ميكروبات الأمعاء وتأثيراتها على الصحة العقلية

التكامل بين العلاجات التقليدية والتغذوية يحقق تحسنها

	المحور الجرثومي المعوي العصبي يربط بين الجهاز العصبي المركزي والأمعاء
المحور الجرثومي المعوي العصبي يربط بين الجهاز العصبي المركزي والأمعاء
TT

ميكروبات الأمعاء وتأثيراتها على الصحة العقلية

	المحور الجرثومي المعوي العصبي يربط بين الجهاز العصبي المركزي والأمعاء
المحور الجرثومي المعوي العصبي يربط بين الجهاز العصبي المركزي والأمعاء

تعدّ ميكروبات الأمعاء جزءاً أساسياً من النظام البيئي البشري إذ يوجد في الجهاز الهضمي ما يزيد على 1000 نوع من البكتيريا.

تعايش وتفاعل

هذه البكتيريا لا تعيش فقط في توازن دقيق، بل يتفاعل أيضاً بعضها مع بعض، ومع خلايا المضيف (الإنسان) بطرق معقدة. وعلى سبيل المثال، فإن بعض بكتيريا الأمعاء ينتج الأحماض الدهنية القصيرة؛ مثل البوتيرات، التي تعدّ ضمن السلسلة الغذائية للخلايا المبطنة للأمعاء، ولها تأثيرات مضادة للالتهابات.

ميكروبات الأمعاء - أو الميكروبيوم المعوي - تتكون من تريليونات من البكتيريا والفطريات والفيروسات والبروتوزوا التي تعيش في الجهاز الهضمي. وتلعب هذه الميكروبات دوراً حيوياً في هضم الطعام، وإنتاج الفيتامينات، وتعزيز نظام المناعة. بالإضافة إلى ذلك، تفرز ميكروبات الأمعاء مواد كيميائية يمكن أن تؤثر على الدماغ.

وفي العقود الأخيرة، ازداد الاهتمام بالصحة العقلية بشكل ملحوظ، حيث أصبح من الواضح أن الصحة العقلية والصحة الجسدية مترابطتان بشكل وثيق. وواحد من أهم الاكتشافات في هذا المجال هو العلاقة بين ميكروبات الأمعاء والصحة العقلية.

وتشير الأبحاث الحديثة إلى أن توازن ميكروبات الأمعاء يمكن أن يكون له تأثير كبير على وظائف الدماغ والمزاج والسلوكيات.

الصحة العقلية

تعد الصحة العقلية أحد أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، وتشمل: الاضطرابات النفسية، بشكل رئيسي، والقلق والاكتئاب والاضطراب ثنائي القطب واضطراب طيف التوحد (ASD) والفصام واضطرابات الأكل. وفي عام 2019، قُدر عدد الأفراد الذين يعانون من الاضطرابات النفسية بما يقارب 970 مليوناً (National Library of Medicine (NLM)).

ويمكن أن تؤثر الاضطرابات النفسية على الدراسة والعمل والحياة الطبيعية للمرضى، وتؤدي إلى الانتحار في المواقف الشديدة. علاوة على ذلك، يمكنها أن تؤثر على الحياة الطبيعية لأفراد أسرة المريض. وحديثاً، برزت الاضطرابات النفسية بوصفها مصدر قلق كبيراً على الصحة العامة في جميع أنحاء العالم، وتؤدي أيضاً إلى عبء طبي كبير وخسارة اقتصادية.

ميكروبات الأمعاء

من ناحية أخرى، فإن الكائنات الحية الدقيقة في الأمعاء ومستقلباتها لها تأثير كبير على الحفاظ على الصحة العامة للمضيف؛ إذ تم الإبلاغ عن أن خلل التنسج البكتيري في الأمعاء يرتبط بحدوث وتطور كثير من الأمراض الأيضية المزمنة، مثل السمنة ومرض السكري والسرطانات، علاوة على ربط الكائنات الحية الدقيقة في الأمعاء بالصحة العقلية، التي حظيت باهتمام مزداد في السنوات الأخيرة.

