة في علم الأورام، تقف في قلبها تقنيات الذكاء الاصطناعي القادرة على تحليل كميات هائلة من البيانات الجينية والصور النسيجية والسجلات السريرية. ومن خلال هذه القدرة التحليلية الهائلة، بدأ العلماء يتحدثون عن مرحلة جديدة قد يتمكن فيها الذكاء الاصطناعي من قراءة خريطة الورم البيولوجية قبل أن يقرر الطبيب أي علاج هو الأنسب.

الذكاء الاصطناعي يحلل البيئة الدقيقة للورم

لغة الورم الخفية

خلال مؤتمر الطب الدقيق العالمي «Precision Medicine World Conference»، الذي عُقد في كاليفورنيا بالولايات المتحدة، خلال مارس (آذار) 2026، عرض باحثون من شركة «بوسطنجين» (BostonGene) نماذج متقدمة من الذكاء الاصطناعي قادرة على تحليل التعقيد البيولوجي للأورام السرطانية، بهدف اختيار العلاج المناعي الأكثر فاعلية لكل مريض. وتعتمد هذه النماذج على تحليل كميات ضخمة من البيانات الجزيئية والجينية الخاصة بالورم، بما يسمح بفهمٍ أعمق للبيئة البيولوجية التي ينمو فيها السرطان داخل الجسم.

وتنتمي هذه الأنظمة إلى ما يُعرَف في علوم الذكاء الاصطناعي باسم نماذج الأساس «Foundation Models»، وهي خوارزميات متقدمة صُممت للتعامل مع مجموعات هائلة من البيانات البيولوجية؛ مثل المعلومات الجينية، وخصائص الخلايا المناعية، وبيئة الورم الدقيقة. ومن خلال هذه القدرة التحليلية الواسعة، تستطيع الخوارزميات اكتشاف أنماط خفية في سلوك الورم يصعب على الإنسان ملاحظتها، الأمر الذي يفتح الباب أمام مرحلة جديدة قد يصبح فيها اختيار العلاج مبنياً على قراءة دقيقة لخريطة الورم البيولوجية.

حين يتعلم الذكاء الاصطناعي قراءة السرطان

يوضح الدكتور ناثان فاولر، المدير الطبي بشركة «بوسطنجين»، أن التحدي الحقيقي في علم الأورام لم يعد نقص البيانات، بل القدرة على فهمها وتحليلها بصورة متكاملة. فكل ورم سرطاني يُنتج شبكة معقدة من المعلومات البيولوجية تشمل الطفرات الجينية، وأنماط التعبير الجيني، واستجابة الجهاز المناعي للخلايا السرطانية. وتُعرف هذه الشبكة المعقدة في علم الأورام باسم «البيئة الدقيقة للورم» وهي البيئة البيولوجية التي يتفاعل فيها الورم مع الخلايا المحيطة به داخل الجسم.

إن تحليل هذه البيئة الدقيقة يتطلب قدرة حسابية هائلة تتجاوز قدرة التحليل البشري التقليدي، وهنا يظهر الدور المتزايد لتقنيات الذكاء الاصطناعي القادرة على دراسة ما يُعرَف ببيانات «متعددة الأوميكس» (Multi-Omics)، وهي مجموعات بيانات تشمل علم الجينوميات الذي يدرس المادة الوراثية، وعلم البروتيوميات؛ أي دراسة البروتينات التي تنتجها الخلايا، إضافة إلى بيانات الجهاز المناعي والسجلات السريرية للمريض. ومن خلال دمج هذه الطبقات المتعددة من المعلومات، يستطيع الذكاء الاصطناعي رسم خريطة بيولوجية شاملة للورم تساعد الأطباء على فهم سلوكه واختيار العلاج الأكثر دقة.

