رصد حركة الإلكترونات فائقة السرعة يمنح 3 علماء «نوبل للفيزياء»

عبر نبضات «الأتوثانية»

رصد حركة الإلكترونات فائقة السرعة يمنح 3 علماء «نوبل للفيزياء»
TT

رصد حركة الإلكترونات فائقة السرعة يمنح 3 علماء «نوبل للفيزياء»

رصد حركة الإلكترونات فائقة السرعة يمنح 3 علماء «نوبل للفيزياء»

بين «الفيمتوثانية» و«الأتوثانية» فارق ضئيل للغاية في الزمن، لكنّ الاثنين قادا باحثين للفوز بجائزة «نوبل»؛ إذ منحت «الفيمتوثانية» (مليون مليار جزء من الثانية) العالم المصري أحمد زويل، جائزة «نوبل في الكيمياء» عام 1999، فيما فاز كل من الفرنسي بيار أغوستيني، والنمساوي المجري فيرينس كراوس، والفرنسية السويدية آن لويلييه بجائزة «نوبل للفيزياء» 2023، تقديراً «لطرقهم التجريبية التي تولّد نبضات ضوئية بأتوثانية (مليار من مليار جزء من الثانية) لدراسة ديناميكيات الإلكترون في المادة.

واخترع زويل ميكروسكوبا يُصور أشعة الليزر في زمن مقداره «فيمتوثانية»، وهكذا يمكن رؤية الجزيئات أثناء التفاعلات الكيميائية. لكنّ العلماء الثلاثة الفائزين بـ«نوبل للفيزياء» «أثبتوا طريقة لإنشاء ومضات قصيرة للغاية من الضوء يمكن استخدامها لقياس العمليات السريعة التي تتحرك فيها الإلكترونات أو تُغير الطاقة»، وفق بيان الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم، التي تمنح جائزة «نوبل للفيزياء».

وعلى مدى عقود، سمح البحث الذي أجراه الفائزون الثلاثة لهم بالتحقيق في العمليات التي كانت سريعة للغاية، لدرجة أنه كان من المستحيل متابعتها في السابق، وهذه التقنية الجديدة مهمة لفهم كيفية تصرف الإلكترونات في المادة والتحكم فيها.

وقالت إيفا أولسون، رئيسة لجنة «نوبل للفيزياء»، في مؤتمر صحافي، الثلاثاء، إن علم الأتوثانية يسمح لنا بمعالجة الأسئلة الأساسية» مثل النطاق الزمني للتأثير الكهروضوئي الذي حصل بسبب ألبرت أينشتاين على جائزة «نوبل في الفيزياء» عام 1921.

وأوضح أعضاء اللجنة أن «الأتوثانية قصيرة جدا لدرجة أن عددها في الثانية الواحدة هو عدد الثواني التي انقضت منذ ظهور الكون، قبل 13.8 مليار سنة»، مشيرين إلى أن «مساهمات الفائزين مكّنت من التحقيق في عمليات كانت سريعة للغاية، وكان من المستحيل متابعتها في السابق».

ماذا قدم الفائزون؟

وأغوستيني هو أستاذ بجامعة ولاية أوهايو في الولايات المتحدة، بينما يشغل كراوس منصب مدير في معهد ماكس بلانك في ألمانيا. أما لويلييه، وهي خامس امرأة تفوز بجائزة «نوبل للفيزياء» منذ 1901، فهي تعمل أستاذة في جامعة لوند في السويد.

الفرنسية السويدية آن لويلييه تتلقى مكالمة هاتفية بعد فوزها بالجائزة (صفحة جائزة نوبل على فيسبوك)

أنتجت تجارب الفائزين بجائزة «نوبل للفيزياء»، نبضات ضوئية قصيرة جداً، بحيث تم قياسها بالأتوثانية، مما يدل على أنه يمكن استخدام هذه النبضات لتوفير صور للعمليات داخل الذرات والجزيئات.

واكتشفت آن لويلييه تأثيراً جديداً من تفاعل ضوء الليزر مع الذرات الموجودة في الغاز، فيما نجح بيار أغوستيني في إنتاج ودراسة سلسلة من نبضات الضوء المتتالية، حيث استمرت كل نبضة 250 أتوثانية فقط. في الوقت نفسه، كان فيرينك كراوس يعمل على نوع آخر من التجارب، ما جعل من الممكن عزل نبضة ضوئية واحدة تستمر لمدة 650 أتوثانية. وقد مكنت مساهمات الفائزين من التحقيق في العمليات التي كانت سريعة للغاية، وكان من المستحيل متابعتها في السابق، وفق بيان اللجنة.

