باكستان تعيد تحريك الوساطة وسط خلاف على الهدنة

وزير الداخلية الإيراني يلتقي شهباز شريف وعاصم منير

رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف خلال لقائه وزير الداخلية الإيراني إسكندر مؤمني في مقر رئاسة الوزراء بإسلام آباد يوم الثلاثاء (رئاسة الوزراء الباكستانية)
رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف خلال لقائه وزير الداخلية الإيراني إسكندر مؤمني في مقر رئاسة الوزراء بإسلام آباد يوم الثلاثاء (رئاسة الوزراء الباكستانية)
TT

باكستان تعيد تحريك الوساطة وسط خلاف على الهدنة

رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف خلال لقائه وزير الداخلية الإيراني إسكندر مؤمني في مقر رئاسة الوزراء بإسلام آباد يوم الثلاثاء (رئاسة الوزراء الباكستانية)
رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف خلال لقائه وزير الداخلية الإيراني إسكندر مؤمني في مقر رئاسة الوزراء بإسلام آباد يوم الثلاثاء (رئاسة الوزراء الباكستانية)

كثفت باكستان تحركاتها لإعادة إيران والولايات المتحدة إلى طاولة التفاوض، في محاولة لإنقاذ الاتفاق المؤقت المنهار، فيما واصل الطرفان هجماتهما لليوم العاشر على التوالي، وسط خلافات متصاعدة بشأن مضيق هرمز وشروط وقف القتال.

وبدأ وزير الداخلية الإيراني إسكندر مؤمني، الثلاثاء، سلسلة اجتماعات في إسلام آباد، حيث التقى قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، قبل أن يجتمع مع رئيس الوزراء شهباز شريف، في إطار مساعٍ باكستانية لإحياء المسار الدبلوماسي.

وأعرب شريف عن قلقه العميق من التصعيد، داعياً الأطراف إلى ضبط النفس وتجنب خطوات من شأنها زيادة زعزعة استقرار المنطقة.

ونقل بيان صادر عن مكتب شريف قوله إنه حثّ الأطراف على الامتناع عن أي خطوات من شأنها زيادة زعزعة استقرار المنطقة. وأضاف أنه أبلغ مومني بأن باكستان ستواصل جهودها التي أسهمت في التوصل إلى مذكرة التفاهم التي أوقفت الحرب في يونيو (حزيران).

ولم تعلن السلطات تفاصيل المحادثات المغلقة، كما لم يتضح نوع الترتيبات الجديدة التي يمكن التوصل إليها لوقف القتال، أو ما إذا كانت الجهود تستهدف إعادة العمل بالاتفاق السابق بصيغة معدلة.

ولعبت القيادة السياسية الباكستانية ومنير، الذي يتولى قيادة الجيش وقوات الدفاع، دوراً رئيسياً في الوساطة التي أفضت إلى مذكرة التفاهم الموقعة بين الولايات المتحدة وإيران في يونيو (حزيران).

وتعمل إسلام آباد حالياً على إقناع الطرفين باستئناف المفاوضات لمعالجة القضايا العالقة في الاتفاق.

ونقلت «رويترز»، الاثنين، عن مصدرين حكوميين باكستانيين أن مؤمني طلب من إسلام آباد استئناف دورها وسيطاً في النزاع بين إيران والولايات المتحدة. وقال المصدران إن الزيارة هي الثانية لوزير الداخلية الإيراني إلى باكستان خلال أقل من أسبوع.

وأكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، الاثنين، أن المساعي الدبلوماسية لا تزال مستمرة عبر الدول التي تضطلع بأدوار الوساطة، رغم تصاعد العمليات العسكرية وانهيار الترتيبات التي كان يفترض أن تنهي القتال.

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يتحدث إلى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف بحضور قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير قبيل الاجتماع الرباعي في منتجع بورغنشتوك بسويسرا (رويترز)

وتعثر الاتفاق المؤقت، الذي وقع الشهر الماضي، مع عودة الهجمات، فيما تباطأت حركة السفن عبر مضيق هرمز إلى حد كبير.

وظل الخلاف بشأن حرية الملاحة في الممر البحري إحدى العقبات الرئيسية أمام إعادة تثبيت الاتفاق.