وتم الإبلاغ عن أن الكائنات الحية الدقيقة في الأمعاء يمكن أن تؤثر على الدماغ والصحة العقلية بعدة طرق؛ مثل العصب الحائر (Vagus nerve)، والتنظيم الميكروبي للإشارات المناعية العصبية، واستقلاب التربتوفان بوساطة الكائنات الحية الدقيقة، والتحكم الميكروبي في وظيفة الغدد الصماء العصبية، والإنتاج الميكروبي للمركبات العصبية النشطة. بالإضافة إلى ذلك، يمكن للميكروبات المعوية إنتاج وتنظيم الناقلات العصبية، مثل السيروتونين والدوبامين والغلوتامات، التي تلعب أدواراً مهمة في الأنشطة العصبية والمناعية في الدماغ.

المحور الجرثومي المعوي العصبي

المحور الجرثومي المعوي العصبي (Gut-Brain Axis) هو نظام التواصل بين الأمعاء والدماغ، وهو يشمل إشارات عصبية، وهرمونات، وجزيئات مناعية تنتقل بين الجهاز العصبي المركزي والأمعاء. إن الدور الرئيسي لهذا المحور هو تنظيم وظائف الجهاز الهضمي، وحديثاً، تشير الأبحاث إلى أن له دوراً أكبر في التأثير على الحالة المزاجية والسلوك.

ويعمل المحور الجرثومي المعوي العصبي قناة اتصال بين الأمعاء والدماغ، تنقل الإشارات عبر العصب الحائر (Vagus nerve) من الأمعاء إلى الدماغ والعكس. بالإضافة إلى هذا العصب الحائر، تلعب الهرمونات والإشارات الكيميائية التي تفرزها ميكروبات الأمعاء دوراً مهماً في هذه العملية.

على سبيل المثال، تنتج البكتيريا نواقل عصبية مثل حمض غاما أمينوبوتيريك (Gamma-aminobutyric acid (GABA))، وهو حمض أميني يعمل ناقلاً عصبياً له تأثير مهدئ ومثبط أساسي للجهاز العصبي المركزي (CNS)، (GABA)، يقلل من قدرة الخلية العصبية على استقبال، أو إنشاء، أو إرسال رسائل كيميائية إلى الخلايا العصبية الأخرى.

تأثيرات ميكروبات الأمعاء على الصحة العقلية

• الإنتاج الكيميائي العصبي. ميكروبات الأمعاء قادرة على إنتاج واستهلاك كثير من النواقل العصبية مثل السيروتونين والدوبامين، التي ترتبط بالحالة المزاجية. فالبنسبة للسيروتونين، على سبيل المثال، يتم إنتاج 90 في المائة منه في الأمعاء، ويعدّ من النواقل العصبية الأساسية التي تساعد في تنظيم المزاج والشعور بالسعادة. أما الدوبامين فإنه من جهته، يلعب دوراً في الشعور بالمكافأة والتحفيز. بالتالي، فإن أي خلل في إنتاج هذه النواقل العصبية يمكن أن يؤدي إلى اضطرابات عقلية.

السيروتونين والدوبامين ليسا الوحيدين اللذين يتأثران بميكروبات الأمعاء، بل هناك أيضاً «نور أدرينالين» و«أسيتيل كولين» و«غابا». فهذه النواقل تلعب دوراً في تنظيم النوم، والشهية، والمزاج والطاقة العامة. ومعروف أن «غابا» يساعد في تهدئة الجهاز العصبي وتقليل القلق.

• التفاعل مع الجهاز المناعي. ميكروبات الأمعاء تلعب دوراً في تنظيم الجهاز المناعي، ويمكن للالتهابات المزمنة الناجمة عن عدم توازن الميكروبات أن تؤثر سلباً على الدماغ وتسهم في تطور اضطرابات مثل الاكتئاب والقلق. وتشير الأبحاث إلى أن الالتهابات المزمنة تؤدي إلى إفراز مواد كيميائية مثل السيتوكينات التي يمكن أن تعبر الحاجز الدموي الدماغي وتؤثر على وظائف الدماغ. ويتم التفاعل بين ميكروبات الأمعاء والجهاز المناعي عبر إشارات كيميائية معقدة. لذا تساعد الميكروبات الجيدة في تطوير وتنظيم الجهاز المناعي، ما يمنع الالتهابات المزمنة التي يمكن أن تؤثر سلباً على الدماغ.

