هدد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، الاثنين، باستهداف شركات النفط والغاز الأميركية، ومنشآتها في المنطقة إذا تعرضت الأصول الإيرانية لهجمات، فيما تستعد طهران لإعلان «منطقة محظورة» جديدة في الخليج، لمواجهة الحصار البحري الأميركي.
ووجه قاليباف تهديده رداً على وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث، الذي حذر من أن الولايات المتحدة ستدمر ناقلات النفط الإيرانية، وتغرقها، إذا واصلت طهران استهداف السفن الأميركية.
وكتب قاليباف على منصة «إكس»: «الأمر بسيط: سلسلة إنتاج النفط والغاز هنا واسعة، ويسهل الوصول إليها، ومكشوفة. وشركات النفط والغاز الأميركية في هذه المياه والمنشآت تتعرض للخطر ذاته».
وأضاف: «اقصفوا أصولنا، وستتعرضون للقصف. لقد أثبتنا ذلك بالفعل. اسألوا القواعد التي لم تعد قابلة للعمل»، في إشارة إلى الهجمات الإيرانية على المصالح الأميركية خلال الحرب.
وكان هيغسيث قد كتب بعد استهداف الجيش الأميركي ثلاث ناقلات إيرانية السبت: «الأمر بسيط: إذا أطلقت إيران النار على السفن الأميركية، فسندمر ناقلات نفطها، ونغرقها».
ويأتي التهديد المتبادل بعد استئناف الضربات مطلع سبتمبر (أيلول)، إثر هدوء نسبي استمر معظم أغسطس (آب)، مع احتدام المواجهة البحرية، وتشديد الحصار الأميركي على صادرات النفط الإيرانية.
«منطقة محظورة»
بالتوازي، أعلن أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي أن طهران راجعت مسار المواجهة بعد انسحاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب من مذكرة تفاهم إسلام آباد، وقررت تغيير استراتيجيتها في الحرب، والتفاوض، ومواجهة الحصار.
وقال رضائي في مقابلة بثها التلفزيون الإيراني الرسمي مساء الأحد، إن تجربة مذكرة تفاهم إسلام آباد أنهت، عملياً، رهان طهران على ضمانات الوسطاء، مضيفاً أن إيران لن تبادر إلى أي خطوة جديدة قبل أن تبدأ الولايات المتحدة تنفيذ التزاماتها بصورة عملية. وقال إن الوساطات السابقة أظهرت أن الوسطاء «لا يستطيعون تقديم ضمانات»، مضيفاً أن طهران ستبني أي تحرك لاحق على أفعال واشنطن لا على التعهدات. وأضاف أن هذا النهج ينسحب أيضاً على مضيق هرمز، مؤكداً أنه «لن يُفتح» قبل أن تبدأ الولايات المتحدة خطوات ملموسة وتظهر نتائجها.
وأوضح رضائي أن أول هذه التغييرات يتعلق بمضيق هرمز، حيث تعتزم طهران إعلان «منطقة محظورة» جديدة خلال الأيام المقبلة. وقال إن المنطقة ستشمل المسافة بين «خط الحصار الأميركي» وموانئ التحميل، وإن أي سفينة تتحرك من جانبي المضيق باتجاه هرمز من دون تنسيق مع إيران ستدرج على «قائمة العقوبات الإيرانية».
وأضاف أن إدراج السفن المخالفة يمكن أن تترتب عليه مشكلات تتعلق بالتأمين، وحركتها اللاحقة، مقدماً الخطوة باعتبارها أداة لزيادة الضغط على الولايات المتحدة في مواجهة الحصار البحري.
ووصف رضائي إعلان ترمب أن مضيق هرمز مفتوح بأنه «كذبة كبيرة»، قائلاً إن المضيق «مغلق بالكامل». وأشار إلى أن أكثر من 100 سفينة كانت تنقل أكثر من 100 مليون طن من البضائع قبل إغلاقه، بينما لا تعبر حالياً، حسب قوله، سوى سبع أو ثماني سفن تحمل سلعاً أساسية لإيران. ولم يحدد الفترة الزمنية لأرقامه.
وأظهرت بيانات شحن، الاثنين، أن متوسط حركة سفن السلع الأولية عبر المضيق انخفض إلى عشر سفن يومياً خلال الأيام العشرة الماضية، في أدنى معدل منذ مايو (أيار).