وفي إشارة إلى إبقاء باب الدبلوماسية مفتوحاً، قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الأحد، إن الولايات المتحدة لا تزال مستعدة للتفاوض مع إيران، لكنه شدد على أن أي مفاوضات «يجب أن تكون حقيقية».

ولم يحدد روبيو الشروط التي يتعين على طهران تلبيتها، كما لم يتضح ما إذا كانت إيران ستطرح مقترحات يمكن أن يعدها الرئيس الأميركي دونالد ترمب أساساً لمفاوضات جدية.

ونقلت «رويترز» عن مسؤول إيراني كبير أن وسطاء قدموا إلى طهران مقترحاً لوقف الهجمات لمدة عشرة أيام، بهدف تهدئة الحرب وإيجاد سبل لإحياء الاتفاق المؤقت، من دون كشف هوية الوسطاء أو تفاصيل المناقشات.

لكن صحيفة «جيروزاليم بوست» نقلت، الثلاثاء، عن مصدرين مطلعين على المفاوضات أن طهران هي التي طرحت مبادرة الهدنة، قبل أن ينقلها مسؤولون قطريون ومصريون وعُمانيون وباكستانيون إلى الولايات المتحدة ويضيفوا إليها عناصر أخرى خلال محادثاتهم مع الطرفين.

وحسب الصحيفة، رفضت واشنطن المقترح بصيغته الحالية وطالبت بوقف أطول للقتال، وبالتوصل قبل سريان أي هدنة إلى تفاهمات جزئية على الأقل بشأن حرية الملاحة في مضيق هرمز، على أن تُستكمل التفاصيل المتبقية خلال فترة التوقف المقترحة.

وقال المصدران إن بعض المسؤولين في إدارة ترمب وصفوا المبادرة الإيرانية بأنها «عبثية» و«غير منطقية». ونقلت الصحيفة عن مسؤول أميركي أن ترمب يركز على ضمان أن «تدفع إيران الثمن» عن انتهاك مذكرة التفاهم ومقتل عسكريين أميركيين.

وأضاف المسؤول أن الضربات ستستمر إلى أن يقرر الرئيس خلاف ذلك، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن المحادثات بين البلدين لا تزال متواصلة.

وكتب ترمب على منصته للتواصل الاجتماعي، الاثنين: «في كل مرة تقتل فيها إيران جندياً أميركياً، ستدفع ثمن ذلك أضعافاً مضاعفة»، في موقف يعكس صعوبة مهمة الوسطاء الباكستانيين، رغم استمرار قنوات الاتصال ومحاولات التوصل إلى صيغة جديدة لوقف القتال.


مقالات ذات صلة

«أدنوك» تعلن تعرض سفينة تابعة لها لهجوم في مضيق هرمز

الخليج مبنى شركة «بترول أبوظبي» (الموقع الإلكتروني لشركة «أدنوك»)

«أدنوك» تعلن تعرض سفينة تابعة لها لهجوم في مضيق هرمز

​أعلنت شركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك) ‌أن ‌إحدى ​سفنها ‌تعرضت ⁠لهجوم ​أثناء عبورها ⁠مضيق هرمز اليوم الجمعة.

«الشرق الأوسط» (أبوظبي)
شؤون إقليمية كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية الإيراني (أ.ب)

مسؤول إيراني رداً على تصريحات ترمب: طهران لن ترضخ للتهديدات الأميركية

قال نائب وزير ​الخارجية الإيراني كاظم غريب أبادي، إن طهران لن ترضخ للتهديدات ‌أو ‌استعراض القوة ​من ‌جانب ⁠واشنطن.

«الشرق الأوسط» (طهران)
شؤون إقليمية الدخان يتصاعد خلال حريق في سوق جنت آباد بطهران 3 فبراير (أرشيفية - رويترز) p-circle

واشنطن تلجأ لـ«الضغط الاقتصادي الأقصى» على طهران

أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب نشر تصريحات وزير الخزانة سكوت بيسنت لشبكة «نيوزماكس»، في إشارة سياسية واضحة إلى تبنيه التهديد الذي أطلقه الوزير.