• الحاجز الدموي الدماغي. الحاجز الدموي الدماغي (Blood-Brain Barrier) هو حاجز فيزيولوجي وهيكل واقٍ يمنع المواد الضارة في الدم من الوصول إلى الدماغ. وتشير الدراسات إلى أن الميكروبات تلعب دوراً في الحفاظ على سلامة هذا الحاجز، وأن أي تدهور في الحاجز الدموي الدماغي يمكن أن يؤدي إلى تسرب المواد الضارة إلى الدماغ، ما يسهم في تطور الأمراض العقلية مثل الاكتئاب والقلق.

دراسات وأدلة علمية

• دراسات الحيوان. أظهرت الدراسات التي أجريت على الفئران أن تغيير ميكروبات الأمعاء يمكن أن يغير سلوك الفئران. على سبيل المثال، الفئران التي خضعت لنقل ميكروبات من فئران مكتئبة أظهرت سلوكيات مشابهة للاكتئاب. وتعزز هذه الدراسات الرأي بأن ميكروبات الأمعاء تلعب دوراً مباشراً في التأثير على السلوك والحالة المزاجية.

• دراسات الإنسان. أظهرت الدراسات التي أجريت على البشر أن الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات عقلية مثل الاكتئاب، لديهم تنوع ميكروبي أقل في أمعائهم. بالإضافة إلى ذلك، فإن الدراسات السريرية أظهرت أن تناول البروبيوتيك يمكن أن يحسن الحالة المزاجية ويقلل من مستوى القلق والاكتئاب. على سبيل المثال، من تلك الدراسات دراسة أجريت على طلاب جامعيين أظهرت أن تناول البروبيوتيك لمدة 6 أسابيع أدى إلى تحسين الحالة المزاجية وتقليل التوتر.

وقد أصبحت تأثيرات المنتجات الطبيعية ضد الاضطرابات العقلية نقطة بحثية ساخنة في مجالات علوم الأغذية والتغذية وعلم النفس والطب النفسي في السنوات الأخيرة، كما أظهرت الدراسات أن بعض البروبيوتيك والمنتجات الطبيعية له أدوار حيوية في إدارة الاضطرابات العقلية من خلال تعديل الكائنات الحية الدقيقة في الأمعاء.

وعلى سبيل المثال، وجدت دراسة أن تناول كميات كبيرة من الخضار والفواكه والألياف ارتبط بشكل إيجابي بالصحة العقلية لدى مجتمع يبلغ 502494 من البالغين في منتصف العمر. كما أظهرت دراسة أخرى أجريت على 482 مشاركاً أن النظام الغذائي الغني بالتريبتوفان كان مرتبطاً سلباً بالاكتئاب، ويمكن أن يحسن الإدراك الاجتماعي.

• دراسة متعددة العوامل؛ أظهرت أن لميكروبات الأمعاء تأثيراً إيجابياً في الحفاظ على الصحة العقلية من خلال إنتاج الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة وتنظيم الأحماض الأمينية. لذلك، يمكن أن تكون طريقة محتملة لاستهداف ميكروبات الأمعاء للوقاية من الاضطرابات النفسية وعلاجها.

تطبيقات علاجية

• البروبيوتيك والبريبايوتيك: البروبيوتيك (probiotics) هي مكملات تحتوي على بكتيريا حية مفيدة يمكن أن تعزز توازن الميكروبات في الأمعاء. أما البريبايوتيك (prebiotics) فهي ألياف غذائية تغذي البكتيريا الجيدة. وكلاهما أظهر فاعلية في تحسين الحالة المزاجية وخفض مستوى القلق. ويمكن أن تشمل البروبيوتيك بكتيريا مثل «Lactobacillus» و«Bifidobacterium»، التي تعدّ مفيدة لصحة الأمعاء.

• النظام الغذائي. يلعب دوراً كبيراً في صحة الميكروبات. فالأطعمة الغنية بالألياف والمخمرة مثل الزبادي والخضراوات الورقية يمكن أن تعزز صحة الميكروبيوم. الأطعمة المعالجة والسكرية يمكن أن تؤدي إلى اختلال في توازن الميكروبات وزيادة الالتهابات.

• العلاجات النفسية والدوائية. بعض العلاجات النفسية مثل العلاج السلوكي المعرفي، بالإضافة إلى الأدوية النفسية، قد يكون أكثر فاعلية عند استخدامه مع استراتيجيات تستهدف تحسين صحة الميكروبات. إذ تشير الأبحاث إلى أن التداخل بين العلاج النفسي وتحسين صحة الأمعاء يمكن أن يؤدي إلى نتائج أفضل في علاج الاكتئاب والقلق.