وتعليقاً على الجائزة، قال بوب روزنر، رئيس الجمعية الفيزيائية الأميركية والأستاذ بجامعة كاليفورنيا: «لقد تمكن الفائزون من إنشاء ومضات ضوء تسمح لنا بمشاهدة تجميع الجزيئات، وكيف تتجمع الأشياء معاً لتكوين الجزيء». وأضاف روزنر لشبكة «سي إن إن» أن هذه الحركات «تحدث بسرعة كبيرة لدرجة أنه ليس لدينا عادة أي فكرة عن كيفية حدوثها فعلياً أو ما هو تسلسل الأحداث».

وتابع أن عمل الفائزين يعني أن العلماء يمكنهم الآن مراقبة كيفية حدوث هذه الحركات. وواصل حديثه: «تخيل بناء منزل. لديك الأساس والجدران والسقف وما إلى ذلك. هناك تسلسل لأي شيء مُعقد. وبالنسبة للجزيء، إذا لم تحصل على التسلسل الصحيح، فلن تتمكن من تجميعه».

من جانبه، قال مايكل مولوني، الرئيس التنفيذي للمعهد الأميركي للفيزياء: «تساعدنا هذه التقنيات في النظر داخل الذرات إلى مستوى الإلكترونات، التي كانت في السابق تتحرك بسرعة كبيرة للغاية، بحيث لا يمكننا رؤيتها. لم يكن لدينا ضوء قوي بالسرعة الكافية لرصد هذه الحركة»، وفق صحيفة «فاينانشيال تايمز» البريطانية.

فيما أضاف ميتي أتاتوري، رئيس مختبر الفيزياء بجامعة كامبريدج البريطانية أن «السعي وراء نبضات قصيرة مكثفة على مدى عقود من الزمن سمح لنا بمعرفة كيف تتصرف المادة في فترات زمنية أقصر وأقصر. إنها بمثابة مقياس الدقة الأعلى لدينا لكيفية عمل العالم».

«الأتوثانية» وحركة الإلكترونات

و«الأتوثانية» أسرع 1000 مرة من «الفيمتوثانية» وهي أقصر مقياس زمني حققه العلماء على الإطلاق.

وبينما تُستخدم «الفيمتوثانية» لقياس أحداث سريعة للغاية مثل تفاعلات الضوء والمواد، كما أنها تستخدم في تقنيات الليزر المتقدمة، فإن «الأتوثانية» تستخدم لقياس أحداث تجري بوتيرة أسرع من «الفيمتوثانية»، مثل حركة الإلكترونات.

النمساوي - المجري فيرينس كراوس (صفحة جائزة نوبل على فيسبوك)

وتتحرك الإلكترونات، وهي الجسيمات الصغيرة التي تدور حول نواة الذرة، بسرعات عالية بشكل لا يُصدق، مما يجعل من الصعب مراقبتها. ومع ذلك، من خلال دراسة هذه الجسيمات في أجزاء من الثانية المعروفة باسم الأتوثانية، تمكّن الباحثون من الحصول على لمحة «ضبابية» عن سلوكها. يسمح هذا الاختراق باستكشاف تخصصات علمية جديدة، ولديه القدرة على التطبيقات العملية في مجالات مثل الإلكترونيات وتشخيص الأمراض، بحسب الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم.

ووفق بيان لجنة «نوبل»، فإن الأحداث سريعة الحركة تتدفق إلى بعضها بعضاً عندما يدركها الإنسان، تماماً كما يُنظر إلى الفيلم الذي يتكون من صور ثابتة على أنه حركة مستمرة. وإذا أردنا التحقيق في أحداث قصيرة جداً، فنحن بحاجة إلى تكنولوجيا خاصة. وفي عالم الإلكترونات، تحدث التغيرات في بضعة أعشار «الأتوثانية».

وأوضحت اللجنة أنه مثلما لا تستطيع العين البشرية المجردة تمييز الضربات الفردية لجناح الطائر الطنان، فإن العلماء حتى هذا الإنجاز لم يتمكنوا من مراقبة أو قياس الحركات الفردية للإلكترون. الحركات السريعة غير واضحة معاً، مما يجعل من المستحيل ملاحظة الأحداث القصيرة للغاية.