هبة القدسي (واشنطن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب) p-circle

ترمب: سنضرب إيران اقتصادياً بقوة... وسأعلن قريباً أن «هرمز» بات تابعاً لأميركا

قال الرئيس الأميركي إن بلاده ‌ستضرب إيران اقتصادياً ‌بقوة، ​وأضاف أنه ​سيعلن ‌قريباً ⁠جداً ​أن مضيق هرمز ⁠بات تابعاً للأراضي الأميركية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية الرئيس دونالد ترمب مع بنيامين نتنياهو في مارالاغو بفلوريدا يوم 29 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

هل تتأثر علاقة ترمب مع نتنياهو بتراجع ثقة الاستخبارات الأميركية في نظيرتها الإسرائيلية؟

علّقت صحيفة «إندبندنت» البريطانية على عملية نقل الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى طائرة عسكرية في أنقرة بعد حضوره قمة «الناتو» بواسطة شاحنة تموين.

«الشرق الأوسط» (لندن )

اختبار أميركي لنتنياهو بين غزة والضفة والانتخابات

كوشنر في الوسط خلال مصافحة بين نيكولاي ملادينوف (يمين الصورة) وستيف ويتكوف في دافوس 22 يناير 2066 (أ. ف. ب)
كوشنر في الوسط خلال مصافحة بين نيكولاي ملادينوف (يمين الصورة) وستيف ويتكوف في دافوس 22 يناير 2066 (أ. ف. ب)
TT

اختبار أميركي لنتنياهو بين غزة والضفة والانتخابات

كوشنر في الوسط خلال مصافحة بين نيكولاي ملادينوف (يمين الصورة) وستيف ويتكوف في دافوس 22 يناير 2066 (أ. ف. ب)
كوشنر في الوسط خلال مصافحة بين نيكولاي ملادينوف (يمين الصورة) وستيف ويتكوف في دافوس 22 يناير 2066 (أ. ف. ب)

يقوم المفاوض الأميركي، جاريد كوشنر، صهر الرئيس دونالد ترمب، بجولة تشمل إسرائيل ومصر، لن تكون لإنعاش خطة متعثرة في غزة وحسب؛ إذ سيرافقه الممثل الأعلى لـ«مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف، وعضو مجلسه التنفيذي رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، توني بلير، وذلك في لحظة يتسع فيها التباعد بين ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، وتدخل فيها حسابات الانتخابات الإسرائيلية في 27 أكتوبر (تشرين الأول) على خط الملفات الإقليمية.

وفي موازاة الخلاف حول نزع سلاح «حماس» والانسحاب الإسرائيلي، تحولت اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية إلى اختبار آخر لقدرة حكومة نتنياهو والجيش الإسرائيلي على ضبط الأرض، والاستجابة لمطالب واشنطن.

ويصل كوشنر وملادينوف وبلير إلى إسرائيل، الأحد، قبل الانتقال إلى القاهرة حيث يلتقي لقاءات القاهرة وسطاء من مصر وقطر وتركيا، بالتوازي مع الاجتماعات التي تعقدها المجموعة الفلسطينية التكنوقراطية المرشحة لتولي إدارة غزة.


مسؤول إيراني رداً على تصريحات ترمب: طهران لن ترضخ للتهديدات الأميركية

كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية الإيراني (أ.ب)
كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية الإيراني (أ.ب)
TT

مسؤول إيراني رداً على تصريحات ترمب: طهران لن ترضخ للتهديدات الأميركية

كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية الإيراني (أ.ب)
كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية الإيراني (أ.ب)

قال نائب وزير ​الخارجية الإيراني كاظم غريب أبادي، إن طهران لن ترضخ للتهديدات ‌أو ‌استعراض القوة ​من ‌جانب ⁠واشنطن، ​وذلك بعد ⁠أن ذكر الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه سيعلن ⁠مضيق هرمز ‌أرض ‌أميركية.

وفي ​رده ‌على ‌تصريحات ترمب، قال غريب أبادي في منشور ‌على «إكسر، إن «هذا الممر ⁠المائي الاستراتيجي ⁠لن يُفتح أو يُغلق إلا بموجب سلطة إيران».