وادعى رضائي أن الأميركيين يحاولون تمرير «خمس أو ست سفن خلسة»، وبتكاليف مرتفعة، وأن بعضها يبحر بمحاذاة الساحل العُماني مع إطفاء أنظمة الملاحة، و«يتعرض في الغالب للضرب». وأضاف أن طهران لم تتخذ حتى الآن قراراً بإغراق السفن التي تحمل النفط، مشيراً إلى المخاطر البيئية المترتبة على ذلك.
وفي واشنطن، قال وزير الطاقة الأميركي كريس رايت، الأحد، إن أكثر من تسعة ملايين برميل من النفط تعبر هرمز يومياً، وإن التدفقات، عند احتساب خطوط الأنابيب التي تتجاوز المضيق، بلغت نحو ثلثي مستويات ما قبل الحرب، أو أكثر.

ممر ملاحي مع عُمان
وكشف رضائي أن إيران وعُمان اتفقتا على خرائط «ممر دولي جديد» يمر في المياه الإيرانية، والعُمانية، وقال إن طهران ستتولى إدارته، على أن توقع الخرائط وتعلن التفاصيل خلال الأيام المقبلة.
وأفاد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، الاثنين، بأن المحادثات مع عُمان بشأن تحديد مسارات آمنة للملاحة حققت «تقدماً جيداً جداً»، ووصلت إلى مرحلتها النهائية.
وأضاف أن من المتوقع تسجيل تفاهم إيراني - عُماني لدى المنظمة البحرية الدولية خلال أيام، لإنشاء «مسار مؤقت وآمن» للملاحة في هرمز.
وربط رضائي فتح المضيق بخطوات أميركية تسبق أي إجراء إيراني، قائلاً: «إيران ستتعهد بفتح مضيق هرمز عندما لا تهدد الولايات المتحدة إيران، ولا تهاجمها».
وقال إن هرمز «لن يُفتح» قبل بدء تلك الإجراءات، وظهور نتائجها، مشيراً إلى أن إيران لم تغلق الباب أمام الدبلوماسية، لكنها لم تعد مستعدة، حسب قوله، إلى التحرك استناداً إلى ضمانات الوسطاء.
وقال بقائي إن «الكرة في ملعب أميركا منذ مدة»، متهماً واشنطن ببدء الحرب، ثم خرق التفاهم الموقع مع إيران. وربط استعادة الأمن في هرمز بوقف الحصار البحري، والعقوبات الاقتصادية، والهجمات الأميركية.
وفي وقت لاحق، قال علي محمدي، نائب الشؤون السياسية في بحرية «الحرس الثوري»، إن ميناء خصب العُماني يمثل «حد الحصانة» في مضيق هرمز.
وأضاف أن «العبور الآمن عبر الممر الأميركي في جنوب مضيق هرمز غير ممكن عملياً»، محذراً من أن أي سفينة تدخل هذا الممر «لن تكون بمنأى عن خطر الإصابة بعد وصولها إلى منطقة خصب العُمانية».
ودعا محمدي جميع السفن إلى استخدام المسار الإيراني في مضيق هرمز. وقال إن بحرية «الحرس الثوري» تراقب تحركات السفن «لحظة بلحظة» في الخليج ومضيق هرمز وبحر عُمان، في ظل ما وصفه بـ«إشراف استخباراتي وعملياتي كامل».

التفاوض مقابل «الحقوق»
وفي مؤشر آخر على شروط طهران لأي مسار سياسي جديد، قال رئيس منظمة «الباسيج»، حسين طائب، إن إيران تقبل التفاوض إذا أدى إلى تثبيت حقوقها، ومصالحها، لكنها ترفض مساراً ينطوي على التنازل عنها.
ونقل التلفزيون الإيراني الرسمي عنه قوله في مشهد إن «التفاوض ليس جيداً أو سيئاً في ذاته، وما يمنحه معناه هو النتيجة»، مضيفاً أن أي مفاوضات مقبولة يجب أن تثبت «حقوق الشعب الإيراني»، وتضمن «حقوق جبهة المقاومة». وقال: «موقف البلاد واضح: التفاوض من أجل أخذ حق الشعب، وليس للتنازل عنه».
