الاختبارات الجينية... هل من الضروري إجراؤها لمرضى الكلى المزمن؟

اختبار الدم يساعد في اكتشاف إصابة الكلى الحادة (جامعة روكفلر)
اختبار الدم يساعد في اكتشاف إصابة الكلى الحادة (جامعة روكفلر)
TT

الاختبارات الجينية... هل من الضروري إجراؤها لمرضى الكلى المزمن؟

اختبار الدم يساعد في اكتشاف إصابة الكلى الحادة (جامعة روكفلر)
اختبار الدم يساعد في اكتشاف إصابة الكلى الحادة (جامعة روكفلر)

شددت مجموعة العمل، التي شكّلتها «المؤسسة الوطنية للكلى» في الولايات المتحدة، على أهمية الاختبارات الجينية في إدارة أمراض الكلى وتشخيصها، وتهدف توصيات المجموعة إلى تعزيز فهم مجتمع أمراض الكلى وتطبيق الاختبارات الجينية.

وتشمل الإجراءات الرئيسية التي حُدّدت، بناءَ فرق رعاية متخصصة في أمراض الكلى، وزيادة الوعي بين مقدمي الرعاية الصحية والمرضى والأسر، وتحسين التعليم بشأن الاختبارات الجينية. وينبغي أن يغطي هذا التعليم المجالات الرئيسية، مثل تحديد المرشحين للاختبار؛ لمعرفة من ومتى ولماذا يجري اختبار المريض أو أفراد الأسرة، وطريقة الاختبار التي سيجري استخدامها، وتفسير وعرض نتائج الاختبار بالتعاون مع المستشارين الوراثيين.

وقد نُشرت الدراسة في المجلة الأميركية لأمراض الكلى «American Journal of Kidney Diseases» في 19 يوليو (تموز) 2024، برئاسة الدكتور علي غرافي، رئيس قسم الطب في كلية «فاجيلوس» للأطباء والجراحين بجامعة كولومبيا، ومشاركة الدكتورة نورا فرانشيسكيني، أستاذة علم الأوبئة في جامعة نورث كارولاينا بالولايات المتحدة، وآخرين.

الاختبارات الجينية في مرض الكلى المزمن

يؤثر مرض الكلى المزمن فيما يقرب من 37 مليون فرد في الولايات المتحدة، وتُسهم العوامل الوراثية في 10 إلى 20 في المائة من حالات البالغين، وما يصل إلى 70 في المائة عند الأطفال، وعلى الرغم من هذا المكون الجيني المهم فإن الاختبارات الجينية في أمراض الكلى ليست شائعة جداً مقارنة بالاختبارات الجينية في المجالات الطبية الأخرى، بما في ذلك السرطان وطب الأطفال (اضطرابات النمو)، والتوليد (اختبارات ما قبل الولادة). ولمعالجة هذه الفجوة شكّلت «مؤسسة الكلى الوطنية» فريق عمل، لوضع توصيات لدمج الاختبارات الجينية في تشخيص مرض الكلى المزمن وإدارته.

أمراض السكري والكلى والقلب تتداخل إلى حد كبير (رويترز)

فوائد الاختبارات الجينية في تعديل العلاج

يمكن للاختبارات الجينية أن توضح السبب الكامن وراء أمراض الكلى، خصوصاً في الحالات التي تفشل فيها التقييمات السريرية التقليدية، على سبيل المثال فقد أظهرت الدراسة الجديدة أن الاختبارات الجينية يمكن أن تحدّد السبب النهائي فيما يقرب من 10 في المائة من الحالات، وتعيد تصنيف التشخيص في 20 في المائة من المرضى الذين يعانون من حالة وراثية محددة؛ إذ إن التشخيص الجيني يمكن أن يؤدي إلى تغييرات كبيرة في الإدارة السريرية.

