محمد علي أول طبيب أسنان يوظف الروبوت «يُومي» لزرع الأسنان

«شعرت بأنه كان عظيماً عندما وضع سناً جديداً في فكّي»

الدكتور محمد علي يستخدم برنامج التصوير الخاص بالروبوت لوضع خطة لتثبيت غرسة التيتانيوم بالزاوية والعمق الصحيحين في عظم الفك
الدكتور محمد علي يستخدم برنامج التصوير الخاص بالروبوت لوضع خطة لتثبيت غرسة التيتانيوم بالزاوية والعمق الصحيحين في عظم الفك
TT

محمد علي أول طبيب أسنان يوظف الروبوت «يُومي» لزرع الأسنان

الدكتور محمد علي يستخدم برنامج التصوير الخاص بالروبوت لوضع خطة لتثبيت غرسة التيتانيوم بالزاوية والعمق الصحيحين في عظم الفك
الدكتور محمد علي يستخدم برنامج التصوير الخاص بالروبوت لوضع خطة لتثبيت غرسة التيتانيوم بالزاوية والعمق الصحيحين في عظم الفك

بعدما جعل النوفوكودين (الدواء المخدّر) الجزء السفلي من وجهي يشعر وكأنه كيس من الإسمنت الرطب، تسرب صوت موسيقى خافت إلى الغرفة من مكان ما بالأعلى... ثم وُضع قناع طبي أزرق على وجهي، وتراقصت البقعة البيضاء الصغيرة من المصباح الأمامي لطبيب الأسنان فوقها ثم استقرت أخيراً على فمي.

الدكتور محمد علي قرب «يومي» وأليسا فيسيو مندوبة «نيوسيز»

محمد علي والروبوت «يومي»

سمعت الدكتور محمد علي يتبادل بعض الأرقام - التي بدت وكأنها إحداثيات دقيقة - مع مساعده المنحني أمام جهاز كومبيوتر محمول قريب. ثم سمعت الروبوت يقترب وأدركت أنه على وشك الاستعداد لبدء رحلته الدقيقة عبر لثتي وصولاً إلى عظم الفك.

نطق الدكتور علي بكلمة واحدة: «مُوَجَّه» أي (تحت التوجيه) «Guided»، وبدأ الروبوت الحفر. كان الدكتور محمد علي أول طبيب أسنان في سان فرنسيسكو يبدأ في استبدال الأسنان المفقودة بمساعدة روبوت يسمى «يومي» Yomi.

عمليات أكثر دقة وسهولة

هدف «يومي» هو جعل جراحة زرع الأسنان عملية أكثر دقة وقابلية للتنبؤ بها بالنسبة لأطباء الأسنان. يقوم برنامج النظام بتطوير فهم مكاني مفصل لفم المريض، ثم تقوم الذراع الآلية «بتوجيه» طبيب الأسنان إلى المكان والزاوية المحددة للحفر.

أمضت شركة التكنولوجيا الصحية «نيوسيز» Neocis، سنوات في بناء Yomi وتحسينه، ثم سنوات أخرى في إخضاعه للتجارب السريرية لإثبات سلامته وفعاليته.

ووفقاً للدكتور علي، فإن الروبوت يجعل الإجراء أسهل على المرضى الذين لم يسمع الكثير منهم من قبل عن «يومي» أو الجراحة بمساعدة الروبوت بشكل عام. ويقول: «إنهم يأتون لأن أسنانهم مكسورة ويريدون حلاً... ولكن بعد ذلك عندما يعلمون أن الجراحة ستكون طفيفة التوغل وأن التعافي سيكون سريعاً، فإنهم يشعرون بمزيد من الراحة والثقة».

عيادة أسنان كومبيوترية

تقع عيادة الدكتور علي في الطابق السابع عشر من مبنى شاهق قديم ومزخرف بالقرب من «يونيون سكوير» Union Square في سان فرنسيسكو. وللوهلة الأولى تبدو العيادة وكأنها عيادة طبيب أسنان عادية. ولكن سرعان ما تلاحظ وجود الكثير من شاشات الكومبيوتر حولك (خاصة لعرض صور الأسنان)، وستشعر بأن هذه الممارسة متقدمة في مجال التكنولوجيا.