وأخيراً، ورغم التقدم الكبير في فهم العلاقة بين ميكروبات الأمعاء والصحة العقلية، لا تزال هناك تحديات؛ من بينها التنوع الكبير في الميكروبيوم بين الأفراد، ما يجعل من الصعب تطوير علاجات شاملة. ومع ذلك، فإن هذا المجال يوفر فرصاً كبيرة لتطوير علاجات جديدة وشخصية تستهدف تحسين الصحة العقلية من خلال توازن ميكروبات الأمعاء.

إن العلاقة بين ميكروبات الأمعاء والصحة العقلية هي مجال ناشئ ومثير للاهتمام في البحث العلمي. والفهم الأفضل لهذه العلاقة يمكن أن يؤدي إلى طرق جديدة لتعزيز الصحة العقلية من خلال العناية بصحة الأمعاء. ومن خلال التكامل بين العلاجات التقليدية والتغذية والعناية بالميكروبات، يمكن تحقيق تقدم كبير في علاج وتحسين الصحة العقلية.

• استشاري طب المجتمع


مقالات ذات صلة

كيف يؤثر التدخين على البشرة؟

صحتك التدخين قد يسرع شيخوخة البشرة (بيكسلز)

كيف يؤثر التدخين على البشرة؟

لا يقتصر ضرر التدخين على الرئتين والقلب، بل تترك منتجات التبغ آثاراً واضحة على البشرة، قد تظهر تدريجياً في صورة تجاعيد أعمق، وبهتان، وتفاوت في لون الجلد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك يُفضَّل التوقف عن تناول الكافيين قبل موعد النوم بـ6 - 8 ساعات (بيكسلز)

قبل كم ساعة من النوم يجب التوقف عن الكافيين؟

يُفضَّل التوقف عن الكافيين قبل النوم بـ6 - 8 ساعات، إذ قد يؤثر في جودة النوم حتى لدى أشخاص لا يشعرون بتأثيره بوضوح.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك فوائد النشاط البدني المنتظم لصحة القلب والأوعية الدموية تفوق مخاطره المحتملة بكثير (بيكسلز)

هل يمكن أن تتسبب التمارين المكثفة في نوبة قلبية؟ ومَن الأكثر عرضة للخطر؟

قد يثير سماع أخبار عن أشخاص تعرضوا لنوبات قلبية أثناء ممارسة الرياضة مخاوف البعض من التمارين الشاقة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك التدريب المنتظم على حبس الأنفاس قد يفيد الدماغ (بيكسلز)

حبس الأنفاس لدقائق... كيف يؤثر على الدماغ؟

كشفت دراسة جديدة أن التدريب المنتظم على حبس الأنفاس لدقاق قد يرتبط بتغيرات في طريقة تواصل مناطق الدماغ مع بعضها، ويحافظ على الذاكرة، وربما يعزز مرونة الدماغ.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك يُصاب بعض الأشخاص بالزكام أكثر من غيرهم بسبب اختلاف قوة المناعة وكثرة التعرض للفيروسات (بيكساباي)

لماذا يصاب بعض الناس بالزكام أكثر من غيرهم؟

يُصاب بعض الأشخاص بالزكام أكثر من غيرهم بسبب اختلاف قوة المناعة، وكثرة التعرض للفيروسات، ونستعرض في التقرير التالي الأسباب الأخرى.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

علاج تجريبي للعمى الوراثي يظهر نتائج واعدة

يُصيب التهاب الشبكية الصباغي أكثر من 1.5 مليون شخص حول العالم (بيكسلز)
يُصيب التهاب الشبكية الصباغي أكثر من 1.5 مليون شخص حول العالم (بيكسلز)
TT

علاج تجريبي للعمى الوراثي يظهر نتائج واعدة

يُصيب التهاب الشبكية الصباغي أكثر من 1.5 مليون شخص حول العالم (بيكسلز)
يُصيب التهاب الشبكية الصباغي أكثر من 1.5 مليون شخص حول العالم (بيكسلز)

أظهرت دراسة جديدة أجراها باحثون من كلية الطب في جامعة بيتسبرغ الأميركية، بالتعاون مع باحثين دوليين، أن علاجاً تجريبياً يعتمد على «البصريات الوراثية» حسّن وظائف الإبصار لدى بعض المشاركين عند استخدامه مع جهاز تحفيز بصري صُمّم خصيصاً لهذا الغرض، في خطوة وصفها الباحثون بأنها مهمة نحو استعادة البصر لدى المصابين ببعض أشكال العمى الوراثي.