واشنطن تلجأ لـ«الضغط الاقتصادي الأقصى» على طهران

الدخان يتصاعد خلال حريق في سوق جنت آباد بطهران 3 فبراير (أرشيفية - رويترز)
الدخان يتصاعد خلال حريق في سوق جنت آباد بطهران 3 فبراير (أرشيفية - رويترز)
TT

واشنطن تلجأ لـ«الضغط الاقتصادي الأقصى» على طهران

الدخان يتصاعد خلال حريق في سوق جنت آباد بطهران 3 فبراير (أرشيفية - رويترز)
الدخان يتصاعد خلال حريق في سوق جنت آباد بطهران 3 فبراير (أرشيفية - رويترز)

أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عبر منصته «تروث سوشيال»، نشر تصريحات وزير الخزانة سكوت بيسنت لشبكة «نيوزماكس»، في إشارة سياسية واضحة إلى تبنيه التهديد الذي أطلقه الوزير بفرض إجراءات على إيران قال إنها ستكون غير مسبوقة في تاريخ العزل الاقتصادي للدول.

من جانبه، قال نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، إن الأولوية الرئيسية للولايات المتحدة في الحرب ضد إيران هي الحفاظ على أسعار النفط منخفضة للأميركيين، فيما تأتي مسألة منع طهران من حيازة سلاح نووي في المرتبة الثانية.

وتتباين هذه التعليقات مع تصريحات ترمب السابقة التي كرر فيها أن الهدف الوحيد من دخول الحرب هو منع إيران من امتلاك سلاح نووي، حتى لو تطلب ذلك تضحيات اقتصادية قصيرة الأجل من الأميركيين.

كما أكدت تعليقات فانس على حقيقة أن الحرب تتمحور الآن حول السيطرة على مضيق هرمز، وهي القضية التي فرضتها إيران على رأس جدول أعمال المفاوضات.

وأضاف فانس في مقابلة مع شبكة «فوكس نيوز»: «أعلم أن أسعار النفط منخفضة هذه الأيام، وأكثر انخفاضاً من المستويات المرتفعة التي سجلتها في الأيام الأولى للنزاع»، متابعاً: «هذا هو الهدف الأول؛ الحفاظ على أسعار رخيصة للنفط والغاز للأميركيين في جميع أنحاء بلادنا». وأردف: «وبعد ذلك من الواضح أن الهدف الثاني هو ضمان ألا تحصل إيران أبداً على سلاح نووي».

النهج الأكثر حذراً

حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» تَعبر بحر العرب في وقت سابق ضمن دعمها الحصار الأميركي المفروض على إيران (سنتكوم)

وكان نائب الرئيس من بين أعضاء الإدارة الأميركية الأكثر تشكيكاً في جدوى الهجوم ضد إيران في أواخر فبراير (شباط).

غير أن تصريحاته الأخيرة تبدو وكأنها تؤكد النهج الأكثر حذراً الذي يفضله الرئيس الأميركي حالياً، والقائم على مواصلة الضغط الاقتصادي القوي على إيران في ظل استمرار المواجهة العسكرية في مضيق هرمز.

وقال فانس أيضاً: «في بعض الأحيان نركز على الجانب المتعلق بالطاقة لأننا نريد أن يكون الأميركيون قادرين على تحمل أسعار النفط والغاز. وفي أحيان أخرى، نركز بوضوح على الجانب العسكري... وعلى البرنامج النووي».

وأكد فانس أن ترمب هو «في ذروة سلطته ويمتلك أدوات عديدة؛ دبلوماسية وعسكرية واقتصادية».

ويأتي قرار التركيز على الضغط الاقتصادي في وقت يبدو فيه المسار الدبلوماسي مسدوداً؛ حيث تتمسك كل من واشنطن وطهران بشروطهما الخاصة بإعادة فتح المضيق.

وفيما يتعلق بالخيارات العسكرية، تشير تقارير إعلامية أميركية إلى أن ترمب يواجه تحدي النفاد السريع لمخزونات معينة من الصواريخ والطائرات المسيّرة.

خنق القنوات المالية

مبنى بنك تضرر جراء حريق خلال الاحتجاجات المناهضة للحكومة في طهران يناير الماضي (إ.ب.أ)

ولم يكشف بيسنت تفاصيل الحزمة الجديدة التي قال إنها ستُعلن الأسبوع المقبل، لكنه رسم ملامح استراتيجية تتجاوز جولة تقليدية من العقوبات، تقوم على الجمع بين خنق القنوات المالية الإيرانية واستمرار الحصار البحري، بما يجعل المال والتجارة والطاقة أجزاء من جبهة ضغط، ما يشير إلى أن واشنطن قررت اللجوء إلى «الضغط الاقتصادي الأقصى» على طهران.