ففي بعض الحالات قد يؤدي تحديد الاضطراب الوراثي إلى تجنّب استخدام العلاجات غير الضرورية، مثل العلاجات المثبطة للمناعة، بالإضافة إلى ذلك بالنسبة إلى بعض الحالات الوراثية، مثل: مرض «فابري» Fabry disease، ويُعرف أيضاً باسم مرض «أندرسون فابري»، وهو مرض وراثي نادر يمكن أن يؤثر في أجزاء كثيرة من الجسم، بما في ذلك الكلى والقلب والدماغ والجلد، ويُشخّص أحياناً باستخدام اختبار الدم الذي يقيس نشاط الإنزيم المسمى «ألفا غالاكتوزيداز» alpha - galactosidase لدى الشخص المصاب، لكن غالباً ما تُستخدم الاختبارات الجينية أيضاً في بعض الأحيان خصوصاً عند الإناث.

مَن يستفيد أكثر من الاختبارات الجينية؟

يمكن أن يؤدي تحديد الأساس الجيني لمرض الكلى المزمن إلى فحص أفراد الأسرة المعرّضين للخطر؛ ما يتيح التدخل المبكر واتخاذ قرارات مستنيرة بشأن المتبرعين المحتملين بالكلى، إذ تُعد الاختبارات الجينية ذات قيمة خاصة بالنسبة إلى المرضى الذين يعانون من أنواع معينة من أمراض الكلى مثل: «مرض الكلى الكيسي» cystic kidney disease (الذي يحدث عندما تتطوّر لدى كليتي الشخص أكياس مملوءة بالسوائل مع مرور الوقت)، أو «المتلازمة الكلوية» nephrotic syndrome (وهي مجموعة من الأعراض بسبب تلف الكلى، وهذا يشمل البروتين في البول وانخفاض مستويات الألبومين في الدم، وارتفاع نسبة الدهون في الدم، وتورّم الأرجل والقدمين)، والأفراد الذين يعانون من مرض الكلى في وقت مبكر، ومن لديهم تاريخ عائلي للإصابة بمرض الكلى المزمن، والمرضى الذين يعانون من اختلالات وظيفية متعددة في الأعضاء.

رسم توضيحي ثلاثي الأبعاد للكلى (بابليك دومين)

وقد يكون عائد تشخيص الاختبارات الجينية في هذه المجموعات أعلى بصفة ملحوظة، إذ يجري تحديد السبب في 15 إلى 20 في المائة من الحالات التي تكون فيها المسببات غير واضحة، من خلال الفحوصات السريرية القياسية.

وحسب قسم دراسات الجينوم السريرية في «مايو كلينك»، في نشرة 23 مارس (آذار) 2023، يقول اختصاصيو الطب الوراثي ومُستشارو الأمراض الوراثية إنه وعلى الرغم من إمكانية تقديم الاختبارات الجينية معلومات مهمة لتشخيص الاضطراب وعلاجه والوقاية منه، فإن هناك حدوداً. على سبيل المثال إذا كنت شخصاً يتمتع بصحة جيدة فإن النتيجة الإيجابية الناتجة عن الاختبارات الجينية لا تعني دائماً أنك ستُصاب بمرض.

على الجانب الآخر في بعض الحالات لا تضمن النتيجة السلبية عدم إصابتك باضطراب معين. وتُعد أمراض السكري وارتفاع ضغط الدم والسمنة من عوامل الخطر الرئيسية، ومرض السكري وفرط ضغط الدم هما السببان الرئيسيان لأمراض الكلى المزمنة في جميع أنحاء العالم وفي معظم الدول العربية، وتشمل عوامل الخطر الأخرى التدخين وأمراض القلب والتاريخ العائلي للمرض والشيخوخة وبنية الكلى غير الطبيعية، كما يمكن أن يتسبّب التدخين في تلف الكلى وتفاقم تلفها.

متغيرات «APOL1» والمرضى الأميركيون من أصل أفريقي

ترتبط المتغيرات الجينية «APOL1» السائدة بين الأفراد المتحدرين من أصل أفريقي بزيادة خطر الإصابة بمرض الكلى المزمن، ومع ذلك وعلى الرغم من وجودها فيما يقرب من 13 في المائة من الأميركيين من أصل أفريقي، فإن أقلية فقط يُصابون بأمراض الكلى، وبالتالي لا يُوصى حالياً بإجراء اختبار روتيني لمتغيرات «APOL1» في غياب أعراض مرض الكلى المزمن.