وقالت اللجنة: «كلما كان الحدث أسرع، زادت سرعة التقاط الصورة إذا أردنا التقاط اللحظة». و«ينطبق المبدأ نفسه على محاولة التقاط لقطة سريعة لحركات الإلكترونات».

تطبيقات مُحتملة

وأشار بيان نوبل إلى أن هناك تطبيقات محتملة لنبضات الأتوثانية في كثير من المجالات المختلفة. في الإلكترونيات، على سبيل المثال، من المهم فهم كيفية تصرف الإلكترونات في المادة والتحكم فيها. يمكن أيضاً استخدام نبضات الأتوثانية لتحديد الجزيئات المختلفة، كما هي الحال في التشخيص الطبي.

الفرنسية السويدية آن لويلييه (صفحة جائزة نوبل على فيسبوك)

وقالت إيفا أولسون، إن عمل الفائزين الثلاثة سيمهد الطريق للتطبيقات المحتملة في مجالات تشمل الإلكترونيات والطب، مضيفة «يمكننا الآن أن نفتح الباب أمام عالم الإلكترونات. تمنحنا فيزياء الأتوثانية الفرصة لفهم الآليات التي تحكمها الإلكترونات. الخطوة التالية ستكون الاستفادة منها».

فيما قالت آن لويلييه، وهي المرأة الخامسة فقط من بين 225 من الحائزين على جائزة «نوبل للفيزياء»، إن الاستخدام العملي لأشعة ليزر الأتوثانية سيكون بمثابة أداة تصوير في صناعة أشباه الموصلات. وحققت لويلييه أول تقدم في سلسلة من الاكتشافات التي أدت إلى فيزياء الأتوثانية في جامعة باريس ساكلاي الفرنسية في عام 1987، وواصلت أبحاثها بعد انتقالها إلى السويد في التسعينات. وقالت: «الآن فقط نشهد ظهور التطبيقات. الأبحاث الأساسية مهمة جداً ويجب تمويلها».

وذكرت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم، أن مختبر فيرينس كراوس «يتخذ الخطوات الأولى نحو التطبيقات البيولوجية». من خلال الجمع بين فيزياء الأتوثانية والبصريات ذات النطاق العريض، يقوم الباحثون بتطوير طرق جديدة لاكتشاف التغيرات في التركيب الجزيئي للسوائل البيولوجية، بما في ذلك الكشف عن الأمراض من عينات الدم.


مقالات ذات صلة

لجنة «نوبل» تستنكر توقيف نرجس محمدي و«إساءة معاملتها» في إيران

شؤون إقليمية نرجس محمدي (أ.ف.ب)

لجنة «نوبل» تستنكر توقيف نرجس محمدي و«إساءة معاملتها» في إيران

أعربت لجنة نوبل، اليوم (الأربعاء)، عن استيائها الشديد إزاء اعتقال نرجس محمدي الحائزة على جائزة نوبل للسلام لعام 2023 في ديسمبر.

«الشرق الأوسط» (أوسلو)
شؤون إقليمية نرجس محمدي (أ.ف.ب)

الحكم على نرجس محمدي الحائزة جائزة نوبل للسلام بالسجن 6 أعوام في إيران

أصدرت محكمة إيرانية حكماً بسجن الناشطة الحقوقية نرجس محمدي، الحائزة جائزة نوبل للسلام 6 أعوام، حسب ما أفاد محاميها وكالة الصحافة الفرنسية اليوم الأحد.

«الشرق الأوسط» (طهران)
يوميات الشرق البروفسور عمر ياغي يتحدث خلال احتفاء مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية به الخميس (واس)

ياغي: دعم القيادة السعودية للعلماء وفّر بيئة مُحفِّزة للإنجازات العالمية

أكد البروفسور عمر ياغي، الفائز بـ«نوبل» في الكيمياء، أن دعم القيادة السعودية وتمكينها للعلماء واهتمامها بهم وفرت بيئة محفزة مكنتهم من تحقيق إنجازات نوعية عالمية

جبير الأنصاري (الرياض)
الخليج الأمير محمد بن سلمان خلال استقباله البروفسور عمر ياغي بمناسبة فوزه بجائزة نوبل في الكيمياء لعام 2025 (واس)

ولي العهد السعودي يستقبل الفائز بـ«نوبل» عمر ياغي

استقبل الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، في الرياض، البروفسور عمر ياغي بمناسبة فوزه بجائزة نوبل في الكيمياء لعام 2025.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
أوروبا رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني خلال مؤتمر صحافي في روما (إ.ب.أ) p-circle

ميلوني تعد بترشيح ترمب لجائزة نوبل للسلام إذا أنهى حرب أوكرانيا

أعربت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني عن أملها في أن ينهي الرئيس الأميركي دونالد ترمب الحرب في أوكرانيا حتى ترشحه لجائزة نوبل للسلام.

