«الذكاء الاصطناعي» يتغلغل في عالم كرة القدم

باحثون من «كاوست» يطورون خوارزميات أكثر دقة وفاعلية لفهم وتحليل المباريات

«الذكاء الاصطناعي» يتغلغل في عالم كرة القدم
TT

«الذكاء الاصطناعي» يتغلغل في عالم كرة القدم

«الذكاء الاصطناعي» يتغلغل في عالم كرة القدم

-

في خريف عام 1863، وفي مدينة لندن بالمملكة المتحدة، توصل12 نادياً إنجليزياً إلى اتفاق شكّل بداية ظهور لعبة كرة القدم بشكلها الحديث كما نعرفها اليوم. ومنذ ذلك الحين تطوّرت قواعد هذه الرياضة تدريجياً حتى وصلت اليوم إلى حد استخدام تقنيات «الذكاء الاصطناعي»، التي أسهمت في إحداث تغييرات وتحولات كبرى في قواعد وتفاصيل اللعبة.

إن معالجة كمية كبيرة وضخمة من البيانات وبسرعة ودقة، هي بالتحديد ما يميز «الذكاء الاصطناعي». وفي مجال كرة القدم تستطيع هذه التقنيات على سبيل المثال تحليل البيانات المتعلقة بالفرق والمباريات، وتقييم إمكانات اللاعبين وأدائهم بشكل دقيق، الأمر الذي يساعد أصحاب المصلحة على سرعة ودقة اتخاذ القرارات اعتماداً على المعطيات بدلاً من الاعتماد على التحليلات اليدوية التي تظل عرضة للخطأ.

في أكتوبر (تشرين الأول) 2022، وداخل مقر الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) في زيوريخ، قدّم الدكتور أنتوني تشوبا الباحث الزائر لمرحلة ما بعد الدكتوراه في مجال «الرؤية الحاسوبية والذكاء الاصطناعي» بجامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست)، وجامعة لييغ في بلجيكا، عرضاً تقديمياً حول مشروع «الذكاء الاصطناعي» سريع التطور الذي يحمل اسم: «سوكرنت (SoccerNet)».

بداية المشروع

جاء هذا العرض التقديمي تتويجاً لخمس سنوات، من عمل تشوبا الذي انضم لـ«كاوست» عام 2017، رفقة زملائه من مشجعي كرة القدم، لا سيَّما الدكتور سيلفيو جيانكولا، المبتكر الأصلي لمشروع «سوكرنت»، وعضو المجموعة البحثية بقيادة البروفيسور برنارد غانم، أستاذ الهندسة الكهربائية والحاسوبية بالجامعة

ومن نواة فكرة في عام 2018، أنشأ الثنائي منصّة مفتوحة فريدة للتحليل الرياضي، القائم على «الذكاء الاصطناعي»، بدعم من مجتمع عالمي، يضم أكثر من 500 باحث، يشاركون في المسابقات والتحديات السنوية المتخصصة في هذا المجال.

يقول تشوبا: «التقيت سيلفيو في مؤتمر للحوسبة المرئية عام 2018، حيث كانت لدى كل منا ورقة بحثية. كانت ورقتي حول نظام ذكاء اصطناعي يمكنه التعرّف على المراحل المختلفة في لعبة كرة القدم. أما ورقة سيلفيو فقد استعرضت الإصدار الأول من منصّة (سوكرنت)، التي اعتقدت على الفور بأنها فكرة رائعة، وهكذا جاء اللقاء الذي ناقشنا فيه فكرة المنصّة».

وبحسب البروفيسور غانم فإن مختبره في «كاوست» يركز على عديد من الموضوعات البحثية في مجالات الحوسبة المرئية والتعلم الآلي. كما يعد غانم مهتماً بشكل خاص بأساليب الجيل التالي من «الذكاء الاصطناعي» لتحليل مقاطع الفيديو الطويلة.

منصة فريدة

ما الذي تنفرد به المنصّة؟ بشكل عام، تعمل منصّة «سوكرنت» بوصفها مورداً قيّماً لمجتمع البحث العلمي والحوسبة المرئية والتعلم الآلي والتحليلات الرياضية، إذ توفر إطاراً تقييمياً موحداً وقاعدة معيارية تغطي مجموعة واسعة من تطبيقات تحليل الأداء، مثل الأهداف، والركلات الركنية، والأخطاء، والعقوبات، والبطاقات الحمراء، وغيرها. هذا الأمر يساعد على تطوير أحدث التقنيات في مجال رصد واستكشاف مقاطع الفيديو، مما يسهل تطوير خوارزميات أكثر دقة وفاعلية لفهم وتحليل مباريات كرة القدم. كما أنها ليست فقط مجموعة بيانات، وإنما أيضاً مسابقات وتحديات سنوية في هذا المجال، حيث تتنافس فيها أفضل الفرق على المستوى الدولي.