تعرض شاشة «يومي» محور زاوية الحفر للزرعة

روبوت «يومي»

ويتأكد هذا الانطباع عندما تدخل إلى غرف العلاج وترى الروبوت «يومي» هي في الأساس عربة طبية بيضاء بها شاشة كبيرة تمتد من قمتها. والسمة البشرية الوحيدة لها هي ذراعها، التي تمتد من كرة فضية (الكتف)، وتنحني عند كرة فضية أخرى (المرفق)، وتنحني بحرية عند مفصل آخر (الرسغ) عند ماكينة الحفر. أي أن «يومي» عبارة عن تكامل محكم بين برامج التصوير ثلاثي الأبعاد والذراع الآلية.

تبدأ عملية الزرع بإجراء فحص مقطعي لجمجمة المريض، بما في ذلك الفم وعظم الفك. يتم إرسال الأشعة المقطعية إلى «يومي»، الذي يعرض بعد ذلك صورة ثلاثية الأبعاد مفصلة للغاية. ثم وباستخدام تلك الصورة، يقوم طبيب الأسنان و«يومي» بوضع خطة مرئية للموقع الدقيق للزرعة وعمقها وزاويتها.

وبعد كل هذا أصبح لدى «يومي» الآن خريطة مكانية لفمي، لكن برنامجها يحتاج إلى مزامنة تلك الصورة مع بنية فمي الحقيقي من أجل التنقل أثناء الإجراء. أي أنه كان بحاجة إلى أن يفهم بالضبط أين كانت نهاية الذراع بالنسبة إلى فكي، حتى لو تحرك رأسي قليلاً.

لتوجيه نفسه إلى تلك المساحة، يعتمد برنامج الروبوت على نظام آخر من الأجهزة يسمى «الوصلة أو الرابط» «link»، التي يتم ربطها بالأسنان السفلية على الجانب المقابل لموقع الزرع.

واستناداً إلى موضع هذا «الرابط»، يمكن لبرنامج «يومي» مزامنة الصورة ثلاثية الأبعاد مع كل من فم المريض الحقيقي وموقع قطعة الحفر. ومع رؤية جميع أجزاء النظام للشيء نفسه، يمكنه العمل معاً لاستكمال الخطة، حتى لو تحرك رأس المريض قليلاً.

خطة مفصلة لغرس السن

كانت دقة هذه الخطة ذات أهمية خاصة بالنسبة لي، لأن عظم الفك الذي كان يحمل سني المفقود (رقم 14) قد ضمر إلى حد ما. لم تكن المنطقة سميكة جداً ولمنها تكفي لاستيعاب الزرعة. ولأن الرقم 14 كان يقع بالقرب من أضراسي الخلفية، كان الدكتور علي يقوم بالحفر في عظم الفك أسفل أرضية تجويف الجيوب الأنفية مباشرةً.

كان من الضروري أن تصل الغرسة إلى عظم الفك الخاص بي بعيداً بما يكفي لتثبيتها، ولكن ليس بعيداً لدرجة أنها تزعج تجويف الجيوب الأنفية. ولحسن الحظ، «يومي» تتفوق في هذا النوع من الدقة.

حركية الذراع ودقة المثقاب

يتحرك ذراع «يومي» بحرية حتى يقترب من فم المريض. ثم ينتقل إلى الوضع «الموجّه»، مما يعطي طبيب الأسنان ملاحظات حول حركة المثقاب بالنسبة إلى فم المريض. يتحرك المثقاب بسهولة عندما يتقدم نحو موضع الحفر الصحيح الذي تحدده الخطة، ويجد مقاومة عند الابتعاد عن الموضع الصحيح.

إنه يحرك طبيب الأسنان نحو زاوية الحفر الصحيحة. وفي بعض الأحيان يجد الروبوت أكثر من مجرد المقاومة. فلو قام الدكتور علي بتحريك المثقاب بالقرب من تجويف الجيوب الأنفية الخاص بي، لكان قد رفض الاستمرار في هذا الاتجاه.

وأثناء إدخال الزرعة، شعرت بالضغط التصاعدي على فكي عند السن رقم 14. وقد استغرق الأمر بعض القوة لإدخال الزرعة. لن أسمي ذلك نزهة في حديقة، لكنه لم يكن مؤلماً.