«الشرق الأوسط» (روما)

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟
TT

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

انطلق عصر الذكاء الاصطناعي بوعودٍ واسعة النطاق ونقاشاتٍ حول إمكانياتٍ لا حدود لها، كما تكتب لويز ك. ألين(*).

تفاؤل وخيبة

والآن، وبعد سنواتٍ من الخبرة العملية، لا يزال الخبراء متفائلين بشأن التأثير طويل الأمد للذكاء الاصطناعي. وفي الوقت نفسه، يتفق معظم الناس على أن مساهماته في الحياة اليومية كانت مخيِّبة للآمال، إن لم تكن أسوأ من ذلك.

وحتى بصفتي واحدة من العاملات في القيادة التقنية بهذا المجال، لا بد لي من الاعتراف بأن استياء المستهلكين من الذكاء الاصطناعي له ما يبرره إلى حد كبير، فقد اتسمت تجربة المواطن الأميركي العادي مع الذكاء الاصطناعي التوليدي، حتى الآن، بتراجع الجودة وازدياد انعدام الثقة.

قصص وهمية في وسائل الاتصال الاجتماعي

تعجّ وسائل التواصل الاجتماعي بأشخاصٍ وقصصٍ وهمية، وتمتلئ الأسواق الإلكترونية بشكلٍ متزايد بعمليات الاحتيال المدعومة بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تفشل مبادرات الشركات في تحقيق التوقعات المالية، بل إن عدداً منها زاد من صعوبة حياة العاملين.

لقد بات فشل أدوات الذكاء الاصطناعي العام في تحقيق الضجة الإعلامية الكبيرة التي أثيرت حولها، أمراً مُسلَّماً به عالمياً، حتى إن قاموس ميريام-ويبستر نفسه أعلن اختياره كلمة «هراء» ككلمة عام 2025.

«التحديد الدقيق والموجّه»

ومع ذلك، تتاح للجمهور، الآن، فرصة لتغيير هذا الواقع في عام 2026. ويبدأ ذلك بتوظيف مفهوم «التحديد الدقيق (specificity)» ككلمة تُعرِّف ما هو مقبل.

وفي حقيقة الأمر، فإن شركات التكنولوجيا وباحثي الذكاء الاصطناعي بالغوا في تقدير القدرات الفعلية لهذه التقنية منذ البداية، فقد ركّز هؤلاء الرواد على الإمكانات الكامنة، بدلاً من النتائج العملية. لقد صوّروا الذكاء الاصطناعي على أنه ضرورة يجب على الشركات اتباعها لمواكبة التطورات، بدلاً من كونه أداةً يمكن للمؤسسات والأفراد استخدامها لتحقيق أهداف محددة.

التكنولوجيا وسيلة وليست غاية

لتطوير هذه التقنية وتحقيق رؤيتهم لمستقبل مُحسَّن بالذكاء الاصطناعي، سيتعيّن على القادة التوقف عن مناشدة الجمهور لتغيير الخطاب حول الذكاء الاصطناعي.

إن الطريق إلى الأمام بسيط للغاية، إذ يحتاج قادة التكنولوجيا إلى العودة إلى أساسيات المنتج. عليهم أن يتقبلوا فكرة أن التكنولوجيا وسيلة لتحقيق غاية، وليست غاية في حد ذاتها، وهذا يعني إعادة تركيز استراتيجيات التطوير والتواصل على حلول للمشاكل الحقيقية.

خطوات التحديد الدقيق «الموجّه»

1. التصميم الموجَّه للأفراد لا «المستخدمين»

إن إغراء بناء أدوات عامة الأغراض مفهوم، لكن القيام بذلك باستخدام التكنولوجيا الحالية يُضعف فائدتها. وستكون أدوات الذكاء الاصطناعي، اليوم، أكثر فاعلية عندما تُصمم خصوصاً لأفراد محددين في أدوار محددة. يجب أن تُوجه هذه المعرفة عملية ابتكار المنتج، والتدريب، والتسويق، وتكتيكات المبيعات.