فقد سلّطت دراسة نُشرت في مجلة «نتشر» (Nature Scientific Reports) في 14 فبراير (شباط) 2024، بمشاركة بريان ياسبان من قسم علم الوراثة البشرية، وسوزي سكيلز من قسم اكتشاف المناعة، وآخرين من جامعة جنوب سان فرنسيسكو في الولايات المتحدة الأميركية، الضوء على أهمية الخلفية الوراثية في التعبير عن الأنماط الظاهرية للمرض.

وتشير الدراسة إلى أن التعبير السطحي لمتغيرات «APOL1» أمر بالغ الأهمية لأمراضها في خلايا الكلى. كما توفر هذه النتائج نظرة ثاقبة للآليات الكامنة وراء مرض الكلى بوساطة «APOL1»، ويمكن أن تفيد الاستراتيجيات العلاجية المستقبلية.

الاتجاهات المستقبلية وتوعية المريض

مع تقدّم تقنيات الاختبارات الجينية قد تصبح معياراً في التقييم الأولي لأمراض الكلى؛ ما يوفّر التنميط الجيني الروتيني، إذ يجب إعلام المرضى الذين يعانون من مرض الكلى المزمن وعائلاتهم بالطبيعة الوراثية للمرض، ومدى توفر الاختبارات الجينية، ويجري تشجيعهم على مناقشة هذه الخيارات مع مقدمي الرعاية الصحية لديهم؛ للاستفادة من التشخيص المبكر وخطط العلاج المخصصة.

وتوفّر الاختبارات الجينية في مرض الكلى المزمن إمكانات كبيرة لتحسين التشخيص والعلاج ونتائج المرضى، وتهدف المبادئ التوجيهية التي وضعها الخبراء إلى مساعدة أطباء الكلى على دمج هذه الأداة في الممارسة السريرية، ما يضمن حصول المرضى الذين سيستفيدون أكثر من الرؤى الجينية على الاختبارات والرعاية المناسبة.


مقالات ذات صلة

ما تأثير تناول شحم البقر على مستويات الكوليسترول بالدم؟

صحتك شحم البقر يُستخرج من الدهون الصلبة التي تتكون حول أعضاء الأبقار (بيكسباي)

ما تأثير تناول شحم البقر على مستويات الكوليسترول بالدم؟

شحم البقر هو نوع من الدهون المستخدمة في الطهي التقليدي، ورغم أن له قيمة غذائية في بعض طرق الطهي، لكنه قد يؤثر سلباً على الصحة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك بذور الكتان تتميَّز بغناها بالألياف ما يساعد على إبطاء الهضم (بيكسلز)

هل تساعد البذور على خفض سكر الدم؟ إليك 5 خيارات مفيدة

تُعرف البذور بتركيبتها الغنية بالألياف والبروتين والدهون الصحية، وهي عناصر تُسهم في إبطاء عملية الهضم، مما يساعد على منع الارتفاعات المفاجئة في مستويات السكر.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك العيش حياة طويلة وصحية يعتمد بشكل كبير على عاداتنا اليومية (أ.ف.ب)

10 عادات تقصِّر عمرك... كيف تعيش حتى 100 سنة؟

يمكن لبعض السلوكيات اليومية الشائعة أن تقصِّر العمر وتزيد خطر الإصابة بالأمراض المزمنة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك أعراض النوبة الإقفارية العابرة تُشبه إلى حد كبير أعراض السكتة الدماغية الكاملة (بيكسلز)

«السكتة الدماغية الصغرى»... إنذار مبكر يجب عدم تجاهله

النوبة الإقفارية العابرة (TIA)، رغم قصر مدتها، قد تكون إنذاراً مبكراً لحدث أكبر وأكثر خطورة، مثل السكتة الدماغية الكاملة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)

كيف تحافظ على قوة دماغك وصحته؟ 6 أمور تجنّبها فوراً

الحفاظ على صحة الدماغ لا يتطلب بالضرورة تغييرات جذرية أو استغلال كل دقيقة من اليوم، بل يمكن تحقيقه من خلال تعديلات بسيطة في أسلوب التفكير والسلوك اليومي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«سبيس بايونير» الصينية تعلن فشل أول رحلة لصاروخ قابل لإعادة الاستخدام

عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
TT

«سبيس بايونير» الصينية تعلن فشل أول رحلة لصاروخ قابل لإعادة الاستخدام

عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)

أعلنت شركة «سبيس بايونير»، المتخصصة في تطوير الصواريخ ومقرُّها بكين، اليوم الجمعة، أن الرحلة التجريبية الأولى لصاروخها القابل لإعادة الاستخدام «تيانلونغ-3» باءت بالفشل، مما يسلّط الضوء على التحديات التي يواجهها مطوّرو الصواريخ الصينيون في محاولتهم اللحاق بشركة «سبيس إكس» الأميركية، التابعة لإيلون ماسك.

ولم تقدم «سبيس بايونير»، المعروفة أيضاً باسم «بكين تيانبينغ تكنولوجي»، سوى قليل من التفاصيل حول سبب الفشل، واكتفت بإعلان الفشل، في بيان موجَز نشرته على حسابها الرسمي على تطبيق «وي تشات».

والشركة بين مجموعة صغيرة من شركات تطوير الصواريخ في القطاع الخاص، التي تشهد نمواً سريعاً مدفوعاً بجهود بكين لتحويل الصين إلى قوة فضائية كبرى، فضلاً عن الدعم المتعلق بالسياسات الذي يسهّل على هذه الشركات جمع رأس المال وطرح أسهمها للاكتتاب العام، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتتنافس هذه الشركات، الآن، على مَن يصبح المطوّر الصيني الرائد للصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام، وهي تقنية لم تتقنها، حتى الآن، سوى شركة «سبيس إكس».

والقدرة على إطلاق المرحلة الرئيسية لصاروخ مَداري واستعادتها وإعادة استخدامها هي عامل أساسي لخفض تكاليف الإطلاق وتسهيل وضع الأقمار الصناعية في المدار حول الأرض لأغراض تتراوح من الاتصالات إلى المراقبة العسكرية.


علماء يكتشفون أدلة على الفناء التام لنجوم عملاقة في الكون

يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
TT

علماء يكتشفون أدلة على الفناء التام لنجوم عملاقة في الكون

يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)

عندما يحدث الانفجار الهائل لنجم في نهاية حياته، فيما يعرف بظاهرة المستعر الأعظم أو (السوبرنوفا)، فإنه يقذف المادة في الفضاء ويترك عادة بقايا نجمية شديدة الكثافة، مثل الثقب الأسود أو النجم النيتروني.

لكن بعض هذه الانفجارات عندما تحدث لأكبر النجوم في الكون قد تكون قوية للغاية لدرجة أنها لا تترك أي شيء على الإطلاق، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

ويطرح العلماء منذ ستينات القرن الماضي نظرية حدوث هذه الانفجارات النجمية فائقة القوة، وتوصلوا الآن إلى أدلة على وجودها، وإن كانت غير مباشرة.

ظهرت هذه الأدلة في أبحاث تتعلق بالثقوب السوداء وموجات الجاذبية في نسيج الكون، التي تعرف بتموجات (الزمكان).

وقال هوي تونغ، وهو طالب دكتوراه في الفيزياء الفلكية بجامعة موناش في أستراليا والمعد الرئيسي للدراسة التي نُشرت، الأربعاء، في دورية «نيتشر»، إن التوقعات تشير إلى أن مثل هذه الانفجارات النجمية العظمى تحدث في أضخم النجوم؛ أي تلك التي تزيد كتلتها على كتلة الشمس بما يتراوح بين 140 و260 مرة.

وأضاف تونغ: «على الرغم من كتلتها الهائلة، فإن عمرها قصير نسبياً، نحو بضعة ملايين سنة. وللمقارنة، ستعيش الشمس نحو 10 مليارات سنة، لذا فإن هذه النجوم تحترق أسرع بألف مرة تقريباً، مثل الألعاب النارية الكبيرة التي تشتعل بشدة ولفترة قصيرة قبل أن تنفجر».