الذكاء الاصطناعي يقود الطب نحو العلاج الشخصي

أبحاث حديثة: التنبؤ باستجابة المرضى للعلاج المناعي

في دراسةٍ نُشرت، عام 2026، بمجلة «إن بي جيه بريسيجن أونكولوجي» (NPJ Precision Oncology) التابعة لمجموعة نيتشر (Nature)، أظهر فريق بحثي دولي من مراكز أبحاث السرطان بالولايات المتحدة وأوروبا أن تحليل البيئة المناعية للأورام باستخدام نماذج حاسوبية متقدمة يمكن أن يساعد في التنبؤ باستجابة المرضى للعلاج المناعي بدقّةٍ تفوق الطرق التقليدية. وقد أوضحت الدراسة أن فهم العلاقة بين الخلايا السرطانية والخلايا المناعية داخل الورم قد يصبح مفتاحاً أساسياً لاختيار العلاج الأكثر فاعلية لكل مريض.

كما كشفت دراسات أخرى حديثة أن استخدام الشبكات العصبية الرسومية (Graph Neural Networks) يتيح للعلماء دراسة العلاقات المكانية بين الخلايا المناعية والخلايا السرطانية داخل نسيج الورم. ويُعد هذا التفاعل المكاني عاملاً مهماً في علم الأورام؛ لأنه يرتبط بصورة مباشرة بمدى استجابة المرضى للعلاج وبفرص بقائهم على قيد الحياة. وتشير هذه النتائج إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بتحليل البيانات الجينية، بل بدأ أيضاً قراءة البنية الميكروسكوبية المعقدة للورم وفهم كيفية تفاعل خلايا الورم مع البيئة المحيطة بها.

ثورة العلاج المناعي

خلال العقد الأخير، أصبح العلاج المناعي أحد أهم التحولات في علم الأورام الحديث. فبدلاً من مهاجمة الورم مباشرة، كما يحدث في العلاج الكيميائي، يعمل هذا النوع من العلاج على تنشيط جهاز المناعة ليقوم هو نفسه بالتعرّف على الخلايا السرطانية ومهاجمتها. وقد غيّرت هذه المقاربة الجديدة طريقة التفكير في علاج السرطان؛ لأنها تعتمد على تسخير قدرات الجسم الدفاعية، بدلاً من الاعتماد فقط على الأدوية السامّة للخلايا.

لكن التحدي الكبير في هذا المجال أن العلاج المناعي لا ينجح إلا لدى نسبة محدودة من المرضى، فبعض الأورام تستجيب له بصورة ملحوظة، بينما لا يظهر تأثيره لدى مرضى آخرين، لهذا يسعى العلماء، اليوم، إلى استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل الخصائص البيولوجية لكل ورم، والتنبؤ مسبقاً بالمرضى الذين يمكن أن يستفيدوا من هذا العلاج، قبل البدء به. وقد يفتح هذا النهج الباب أمام مرحلة جديدة من الطب الشخصي، حيث يصبح اختيار العلاج مبنياً على فهم دقيق لخريطة الورم لدى كل مريض على حدة.

من ابن سينا إلى الطب الدقيق

رغم حداثة هذه التقنيات المتقدمة، فإن الفكرة الأساسية التي تقوم عليها ليست جديدة تماماً في تاريخ الطب. ففي كتابه الشهير «القانون في الطب» شدّد الطبيب والفيلسوف العربي ابن سينا على أن مهمة الطبيب لا تقتصر على علاج المرض بوصفه ظاهرة عامة، بل تمتد إلى فهم طبيعة المريض نفسه بكل اختلافاته الفردية. وقد أشار إلى أن استجابة الناس للأمراض والعلاجات ليست واحدة، وأن الطبيب الحكيم ينبغي أن يراعي خصائص كل مريض وظروفه الجسدية والبيئية.

واليوم، يعود هذا المبدأ القديم في إطار علمي جديد يُعرف باسم الطب الدقيق «Precision Medicine»، حيث لم تعد القرارات العلاجية تعتمد فقط على اسم المرض، بل على الخصائص البيولوجية الفريدة لكل مريض، مثل التركيب الجيني، وخصائص الورم، وطبيعة استجابة الجهاز المناعي. وفي هذا السياق أصبح الذكاء الاصطناعي أداة مركزية تساعد الأطباء على تحليل هذه الطبقات المعقَّدة من البيانات واختيار العلاج الأكثر ملاءمة لكل حالة على حدة.