وبينما يختار العديد من مرضى الدكتور علي أن يتم تخديرهم أثناء العملية، ولكني لأغراض الإبلاغ عن هذا الحدث اخترت البقاء مستيقظاً. وفي نحو 30 دقيقة انتهى كل شيء. كنت مشوشاً بعض الشيء من «نوفاكايين»، وسمعت الدكتور علي يقول إن الزرعة قد تم وضعها بشكل مثالي ولم تلمس جدار الجيوب الأنفية أبداً.

وفي تلك الليلة، شعرت بألم في فكي عندما اختفى تأثير نوفوكايين، ولكن لم يكن هناك شيء لا يستطيع زوج من الحبات المسكنة التعامل معه.

* مجلة «فاست كومباني»، خدمات «تريبيون ميديا».

 


مقالات ذات صلة

تعليم روبوت بشري مهارات لعب التنس… من بيانات غير كاملة

تكنولوجيا يمكن للروبوتات تعلم مهارات حركية معقدة باستخدام بيانات بشرية غير مكتملة بدلاً من الاعتماد على بيانات مثالية (المصدر)

تعليم روبوت بشري مهارات لعب التنس… من بيانات غير كاملة

تُظهر دراسة أن الروبوتات يمكنها تعلم مهارات حركية معقدة من بيانات غير مكتملة ما يفتح آفاقاً جديدة لتدريب الذكاء الاصطناعي.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا يفتح الابتكار المجال لتطبيقات مستقبلية في التنقل والبيئات الواقعية المعقدة (شاترستوك)

روبوتات الدرّاجة تحقق توازناً ديناميكياً وتتجاوز العقبات

روبوت دراجة يحقق توازناً ديناميكياً ويتجاوز العقبات بسرعة مستفيداً من تصميم بسيط وتحكم متكيف يحاكي مهارات الإنسان في بيئات معقدة.

نسيم رمضان (لندن)
يوميات الشرق صورة مثبتة من مقطع فيديو للشرطة الصينية وهي «تعتقل» الروبوت

حادثة غريبة في الصين... الشرطة «تعتقل» روبوتاً بعد ترويعه امرأة

أثارت حادثة غير مألوفة في شوارع مدينة ماكاو الصينية تفاعلاً واسعاً بعد أن احتجزت الشرطة روبوتاً بشري الشكل عقب ترويعه امرأة مسنّة أثناء سيرها في الشارع.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
تكنولوجيا روبوت «شخصي»... لاستكشاف نشاطات روبوتات الدردشة في منصة «مولتبوك»

روبوت «شخصي»... لاستكشاف نشاطات روبوتات الدردشة في منصة «مولتبوك»

تستطيع روبوتات الدردشة التحدث معك... ولكن ماذا لو استطاعت التحدث فيما بينها، تتساءل إيف واشنطن(*)؟ شبكة تواصل اجتماعي لروبوتات الدردشة هذه هي الفكرة وراء …

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
تكنولوجيا صورة من موقع «مولتبوك» (Moltbook)

«مولتبوك»... أول موقع تواصل اجتماعي لروبوتات الذكاء الاصطناعي

أثار موقع جديد يحمل اسم «مولتبوك» (Moltbook) جدلاً واسعاً بعد ظهوره كأول منصة تواصل اجتماعي صُممت خصيصاً لـ«روبوتات الذكاء الاصطناعي».

«الشرق الأوسط» (لندن)

رواد «أرتيميس 2» يحطمون الرقم القياسي لأبعد مسافة يقطعها بشر في الفضاء

طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أوريون» (أ.ف.ب)
طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أوريون» (أ.ف.ب)
TT

رواد «أرتيميس 2» يحطمون الرقم القياسي لأبعد مسافة يقطعها بشر في الفضاء

طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أوريون» (أ.ف.ب)
طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أوريون» (أ.ف.ب)

اجتاز رواد الفضاء الأربعة ضمن مهمة «أرتيميس 2»، الاثنين، أبعد نقطة وصل إليها رواد «أبولو» عن الأرض عام 1970، ويستعدون لتمضية ساعات في التحليق فوق مناطق غير مكتشفة من القمر وجانبه المخفي.