واتهم الطرف المقابل بعدم تنفيذ التزامات سابقة، معدداً بينها تحويل موارد مالية إلى إيران، والاعتراف بـ«إدارة إيران لمضيق هرمز»، ووقف التهديدات. وأضاف أن قرارات طهران ستستند إلى «الإجراء الفعلي للطرف المقابل»، وليس الوعود.

«لا تقبل مذكرة تفاهم ولا اتفاقاً»
وكرر أعضاء في البرلمان التهديدات. وقال إبراهيم رضائي، عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية، إن السفن الحربية الأميركية «لن تكون لها أي نقطة آمنة» في المنطقة، مهدداً باستهداف السفن، والمعدات، والمدمرات، والقواعد الأميركية «في أي نقطة».
ونقلت وكالة «مهر» الحكومية قوله إن الصواريخ الإيرانية تطورت مقارنة بما كانت عليه قبل عام، وأصبحت «أكثر ذكاءً»، وأشد قدرة على التدمير، بما في ذلك ضرب السفن الحربية.
واتخذ إسماعيل كوثري، عضو اللجنة نفسها، موقفاً أكثر تشدداً من المسار السياسي، قائلاً إن إيران «لا تقبل مذكرة تفاهم ولا اتفاقاً» مع الولايات المتحدة، وداعياً إلى مواصلة المواجهة حتى خروج القوات الأميركية من المنطقة.
وقال كوثري -وهو جنرال في «الحرس الثوري»- لموقع «ديدهبان إيران» إن طهران لا تستطيع الوثوق بواشنطن حتى إذا وقعت اتفاقاً معها. ورداً على سؤال عن هجوم استباقي لإخراج القوات الأميركية، أضاف أن القوات المسلحة «لديها خطط، وتتابعها بدقة».
ودعا حبيب قاسمي، عضو هيئة رئاسة لجنة المادة 90 في البرلمان، إلى توسيع الضغط ليشمل أوروبا، واستخدام مضيقي هرمز وباب المندب أداة للضغط الاقتصادي عليها.
وقال إن أي مؤسسة تشارك في اتخاذ وتنفيذ إجراءات تهدف إلى «شل إيران» ستكون «هدفاً مشروعاً»، داعياً إلى التعاون مع ميليشيا الحوثي في باب المندب للضغط على الدول الأوروبية.
ومن جهته، قال النائب عباس غودرزي، المتحدث باسم هيئة رئاسة البرلمان الإيراني، إن «الحصار الاقتصادي ليس هدفاً بحد ذاته، بل أداة»، متهماً خصوم إيران بالسعي إلى زيادة الاستياء الداخلي وتهيئة الأرضية لتنفيذ استراتيجيات تستهدف النظام.وأضاف غودرزي، أن لدى الجمهورية الإسلامية «أوراقاً كثيرة لم تكشف عنها»، قائلاً إن مرحلة «اضرب واهرب» انتهت في المجال العسكري، وإن الأمر نفسه ينطبق على الاقتصاد. وتابع: «إذا لم تتمكن السفن الإيرانية من العبور، فلن تعبر أي سفينة».
في غضون ذلك، قال قائد القوة البحرية للجيش الإيراني، الأدميرال شهرام إيراني، إن قواته قادرة «عند الضرورة على شل حركة العدو في أي نقطة»، مشيراً إلى أن تحركات الخصوم تخضع للرصد «لحظة بلحظة».
ونقلت وكالة «إرنا» الرسمية قوله إن البحرية الإيرانية تنفذ عمليات في المياه البعيدة، وخارج الحدود، وإن «عنصر المفاجأة» في بعض المهام أدى إلى تعطيل القدرة العملياتية لقطع بحرية معادية «لفترة طويلة».
وأضاف أن القوات المسلحة تحافظ على جاهزيتها لمنع خصوم إيران من تحقيق أهدافهم، من دون أن يقدم تفاصيل بشأن السفن التي قال إن عملياتها تعطلت.
وتتقاطع تصريحاته مع إعلان محسن رضائي أن إيران اختبرت خلال الهجوم الأخير على سفينة حربية أميركية صاروخاً «خاصاً مضاداً للمدمرات».
واعتبر رضائي أن إقرار القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» بتعرض سفن أميركية لهجمات يثبت، من وجهة نظر طهران، أن «الحصار البحري قابل للاختراق».