التحدي الأخلاقي

إن دخول الذكاء الاصطناعي إلى قلب القرار الطبي يطرح سؤالاً أخلاقياً عميقاً: هل يمكن للآلة أن تشارك في قرارٍ قد يرتبط بحياة إنسان ومستقبله الصحي؟ فالتقنيات الحاسوبية أصبحت قادرة، اليوم، على تحليل كميات هائلة من البيانات الطبية والجينية، لكن هذا التطور يفرض، في الوقت نفسه، ضرورة التفكير في حدود الدور الذي ينبغي أن تلعبه الخوارزميات داخل الممارسة الطبية.

ويرى معظم الباحثين في أخلاقيات الطب الرقمي أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يبقى أداة لدعم القرار الطبي، لا بديلاً عن الطبيب. فالخوارزمية تستطيع اكتشاف الأنماط البيولوجية المعقدة في البيانات الجينية أو النسيجية، لكنها لا تستطيع أن تدرك البعد الإنساني للمريض، أو أن تُوازن بين الاعتبارات الطبية والنفسية والاجتماعية التي تدخل في القرار العلاجي. لهذا يؤكد الخبراء أن دور الطبيب سيبقى محورياً؛ لأنه الوحيد القادر على الجمع بين الدقة العلمية والحكم الإنساني عند اختيار العلاج الأنسب لكل مريض.

طبّ المستقبل

مع تسارع تطور هذه التقنيات قد يصبح تحليل الجينوم والبيئة المناعية للورم جزءاً روتينياً من تشخيص السرطان، خلال السنوات القليلة المقبلة. فعوضاً عن الاعتماد على نماذج علاجية عامة تُطبَّق على جميع المرضى، يتجه علم الأورام نحو مرحلةٍ يُبنى فيها القرار العلاجي على الخريطة البيولوجية الفريدة لكل ورم ولكل مريض. وهنا قد يتحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة قادرة على قراءة ملايين الإشارات الجينية والمناعية التي تُشكل شخصية الورم وسلوكه داخل الجسم.

إن ما نشهده، اليوم، ليس مجرد تطور تقني، بل هو تحول عميق في فلسفة علاج السرطان. فالعلاج لم يعد يستند فقط إلى اسم المرض، بل إلى فهم دقيق لتفاعلات الخلايا والأنسجة والجهاز المناعي داخل الورم. ومع قدرة الخوارزميات على تحليل هذه الطبقات المعقّدة من البيانات، قد يصبح اختيار العلاج في المستقبل أقرب إلى قراءة خريطة بيولوجية دقيقة لكل مريض.

وهكذا، بينما يتعلم الذكاء الاصطناعي قراءة لغة الخلايا والأنسجة والبيانات الجينية، يبقى دور الطبيب أن يقرأ شيئاً لا تستطيع الخوارزميات إدراكه بالكامل: الإنسان نفسه. ففي النهاية يظل الطب علماً بالدقة... لكنه أيضاً فنٌّ بالحكمة والرحمة.


الذكاء الاصطناعي لن يحل محل الاستراتيجية... بل سيكشف عيوبها

الذكاء الاصطناعي لن يحل محل الاستراتيجية... بل سيكشف عيوبها
TT

الذكاء الاصطناعي لن يحل محل الاستراتيجية... بل سيكشف عيوبها

الذكاء الاصطناعي لن يحل محل الاستراتيجية... بل سيكشف عيوبها

على مدى العامين الماضيين، جرى تأطير الذكاء الاصطناعي بوصفه محركاً للإنتاجية، وأداة لخفض التكاليف، وسباقاً في تطوير البنية التحتية، بل إنه وُصف في الأيام الأكثر دراماتيكية بكونه «نقطة تحول حضارية». وفي هذه الأجواء تطالب مجالس الإدارات بخرائط طريق للذكاء الاصطناعي، ويعلن الرؤساء التنفيذيون عن أجندات تضع «الذكاء الاصطناعي أولاً»، بينما تُعاد هيكلة أقسام بأكملها حول أدوات تتغير قدراتها كل ربع سنة.