وشملت الدراسة، المنشورة الأربعاء في مجلة «نيو إنغلاند الطبية»، 10 أشخاص مصابين بالتهاب الشبكية الصباغي المتقدم، ويعانون من ضعف شديد في البصر، أو فقدان شبه تام له.

وقال خوسيه آلان ساهل، الأستاذ المتميز ورئيس قسم طب العيون في جامعة بيتسبرغ، والمؤلف الأول للدراسة، في بيان الأربعاء: «يمكن أن ينجم التهاب الشبكية الصباغي عن طفرة في واحد من أكثر من 100 جين مختلف، مما يجعل الأمر تحدياً استثنائياً».

وفيما حقق ساهل وزملاؤه في السنوات الأخيرة تقدماً ملحوظاً في علاج أمراض أخرى تسبب فقدان البصر التدريجي، باستخدام علاجات جينية تستهدف طفرات محددة، فإن التهاب الشبكية الصباغي يتطلب نهجاً مختلفاً.

وأضاف ساهل: «يُعدّ تطوير علاج منفصل لكل سبب وراثي لالتهاب الشبكية الصباغي أمراً بالغ الصعوبة، ومكلفاً للغاية. هدفنا الآن هو تطوير طريقة لاستعادة وظيفة الإبصار بغض النظر عن الجين المسبب للمرض».

ويُصيب التهاب الشبكية الصباغي، الذي يُدمّر الخلايا الحساسة للضوء في الشبكية، أكثر من 1.5 مليون شخص حول العالم. ويلاحظ المرضى في البداية ضعفاً في الرؤية الليلية، ثم تراجعاً في الرؤية المحيطية يتفاقم تدريجياً، وقد يؤدي في النهاية إلى فقدان شديد للبصر، أو العمى.

علم البصريات الوراثية

يعتمد علم البصريات الوراثية على تعديل الخلايا وراثياً لإنتاج بروتينات حساسة للضوء، بما يتيح التحكم في نشاطها باستخدام الضوء. وقد مُنحت جائزة نوبل في الطب لهذا العام للأميركي كارل دايسروث، والألمانيين بيتر هيغيمان، ويورغ ناغل، تقديراً لاكتشافاتهم في علم البصريات الوراثية.

وفي هذه الدراسة أدخل الفريق، عبر حقنة واحدة في العين، جيناً يحمل التعليمات اللازمة لإنتاج بروتين حساس للضوء يُعرف باسم «كريمسون آر» (ChrimsonR) إلى الخلايا العقدية المتبقية في الشبكية.

ويُنشَّط البروتين باستخدام نظام بصري تعويضي؛ إذ يرتدي المستخدم نظارات متخصصة مزودة بكاميرا مدمجة ترسل المعلومات البصرية إلى معالج محمول، يحوّلها إلى أنماط ضوئية. ثم يرسل جهاز عرض داخل النظارات هذه الأنماط إلى العين بأطوال موجية محددة، لتنشيط البروتين في خلايا الشبكية المعدَّلة.

مكاسب مبكرة

أظهرت النتائج أن معظم الآثار الجانبية المتعلقة بالعين كانت خفيفة، أو متوسطة، وشملت التهاباً مؤقتاً، وارتفاعاً عابراً في ضغط العين.

وبعد العلاج تحسَّنت حساسية الضوء لدى 7 من أصل 10 مشاركين، وحقق 6 منهم تحسناً ذا أهمية سريرية. وأصبح بعض المشاركين أكثر قدرة على إدراك وجود أجسام، وتحديد مواقعها، والوصول إليها بدقة أثناء استخدام النظارات.

كما اختبر الفريق ما إذا كانت المعلومات البصرية تصل إلى الدماغ. وباستخدام تخطيط كهربية الدماغ (EEG) وجد باحثون بقيادة مارلين بيرمان، أستاذة طب العيون في جامعة بيتسبرغ، أدلة على وصول الإشارات البصرية إلى القشرة البصرية، ومعالجتها فيها عندما ينظر المشاركون إلى الأشياء.