وحُطِّم الرقم القياسي البالغ 400 ألف و171 كيلومتراً الذي حققته مهمة «أبولو 13»، وبات من المتوقع أن يجتاز رواد الفضاء الأميركيون كريستينا كوك وفيكتور غلوفر وريد وايزمان، والكندي جيريمي هانسن، مسافة تزيد عن 406 آلاف كيلومتر من الأرض خلال تحليقهم حول القمر.

وقالت مديرة اتصالات الطاقم جيني غيبسونز للرواد الأربعة من مركز التحكم التابع لوكالة الفضاء الأميركية (ناسا) في هيوستن بولاية تكساس: «الغرفة ملأى اليوم بفرحة (استكشاف) القمر، وأظن أنكم تشعرون بذلك أيضاً».

وأوضحت كريستينا كوك، المستكشفة المخضرمة التي تصنع التاريخ كأول امرأة تحلق على سطح القمر، أن رواد الفضاء كانوا «ملتصقين بالنوافذ»، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورغم أن الرواد الأربعة لن يهبطوا على سطح القمر، فإن الرحلة تشكل حدثاً تاريخياً، إذ لم يسبق لأي من مهمات أبولو (1968-1972) أن ضمّت ضمن طواقمها نساء، أو رواد فضاء سوداً، أو رواد فضاء من غير الأميركيين.

وقال جيم لوفيل، الرائد في مهمتي أبولو 8 و13، للرواد في رسالة سجّلها قبل أشهر قليلة من وفاته عام 2025: «هذا يوم تاريخي».

وأضاف: «أهلاً بكم في مقرّي السابق»، معرباً عن فخره بتسليم الراية إليهم. وقدّم لهم نصيحة، قائلاً: «أعلم أنكم ستكونون مشغولين للغاية، لكن لا تنسوا الاستمتاع بالمنظر».

وعرض قائد المهمة، الأميركي ريد وايزمان خلال البث، شعار مهمة «أبولو 8» الذي حمله طاقم «أرتيميس» على متن المركبة.

وفي تاريخ استكشاف الفضاء، لم يغامر أي رائد فضاء روسي أو صيني بالتوغل إلى ما بعد 400 كيلومتر من الأرض، وهي المسافة إلى المحطات المدارية حول الأرض. وحدها المركبات الفضائية التي عادت لرصد القمر هي التي فعلت ذلك.

انطلاق مهمة «أرتيميس 2» إلى مدار القمر من «مركز كينيدي الفضائي» في فلوريدا بالولايات المتحدة (أ.ب)

وتستمر فترة رصد القمر قرابة سبع ساعات، بدءا من الساعة 18:45 بتوقيت غرينتش، بحيث سيملأ القمر نافذة مركبة «أوريون» الفضائية.

وسيبدو القمر لهم بحجم «كرة سلة على طرف اليد»، وفق ما صرّح نواه بيترو، رئيس مختبر الجيولوجيا الكوكبية التابع لوكالة «ناسا».

«قشعريرة»

تدرب أفراد الطاقم الأربعة لأكثر من عامين على التعرف على التكوينات الجيولوجية ووصفها بدقة للعلماء على الأرض، ولا سيما درجات اللون البني والبيج للتربة.

وتناوب الرواد على وصف المنظر الكامل للقمر أمامهم، الاثنين.

وقالت كوك: «هناك شيء لم أره في السابق في الصور، لكن يمكن ملاحظته بشكل كبير هنا: كل هذه الفوهات الحديثة شديدة السطوع».

وأضافت: «إنها في الواقع تشبه عاكس ضوء مثقوباً بثقوب صغيرة يمر الضوء من خلالها. وهي شديدة السطوع مقارنة ببقية أنحاء القمر».

وإلى جانبها، أعرب غلوفر عن دهشته، قائلاً: «أتمنى لو كان لدي المزيد من الوقت لأجلس هنا وأصف ما أراه».

من جهته، أفاد هانسن برؤية ظلال خضراء وبنّية على سطح القمر.

وقد تساعد كل هذه الملاحظات العلماء على فهم جيولوجيا القمر وتاريخه بشكل أفضل.

ويُبث الحدث مباشرة على منصات متعددة مثل «نتفليكس» و«يوتيوب»، باستثناء 40 دقيقة ستقطع خلالها الاتصالات بسبب حجب القمر.