وتتفرد «سوكرنت»، باستخدامها مجموعة بيانات مرجعية كبيرة جداً من تسجيلات مباريات كرة القدم (500 مباراة و850 ساعة من الفيديو) مما يوفر منصّة رائعة للبحث.

وقبل ظهور هذا المشروع، كانت استخدامات أبحاث «الذكاء الاصطناعي» في المجال الرياضي تستند بشكل كبير إلى مجموعات بيانات داخلية صغيرة، الأمر الذي يصعّب من مقارنة تحليل الأداء بين أساليب «الذكاء الاصطناعي» المختلفة.

ولتحقيق أكبر استفادة من «الذكاء الاصطناعي» من مقاطع الفيديو، يجب تسميتها من قبل البشر؛ للتعليق على الأحداث وتحليل الأداء، التي تُستخدم بعد ذلك لتدريب «الذكاء الاصطناعي».

يقول تشوبا إنّ كتابة التعليقات التوضيحية تتطلب كثيراً الوقت والمال، ويضيف: «كان علينا العثور على تمويل من مصادر مختلفة، وإنشاء تنسيق وأداة موحدة للتعليقات التوضيحية، التي من شأنها السماح للمعلقين والمستخدمين بالعمل بكفاءة واتساق».

في عام 2018، وضع جيانكولا تعليقات توضيحية على مقاطع الفيديو الداخلية للإصدار الأول من المنصّة، فضلاً عن وضع علامة على 6000 حدث كروي أساسي.

بعد ذلك، ومع انضمام تشوبا، جنّد الثنائي فرقاً من مئات الطلاب والمتعاونين؛ لتسجيل 5.5 مليون تعليق توضيحي، تتضمن 17 فئة من تحليل الأداء والحركة، ومقاطع من لقطات الكاميرا، وعمليات البث والإعادة. حتى إنهم أضافوا تعليقات توضيحية للاعبين وتتبع الكرة، وهي مهمة استغرقت أشهراً عدة في الحملات، على مدار عدد من السنوات وما زالت جارية حتى الآن.

يقول جيانكولا: «تعاونّا مع خبراء في التعليقات التوضيحية؛ لتحديد تنسيق التعليقات التوضيحية والإرشادات، ومن ثم طوّرنا أداة تعليقات توضيحية مخصصة، سهلة الاستخدام وفعالة». ويتابع: «بعد ذلك، جاء دور فريقنا المذهل من المتعاونين المتحمسين والمنطلقين، حيث ساعدونا في إضافة تعليقات توضيحية إلى الآلاف من إدخالات البيانات الوصفية لكل لعبة».

كأس العالم لـ«الذكاء الاصطناعي»

منذ عام 2021، نظّم كل من جيانكولا وتشوبا تحديات عالمية سنوية لمنصّة «سوكرنت»، حيث قدمت نتائج تحدي 2022 في ورشة العمل الدولية الخامسة من المسابقة الدولية للبرمجة لطلبة الجامعات (ACM)، حول تحليل محتوى الوسائط المتعددة في الرياضة.

يقول تشوبا: «إنّ المنصة تُعدّ الآن أكبر مجموعة بيانات مفتوحة المصدر وأكثرها شمولاً لتحليل مقاطع الفيديو في مجال الرياضة»، ويضيف: «ننظم أيضاً تحديات سنوية مفتوحة للباحثين من جميع أنحاء العالم، الذين يتطلعون إلى تطوير تقنيات حوسبة مرئية جديدة وتطبيقات واسعة للرياضة». ويرى هذه التحديات تخلق ديناميكية كبيرة في مجموعة البيانات المتوافرة لديهم، وتدعم استخدامها من قبل مجتمع البحث العلمي وصناعة الرياضة.

يشارك الآن نحو 19 باحثاً، ومجموعة صناعية في تنظيم مشروعات «سوكرنت»، في حين يعد تشوبا وجيانكولا المنظمين الرئيسيين لأبحاث المنصّة، والتحديات والمسابقات المفتوحة سنوياً. سوكرنت» توفر إطاراً تقييمياً موحداً لتطبيقات تحليل الأهداف والركلات الركنية والأخطاء


مقالات ذات صلة

«المحتوى المحلي» يدفع الاقتصاد السعودي بـ7800 منافسَة و9 مليارات دولار

الاقتصاد تكريم عدد من الجهات الحكومية بـ«جائزة المحتوى المحلي» مؤخراً (واس)

«المحتوى المحلي» يدفع الاقتصاد السعودي بـ7800 منافسَة و9 مليارات دولار

شهدت منظومة المحتوى المحلي في السعودية نمواً متسارعاً مع تجاوز عدد المنافسات الحكومية التي طُبّقت عليها آليات المحتوى المحلي 7800 منافسَة...