وقال ساهل: «تُظهر هذه النتائج أن الجهاز البصري، حتى لدى الأشخاص الذين يعانون من فقدان بصر شديد، يحتفظ بقدرة ملحوظة على معالجة المعلومات الجديدة»، مضيفاً: «من المحتمل أن يساعد هذا النهج أيضاً المرضى الذين يعانون من أمراض أخرى مسببة للعمى».


كيف يؤثر التدخين على البشرة؟

التدخين قد يسرع شيخوخة البشرة (بيكسلز)
التدخين قد يسرع شيخوخة البشرة (بيكسلز)
TT

كيف يؤثر التدخين على البشرة؟

التدخين قد يسرع شيخوخة البشرة (بيكسلز)
التدخين قد يسرع شيخوخة البشرة (بيكسلز)

لا يقتصر ضرر التدخين على الرئتين والقلب، بل تترك منتجات التبغ آثاراً واضحة على البشرة، قد تظهر تدريجياً في صورة تجاعيد أعمق، وبهتان، وتفاوت في لون الجلد، وجفاف وفقدان للمرونة.

وأوضح الدكتور روبن بهاسين باسي، استشاري الأمراض الجلدية، لموقع «أونلي ماي هيلث» العلمي أن شيخوخة البشرة تنقسم إلى نوعين؛ أحدهما طبيعي يحدث مع مرور الوقت، والآخر خارجي تتسبب فيه عوامل، مثل الأشعة فوق البنفسجية والتلوث ودخان التبغ.

وقال باسي: «النيكوتين يتسبب في تضييق الأوعية الدموية؛ ما قد يقلل تدفق الدم إلى الجلد. كما يساهم دخان التبغ في الإجهاد التأكسدي ويرتبط بعمليات تزيد من تكسير الكولاجين وتؤثر في الألياف المرنة».

وأشار إلى أن الكولاجين يمنح البشرة دعمها البنيوي، بينما تساعد الألياف المرنة الجلد على الاحتفاظ بمرونته، وبالتالي فإن تلف هذه المكونات يجعل البشرة أقل تماسكاً مع مرور الوقت.

ولا تتوقف آثار التدخين عند التجاعيد؛ إذ أوضح الطبيب أن حركات الوجه المتكررة، مثل ضم الشفاه حول السيجارة والتحديق في الدخان، قد تضيف إلى الخطوط المحيطة بالفم والعينين، لكنه شدد على أن التأثيرات البيولوجية للتبغ أكثر أهمية.

وحذر باسي من أن التدخين يرتبط أيضاً بعدد من حالات الالتهاب الجلدي، كما يمكن أن يؤثر في التئام الجروح؛ إذ قد يضعف وصول الأكسجين إلى الأنسجة ويؤثر في عمليات إصلاحها، بما في ذلك إنتاج الكولاجين وتكوين الأوعية الدموية، وهو أمر مهم بشكل خاص للأشخاص الذين يخضعون للجراحات أو الإجراءات التجميلية.

أما التحول إلى السجائر الإلكترونية، فلا يعني بالضرورة حماية البشرة. وقال باسي: «ينبغي عدم التعامل معها باعتبارها حلاً للعناية بالبشرة»، موضحاً أن هذه المنتجات لا تعتمد على الاحتراق بالطريقة نفسها، لكنها قد توصل أيضا النيكوتين ومواد أخرى إلى الجسم.

وفي المقابل، يمكن للإقلاع عن التدخين أن يوقف الضرر المستمر للتبغ.

كما ينصح باسي بنظام غذائي متنوع يحتوي على كمية كافية من البروتين والخضراوات والفواكه، والحصول على نوم منتظم، والالتزام بروتين مناسب للعناية بالبشرة.


تعب لا يختفي رغم النوم؟ علامات قد تشير إلى نقص الحديد

التعب من أبرز العلامات التي قد تكشف عن نقص الحديد (بيكسلز)
التعب من أبرز العلامات التي قد تكشف عن نقص الحديد (بيكسلز)
TT

تعب لا يختفي رغم النوم؟ علامات قد تشير إلى نقص الحديد

التعب من أبرز العلامات التي قد تكشف عن نقص الحديد (بيكسلز)
التعب من أبرز العلامات التي قد تكشف عن نقص الحديد (بيكسلز)

قد لا يكون الشعور بالتعب المستمر مجرد نتيجة لقلة النوم أو ضغوط الحياة اليومية، بل قد يكون في بعض الحالات علامة على نقص الحديد، خصوصاً عندما يترافق مع أعراض مثل شحوب البشرة، والدوخة، والصداع، وضيق التنفس أو خفقان القلب. ويزداد احتمال ارتباط الإرهاق بنقص الحديد لدى من يعانون سوء التغذية أو فقدان الدم، مثل غزارة الدورة الشهرية.