2. التركيز على النتائج بدلاً من القدرات

الذكاء الاصطناعي ليس مختلفاً عن أي منتج آخر. لن يستخدمه الناس إلا إذا حل مشكلة موجودة لديهم بالفعل. ويفشل كثير من أدوات الذكاء الاصطناعي في تحقيق هذا الهدف، فهي تركز على ما يمكن للنموذج فعله، بدلاً من التمعن في فهم أسباب أهمية ما يفعله.

3. التوقف عن تقديم وعود خيالية

قد يُمثل الذكاء الاصطناعي، اليوم، مستقبلاً يمكن فيه تحقيق التحسين الشامل، لكن هذا ليس صحيحاً. يجب أن تعكس خطط تطوير المنتجات هذه الحقيقة. إنّ الوضوح والمباشرة بشأن ما هو متاح الآن وما سيكون متاحاً في المستقبل يُساعدان على تخفيف الإرهاق الناتج عن الضجة الإعلامية واستعادة الثقة.

حان وقت إعادة النظر

بصفتي مديرة للمنتجات، شاهدتُ عدداً من الأمثلة على الاستخدام الأمثل للذكاء الاصطناعي، خلال السنوات القليلة الماضية.

ومع ذلك، أُدرك أن أسباب انعدام ثقة الجمهور أو عدم اهتمامه الواسع النطاق تقع في معظمها على عاتق قطاع التكنولوجيا، ذلك أن رغبة هذا القطاع في إنجاز كل شيء دفعة واحدة، خلقت بيئةً لا يثق فيها الناس بقدرة التكنولوجيا على القيام بأي شيء مفيد.

إنها حقيقةٌ يصعب تقبّلها، لكن أي قائد تقني يُنكر ذلك يُخدع نفسه. ومع ذلك، لم يفت الأوان بعدُ لتصحيح الوضع. إذا كان القادة على استعداد لتقبُّل هذه الحقيقة وإعادة توجيه استراتيجياتهم نحو «التحديد»، فسيكون هناك متسع من الوقت لإعادة النظر، وإعادة التقييم، وتحقيق رؤية مستقبلٍ مُحسَّن. يجب أن يحدث هذا قريباً، وإلا فسيضيع مستقبل الذكاء الاصطناعي هباءً.

*مجلة «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا»


مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
TT

مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر

في القاعات الكبرى، حيث تُصاغ البيانات وتُعلن المبادئ بلغة تبدو مكتملة، يظهر الذكاء الاصطناعي كأنه يسير بثقة نحو مستقبل أكثر عدلاً وإنصافاً. تُرفع شعارات الشفافية، وتُكرَّر مفاهيم الحوكمة، وتُقدَّم العدالة الخوارزمية كأنها حقيقة قريبة لا جدال فيها.

لكن خلف هذا الانسجام الظاهري، يبقى سؤال أكثر إزعاجاً، وأقل حضوراً:

هل ما يُقال في هذه القاعات يعكس فعلاً ما يحدث خارجها، أم أنه يكتفي بصياغة عالمٍ مثالي لا وجود له في الواقع؟

أخلاقيات داخل حدود البيانات

تركّز معظم النقاشات العالمية حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي على قضايا تبدو مكتملة: التحيّز، والخصوصية، والشفافية، والمسؤولية. وهي دون شك قضايا حقيقية، لكنها تنطلق من افتراض خفيّ نادراً ما يُناقش: أن المشكلة تكمن في كيفية استخدام البيانات، لا في حدودها.

لكن السؤال الأكثر عمقاً، والأقل طرحاً، هو: ماذا عن أولئك الذين لا تُمثّلهم البيانات أصلاً؟ فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من تعقيد، لا يرى العالم كما هو، بل كما يُقدَّم له. وما لا يدخل في بياناته، لا يدخل في حساباته... ولا في قراراته. وهنا لا يكون الخطأ في الخوارزمية، بل في العالم الذي اختُصر داخلها.

ما لا تراه الخوارزميات

عالم خارج الرؤية الخوارزمية

في مساحات واسعة من هذا العالم، لا تُقاس المعاناة ولا تُسجَّل، ولا تتحول إلى بيانات يمكن للآلة أن تفهمها. هناك أمراض لا تصل إلى مرحلة التشخيص، وصدمات لا تُوثَّق، وواقع صحي كامل يظل خارج أي نموذج تنبؤي.