بندر مسلم (الرياض)
الاقتصاد مبنى وزارة الصناعة والثروة المعدنية في العاصمة السعودية الرياض (واس)

السعودية تُصدِر 188 ترخيصاً صناعياً جديداً بـ482 مليون دولار خلال مارس

أصدرت وزارة «الصناعة والثروة المعدنية» السعودية 188 ترخيصاً صناعياً جديداً خلال مارس (آذار) 2026، باستثمارات تجاوزت 1.81 مليار ريال (482.6 مليون دولار).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص العاصمة السعودية الرياض (واس)

خاص السعودية تُعيد تشكيل هويتها الصناعية... من التجميع إلى الابتكار المستقل

تسير السعودية بخطى متسارعة ومتزنة في آنٍ واحد نحو بناء منظومة صناعية متكاملة، تتجاوز في طموحها حدود التجميع والاستيراد، لتستهدف بناء قدرات هندسية راسخة.

زينب علي (الرياض)
الاقتصاد عدد من المصانع في السعودية (واس)

تراجع الإنتاج الصناعي في السعودية 14.1 % خلال مارس

أشارت النتائج الأولية الصادرة عن «الهيئة العامة للإحصاء»، الأحد، إلى انخفاض «مؤشر الرقم القياسي للإنتاج الصناعي» في السعودية خلال مارس (آذار) الماضي...

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مبنى تابع لـ«سابك» (الشركة)

«سابك» السعودية تفوّض مجلس الإدارة بتوزيع أرباح مرحلية لعام 2026

أقرَّت الشركة السعودية للصناعات الأساسية (سابك) خلال الاجتماع الأول الجمعية العامة العادية تفويض مجلس الإدارة بتوزيع أرباح مرحلية نصفية أو ربعية لعام 2026.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

الذكاء الاصطناعي قد يشخص المشكلات الطبية... والقرار بيد الأطباء

الذكاء الاصطناعي قد يشخص المشكلات الطبية... والقرار بيد الأطباء
TT

الذكاء الاصطناعي قد يشخص المشكلات الطبية... والقرار بيد الأطباء

الذكاء الاصطناعي قد يشخص المشكلات الطبية... والقرار بيد الأطباء

إليك مثالين: أب قلق على طفله الصغير الذي يعاني من ارتفاع في درجة الحرارة منذ يومين ويشد أذنه، وامرأة تبلغ من العمر 65 عاماً تشعر بضيق في التنفس في أثناء نزهاتها الصباحية وإرهاق أكثر من المعتاد... يلجأ كلاهما إلى هاتفيهما ويكتبان أعراضهما في برنامج دردشة آلي يعمل بالذكاء الاصطناعي، كما كتب دكتور أندرو بارسونز (*).

يتعلم الأب من الأداة الذكية: «من المحتمل أن يكون طفلك مصاباً بعدوى في الأذن»، بينما تقرأ المرأة الإجابة: «قد تشير أعراضك إلى مشكلة في القلب». وهذه إجابات مفيدة، وهناك احتمال كبير أن تكون صحيحة.

الذكاء الاصطناعي يقترب من التشخيص الدقيق

يقترب الذكاء الاصطناعي، وفي بعض الحالات يتجاوز قدرة الأطباء على التشخيص الدقيق. وقد أظهرت دراسة نُشرت في مجلة «نيو إنغلاند» الطبية في أبريل (نيسان) 2026 أن نموذج o1 من «أوبن إيه آي» حقق دقة بلغت 78 في المائة في تشخيص الحالات المعقدة، كما تفوق على الأطباء ذوي الخبرة في تشخيص المرضى في غرف الطوارئ. وبالمثل، وجدت دراسة أخرى كانت أُجريت عام 2024 أن نموذج «تشات جي بي تي» عند استخدامه بشكل مستقل، تفوق على الأطباء في تشخيص الحالات المعقدة، حتى عندما تمكن الأطباء من استخدام «جي بي تي» بأنفسهم.

التشخيص الصحيح - نصف المهمة

مع ذلك، فإن التشخيص الصحيح ليس سوى نصف مهمة الطبيب. أما النصف الآخر فهو معرفة كيفية التعامل مع الحالة، أي تحديد كيفية إدارة الحالة الصحية للمريض.

التفكير الإدراكي

أنا طبيب ومُدرّس طبي، أدرس كيفية اتخاذ الأطباء لهذه القرارات، وهي عملية تُعرف باسم «التفكير الإدراكي الإداري» management reasoning، وكيف يطور الأطباء المتدربون هذه القدرة. في الحالات الصحية الواضحة، قد يكون تشخيص الذكاء الاصطناعي كافياً لتلقي الرعاية اللازمة، كاستخدام مرهم مُخدّر موضعي للثة طفل رضيع، أو تحديد موعد مع طبيب قلب.

لكن عدم اليقين أمر شائع في الممارسة السريرية. إذ وفي كثير من الأحيان، تُعدّ معرفة ما يُعاني منه المريض ضرورية ولكنها غير كافيةٍ لتحديد كيفية رعايته. كما أن كيفية إدارة حالة المريض، حتى بعد تأكيد التشخيص، مسألة معقدة.