كانت كيلسي يونغ، كبيرة علماء المهمة، وعدت في مؤتمر صحافي عُقد نهاية الأسبوع الفائت، بأن «سماع هذا الطاقم وهو يصف سطح القمر سيُثير فيكم القشعريرة».

وبينما سبقهم رواد فضاء أبولو إلى هذا الإنجاز، قبل أكثر من 50 عاماً، فإن معظمنا «لم يكن قد وُلد بعد، لذا ستكون هذه تجربة فريدة من نوعها بالنسبة الينا»، بحسب ما قال ديريك بوزاسي، أستاذ علم الفلك والفيزياء الفلكية في جامعة شيكاغو.

بعثة «أرتيميس 2» في طريقها إلى القمر (ناسا - أ.ف.ب)

الشروق والغروب

سيحلق رواد الفضاء خلف القمر ليكتشفوا جانبه البعيد الذي لا يُرى أبداً من الأرض.

ومن المرجح أن يروا «مناطق من هذا الجانب البعيد لم يتمكن أي من رواد فضاء أبولو من رصدها»، وفق ما صرح جايكوب بليتشر، رئيس قسم استكشاف العلوم في «ناسا»، معرباً عن حماسته الشديدة لهذا الاحتمال.

ورصد الطاقم لمحة من حوض أورينتال، وهو فوهة بركانية عملاقة تُلقّب بـ«الوادي الكبير للقمر» ولم تُشاهد بكاملها حتى الآن إلا عبر مركبات فضائية.

وقال هانسن: «الأمر يشبه تماماً التدريب، ولكن في ثلاثة أبعاد، وهذا مذهل حقاً!».

وفي وقت لاحق الاثنين، قرر الرواد إطلاق اسم كارول تايلور وايزمان، الزوجة الراحلة لقائد المهمة، على فوهة قمرية.

وأعلن هانسن خلال بث مباشر: «هناك معلم في بقعة رائعة على سطح القمر (...) في نقاط معينة خلال عبور القمر، ستتمكنون من رؤيته من الأرض». وتابع: «إنها بقعة صافية على سطح القمر، ونود أن نسميها كارول».

وستُمكّنهم رحلتهم القمرية أيضاً من مشاهدة كسوف الشمس، حيث تختفي الشمس خلف القمر، وشروق الأرض وغروبها خلف القمر.

ويُذكّر هذا بصورة «شروق الأرض» الشهيرة التي أحدثت ثورة في نظرتنا للعالم عام 1968 خلال مهمة «أبولو 8».

وإذا سارت هذه المهمة وتلك التي تليها العام المقبل على ما يُرام، تُخطّط «ناسا» لإنزال رواد فضاء على سطح القمر عام 2028.


التقاط «السيمفونية الجينية» للدماغ البشري

التقاط «السيمفونية الجينية» للدماغ البشري
TT

التقاط «السيمفونية الجينية» للدماغ البشري

التقاط «السيمفونية الجينية» للدماغ البشري

تمكن فريق من الباحثين لأول مرة من تحديد مجموعة محددة من الجينات التي تنشط في أثناء التواصل اللحظي بين خلايا الدماغ، الأمر الذي يتيح فرصة غير مسبوقة لفهم الآليات الجزيئية التي تقف وراء الأفكار والمشاعر والسلوك البشري.

وتمثل هذه النتائج التي نُشرت في 19 فبراير (شباط) الماضي في دورية Molecular Psychiatryقفزة نوعية كبرى، فحتى وقت قريب كان العلماء الذين يدرسون وظائف الدماغ من منظور جيني يعتمدون بشكل أساسي على فحص الأنسجة بعد الوفاة. وهو ما يشبه النظر إلى دماغ صامت لمحاولة فهم كيفية عمله عندما يكون حياً. أما النهج الجديد الذي ابتكرته الفرق البحثية في كلية «إيكان للطب» في ماونت سايناي بنيويورك، فقد مكّن العلماء من مشاهدة هذه العملية وهي تجري في الزمن الحقيقي.

ويوضح قائد الدراسة الدكتور ألكسندر تشارني، أستاذ الطب النفسي وعلم الأعصاب والعلوم الجينية في كلية إيكان للطب نيويورك، أهمية هذا التحول قائلاً: «لعقود من الزمن كان فهمنا للتعبير الجيني في الدماغ البشري محصوراً في الدراسات التي تجرى على الأنسجة بعد الوفاة. أما هذا العمل فيتيح لنا الآن فحص البنية الجزيئية للتواصل العصبي وهو يحدث داخل أفراد أحياء، مما يقربنا خطوة كبيرة من ربط الجينات مباشرة بوظائف الدماغ في الوقت الفعلي».