الذكاء الاصطناعي لا يخلق الوضوح الاستراتيجي

ولكن، خلف هذا الضجيج، تكمن حقيقة أكثر هدوءاً وأبعد أثراً: الذكاء الاصطناعي لا يخلق وضوحاً استراتيجياً، وإنما يكشف مدى وجود ذلك الوضوح بالأساس.

لقد جادلتُ سابقاً بأن الطبقة التالية من المزايا التنافسية للشركات في مجال الذكاء الاصطناعي لن تأتي من امتلاك البنية التحتية، وإنما من بناء نماذج داخلية أفضل لكيفية عمل بيئة الأعمال فعلياً. كما حذرتُ من أن اختزال الذكاء الاصطناعي في مجرد أداة لتقليص القوى العاملة هو «قصر نظر استراتيجي»؛ لأن التقنيات العامة نادراً ما تقدم قيمتها الحقيقية من خلال برامج الكفاءة البسيطة.

والنتيجة المنطقية التالية حتمية: الذكاء الاصطناعي لن يحل محل الاستراتيجية، وإنما سيكون اختباراً كاشفاً لها.

وهم «الذكاء المستورد»

ثمة افتراض مُغرٍ يترسخ في الكثير من أدبيات الذكاء الاصطناعي اليوم، مفاده أن «الذكاء» يمكن إضافته إلى المؤسسة بالطريقة نفسها التي تُضاف بها تراخيص البرمجيات... أي يكفي أن تنشر نموذجاً لغوياً كبيراً، وتدمج أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في سير العمل، وتؤتمت التحليلات، وتدعم الموظفين؛ ليزداد الذكاء تلقائياً.

بيد أن المؤسسات ليست «أوعية فارغة» تنتظر من يملؤها بالمعرفة. وإنما هي أنظمة معقدة من الحوافز، والعمليات التراكمية الموروثة، والافتراضات الضمنية، وتدفقات البيانات المجزأة، والتوازنات السياسية.

كشف العيوب

وحين يدخل الذكاء الاصطناعي إلى هذا النظام، فإنه لا يطفو فوقه، إنما يتفاعل معه... فإذا كانت بياناتك مجزأة، فسيعمل الذكاء الاصطناعي على إبراز هذا التجزؤ وتضخيمه على نطاق واسع.

وإذا كانت حوافزك غير متوافقة، فسيعمل الذكاء الاصطناعي على تحسين النتائج الخاطئة... وإذا كانت استراتيجيتك غامضة، فسيعمل الذكاء الاصطناعي على توسيع نطاق هذا الغموض وتغليفه بصياغات إنشائية بليغة.

إن النماذج اللغوية الكبيرة هي «آلات أنماط» قوية، ولكنها — كما استعرضتُ سابقاً — لا تمتلك فهماً راسخاً. فهي «مجرد» أدوات لتوليد مخرجات محتملة ذات دلالة إحصائية. وينسحب الأمر نفسه على المستوى المؤسسي؛ فالفصاحة ليست تماسكاً، والنشاط ليس بالضرورة استراتيجية.

إن البنية التحتية المشتركة لا تنتج فهماً مشتركاً، والأدوات المشتركة لا تنتج حكماً (تقديرياً) مشتركاً.

الذكاء الاصطناعي: «اختبار للجهد الاستراتيجي»

كل موجة تكنولوجية تكشف عن نقاط ضعف هيكلية. فقد عاقبت شبكة الإنترنت الشركات التي تعاملت معها كمجرد «كتيّب دعائي»، وعاقبت تقنيات الهاتف المحمول أولئك الذين تمسكوا بافتراضات أنها مثل الحواسيب المكتبية، كما عاقبت الحوسبة السحابية الشركات المهووسة بامتلاك الأجهزة بدلاً من بناء القدرات.

بيد أن الذكاء الاصطناعي ينطلق إلى أبعد من ذلك؛ لأنه يعمل على مستوى الإدراك والمعرفة: في التنبؤ، والتسعير، والتوظيف، وتقييم المخاطر، والتفاعل مع العملاء، وتطوير المنتجات... وفي كل مجال تقريباً تتخذ فيه المؤسسات قرارات مصيرية ذات عواقب ملموسة.