يُصنّف التشخيص الحالات... بينما تُحدّد الإدارة الإدراكية أولوياتها.

يلجأ الناس إلى منصات الذكاء الاصطناعي مثل «جي بي تي» للحصول على إجابات لمشاكلهم الصحية. بينما تُحدّد الإدارة الإدراكية أولويات علاجها.

الأطباء و«نماذج الأمراض»

لا يُقيّم الأطباء ذوو الخبرة كل مريض من الصفر، بل يُطوّرون، على مرّ سنوات الممارسة، اختصارات ذهنية تُعرف باسم «نماذج الأمراض» illness scripts ( وهي خلاصات منظمة مستخلصة فكرياً يستخدمها الأطباء للتعرف على الحالات المرضية ومقارنتها وتشخيصها - المحرر).

نماذج الأمراض ليست مجرد قوائم أعراض، بل تُحدّد كيف يبدو المرض عادةً، ومن هم الأكثر عرضة للإصابة به، وكيف يتطور في أغلب الأحيان. عندما يُعاين الطبيب مريضاً جديداً، يُقارن ما يُلاحظه بهذه النماذج الذهنية، وهي عملية تصنيف وتمييز للأنماط.

عندما يظهر على المريض نمط مألوف من العلامات والأعراض، يستدعي الطبيب النموذج الذهني المُطابق بشكل تلقائي تقريباً. ويُتيح هذا للأطباء ملاحظة العناصر غير المتوافقة تماماً: كعرضٍ لا يتطابق مع التشخيص، أو تفصيلٍ في تاريخ المريض - كرحلةٍ حديثةٍ إلى الخارج، أو تعرّضٍ غير معتادٍ في العمل - يُشير إلى تشخيصٍ مختلف.

براعة الذكاء الاصطناعي

ليس من المستغرب أن يكون الذكاء الاصطناعي بارعاً في عملية مطابقة الأنماط هذه. إذ تعمل نماذج اللغة الضخمة، مثل «تشات جي بي تي» بطريقةٍ مماثلة. فهي تتنبأ بالكلمة التالية في الجملة بناءً على أنماطٍ مُستخلصةٍ من كمياتٍ هائلةٍ من النصوص، بما في ذلك المراجع الطبية. وفي تلك المراجع، تتبع كلمة «التهاب رئوي» أنماطاً مُحددةً من الأعراض بشكلٍ موثوق: كالحمى، على سبيل المثال، مُقترنةً ببقعةٍ ضبابيةٍ في صورة الأشعة السينية للصدر. تُعدّ مطابقة الأنماط، على هذا المستوى، هي نفسها التي يقوم بها الطبيب عند مُطابقة أعراض المريض مع وصفٍ مرضي.

تحديد الخطوات الطبية التالية

لكن تحديد الخطوة التالية - ما الفحوصات التي يجب إجراؤها، وما العلاجات التي يجب تجربتها، وما الذي يجب مُراقبته، وما الذي يجب مُتابعته - يتم بشكلٍ مُختلف. فبدلاً من إجابةٍ صحيحةٍ واحدة، يواجه الطبيب خياراتٍ مُتعددةً مُمكنة. ويكمن فن الإدارة الطبية في تحديد أولويات هذه الخيارات، أيها الأفضل للمريض الذي أمامك.

يختلف الأمر في تحديد الخطوة التالية - ما الفحوصات التي يجب إجراؤها، وما العلاجات التي يجب تجربتها، وما الذي يجب مُراقبته، وما الذي يجب مُتابعته.

الميزة البشرية

كيف ينتقل الطبيب من تشخيص المريض إلى تحديد أفضل طريقة لعلاجه؟ الإجابة غالباً ما تكون: «الأمر يعتمد على الحالة».

لنأخذ مثالاً على رجلين، ماركوس وتوماس، كلاهما يبلغ من العمر 68 عاماً، تم تشخيص إصابتهما حديثاً بسرطان البروستاتا في مراحله المبكرة. وأظهرت خزعاتهما النتيجة نفسها: ورم بطيء النمو محصور في البروستاتا.

يُعرض على كليهما خياران علاجيان: العلاج الفوري، بالجراحة أو العلاج الإشعاعي، مع قبول مخاطر سلس البول وتغيرات الوظيفة الجنسية. أو المراقبة الدقيقة من خلال فحوصات وخزعات منتظمة، والعلاج فقط في حال ازدياد حجم الورم.

وجدت دراسة تابعت أكثر من 82000 رجل مصاب بسرطان البروستاتا في مراحله المبكرة لمدة 15 عاماً أن أقل من 3 من كل 100 رجل توفوا بسبب سرطان البروستاتا بغض النظر عن الخيار العلاجي الذي اختاروه، مع العلم أن الرجال الذين اختاروا المراقبة كانوا أكثر عرضة لانتشار السرطان بمقدار الضعف تقريباً.