وتتركز الأنظار في واشنطن حالياً على مدى استعداد إدارة ترمب للذهاب بالعقوبات إلى الحلقة الأكثر حساسية: المؤسسات المالية الصينية التي تمر عبرها أموال النفط الإيراني. فإذا أقدمت واشنطن على استهدافها، ستكون إدارة ترمب قد انتقلت عملياً من سياسة «الضغط الأقصى» التي اتبعها ترمب خلال ولايته الأولى إلى ما يمكن وصفه بـ«العزل الأقصى».

أما إذا اقتصرت الإجراءات الجديدة على ناقلات النفط وشركات الصرافة والمحافظ الرقمية وشبكات الوساطة، فقد تكون الحزمة مؤلمة لطهران، لكنها لن ترقى بالضرورة إلى مستوى «العزل غير المسبوق» الذي وعد به بيسنت.

«المعادل المالي» للعمليات العسكرية

وكان بيسنت قد قال، على قناة «نيوزماكس»، إنه سيعلن رسمياً الأسبوع المقبل استراتيجية جديدة تقوم على نهج مزدوج يجمع بين «عزلة اقتصادية غير مسبوقة» وحصار بحري مستمر عبر مضيق هرمز.

وأوضح أن الهدف من الضغوط المالية والبحرية هو منع دخول البضائع والشحنات التجارية إلى الموانئ الإيرانية أو خروجها منها، واصفاً التصعيد الاقتصادي المرتقب بأنه «المعادل المالي» للعمليات العسكرية.

وكشف بيسنت أن وزارة الخزانة أبلغت شركات ودولاً بأن شراء النفط الإيراني أو الاحتفاظ بأموال إيرانية في مصارفها قد يعرّضها لعقوبات ثانوية أميركية. كما قال إن مصارف صينية تلقت بالفعل رسائل تحذير مباشرة من واشنطن، وإن الولايات المتحدة مستعدة لفرض عقوبات ثانوية عليها إذا ثبت مرور أموال إيرانية عبر حساباتها.

وتشير هذه التصريحات إلى أن الحزمة المنتظرة قد تتحرك عبر دوائر متصاعدة تبدأ بالنفط الإيراني ومشتريه، مروراً بـ«أسطول الظل» الذي ينقله، وشركات التأمين والموانئ والوسطاء، وصولاً إلى شبكات الصرافة والبنوك الموازية والعملات المشفرة، ثم، في الدائرة الأكثر حساسية، المؤسسات المالية الأجنبية التي تسمح بتسوية المدفوعات.

وقد تمتد الإجراءات أيضاً إلى شبكات شراء المكونات العسكرية في الصين وهونغ كونغ.

خمس جبهات للعقوبات

وتشير مؤشرات عدة إلى خمسة مجالات رئيسية قد تستهدفها الحزمة الجديدة في إطار حملة وزارة الخزانة التي تحمل اسم «الغضب المالي».

أولاً: النفط الإيراني إلى الصين. ويبدو هذا القطاع الأكثر أهمية؛ إذ قد تضع واشنطن المؤسسات المالية والبنوك الصينية التي تموّل مشتريات النفط الإيراني أمام خيار صعب: الاستمرار في تسهيل التجارة مع طهران، أو المخاطرة بفقدان الوصول إلى النظام المالي الأميركي.

ثانياً: أسطول الظل والشحن والتأمين. ومن المتوقع أن توسع وزارة الخزانة العقوبات المفروضة على شبكات نقل النفط الإيراني. وكانت واشنطن قد استهدفت شبكة مرتبطة بحسن شمخاني، شملت أكثر من 50 فرداً وكياناً وسفينة مرتبطة بتجارة النفط والشحن. وقد تمتد الجولة المقبلة إلى ملاك السفن وشركات التصنيف والتأمين وإعادة التأمين والموانئ والوسطاء الذين يتيحون استمرار حركة «أسطول الظل».

ثالثاً: البنوك الموازية وشبكات تحويل الأموال. وترى واشنطن أن إيران طورت شبكة واسعة من الشركات الموازية وشركات الصرافة لتجاوز النظام المصرفي التقليدي. وقالت وزارة الخزانة إن بعض هذه الشبكات تنقل مليارات الدولارات من العملات الأجنبية سنوياً. ولذلك قد تتجه العقوبات إلى الأطراف الأجنبية التي تستضيف الحسابات أو تتولى تحويل الأموال، وليس إلى الشركات الإيرانية وحدها.