«المدى المحظور»

يترك انفجار نجوم كبيرة ذات كتلة معينة وراءه نجماً نيوترونياً، وهو نواة النجم المنهارة والمضغوطة. وعندما تنفجر بعض النجوم الأكبر من ذلك، تترك وراءها ثقباً أسود، وهو جسم شديد الكثافة وله جاذبية قوية لدرجة أن الضوء نفسه لا يستطيع الهرب منها. ويحتفظ الثقب الأسود بجزء من كتلة النجم الأصلي، بينما يُقذف الباقي في الفضاء.

وفي هذه الدراسة، فحص الباحثون بدقة البيانات المجمعة عن 153 زوجاً من الثقوب السوداء، مع معرفة كتلتها بناء على موجات الجاذبية التي أطلقتها، ثم فصلوا الثقوب السوداء التي تشكلت عبر اندماجات سابقة بين ثقبين أسودين أصغر حجماً.

واكتشف الباحثون حينها غياب الثقوب السوداء التي تزيد كتلتها على كتلة الشمس بواقع 44 إلى 116 مرة، وهو ما أطلقوا عليه وصف «المدى المحظور».

وقالوا إن غيابها يمكن تفسيره على أفضل وجه بأنه اندثار النجوم الأكبر، ولكن بدلاً من أن تترك وراءها ثقوباً سوداء في هذا النطاق من الكتلة كما هو متوقع، فإنها تنفجر دون أن تترك أي أثر في نوع نادر من الانفجارات يطلق عليه «سوبرنوفا عدم الاستقرار الزوجي».

أفضل مؤشر حتى الآن

ووصفت عالمة الفيزياء الفلكية المشاركة في إعداد الدراسة مايا فيشباك من المعهد الكندي للفيزياء الفلكية النظرية بجامعة تورونتو هذه الظاهرة بأنها «من أعنف أنواع انفجارات موت النجوم».

وأضافت: «في الغالب، تشكل النجوم الضخمة ثقوباً سوداء. وكلما زادت كتلة النجم، زاد ثقل الثقب الأسود»، إلى أن تصل النجوم إلى عتبة كتلة معينة، تفرض بعدها القواعد الفيزيائية لانفجارها عدم تركها أي بقايا نجمية.

وقال تونغ: «تصبح النواة غير مستقرة، مما يؤدي إلى انهيار جامح ثم انفجار حراري نووي عنيف ينسف النجم».

وفي الوقت الحالي، قد تكون الأدلة المقدمة في هذه الدراسة أفضل مؤشر حتى الآن على حدوث انفجارات عدم الاستقرار الزوجي.

وقال تونغ: «إننا نستخدم في الأساس شيئاً غير مرئي، وهو الثقوب السوداء، باعتباره سجلاً لبعض من أكثر الانفجارات سطوعاً في الكون».


حين تدخل الأخلاقيات قاعة الخوارزميات… من يقرّر في الطب الجديد؟

بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
TT

حين تدخل الأخلاقيات قاعة الخوارزميات… من يقرّر في الطب الجديد؟

بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم

لم يكن الاجتماع الذي عقدته «منظمة الصحة العالمية» في الأول من أبريل (نيسان) 2026، مجرد لقاء تقني لمناقشة مستقبل الصحة الرقمية، بل بدا أقرب إلى لحظة مراجعة عالمية لسؤال يتجاوز التكنولوجيا نفسها: مَن يملك القرار عندما تدخل الخوارزميات إلى قلب الطب؟

مشهد عالمي... وسؤال واحد

في تلك المشاورات التي جمعت حكومات، وشركات، وخبراء، وممثلين عن المجتمع المدني، لم يكن النقاش حول أدوات أو منصات، بل حول شيء أعمق بكثير: كيف يمكن تحويل الأخلاق من مبادئ تُكتب إلى شروط تُبرمج داخل الأنظمة؟

وللمرة الأولى، لم تعد الأخلاقيات هامشاً مكمّلاً للتقنية، بل أصبحت في صلبها.