جسر بين عالمين منفصلين

وركزت الدراسة على عملية «النقل العصبي» (Neurotransmission)، وهي تلك الإشارات الكهربائية والكيميائية التي تنتقل بين الخلايا العصبية، وتشكل الأساس لكل فكرة وذكرى وحركة يقوم بها الإنسان. ولالتقاط هذه العملية الدقيقة دمج الفريق البحثي بين تقنيتين متطورتين.

حلل الباحثون أنماط التعبير الجيني في منطقة «قشرة الفص الجبهي» Prefrontal Cortex لأكثر من مائة مريض كانوا يخضعون لعمليات جراحية عصبية. وبالتزامن مع ذلك جمعوا قياسات مباشرة للإشارات العصبية من أدمغة هؤلاء المرضى في أثناء وعيهم الكامل. ومن خلال دمج البيانات الجزيئية مع التسجيلات الفسيولوجية الحية تمكن الفريق من تحديد مجموعة متجانسة من الجينات يرتفع وينخفض نشاطها بتناغم مع انطلاق الإشارات العصبية.

ويؤكد الدكتور برايان كوبيل، مدير مركز التعديل العصبي في كلية إيكان للطب نيويورك والمشارك بالدراسة، الأهمية الكبيرة للجمع بين هذين التخصصين العلميين، قائلاً: «من خلال الجمع بين التسجيلات داخل الجمجمة والتحليل الجزيئي نقوم ببناء جسر بين عالمين كانا يُدرسان تقليدياً بشكل منفصل. هذا النهج يقدم لنا صورة أوضح عن كيفية عمل الدوائر العصبية على المستويين الكهربائي والجيني معاً، مما يحمل آثاراً عميقة على تطوير أساليب التعديل العصبي والعلاجات الدقيقة».

إطار لفهم الأمراض العقلية

كما أكدت الدراسة أن هذا «البرنامج النسخي» Transcriptional Program المكتشف حديثاً ليس مجرد ظاهرة عشوائية بل هو نمط يتكرر عبر مجموعات مختلفة من المرضى، ويتوافق مع المسارات البيولوجية المعروفة المرتبطة بالإشارات العصبية الاستثارية والوظائف التشابكية بين الخلايا العصبية.

أما الآثار المترتبة على هذا الاكتشاف فستكون واسعة النطاق؛ فاضطراب عملية النقل العصبي هو السمة الأساسية المشتركة في جميع الاضطرابات النفسية والعصبية الكبرى تقريباً، بما في ذلك الاكتئاب والفصام والصرع ومرض ألزهايمر. ومن خلال تحديد الجينات التي تدعم التواصل العصبي السليم أصبح لدى العلماء الآن هدف أكثر وضوحاً لفهم مواطن الخلل في الأمراض المختلفة.

ويشير الدكتور إغناسيو سايز، أستاذ علم الأعصاب وجراحة المخ والأعصاب في كلية إيكان للطب وأحد المشاركين بالدراسة، إلى أن هذه الدراسة تُحدث نقلة نوعية أيضاً في طريقة تفسير البيانات الجينية المعقدة، قائلاً: «تكمن قوة هذه الدراسة في قدرتها على دمج بيانات النسخ الجيني واسعة النطاق مع قياسات مباشرة لنشاط الدماغ. كما إن تحديد برنامج نسخي منسق يرتبط بالنقل العصبي يوفر لنا إطاراً جديداً لفهم كيفية تأثير الاختلافات الجينية على وظائف الدماغ وقابليته للإصابة بالأمراض».

مشهد حيّ لا خرائط ساكنةتقليدياً، اعتمد العلماء على الدراسات الجينية لتحديد عوامل الخطر المرتبطة بالأمراض النفسية؛ أي تحديد الجينات التي قد تكون معطلة. لكن معرفة الجين المعطل لا تكفي وحدها لتفسير كيفية اختلال عمل الدوائر العصبية في الزمن الحقيقي. ويأتي هذا البحث الجديد ليشكل جسراً يربط بين المخاطر الجينية والنشاط الفعلي للدماغ.