في مثل هذه البيئات، لا يكون التحيّز نتيجة خلل تقني في الخوارزمية، بل نتيجة غياب الصورة من الأساس. فالمشكلة ليست في طريقة التحليل... بل فيما لم يُحلَّل أصلاً.

وهنا يتبدّل معنى العدالة نفسها. فكيف يمكن الحديث عن «عدالة خوارزمية» في عالمٍ لم يُمثَّل رقمياً بعد؟ وهل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون منصفاً... إذا كان لا يرى الجميع؟

عندما لا تكفي الأخلاقيات

في القمم العالمية، يُقدَّم الذكاء الاصطناعي كأداة يمكن تهذيبها أخلاقياً، وكأن المشكلة تكمن فقط في ضبط سلوك الخوارزمية من داخل النظام الذي أنشأها. تُناقش المبادئ، وتُصاغ الأطر، ويبدو وكأن الحل يكمن في تحسين ما هو قائم. لكن هذا التصور يخفي افتراضاً أعمق: أن جميع المشكلات قابلة للحل من داخل النظام نفسه. بينما يهمس الواقع بشيء مختلف تماماً.

فهناك معاناة لا تنتظر «حوكمة» الخوارزمية... بل تنتظر أن تُرى. وهناك بشر لا يحتاجون إلى خوارزميات أكثر عدلاً، بل إلى أن يدخلوا أصلاً في مجال رؤيتها.

ما بين الخطاب والواقع: درس من قمة الهند

كما ظهر في نقاشات القمة العالمية للذكاء الاصطناعي في الهند، التي رفعت شعار «الذكاء الاصطناعي المسؤول»، بدا أن التركيز ينصب على مبادئ الحوكمة، والشفافية، وتقليل التحيّز داخل الأنظمة. لكن ما تكشفه هذه النقاشات، رغم أهميتها، هو فجوة أعمق: أن الخطاب الأخلاقي العالمي يفترض وجود عالم ممثَّل بالكامل داخل البيانات... بينما الواقع مختلف تماماً. فما لا يُقال في هذه القاعات، ليس فقط حدود التقنية، بل حدود الرؤية نفسها... إذ توجد مجتمعات كاملة خارج نطاق النماذج، وتجارب إنسانية لا تصل إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي، وبالتالي لا تدخل في أي إطار أخلاقي يُناقش.

* عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية من العوامل التي لا يمكن قياسها ولا تدخل إلى الأدوات الذكية *

حدود ما يمكن قياسه

في دراسة حديثة نُشرت عام 2026 في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، أظهرت نماذج تنبؤية طوّرها باحثون في جامعة ستانفورد قدرة متقدمة على تحليل البيانات الصحية، واستباق المخاطر قبل حدوثها. ومع ذلك، توقفت هذه النماذج عند حدود واضحة عندما يتعلق الأمر بعوامل لا تُقاس بسهولة، مثل عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية التي لا تجد طريقها إلى السجلات الطبية.

وهنا لا تنكشف حدود التقنية فحسب، بل حدود الفكرة التي تقوم عليها.

فالمشكلة ليست في دقة ما نقيس، بل في افتراضٍ أعمق: أن كل ما هو مهم... يمكن قياسه.

لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك. فبعض أهم محددات الصحة لا تُكتب في البيانات، ولا تُترجم إلى أرقام، ومع ذلك تظل الأكثر تأثيراً في حياة الإنسان.

ما بعد الأخلاقيات

قد تنجح القمم في صياغة مبادئ أخلاقية للذكاء الاصطناعي، وتبدو هذه المبادئ مكتملة في نصوصها ومنطقها. لكن التحدي الحقيقي لا يبدأ داخل هذه الأطر، بل خارجها.

في تلك المساحات التي لا تصلها البيانات، ولا تلامسها النماذج، ولا تختزلها الأرقام، هناك يتغيّر السؤال نفسه. فلا يعود السؤال:

هل الذكاء الاصطناعي أخلاقي؟ بل يصبح أكثر عمقاً وإلحاحاً: هل يستطيع أن يرى ما يجب أن يكون أخلاقياً تجاهه؟


أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
TT

أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر

سترسل وكالة الطيران والفضاء الاميركية ناسا، أربعة رواد فضاء في مهمة أرتميس 2 في رحلة تستغرق 10 أيام حول القمر للتمهيد لهبوط على سطحه في المستقبل وإقامة قواعد دائمة عليه.