لا تزال الشكوك تساور المعارضة في الكونغو الديمقراطية، بعد إعلان رئيس البلاد فيليكس تشيسيكيدي اعتزامه إجراء «حوار وطني» في ظل مسار رسمي لم يتوقف بعد لإجراء تعديل دستوري لتمديد فترته الرئاسية.
وحددت المعارضة مهلة تنتهي في 15 أغسطس (آب) المقبل، لإعلان موعد لبدء «الحوار الوطني» وإعلان أجندته، وهو ما يراه خبير في الشؤون الأفريقية، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، اختباراً لجدية رئيس البلاد، متوقعاً 3 سيناريوهات لذلك المسار.
وبدأ تشيسكيدي (62 عاماً) ولايته الأولى في يناير (كانون الثاني) 2019، واستمرت حتى 2023، قبل انتخابه لولاية ثانية من 2024 إلى 2029، ويُفترض أن تنتهي، وفق الدستور في نهاية عام 2028.
ويُقيد الدستور الحالي، الصادر عام 2006، الرئاسة بفترتين فقط، مدة كل منهما 5 سنوات، ما يعني عدم قدرته على الترشح لولاية ثالثة إلا بعد تعديل دستوري يتطلب موافقة أغلبية البرلمان وإجراء استفتاء شعبي، تسعى له الموالاة، وقد قوبل هذا المسار برفض واسع من المعارضة على مدار الأشهر الماضية.
مهلة سياسية منتظرة
حدد ائتلاف المعارضة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، المعروف باسم «الائتلاف 64»، مهلة تنتهي في 15 أغسطس (آب) 2026 كي يدعو تشيسيكيدي رسمياً إلى الحوار الوطني الشامل، حسب ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».
وحذر من أنه «إذا لم ينعقد في الموعد المحدد، أو بقيت التعهدات دون ترجمة ملموسة، فإنه سيدعو الكونغوليين إلى استئناف التحركات المدنية السلمية»، معلناً إبقاء هياكله في الداخل والمهجر في حالة «تعبئة ويقظة قصوى».
كما حذر الائتلاف من «أفعال استفزازية، في مقدمها المضي في مسار تغيير الدستور».

ويرى المحلل السياسي التشادي، المختص بالشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، أن مهلة 15 أغسطس تمثل «أكثر من مجرد موعد زمني، فهي تعكس محاولة المعارضة تحويل إعلان الرئيس تشيسيكيدي بشأن الحوار الوطني، من تعهد سياسي إلى التزام عملي قابل للقياس».
وتدرك المعارضة أن «الدعوة إلى الحوار قد تخفف من حدة التوتر السياسي، لكنها تخشى في الوقت نفسه أن تتحول إلى عملية مفتوحة بلا نتائج واضحة، بخاصة في ظل الجدل المتصاعد حول مشروع تعديل الدستور، واحتمال إجراء استفتاء قد يفتح الباب أمام تمديد بقاء الرئيس في السلطة»، وفق صالح.
وجاءت المهلة، حسب عيسى، «وسيلة لإلزام الحكومة بإعلان خطوات تنفيذية واضحة بدل الاكتفاء بالتصريحات، وورقة ضغط سياسية بيد المعارضة، إذ تمنحها مبرراً للانتقال إلى مرحلة جديدة من التحركات المدنية السلمية إذا لم تستجب السلطة لمطالبها».
ويعتقد أن هذه المهلة «تضع الحكومة أمام اختبار داخلي وخارجي، إذ ستقاس مصداقيتها بمدى قدرتها على إطلاق حوار فاعل يضم مختلف القوى السياسية ويعالج القضايا الخلافية، وليس مجرد حوار شكلي».
وتمثل المهلة نقطة تحول في مسار الأزمة، إذ قد تحدد اتجاه البلاد إما نحو إطلاق حوار سياسي يخفف حدة التوتر، أو نحو مرحلة جديدة من التصعيد بين السلطة والمعارضة، وفق عيسى.
حوار وطني ومخاوف من التمديد
حسب بيان لرئاسة الكونغو الديمقراطية، نُشر عبر منصة «إكس»، قبل نحو أسبوع، أكد تشيسكيدي «تنظيم حوار وطني يهدف إلى تعزيز التماسك الوطني»، وذلك عقب اجتماع بين الرئيس الكونغولي وممثلين عن الطوائف الدينية الرئيسية في البلاد، دون تحديد خريطة لمساره.
وتدعم الغالبية التابعة للرئيس تشيسكيدي مشروع قانون قُدم مؤخراً إلى البرلمان ينص على إجراء استفتاء لتعديل الدستور، في خطوة قد تمهد لولاية ثالثة، وهو ما أثار جدلاً سياسياً.
ويمكن أن يؤدي استمرار الغموض بشأن الحوار الوطني، بالتزامن مع الدفع نحو تعديل الدستور، إلى تصعيد سياسي وشعبي ملحوظ في الكونغو الديمقراطية، لأن هذين المسارين ينظر إليهما من قبل المعارضة على أنهما متناقضان، وفق المحلل المختص بالشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى.
وبعد مهلة 15 أغسطس، يمكن تصور عدة سيناريوهات، حسب عيسى، الأول أن تستجيب الحكومة بإطلاق حوار وطني واضح المعالم وتأجيل أي خطوات تتعلق بتعديل الدستور، وهو ما قد يخفف من حدة التوتر ويفتح المجال لتسوية سياسية.
والسيناريو الثاني، حسب عيسى، أن تواصل السلطة مسار تعديل الدستور دون تقديم ضمانات كافية بشأن الحوار، وهو ما قد يدفع المعارضة إلى تنفيذ تهديدها بالعودة إلى الشارع، وتنظيم احتجاجات أوسع، بما يزيد من الاستقطاب السياسي، لافتاً إلى أن السيناريو الثالث يتمثل في استمرار حالة المراوحة، بحيث تعلن الحكومة إجراءات محدودة لا ترضي المعارضة بالكامل، ما يبقي الأزمة مفتوحة ويؤجل الحسم، مع بقاء احتمالات التصعيد قائمة في أي لحظة.