ويؤدي الحديد دوراً أساسياً في إنتاج الهيموغلوبين، وهو البروتين الموجود في خلايا الدم الحمراء والمسؤول عن نقل الأكسجين إلى مختلف أنحاء الجسم. وعندما تنخفض مستويات الحديد بدرجة تؤثر في إنتاج الهيموغلوبين، قد تظهر أعراض مرتبطة بفقر الدم الناجم عن نقص الحديد.

وفي ما يلي، أبرز العلامات التي قد تكشف عن نقص الحديد، ومتى يستدعي التعب المستمر إجراء فحوصات الدم، وكيف تساعد تحاليل مثل الهيموغلوبين والفيريتين على تأكيد النقص، ولماذا لا يُنصح بتناول مكملات الحديد من دون تشخيص طبي.

التعب ليس العلامة الوحيدة

قد يكون الإرهاق المستمر من العلامات المبكرة على نقص الحديد، لكنه يصبح أكثر إثارة للاشتباه عندما يترافق مع أعراض أخرى، مثل شحوب البشرة، والدوخة، والصداع، وضيق التنفس، أو خفقان القلب.

وقد يشعر بعض الأشخاص أيضاً بضعف عام أو انخفاض في القدرة على التركيز وأداء الأنشطة اليومية، نتيجة عدم حصول الأنسجة على كمية كافية من الأكسجين.

ولا يعني وجود التعب وحده بالضرورة أن السبب هو نقص الحديد، إذ يمكن أن يرتبط بعديد من الحالات والعوامل الأخرى، لذلك لا ينبغي الاعتماد على الأعراض وحدها لتحديد السبب.

مَن الأكثر عُرضة لنقص الحديد؟

يمكن أن يحدث نقص الحديد بسبب عدم الحصول على كمية كافية منه من الغذاء، أو بسبب فقدان الدم، أو نتيجة عدم قدرة الجسم على امتصاص الحديد بصورة كافية.

وتُعد غزارة الدورة الشهرية من الأسباب الشائعة لفقدان الحديد لدى النساء، كما قد يرتفع خطر النقص لدى الأشخاص الذين لا يتناولون نظاماً غذائياً متوازناً أو لا يحصلون على مصادر كافية للحديد.

وفي بعض الحالات، قد يكون نقص الحديد مرتبطاً بفقدان دم غير ظاهر أو بمشكلة صحية تؤثر في امتصاص العناصر الغذائية، وهو ما يجعل تحديد السبب مهماً إلى جانب علاج النقص نفسه.

كيف يُؤكَّد نقص الحديد؟

لا يمكن تأكيد نقص الحديد اعتماداً على الشعور بالتعب أو الأعراض وحدها، إذ يحتاج الأمر عادةً إلى فحوصات دم.

ويُستخدم تحليل الهيموغلوبين لتقييم وجود فقر الدم، بينما يساعد تحليل الفيريتين في تقدير مخزون الحديد في الجسم. وقد يطلب الطبيب فحوصات أخرى وفقاً للأعراض والتاريخ الصحي لكل شخص.

وتساعد نتائج هذه الفحوصات الطبيب على تحديد ما إذا كان التعب مرتبطاً بنقص الحديد، وما إذا كان هناك سبب يستدعي البحث عنه وعلاجه.

هل يمكن تناول مكملات الحديد عند الشعور بالتعب؟

لا يُنصح بالبدء في تناول مكملات الحديد لمجرد الشعور بالتعب، لأن الإرهاق له أسباب متعددة، كما أن الحصول على الحديد بكميات تفوق حاجة الجسم قد يسبب آثاراً جانبية ومشكلات صحية.

لذلك، فإن استمرار التعب، خصوصاً إذا ترافق مع الشحوب أو الدوخة أو الصداع أو ضيق التنفس أو خفقان القلب، يستدعي استشارة الطبيب وإجراء الفحوصات المناسبة قبل تناول مكملات الحديد.

وبذلك، يمكن تحديد ما إذا كان نقص الحديد هو السبب فعلاً، ومعرفة درجته والسبب الكامن وراءه، ثم اختيار العلاج المناسب وفقاً للحالة.