يمكن للذكاء الاصطناعي عرض كلا الخيارين جنباً إلى جنب مع هذه الإحصائيات. ما يُضيفه الطبيب هو معرفته بالمريض الذي أمامه.

لا يعاني ماركوس من أي أمراض أخرى خطيرة، وطبيبه على دراية بهذا الأمر، ويعرف ماركوس جيداً لدرجة أنه يدرك مدى انزعاجه من حالة عدم اليقين. بالنسبة لمريض لا يعاني من مشاكل صحية ملحة أخرى، فإن الورم بطيء النمو لديه الوقت الكافي للتطور والتحول إلى حالة أكثر خطورة. كلا الخيارين العلاجيين منطقي، لكن ماركوس لا يستطيع تحمل الانتظار. فمعرفة أن السرطان موجود في جسده، تحت المراقبة دون علاج، أمر لا يمكنه تجاهله. لذلك يختار العلاج.

في المقابل يعاني توماس من قصور متقدم في القلب، وهو أمر يتابعه طبيبه معه منذ سنوات. وهو يعلم أن حالة قلبه تشكل خطراً مباشراً على صحته أكثر من هذا الورم بطيء النمو. كما يعلم أيضاً أنه شاهد صديقاً له يخضع للعلاج الإشعاعي ويخرج منه منهكاً. والعلاج المكثف يعني تحمل تكاليف باهظة مقابل فائدة قد لا تتحقق أبداً. لذلك يوصي الطبيب بالمراقبة الدقيقة. بالنسبة لتوماس، هذا هو الحل الأمثل ومصدر راحة له.

اختلاف القرارات العلاجية

اختلاف القرارات العلاجية أمر شائع في الطب. يعتمد المسار الأمثل لأي مريض على شخصيته وقيمه، وعلى تقدير الطبيب للأدلة الموثوقة والشكوك الحقيقية التي لا تزال قائمة.

تقييم المخاطر وعدم اليقين

لتحديد كيفية إدارة حالة المريض، ينظر الطبيب أولاً في الأدلة من المراجع الطبية، ثم يطبق خيارات العلاج المتاحة على ظروف المريض الخاصة. يتطلب هذا تواصلاً صريحاً، واتخاذ قرارات مشتركة، وإدارة المخاطر بشكل مشترك، والاعتراف بعدم اليقين.

يمكن قياس بعض المخاطر. ففي حالة ألم الصدر، يستخدم الأطباء أدوات تقييم تُقدّر احتمالية إصابة المريض بنوبة قلبية على المدى القريب بناءً على أعراضه ونتائج فحوصاته. ومن المرجح أن يتمكن الذكاء الاصطناعي من معالجة هذه الأرقام بشكل أسرع من معظم الأطباء.

لكن يصعب عليه قياس المخاطر وعدم اليقين عند سرير المريض أو في العيادة. فأنظمة التقييم والإرشادات العملية مصممة للمريض العادي - وهو شخص مثالي، غير موجود في الواقع. ويتشكل إحساس كل من الأطباء والمرضى بالمخاطر وعدم اليقين من خلال تجاربهم.

لا يعرف الذكاء الاصطناعي ما مررت به أنت كمريض، أو ما المفاضلات بين المخاطر التي أنت على استعداد لقبولها. ولا يمكنه الاعتراف بعدم اليقين بالطريقة التي يفعلها الطبيب الجيد، والعودة إليه معك مع تغير ظروفك.

وهنا يختلف مسار التشخيص عن مسار العلاج؛ إذ ربما حصل والد الطفل المصاب بالحمى على إجابة مفيدة: فقد رصدت الدراسات الطبية حالات كافية من الأطفال المصابين بالحمى لدى الأطفال، ما يُمكّنه من اتخاذ قرار معقول. لكن معرفة الخطوات التالية، بما في ذلك متى يجب التوقف عن المراقبة والبدء بالقلق، هو أمر يُفضّل مناقشته مع الطبيب.

* أستاذ مشارك في الطب بجامعة فرجينيا، مجلة «فاست كومباني».


اكتشاف كواكب بمجالات مغناطيسية خارج المجموعة الشمسية

كواكب المجموعة الشمسية (أرشيفية-رويترز)
كواكب المجموعة الشمسية (أرشيفية-رويترز)
TT

اكتشاف كواكب بمجالات مغناطيسية خارج المجموعة الشمسية

كواكب المجموعة الشمسية (أرشيفية-رويترز)
كواكب المجموعة الشمسية (أرشيفية-رويترز)

توصَّل علماء الفلك إلى أقوى دليل حتى الآن على أن الكواكب الواقعة خارج منظومتنا الشمسية، لها مجالات مغناطيسية، مثل الأرض وخمسة كواكب أخرى في المجموعة الشمسية، وذلك بناء على حركة وسرعة واتجاه الرياح في سبعة كواكب غازية كبيرة وساخنة خارج المجموعة الشمسية.