وهذا ما يجعل منه «اختبار جهد» استراتيجياً.

مثالان لمسارين مختلفين باعتماد النموذج نفسه

بإمكان شركتين اعتماد نماذج تقنية متماثلة، ومع ذلك تمران بمسارين مختلفين تماماً:

الشركة (أ): تمتلك رؤية واضحة لكيفية خلق القيمة الخاصة بها، حيث تتدفق البيانات بسلاسة عبر جميع الوظائف، وتسمح قيادتها بالتجريب. وهي تُعامل مخرجات الذكاء الاصطناعي بوصفها «فرضيات». وتكون حلقات التغذية الراجعة صريحة. ويجري تحديث الافتراضات بصورة منهجية.

الشركة (ب): تعلن عن مبادرة للذكاء الاصطناعي، فتنتشر المشاريع التجريبية في «جزر منعزلة». ويعمل كل قسم على تحسين عائد الاستثمار الخاص به فقط، ويهيمن منطق «خفض التكاليف» على المشهد. تُعامل مخرجات الذكاء الاصطناعي بوصفها «إجابات نهائية»، وتظل الاستراتيجية مجرد شعارات في عروض «باور بوينت».

أدوات متماثلة... ونتائج متباينة

تؤكد الأبحاث أن تأثيرات الذكاء الاصطناعي ليست متساوية، بل تعتمد على السياق المؤسسي؛ حيث يصف «معهد تصميم البيانات الرقمية» بجامعة هارفارد ما يسميه «الحدود التكنولوجية المتعرجة - jagged technological frontier»، حيث يتفوق الذكاء الاصطناعي في مهام محددة بينما يخفق في أخرى، ما يعيد تشكيل أنماط التعاون بطرق غير متوقعة. وهذا «التعرج» يعني أن الأفضلية لن تكون من نصيب من ينشر التقنية بصورة أسرع، وإنما من نصيب من يتعلم بصورة أسرع.

وبالمثل، كشفت دراسة واسعة النطاق أجراها «المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية - NBER» حول الذكاء الاصطناعي التوليدي في دعم العملاء عن مكاسب إنتاجية ملموسة بصفة عامة، لكن مع تأثيرات متفاوتة؛ حيث استفاد العمال الأقل خبرة بشكل أكبر، ما أعاد تشكيل كيفية انتشار المعرفة داخل الشركات. ففي هذه الحالة، لم يعمل الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للأتمتة، وإنما عمل كآلية لنقل «أفضل الممارسات».

والدلالة هنا واضحة: الذكاء الاصطناعي يضخم المنطق المؤسسي القائم ولا يحل محله.

* الأفضلية لن تكون من نصيب من ينشر التقنية بصورة أسرع وإنما من نصيب من يتعلم بصورة أسرع*

أتمتة الارتباك

من أخطر الغرائز القيادية في هذه اللحظة هو السؤال: «كيف يمكن للذكاء الاصطناعي تحسين هذه العملية؟».

إنه سؤال أول خاطئ؛ فإذا كانت العملية نفسها تعكس افتراضات عفى عليها الزمن، فإن تحسينها بالذكاء الاصطناعي سيجعل من هذا الخلل أسرع وأرخص فحسب. أنت هنا لا تغير العمل، بل «تؤتمت الارتباك».

السؤال الأنسب هو: «ما هي الافتراضات حول عملائنا، ووضعنا الاقتصادي، وموقعنا التنافسي المتضمنة في سير العمل هذا؟ وماذا سيحدث إذا لم تعد تلك الافتراضات صالحة؟».

هنا يصبح الذكاء الاصطناعي «مزعجاً»؛ لأنه يجبر المؤسسات على مواجهة تناقضات نجحت في تجاهلها طويلاً.

المرآة المزعجة

ثمة سبب يدفع العديد من الشركات للاكتفاء بسرديات «خفض التكاليف» عند الحديث عن الذكاء الاصطناعي. فالكفاءة قابلة للقياس، وتقليص عدد الموظفين يترجم بوضوح في الأرباح ربع السنوية، وهي قصة مفهومة للجميع، على عكس «التأمل الاستراتيجي» الذي يفتقر لهذا الوضوح.