حرب الناقلات
ولم تعلق «سنتكوم» على ادعاء اختبار صاروخ جديد، لكنها أعلنت أن حاملة طائرات، ومدمرة مزودة بصواريخ موجهة تفاديتا عدة هجمات إيرانية، وأن أياً من العسكريين الأميركيين لم يصب.
وقالت القيادة المركزية إن قواتها ضربت، السبت، ثلاث ناقلات إيرانية بعد إطلاق «الحرس الثوري» صواريخ باليستية باتجاه سفينتين حربيتين أميركيتين كانتا تقومان بدوريات في المياه الإقليمية. وشملت الضربات ناقلة قبالة جزيرة خرج، مركز تصدير النفط الرئيس لإيران.
وقال قائد «سنتكوم» الأميرال براد كوبر: «إذا أطلقتم النار على اثنتين من سفننا، فسوف نفرض عليكم كلفة اقتصادية أكبر، بإخراج ثلاث من سفنكم من الخدمة».
وأعلن «الحرس الثوري» بدوره استهداف ثلاث ناقلات قال إنها كانت تستخدم مسارات غير مصرح بها في هرمز، فضلاً عن ثلاث سفن مرتبطة بالولايات المتحدة في مناطق أخرى.
وقال رضائي إن التغيير في النهج العسكري شمل أيضاً ضرب «قواعد دعم، ومواقع انتشار للقوات الأميركية» في الأردن، وأربيل. وربط تلك الهجمات بتراجع واشنطن عن عملية قال إنها كان مقرراً أن تستمر عشرة أيام.
وأضاف أن إيران لا تزال تحتفظ بحق الرد على الضربة الأميركية التي تقول طهران إنها أصابت حفل زفاف في كوهستك، وأوقعت قتلى، وجرحى.
النفط تحت الحصار
وبالتوازي مع التصعيد العسكري، رفض رضائي القول إن الحصار الأميركي أوقف صادرات النفط الإيرانية، وقال إن طهران لا تزال تبيع الخام، وتتلقى عائداته.
وأوضح أن إيران تمكنت، خلال الفترة التي أتاحتها مذكرة التفاهم، من إخراج ما بين 70 و80 مليون برميل من النفط المنتج، والمخزن سابقاً، وأن بيع تلك الكميات مستمر.
وأضاف أن طهران تعمل على تفعيل الممرات البرية في تجارتها الخارجية، قائلاً إن دولة لديها 15 جاراً «لا ينبغي أن تعتمد حصراً على التجارة البحرية».
لكن ثلاثة مصادر إيرانية رفيعة قالت لـ«رويترز» إن الضغوط على الاقتصاد تتزايد مع مساعي الولايات المتحدة لخنق صادرات النفط، وإغلاق مسارات التحايل على العقوبات.
وكان قاليباف قد أقر خلال مطلع الأسبوع بأن المعركة الرئيسة لإيران، إلى جانب الجبهة العسكرية، باتت تشمل الإنتاج، ومعيشة المواطنين، مشيراً إلى تقلبات العملة، والتضخم، والبطالة، وإدارة الأسواق.
وتعرضت جزيرة خرج لضربات متكررة خلال الحرب. وقال وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد إنها تعرضت لنحو 550 ضربة خلال الأشهر الماضية، لكنه أفاد بأن العمل فيها لم يتوقف.
وكان نحو 90 في المائة من صادرات الخام الإيراني يمر عبر خرج قبل الحرب، قبل تراجع التدفقات مع بدء الحصار الأميركي على الصادرات النفطية في منتصف أبريل (نيسان).
وقالت «سنتكوم» إنها أعادت، حتى 6 سبتمبر، توجيه 92 سفينة تجارية، وعطلت ثلاث سفن، وصعدت إلى اثنتين للتحقق من الالتزام بالحصار.
وأدت القيود على حركة الملاحة وتجدد الهجمات إلى ارتفاع أسعار النفط الاثنين، إذ صعد خام برنت إلى 97.93 دولار للبرميل، وهو أعلى مستوى منذ 24 يوليو (تموز)، قبل أن يتراجع إلى 96.19 دولار.
وبعد ستة أشهر من اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط)، أعادت جولة التصعيد الأخيرة مضيق هرمز إلى قلب المواجهة، مع انتقال التهديدات من السفن والقواعد العسكرية إلى منشآت إنتاج الطاقة نفسها.