ويُعزز هذا الاكتشاف، المستند إلى عمليات رصد أُجريت بأجهزة التلسكوبات في تشيلي وهاواي، فهمنا لتلك الكواكب، إذ يُظهر أن بعضها على الأقل يشترك في سمة مهمة موجودة في كل كواكب المجموعة الشمسية باستثناء كوكبين.

ورغم أن جميع الكواكب الغازية الواقعة خارج المجموعة الشمسية غير قابلة للعيش عليها، لكن وجود المجال المغناطيسي قد يكون أحد العوامل التي ساعدت في جعل كوكب صخري، مثل الأرض، صالحاً للحياة، وفقاً لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتدور هذه الكواكب الخارجية كل منها على مقربة شديدة من نجم كبير وساخن، بحيث يكون أحد جانبيها مواجهاً للنجم بشكل دائم، والجانب الآخر بعيداً بشكل دائم، كما هي حال القمر والأرض.

ويطلق على هذا النوع من الكواكب اسم «المشتري الحار»؛ نظراً لتشابه حجمها وتكوينها مع أكبر كوكب في مجموعتنا الشمسية، وإن كانت درجة حرارتها أعلى بكثير. وتراوحت كتلة الكواكب السبعة بين ما يعادل كتلة كوكب المشتري تقريباً وبين أكثر من ثلاثة أمثالها. وتهبُّ رياح قوية من «الجانب المضيء» الحار إلى «الجانب المظلم» البارد على هذه الكواكب، وذلك بسبب قرب مداراتها من نجومها، مما يجعل غلافها الجوي شديد الحرارة على الجانب المضيء. وكلها أقرب إلى نجمها المُضيف من قرب كوكب عطارد؛ أقرب كوكب في مجموعتنا الشمسية إلى الشمس.

وقالت عالِمة الفلك جوليا سايدل، من مختبر لاغرانج التابع لمرصد كوت دازور في نيس بفرنسا، والمُعدّ الرئيسي للدراسة التي نُشرت اليوم الثلاثاء في دورية «نيتشر أسترونومي»، إن «ما قد تتوقعه هو أن الرياح ستكون أقوى في الكواكب ذات درجات الحرارة الأعلى. فكلما زادت الطاقة التي تدخلها في المنظومة، زادت شدة الرياح. لكننا نرى العكس».

وأضافت أن «الكواكب الأشد حرارة هي الأقل عرضة لرياح قوية تؤثر على غلافها الجوي. وهذا أمر غريب حقاً مقارنة بما نعرفه عن طبيعة الأغلفة الجوية».

وتابعت قائلة: «هذا يعني أن كل تلك الطاقة التي يضخّها النجم في الغلاف الجوي للكوكب يجب أن تتبدد بطريقة مختلفة. والاحتمال الوحيد لإبطاء حركة الغلاف الجوي بهذه السرعة هو عبر المجال المغناطيسي وتفاعله مع الجسيمات المشحونة المتحركة في الغلاف الجوي».

وتصل سرعات الرياح على الكواكب السبعة خارج المجموعة الشمسية إلى 25 ألف كيلومتر في الساعة؛ أيْ أقوى من تلك الموجودة على كوكب المشتري.

وبالنظر إلى أن معظم كواكب مجموعتنا الشمسية لها مجالات مغناطيسية، يرى الباحثون أنه ليس من المستغرب أن يكون للكواكب الخارجية مجالات مغناطيسية أيضاً، لكنهم أشاروا إلى أن العلماء كانوا حتى وقتنا هذا يجدون صعوبة في التوصل إلى أدلة مقنعة.

ويُعد المجال المغناطيسي أحد العوامل التي تُحدد ما إذا كان الكوكب قادراً على الحفاظ على غلافه الجوي لفترات طويلة من الزمن. فالمريخ، على سبيل المثال، كان له مجال مغناطيسي، لكنه فقَدَه قبل مليارات السنين بعد أن برَدَ باطنه، وأصبح، الآن، بغلاف جوي ضعيف وبيئة غير صالحة للعيش.

وقالت عالِمة الفلك بيبيانا برينوث، من المرصد الأوروبي الجنوبي في ألمانيا، والمشارِكة في إعداد الدراسة: «رغم الاعتقاد الخاطئ الشائع بأن المجالات المغناطيسية تُحدد، بشكل مباشر، ما إذا كان الكوكب صالحاً للعيش، لكنها قد تلعب دوراً مهماً في (معرفة) كيفية تطور الكوكب عبر الزمن».

وأضافت: «الحياة، كما نعرفها، تعتمد على وجود الغلاف الجوي الذي يساعد في الحفاظ على الضغط على سطح (الكوكب) وتنظيم درجة الحرارة، ويسمح على الأرض بوجود ماء سائل على السطح».