وعندما يكشف الذكاء الاصطناعي عن بُنى بيانات مجزأة، فإن ذلك يعكس سنوات من نقص الاستثمار في التكامل. وعندما يكشف عن مؤشرات أداء متناقضة بين الأقسام، فإن ذلك يشير إلى فشل في الحوكمة. وعندما ينتج مخرجات غير متسقة بسبب انعزال المعرفة الداخلية، فإن ذلك يضع التشرذم الثقافي تحت مجهر الاختبار.

الذكاء الاصطناعي لا يخلق هذه المشكلات، وإنما يُسلط الضوء عليها

إن التاريخ يدعونا للحذر من التسرع في وضع مقاييس الأداء المبكرة؛ فقد لاحظ الاقتصادي روبرت سولو في مقال شهير بملحق مراجعة الكتب في صحيفة «نيويورك تايمز» عام 1987: «يمكنك أن ترى عصر الحوسبة في كل مكان، إلا في إحصاءات الإنتاجية». لاحقاً، أُعيدت صياغة «مفارقة الإنتاجية» لعصر تقنية المعلومات عبر مفهوم «منحنى جيه للإنتاجية - Productivity J-Curve»؛ حيث تتأخر المكاسب الملموسة لأن الاستثمارات المكملة (مثل إعادة التصميم التنظيمي، وتطوير المهارات، ونماذج الأعمال الجديدة) هي أصول غير ملموسة ولا تظهر بوضوح في البيانات الأولية.

ومن المرجح أن يتبع الذكاء الاصطناعي مساراً مماثلاً؛ إذ ستكون أهم المكاسب مشتتة وكامنة في العمليات المعاد تصميمها وأشكال التنسيق الجديدة، ولن تظهر بشكل فوري في نسب التكاليف. لذا، فإن التعامل مع الذكاء الاصطناعي في المقام الأول كآلية لتقليص كشوف الرواتب ينطوي على مخاطرة بالتضحية بالمزايا الهيكلية طويلة الأمد في سبيل تحقيق «وضوح ظاهري» قصير الأجل.

من مجرد أدوات إلى «إدراك مؤسسي»

إن الفرصة الأعمق في الذكاء الاصطناعي لا تكمن في الأتمتة، وإنما في التعلم المؤسسي. فالنماذج المتقدمة تتيح محاكاة السيناريوهات، وإظهار الحالات الشاذة (كشف الثغرات)، واختبار الافتراضات البديلة، وضغط دورات التغذية الراجعة بشكل هائل. ولكن، هذه السرعة لا تخلق قيمة إلا إذا كانت المؤسسة قادرة على «تحديث قناعاتها».

بهذا المعنى، تنتقل الميزة التنافسية إلى مستوى أعلى: من البنية التحتية إلى «الإدراك». وكما جادل يانسيتي ولاخاني في كتابهما «المنافسة في عصر الذكاء الاصطناعي»، فإن المنافسة المدفوعة بالذكاء الاصطناعي تنحاز بشكل متزايد للشركات القادرة على دمج البيانات والخوارزميات والعمليات التنظيمية في «أنظمة تعلم متماسكة». إن الفارق الجوهري ليس في النموذج التقني بحد ذاته، وإنما في مدى إحكام دمجه ضمن عملية اتخاذ القرار.

هذه هي «الحدود» التي يجب على المديرين التنفيذيين التفكير فيها.

والسؤال هنا ليس: «أي نموذج يجب أن نعتمد؟»، وإنما: «ما الذي نؤمن به حقاً حول كيفية تحقيقنا للفوز؟ وهل نحن مستعدون لأن يتحدى الذكاء الاصطناعي هذه القناعات؟».