ومن خلال تحديد الشكل «الصحي» للأنماط الجينية في أثناء عملية التواصل الدماغي النشط يمكن للباحثين الآن فهم الاضطرابات الجزيئية التي تحدث في الأمراض النفسية بشكل أفضل. وقد يؤدي هذا في النهاية إلى تطوير أدوات تشخيصية أكثر دقة تعتمد على الآليات البيولوجية للمرض بدلاً من الأعراض فقط، بالإضافة إلى علاجات دقيقة مصممة لتصحيح أخطاء جينية محددة في مسارات الإشارات العصبية.

وفي المحصلة يحول هذا البحث دراسة الدماغ البشري من تمرين تشريحي ساكن إلى استكشاف ديناميكي للكائن الحي. فمن خلال التقاط اللحظة التي يتشكل فيها الفكر على المستوى الجيني يضع العلماء الأسس اللازمة للجيل المقبل من الرعاية النفسية والعصبية.


ابتكار علمي يعزز إنتاج المحاصيل الزراعية من دون مبيدات

الدكتورة كريستينا أرغيسو تسعى لتطوير نباتات قادرة على مقاومة الآفات من دون أن تخسر إنتاجيتها (جامعة ولاية كولورادو)
الدكتورة كريستينا أرغيسو تسعى لتطوير نباتات قادرة على مقاومة الآفات من دون أن تخسر إنتاجيتها (جامعة ولاية كولورادو)
TT

ابتكار علمي يعزز إنتاج المحاصيل الزراعية من دون مبيدات

الدكتورة كريستينا أرغيسو تسعى لتطوير نباتات قادرة على مقاومة الآفات من دون أن تخسر إنتاجيتها (جامعة ولاية كولورادو)
الدكتورة كريستينا أرغيسو تسعى لتطوير نباتات قادرة على مقاومة الآفات من دون أن تخسر إنتاجيتها (جامعة ولاية كولورادو)

قبل نحو 6 عقود، أحدث عالم الوراثة الأميركي نورمان بورلاوغ، الملقب بـ«أبو الثورة الخضراء»، تحولاً جذرياً في تاريخ البشرية؛ فمن خلال تطوير أصناف قمح قصيرة القامة وعالية الإنتاجية، ساهم في إنقاذ أكثر من مليار إنسان من براثن المجاعة، وهو إنجاز تُوّج بنيله جائزة نوبل للسلام عام 1970. ومع ذلك، لم يخلُ هذا النجاح من ضريبة بيئية باهظة؛ إذ اعتمدت الزراعة بشكل مفرط على الأسمدة الكيميائية، والمبيدات الحشرية لتعويض ضعف المناعة الطبيعية للنباتات، ما أدى إلى تدهور بيئي ملموس.

وتمتلك النباتات، تماماً كالبشر، جهازاً مناعياً ذكياً؛ فبمجرد تعرضها لتهديد من آفة، أو مرض، تستنفر دفاعاتها الطبيعية. لكن هذه الحماية لها ثمن، إذ يتوقف نمو النبات، وتتراجع إنتاجيته عند تفعيل نظامه المناعي، وهو ما يشكل تحدياً كبيراً في المحاصيل الغذائية، وعلى رأسها القمح.

الباحثون اكتشفوا طريقة لتنشيط هرمون يسمح للنبات بالاستمرار في النمو حتى أثناء تصديه للأمراض (جامعة ولاية كولورادو)

«الدماغ الكيميائي» للنبات

وفي ابتكار علمي وُصف بأنه «الثورة الخضراء الصديقة للبيئة»، نجح باحثون من جامعة ولاية كولورادو في اكتشاف طريقة لتنشيط هرمون يسمح للنبات بالاستمرار في النمو حتى أثناء تصديه للأمراض.

ويأمل الفريق في تطبيق هذا الاكتشاف على محاصيل حيوية مثل القمح، والذرة، وفول الصويا، ما قد يؤدي إلى زيادة الإنتاج العالمي، وتقليل الاعتماد على المبيدات الحشرية، ونُشرت النتائج في عدد 23 فبراير (شباط) 2026 من دورية (Current Biology).