رابعاً: العملات المشفرة والذهب. وتتحرك الخزانة الأميركية بالفعل في هذا الاتجاه منذ فترة. فقد استهدفت في يونيو (حزيران) الماضي منصة «نوبيتكس»، التي تعد أكبر بورصة للأصول الرقمية في إيران، إلى جانب ثلاث بورصات أخرى. ومن المتوقع أن تتوسع الإجراءات لتشمل الذهب والأحجار الكريمة والأصول الرقمية، باعتبارها وسائل بديلة لنقل الأموال خارج النظام المصرفي التقليدي.

خامساً: شبكات المشتريات العسكرية في الصين وهونغ كونغ. وقد سبق لوزارة الخزانة أن فرضت عقوبات على شركات في الصين وهونغ كونغ بتهمة مساعدة «الحرس الثوري» ووزارة الدفاع الإيرانية في الحصول على مكونات عسكرية. ومن المرجح أن تتوسع الإجراءات لتشمل شبكات شراء مرتبطة ببرامج الصواريخ والطائرات المسيّرة وغيرها من المعدات العسكرية.

الصين... الحلقة الحاسمة

وزير الخارجية الصيني وانغ يي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي قبيل اجتماعهما في بكين يوم 6 مايو 2026 (أ.ب)

لكن الصين تبقى الحلقة الحاسمة والأكثر خطورة في استراتيجية «العزل الأقصى».

فقد أثبتت إيران قدرتها على التعايش مع العقوبات ما دام النفط يجد طريقه إلى السوق الصينية، التي تستوعب نسبة كبيرة من صادراتها، عبر مصافٍ مستقلة وشركات وسيطة وشبكات معقدة للشحن والتمويل. ولذلك يرى خبراء أن استهداف الناقلات وشركات الواجهة يرفع كلفة الالتفاف على العقوبات، لكنه لا يغلق الشريان المالي الإيراني. أما الوصول إلى البنوك الصينية التي تسوّي مدفوعات النفط، فقد يغيّر المعادلة جذرياً.

وسبق لواشنطن أن فرضت عقوبات على شركة «هينغلي بتروكيميكال» الصينية وعشرات الشركات والناقلات المرتبطة بالنفط الإيراني. وردت بكين باستخدام قانونها لمكافحة العقوبات، بما يكشف المعضلة التي يواجهها بيسنت: فكلما أصبحت العقوبات على طهران أكثر فاعلية، اقتربت واشنطن أكثر من مواجهة اقتصادية مع الصين.

ويحذر دانيال بيكارد، المتخصص في العقوبات، من التداعيات الدبلوماسية والاقتصادية للعقوبات الثانوية، خصوصاً على الصين، في ظل التوترات التجارية القائمة بين واشنطن وبكين.

في المقابل، يرى برايان بانر، المحقق السابق في مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، أن الولايات المتحدة تستطيع خفض صادرات إيران النفطية، لكن من الصعب عليها تصفيرها بالكامل.

الاختبار الحقيقي لبيسنت

وفي هذا السياق، يرى خبراء أن لائحة أسماء الشركات والكيانات المستهدفة في الحزمة الجديدة ستكون أهم من حجمها أو عدد العقوبات التي ستتضمنها.

فإذا شملت العقوبات مؤسسة مالية صينية ذات وزن، فسيكون ذلك مؤشراً إلى أن إدارة ترمب مستعدة للمخاطرة بمواجهة مع بكين في سبيل ضرب الشريان المالي الإيراني. أما إذا بقيت البنوك الصينية الكبرى خارج القائمة، فسيكون البيت الأبيض قد احتفظ بأقوى أوراقه لاستخدامها في المساومة لاحقاً.

وفي الحالتين، لا يكمن الاختبار الحقيقي لسياسة بيسنت في قدرته على إلحاق الضرر بالاقتصاد الإيراني فحسب، بل في قدرته على تحويل هذا الألم الاقتصادي إلى تنازل سياسي من طهران، من دون أن ترتد كلفة «العزل الأقصى» على أسعار النفط، أو العلاقة مع الصين، أو الحسابات السياسية لإدارة ترمب في الداخل الأميركي.