شكل جديد للميزة التنافسية

تتحول البنية التحتية للذكاء الاصطناعي سريعاً إلى سلعة عامة متاحة للجميع؛ فالنماذج التأسيسية متاحة على نطاق واسع، والحوسبة السحابية مشتركة، والأنظمة البيئية مفتوحة المصدر تتطور بسرعة مذهلة. وبينما تصبح البنية التحتية أمراً شائعاً، ينتقل التميز إلى مستوى أعلى وآفاق أرحب.

ولا يكمن التميز في الرقائق الاحتكارية، ولا في المشاريع التجريبية المشتتة؛ وإنما في «الذكاء المؤسسي المُنظم».

إن الشركات التي ستتسارع وتيرتها وتحقق قفزات نوعية في عصر الذكاء الاصطناعي لن تكون تلك التي «تؤتمت» عملياتها بأسرع شكل، وإنما تلك التي تتعلم بأسرع شكل؛ تلك التي تعامل مخرجات الذكاء الاصطناعي بوصفها «فرضيات»، وتجعل التغذية الراجعة جزءاً من بنيتها المؤسسية، والتي توائم حوافزها مع التكيف طويل الأمد بدلاً من «المكاسب الجذابة» قصيرة الأجل.

لن يحل الذكاء الاصطناعي محل الاستراتيجية، ولكنه سيجعل إخفاء غيابها أمراً مستحيلاً.

* مجلة «فاست كومباني» - خدمات «تريبيون ميديا»


علاقة جينية بين أمراض المناعة الذاتية والسرطان

علاقة جينية بين أمراض المناعة الذاتية والسرطان
TT

علاقة جينية بين أمراض المناعة الذاتية والسرطان

علاقة جينية بين أمراض المناعة الذاتية والسرطان

كشفت دراسة دولية حديثة عن وجود توازن وراثي معقّد بين خطر الإصابة بقصور الغدة الدرقية المناعي الذاتي والحدّ من تطور بعض أنواع السرطان، في اكتشافٍ قد يغير فهم العلماء للعلاقة بين المناعة والسرطان ويفتح آفاقاً جديدة للطب الدقيق.

قصور الغدة الدرقية المناعي الذاتي

قصور الغدة الدرقية المناعي الذاتي (AIHT) autoimmune hypothyroidism هو أكثر أمراض المناعة الذاتية شيوعاً، ويحدث عندما يهاجم الجهاز المناعي الغدة الدرقية عن طريق الخطأ، مما يؤدي إلى انخفاض إنتاج هرمونات تُنظم عملية الأيض. ورغم شيوعه لكن آلياته البيولوجية لا تزال غير مفهومة بالكامل.

وقد حددت الدراسة، التي قادها باحثون من معهد برود «Broad Institute» (هو مركز أبحاث طبية حيوية وجينومية يقع في كمبريدج بولاية ماساتشوستس الأميركية)، بالتعاون مع جامعة هلسنكي الفنلندية ومؤسسات أخرى، أكثر من 400 علامة وراثية مرتبطة بالمرض، وهو رقم يفوق بكثيرٍ ما توصلت إليه الدراسات السابقة. ومن بين هذه العلامات قرابة 50 تغيراً في جينات مُرمِّزة للبروتينات ترتبط بوظائف المناعة والغدة الدرقية.

ونُشرت نتائج البحث بمجلة «Nature Genetics»، في 25 فبراير (شباط) 2026، بعد تحليل جينيّ واسع شمل أكثر من 81 ألف شخص مصاب بالمرض، اعتماداً على بيانات مشروع «FinnGen» وهو أكبر مشروع أبحاث طبية في فنلندا يستخدم بيانات البنوك الحيوية، إضافة إلى بيانات بنك البيانات الحيوية بالمملكة المتحدة «UK Biobank».

فصل مكونات المرض وراثياً

يقول مارك دالي، الباحث المشارك في الدراسة من معهد الطب الجزيئي الفنلندي جامعة هلسنكي وعضو معهد برود، إن العمل يرسم مساراً واضحاً لكيفية استخدام علم الوراثة، لا لاكتشاف المتغيرات المرتبطة بالمرض فحسب، بل أيضاً لتقسيمها إلى مكونات مستقلة تمثل جوانب مختلفة منه.