لكن خلف هذا المشهد التوافقي الهادئ، يظل سؤال أكثر إرباكاً يفرض نفسه: هل يمكن فعلاً الاتفاق على أخلاقيات عالمية... في عالم لا يتفق حتى على معنى القرار الطبي نفسه؟

من التقنية إلى الأخلاق: تحوّل في مركز الثقل

ما يلفت الانتباه في هذه الاستراتيجية ليس ما تقوله عن التكنولوجيا، بل ما تكشفه من تحوّل في طريقة التفكير؛ فبعد سنوات كان التركيز فيها منصبّاً على توسيع استخدام الأنظمة الرقمية، تتحول البوصلة اليوم نحو مفاهيم أكثر عمقاً: العدالة، والثقة، والشمول، وحوكمة البيانات. لم يعد السؤال كيف نستخدم التقنية؟ بل: كيف نضبطها؟

الوثيقة تدعو إلى نموذج «متعدد الأطراف»، لا يقتصر فيه القرار على الحكومات، بل يمتد ليشمل القطاع الخاص، والمجتمع المدني، والمؤسسات الأكاديمية، في محاولة لبناء نظام صحي رقمي يعكس تعقيد الواقع العالمي، لا في صورته النظرية المبسطة. لكن هذا الطموح، رغم وجاهته، يكشف مفارقة دقيقة: فإذا شارك الجميع في القرار... فمن يتحمل نتيجته؟

حين يتوقف القراروتبدأ الأسئلة

وهم الإجماع: عندما يصبح الجميع مسؤولاً... ولا أحد مسؤول

في الظاهر، يبدو النموذج التشاركي مثالياً؛ فهو يعزز الشفافية، ويحدّ من الانحياز، ويمنح القرار طابعاً جماعياً مطمئناً. لكن في العمق، يحمل هذا النموذج مفارقة دقيقة؛ حين تتوزع المسؤولية على الجميع... قد تختفي. فالقرار الطبي، بطبيعته، لا يحتمل الغموض. في لحظة التشخيص أو التدخل العلاجي، لا يمكن للطبيب أن يستند إلى «إجماع خوارزمي»، ولا إلى رأي موزّع بين أنظمة متعددة. هناك دائماً لحظة حاسمة يتحمل فيها إنسان واحد مسؤولية الاختيار.

وهنا يظهر التوتر بين عالمين لا يلتقيان بسهولة: عالم الخوارزميات الذي يميل إلى توزيع القرار، وعالم الطب الذي يقوم (في جوهره) على تحمّل مسؤوليته.

حين تتقدم القدرة... ويتأخر الفهم

أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على تحليل البيانات الطبية بدقة غير مسبوقة، واقتراح قرارات قد تتفوق في بعض الحالات على التقدير البشري، خصوصاً في قراءة الصور الطبية أو ربط المؤشرات المعقدة في السجلات الصحية.

لكن هذه القدرة التقنية، رغم أهميتها، لا تعني بالضرورة فهماً كاملاً لما يحدث في الواقع السريري. فالأنظمة الذكية لا تعيش نتائج قراراتها، ولا تتعامل مع المريض بوصفه تجربة إنسانية متكاملة، بل كبيانات قابلة للتحليل. إنها قادرة على الحساب، لكنها لا تدرك السياق. وتستطيع التنبؤ، لكنها لا تتحمل تبعات الخطأ.

وهنا يكمن التحدي الحقيقي في الطب الحديث: أن نمتلك أدوات قادرة على دعم القرار بدرجة عالية من الدقة، دون أن نخلط بين القدرة الحسابية... والفهم السريري الكامل لنتائج هذا القرار.

القرار... وما الذي لا تقوله الوثيقة؟

رغم شمول هذه الاستراتيجية، فإنها تترك عدداً من الأسئلة الجوهرية دون إجابة واضحة، وهي أسئلة تمسّ جوهر القرار الطبي نفسه.

- من يتحمل المسؤولية عند الخطأ؟

- ومن يملك صلاحية إيقاف النظام عندما تنحرف الخوارزمية عن المسار الصحيح؟

- ومتى يجب أن يمتنع الذكاء الاصطناعي عن تقديم التوصية، بدلاً من الاستمرار في إعطاء إجابة قد تكون مضللة؟

هذه الأسئلة لا تتعلق بالتقنية بقدر ما تتعلق بحدودها.