وتتعامل النباتات مع الظروف المحيطة عبر ما يسميه الفريق بـ«الدماغ الكيميائي»، وهو منظومة من الهرمونات النباتية المتخصصة. وعند تعرض النبات للإجهاد، تنخفض مستويات هرمونات «السيتوكينين» المسؤولة عن انقسام الخلايا. ومن خلال فهم هذه التفاعلات الهرمونية، استطاع العلماء استعادة مستويات «السيتوكينين» في النباتات ذات المناعة المفرطة، ما أعاد تنشيط النمو دون إضعاف الدفاعات، بل وجعل النباتات أكثر مقاومة للأمراض.

وحسب الدراسة، تتميز هذه الطريقة بكونها أسرع وأسهل من الأساليب التقليدية التي تتطلب رسم خرائط جينية كاملة؛ إذ يشبهها الفريق بوصفة طبية تعالج خللاً كيميائياً محدداً. ومن خلال التلاعب الجيني بالاستجابة الهرمونية في نبات «رشاد الصخر» (Arabidopsis thaliana)، تمكن العلماء من تحقيق المعادلة الصعبة، وهي حصانة قوية ضد الآفات، وإنتاجية عالية في آنٍ واحد.

وجاءت النتائج لافتة؛ إذ حصل الباحثون على نباتات تقاوم الأمراض بشراسة، وفي الوقت نفسه تنمو بمعدلات طبيعية، أو أعلى، من دون أي خسائر في المحصول.

الباحثون اختبروا الطريقة الجديدة على النبات وحققت نتائج ملموسة (جامعة ولاية كولورادو)

تعزيز المقاومة والإنتاجية

واعتبرت الدكتورة كريستينا أرغيسو، الأستاذة المشاركة في قسم البيولوجيا الزراعية بجامعة ولاية كولورادو والباحثة الرئيسة في الدراسة، أن هذا الإنجاز يمكن أن يشكل طفرة تضاهي «الثورة الخضراء» التي حدثت قبل 60 عاماً، فيما يتعلق بتحقيق الأمن الغذائي، مشيرة إلى أن أثر هذا الإنجاز سيتضح مع تطبيقه على المحاصيل.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «نجح فريقنا في تحديد جينات نباتية ترفع مستوى الإنتاجية، وهو مسار يشبه ما حققه نورمان بورلاوغ قبل عقود، ورغم أن الجينات التي استخدمناها تختلف عن تلك التي اعتمد عليها بورلاوغ، فإن الدراستين تشتركان في استهداف الجينات المتحكمة في التخليق الحيوي للهرمونات النباتية (Phytohormones)، وهي جزيئات صغيرة ينتجها النبات طبيعياً للتحكم في نموه».

وأشارت أرغيسو إلى أن وجه الابتكار في دراسة الفريق لا يقتصر على زيادة الإنتاجية، بل يشمل أيضاً تعزيز مقاومة النباتات لأمراض متعددة، ما يفتح الباب أمام زيادة المحاصيل، مع تقليل الاعتماد على الأسمدة والمبيدات الكيماوية في آنٍ واحد.

وأُجريت الدراسة بداية على نبات «رشاد الصخر»، وهو من عائلة الصليبيات مثل الملفوف، ورغم أن هذا النبات لا يتمتع بقيمة غذائية كبيرة، فإنه يُعد أساساً للأبحاث البيولوجية والوراثية، لبساطة تركيبه الجيني، وقصر دورة حياته التي لا تتجاوز ستة أسابيع، ما يسمح للعلماء بمراقبة نتائج تجاربهم وتعديلاتهم الجينية بسرعة.

وعن إمكان تطبيق النتائج على نباتات أخرى، أوضحت أرغيسو أن الفريق يعمل حالياً، بالتعاون مع عدة برامج لتربية النباتات، على نقل هذه الطفرات الجينية إلى أنواع مختلفة من المحاصيل، بهدف تعميم الفائدة على القطاع الزراعي حول العالم، مع توقعات بأن يكون لها تأثير طويل الأمد في الزراعة العالمية. وأكدت أن الفوائد البيئية الكبرى لهذا الابتكار تكمن في خفض استخدام المبيدات الحشرية بشكل ملحوظ، بفضل مستوى المقاومة العالي للأمراض الذي أظهرته النباتات المُهندسة في التجارب.