قواعد إنسانية جديدة لعصر الذكاء الاصطناعي والهندسة الجينية

قانون دولي إنساني جديد للعصر التكنولوجي الحديث
قانون دولي إنساني جديد للعصر التكنولوجي الحديث
TT

قواعد إنسانية جديدة لعصر الذكاء الاصطناعي والهندسة الجينية

قانون دولي إنساني جديد للعصر التكنولوجي الحديث
قانون دولي إنساني جديد للعصر التكنولوجي الحديث

في عام 1864، اجتمع ممثلو عدد من الدول في مدينة جنيف السويسرية لوضع أول إطار قانوني حديث يحمي ضحايا الحروب. ومن تلك البذرة الأخلاقية ولدت لاحقاً اتفاقيات جنيف الأربع عام 1949، والتي أصبحت أحد أعمدة القانون الإنساني الدولي بعد أن شاهد العالم أهوال الحرب العالمية الثانية، وما خلّفته من ملايين الضحايا، والجرحى، والمشرّدين.

لقد نجحت تلك الاتفاقيات في ترسيخ مبدأ بسيط وعظيم في آنٍ واحد: حتى في الحرب، تبقى هناك حدود لا يجوز للإنسان تجاوزها.

تقدم تكنولوجي واتفاقيات قديمة

غير أن العالم الذي صاغ اتفاقيات جنيف لم يكن يعرف الحواسيب، ولم يتخيّل وجود خوارزميات قادرة على تحليل ملايين البيانات في ثوانٍ، أو طائرات مسيّرة تستطيع اختيار أهدافها ذاتياً، أو تقنيات جينية يمكن أن تعيد تشكيل مستقبل البشر قبل ولادتهم. ولذلك فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق بقيمة اتفاقيات جنيف، أو مكانتها التاريخية، بل بقدرتها على مواكبة عصر أصبحت فيه التكنولوجيا نفسها طرفاً فاعلاً في الصراع.

تحول طبيعة القوة

إننا لا نعيش فقط مرحلة تطور في أدوات الحرب، بل نعيش تحوّلاً جذرياً في طبيعة القوة ذاتها. فالسلاح لم يعد مجرد دبابة، أو صاروخ، أو طائرة مقاتلة، بل أصبح خوارزمية قد تتخذ قراراً خلال أجزاء من الثانية، ومنصة رقمية قد تؤثر في مصير ملايين البشر، وتقنية جينية قد تستهدف أفراداً أو جماعات بطرق لم تكن معروفة في أي مرحلة سابقة من التاريخ.

لم تعد المشكلة في الرصاصة التي تخطئ هدفها، بل في الخوارزمية التي تختار هدفها. ولم يعد الخوف مقتصراً على القنبلة التي تدمر مدينة، بل على نظام ذكي قد يخطئ في تفسير البيانات، أو يتأثر بتحيزات خفية، أو يُستخدم بطريقة تنتهك أبسط المبادئ الإنسانية دون أن يكون هناك إطار قانوني واضح للمحاسبة.

حين يصبح الجين ساحة للحرب

ثورة بيولوجية تواكب الرقمية

الأكثر خطورة أن الثورة البيولوجية تسير جنباً إلى جنب مع الثورة الرقمية. فالهندسة الوراثية، والتعديل الجيني، والطب الدقيق، كلها تحمل وعوداً علاجية كبيرة، لكنها تطرح أيضاً أخطاراً أخلاقية وقانونية إذا استُخدمت خارج الضوابط الإنسانية.

ومن هنا يظهر سؤال لم يكن مطروحاً عندما وُقعت اتفاقيات جنيف: كيف نحمي الأطفال والنساء وكبار السن والمرضى من أخطار الحروب التي تُدار بالخوارزميات، أو تستغل المعرفة الجينية؟

ومع اتساع قدرات الذكاء الاصطناعي على تتبع الأفراد، وتحليل سلوكهم، والتنبؤ بتحركاتهم، تبرز تحديات غير مسبوقة تتعلق بحماية المدنيين، وصون حقوقهم الأساسية في أوقات النزاع. كما تزداد الحاجة إلى تحديد المسؤولية القانونية والأخلاقية عندما تتسبب الأنظمة المستقلة في قرارات خاطئة تؤدي إلى خسائر بشرية، وإلى مراجعة مدى قدرة القانون الدولي الحالي على التعامل مع أسلحة تعمل بدرجات غير مسبوقة من الاستقلالية.

لقد أدرك العالم عبر تاريخه أن التكنولوجيا تتقدم دائماً أسرع من القوانين. ولهذا لم تكن اتفاقيات جنيف سوى استجابة أخلاقية وقانونية لتحولات عسكرية وصناعية فرضها عصرها. واليوم يبدو أن البشرية تقف أمام منعطف مشابه، لكن هذه المرة في عصر الذكاء الاصطناعي، والحروب الرقمية، والتقنيات الجينية.