وفي هذا السياق، يبرز مفهوم «الصمت الخوارزمي» بوصفه أحد أهم التحديات المقبلة، وهو اللحظة التي يجب فيها على النظام الذكي أن يتراجع، لأن القرار يتجاوز نطاق البيانات التي بُني عليها، أو لأن درجة عدم اليقين أصبحت أعلى من أن تُترجم إلى توصية موثوقة.

الذكاء الاصطناعي لا يصل إلى الجميع

* نحو 30 في المائة من سكان العالم فقط يمتلكون البنية التحتية الرقمية والقدرات

التقنية التي تسمح بتطبيق التقنيات الذكية في الممارسة الطبية بشكل فعلي

وهم الشمول: هل العالم متساوٍ رقمياً؟

رغم أن هذه الاستراتيجية تدعو إلى شمول عالمي في تبني الصحة الرقمية والذكاء الاصطناعي، فإن الواقع يكشف مفارقة واضحة؛ فالتقديرات تشير إلى أن نحو 30 في المائة فقط من سكان العالم يمتلكون البنية التحتية الرقمية والقدرات التقنية التي تسمح بتطبيق هذه التقنيات في الممارسة الطبية بشكل فعلي.

وهنا يبرز سؤال لا يقل أهمية عن الأخلاقيات نفسها: كيف يمكن تحقيق «عدالة رقمية» في عالم غير متكافئ رقمياً من الأساس؟ فالدعوة إلى الشمول، رغم عدالتها النظرية، قد تحمل نتيجة معاكسة؛ إذ قد تؤدي عملياً إلى توسيع الفجوة بين أنظمة صحية متقدمة قادرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لتحسين جودة الرعاية، وأخرى لا تزال تكافح لتوفير الحد الأدنى من الخدمات الطبية.

وفي هذا السياق، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للتطوير، بل قد يتحول (من حيث لا يُقصد) إلى عامل جديد يعيد رسم خريطة العدالة الصحية على مستوى العالم.

بين العدالة... والحياة

من أكثر التحديات تعقيداً في الطب أن القرار «الأخلاقي» لا يكون دائماً «عادلاً» بالمعنى النظري أو الإحصائي؛ ففي الممارسة السريرية، قد يضطر الطبيب إلى اتخاذ قرار لا يحقق التوازن بين جميع الخيارات، بل يركّز على إنقاذ حالة محددة في لحظة حرجة، حتى لو جاء ذلك على حساب اعتبارات أخرى. وهذا النوع من القرارات يعتمد على السياق، وعلى تقدير المخاطر، وعلى فهم الحالة الفردية للمريض.

في المقابل، تميل الخوارزميات بطبيعتها إلى البحث عن التوازن، وإلى تقديم توصيات تستند إلى الأنماط العامة والنتائج الأكثر ترجيحاً على مستوى المجموعات. وهنا يظهر التحدي الحقيقي: الفارق بين قرار يُبنى على حساب الاحتمالات... وقرار يُتخذ في مواجهة حالة إنسانية فردية.

الخاتمة: من يعرّف الأخلاق؟

قد تضع الاجتماعات العالمية أطراً عامة، وقد ترسم الاستراتيجيات مسارات للتطوير، لكن القرار الطبي سيبقى (في جوهره) لحظة إنسانية لا يمكن اختزالها بالكامل في نموذج حسابي. فالذكاء الاصطناعي قادر على دعم القرار وتحسين دقته، لكنه لا يستطيع أن يحدد بمفرده ما هو القرار الصحيح في كل سياق سريري.

وفي الوقت الذي تدخل فيه الأخلاقيات إلى تصميم الخوارزميات، لا يعود التحدي تقنياً فقط، بل يصبح سؤالاً أعمق يتعلق بالمرجعية ذاتها: من يملك حق تعريف الأخلاق... عندما تتحول إلى جزء من الرموز الكومبيوترية؟