وللمرة الأولى، تمكّن الفريق من التمييز بين العوامل الجينية المرتبطة بخلل المناعة الذاتية عموماً، وتلك الخاصة بوظيفة الغدة الدرقية تحديداً. وأظهرت النتائج أن 38 في المائة من الإشارات الجينية المكتشَفة ترتبط بالمناعة الذاتية، بشكل عام، في حين أن 20 في المائة منها خاصة بالغدة الدرقية كعضو مستهدف.

من جهتها توضح ماري بات ريف، الباحثة الرئيسية في الدراسة من معهد الطب الجزيئي بفنلندا والعالِمة في معهد برود، أن المرض يقع عندما تتقاطع المناعة ووظيفة الأعضاء والتمثيل الغذائي، مشيرة إلى أن جمع هذا العدد الكبير من الحالات منح الفريق القدرة الإحصائية على فصل الجوانب الوراثية المختلفة للمرض.

صلة مفاجئة للوقاية من سرطان الجلد

وتمثَّل أحد أبرز الاكتشافات في أن نحو 10 في المائة من المتغيرات الجينية المرتبطة بزيادة خطر قصور الغدة الدرقية المناعي الذاتي، أظهر، في الوقت نفسه، تأثيراً وقائياً ضد سرطان الجلد.

وظهر ارتباط عدد من هذه الجينات ببروتينات تُعرَف باسم «بروتينات نقاط التفتيش المناعية» checkpoint inhibitors التي تعمل ككابح للجهاز المناعي، لمنعه من مهاجمة الأنسجة السليمة. وتشير النتائج إلى أن المتغيرات التي تقلل نشاط هذه الكوابح قد تؤدي إلى استجابة مناعية أقوى قادرة على مهاجمة الخلايا السرطانية بكفاءةٍ أكبر، لكنها، في المقابل، قد تزيد من احتمال مهاجمة أنسجة الجسم السليمة مثل الغدة الدرقية.

ويحمل هذا الاكتشاف صدى سريرياً مهماً، إذ إن أدوية السرطان المعروفة باسم «مثبّطات نقاط التفتيش المناعية» تعمل على تحرير الجهاز المناعي من قيوده ليهاجم الأورام. ويلاحظ الأطباء أن بعض المرضى الذين يستجيبون جيداً لهذه الأدوية يصابون بقصور الغدة الدرقية كأثر جانبي، وغالباً ما تكون نتائج علاجهم السرطاني أفضل.

ويرى دالي أن النتائج تتسق مع الخبرة السريرية، حيث تُظهر أن المرضى الذين يطوّرون استجابات مناعية ذاتية أثناء العلاج المناعي، غالباً ما يحققون نتائج أفضل في مكافحة السرطان.

نحو فهم أعمق للآليات البيولوجية

تشير الدراسة إلى أن خطر الإصابة بالمناعة الذاتية أو السرطان قد يختلف من شخص لآخر، تبعاً لاختلافاتهم الجينية. ويعمل الفريق حالياً على فهم كيفية إسهام هذه المتغيرات في مكونات المرض المختلفة، تمهيداً لإيجاد سُبل تدخُّل علاجية أكثر دقة.

ويؤكد الباحثون أن علم الوراثة السكاني يمثل أداة قوية لاكتشاف الآليات الأساسية التي تنظّم المناعة، سواء على مستوى عضو محدد كالغدة الدرقية أم على مستوى الجسم ككل.

ويمثل هذا البحث خطوة مهمة نحو الطب الشخصي، حيث قد تساعد الخرائط الجينية التفصيلية مستقبلاً في التنبؤ بخطر الإصابة بأمراض المناعة الذاتية أو السرطان، بل ربما في تصميم علاجات تراعي التوازن الدقيق بين تنشيط المناعة وكبحها.

وفي عالمٍ تزداد فيه أمراض المناعة الذاتية والسرطان على حد سواء، يسلّط هذا الاكتشاف الضوء على حقيقة بيولوجية عميقة هي أن جهازنا المناعي يسير على حبل مشدود، وأن الجينات قد تكون هي ما يحدد اتجاه هذا التوازن الحساس بين الحماية والضرر.