ولا يتعلق الأمر باستبدال اتفاقيات جنيف، أو الانتقاص من قيمتها التاريخية، بل بتطوير إطار إنساني جديد يكمّلها، ويُحدّثها، ويمنحها القدرة على التعامل مع تحديات لم تكن مطروحة عندما صيغت نصوصها قبل أكثر من سبعين عاماً.

نحو مبادرة دولية جديدة

ومن هنا قد يكون من المناسب التفكير في مبادرة دولية جديدة يمكن أن يطلق عليها مجازاً «الاتفاقيات الإنسانية»، والتي يمكن أن تُنسب إلى مدينة الرياض عاصمة السعودية، ليس باعتبارها بديلاً عن جنيف، بل كونها امتداداً معاصراً لروحها الإنسانية. نريد إطاراً عالمياً يجمع الحكومات، والعلماء، وخبراء القانون، والأخلاقيات، والتقنية، لوضع مبادئ تحكم استخدام الذكاء الاصطناعي والتقنيات الجينية في النزاعات المسلحة، وتحمي الفئات الأكثر ضعفاً من المخاطر الناشئة عن هذه التحولات التكنولوجية المتسارعة.

فإذا كانت جنيف قد منحت العالم قواعد إنسانية للحروب التقليدية في القرن العشرين، فقد يحتاج القرن الحادي والعشرون إلى منصة جديدة تضع حدوداً أخلاقية للحروب التي تخوضها الخوارزميات، وتوجهها البيانات، وتغذيها المعرفة الجينية.

إن المملكة العربية السعودية تمتلك اليوم مقومات فريدة تؤهلها للإسهام في هذا النقاش العالمي. فهي لا تقود مشروعاً تنموياً طموحاً عبر رؤية 2030 فحسب، بل أصبحت أيضاً من الدول الرائدة في مجال حوكمة الذكاء الاصطناعي، وأخلاقياته، وكانت من أوائل الدول التي تبنت أطراً ومبادئ أخلاقية لتنظيم استخدام هذه التقنيات الناشئة، وسعت إلى ترسيخ مفهوم يجعل الإنسان محوراً للتقدم التقني لا ضحيته.

من المسؤول عندما تخطئ الخوارزمية

حماية الفئات الأكثر ضعفاً من التقنيات المدمرة

ولعل العالم يحتاج اليوم إلى مبادئ جديدة توازي في أهميتها المبادئ التي خرجت من جنيف قبل أكثر من قرن ونصف... مبادئ تؤكد أن القرار القاتل يجب أن يبقى تحت مسؤولية بشرية واضحة لا تحت سلطة خوارزمية مجهولة، وأن المستشفيات والمنشآت الصحية يجب أن تحظى بحماية خاصة من الهجمات السيبرانية، وأن الأطفال والفئات الأكثر ضعفاً لا يجوز أن يصبحوا أهدافاً لأنظمة المراقبة، أو الاستهدافات الذكية، وأن أي استخدام للتقنيات الجينية في النزاعات ينبغي أن يخضع لرقابة دولية صارمة، ومعايير أخلاقية متفق عليها عالمياً.

قواعد إنسانية جديدة لعصر الخوارزميات والهندسة الجينية

إن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت هذه التحديات ستواجهنا في المستقبل، بل كيف سنتعامل معها وقد بدأت بالفعل. فالعالم الذي نجح في وضع قواعد أخلاقية للحروب التقليدية بعد مآسي القرن العشرين، مدعو اليوم إلى التفكير في قواعد إنسانية جديدة لعصر الخوارزميات، والبيانات، والهندسة الجينية. وليس المطلوب تقييد التقدم العلمي، أو إبطاء الابتكار، بل ضمان أن يبقى التقدم خادماً للإنسان لا متجاوزاً له.

ولهذا ربما لا يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم: هل ما زلنا بحاجة إلى اتفاقيات جنيف؟ بل هناك سؤال أكثر إلحاحاً: من سيحمي الإنسان عندما تصبح الخوارزمية جندياً، وتصبح البيانات سلاحاً، ويصبح الجين البشري ساحةً جديدة للصراع؟

وربما يكون الوقت قد حان لبدء حوار عالمي جديد، ربما من الرياض، يستلهم روح جنيف ولا ينافسها، ويبحث عن إجابات أخلاقية وقانونية للتحديات التي لم يعرفها القرن الماضي.

فكما أنجبت الحروب الصناعية اتفاقيات جنيف، قد تفرض حروب الخوارزميات والتقنيات الجينية على العالم البحث عن اتفاقيات إنسانية جديدة. وربما لن تسألنا الأجيال القادمة كيف تطور الذكاء الاصطناعي، بل ستسألنا سؤالاً أبسط وأكثر قسوة: هل تحركنا في الوقت المناسب قبل أن تسبقنا التكنولوجيا إلى ساحات لم يصل إليها القانون، ولم تبلغها الأخلاق بعد؟