تركيا: السلام مُعلَّق بين شكوك الأكراد وتطمينات الحكومة

أنقرة تريد التأكد من نزع أسلحة «الكردستاني»... والحزب يتهمها بتجميد العملية

تدرس الحكومة التركية إجراءات قانونية لعودة عناصر «العمال الكردستاني» ممن يسلِّمون أسلحتهم (رويترز)
تدرس الحكومة التركية إجراءات قانونية لعودة عناصر «العمال الكردستاني» ممن يسلِّمون أسلحتهم (رويترز)
TT

تركيا: السلام مُعلَّق بين شكوك الأكراد وتطمينات الحكومة

تدرس الحكومة التركية إجراءات قانونية لعودة عناصر «العمال الكردستاني» ممن يسلِّمون أسلحتهم (رويترز)
تدرس الحكومة التركية إجراءات قانونية لعودة عناصر «العمال الكردستاني» ممن يسلِّمون أسلحتهم (رويترز)

تراوح «عملية السلام» مع الأكراد في تركيا مكانها، بعد أكثر من عام ونصف من انطلاقها عبر مبادرة «تركيا خالية من الإرهاب»، وسط شكوك يروِّجها الجناح المسلح لحزب «العمال الكردستاني» وحديث عن «انسداد» من جانب الجناح السياسي، وتطمينات من الحكومة بأن العملية تجري في طريقها الصحيح دون عوائق.

وتتهم قيادات «العمال الكردستاني» في جبل قنديل بشمال العراق الحكومة التركية بـ«تجميد» مبادرة «السلام والمجتمع الديمقراطي»، التي أطلقها زعيم الحزب السجين، عبد الله أوجلان، في 27 فبراير (شباط) 2026 لحل الحزب، وإلقاء أسلحته، والتوجه إلى العمل في إطار ديمقراطي قانوني.

تناقض مواقف

موقف عبَّر عنه عضو اللجنة التنفيذية في منظومة المجتمع الكردستاني (الكيان الجامع للتنظيمات الكردية بما فيها «العمال الكردستاني») القائد العام لقوات الدفاع الشعبي (الجناح العسكري للحزب)، مراد كارايلان، قائلاً إن الحزب اتخذ خطوات كبيرة ضمن جهود السلام، من بينها إعلان وقف إطلاق النار، وإنهاء كفاحه المسلح، وإحراق الأسلحة، والانسحاب من تركيا، ولكن ما نلاحظه وما أُبلغنا به أن الحكومة جمَّدت العملية.

القيادي في «العمال الكردستاني» مراد كارايلان اتهم الحكومة التركية بتجميد السلام مع الأكراد (رويترز)

ولفت كارايلان في تصريحات لإحدى الوكالات القريبة من الحزب، نقلتها وسائل إعلام تركية، إلى أن مسؤولين في الحكومة التركية كانوا قد حددوا شهر أبريل (نيسان) الماضي موعداً لطرح تشريع يدفع العملية قدماً إلى البرلمان، إلا أن هذا الموعد انقضى دون تقديم أي مشروع قانون.

واتهم الحكومة بعدم تنفيذ، حتى الإجراءات الأساسية التي أوصت بها «لجنة التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية» التي شكلها البرلمان لوضع الإطار القانوني لحل الحزب ونزع أسلحته، بما في ذلك الإفراج عن سياسيين ونشطاء معارضين من السجون.

وعدَّ كارايلان عدم لقاء وفد حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»، المعروف بـ«وفد إيمرالي» أوجلان في محبسه منذ نحو شهر، بأنه «مؤشر خطير على مستقبل العملية».

تصريحات كارايلان أثارت ردود فعل من جانب حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»، المؤيد للأكراد، والذي يقود الاتصالات السياسية الخاصة بعملية السلام بين الدولة وسجن إيمرالي؛ حيث يقبع أوجلان منذ نحو 27 سنة، ورأى أنها تتعارض مع «روح العملية»، وأن الوضع الراهن لا يُمكن وصفه بـ«الجمود».

الرئيسة المشاركة لحزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» تولاي حاتم أوغولاري (حساب الحزب في إكس)

وقالت الرئيسة المشاركة للحزب، تولاي حاتم أوغولاري، يمكن القول بأن هناك «حالة انسداد» في مسار العملية، وأن هناك بعض العقبات التي تعترضها حالياً، ونحن نبذل قصارى جهدنا لتجاوزها.

إردوغان يرفض الانتقادات

جاء ذلك بعد أيام قليلة من لقاء الرئيس رجب طيب إردوغان وحليفه رئيس حزب «الحركة القومية»، دولت بهشلي، الذي أطلق مبادرة «تركيا خالية من الإرهاب» من داخل البرلمان في 22 أكتوبر (تشرين الأول) 2024، باسم «تحالف الشعب»، المؤلَّف من حزبه وحزب «العدالة والتنمية» الحاكم.

وبحث إردوغان وبهشلي، خلال لقائهما الخميس، سير «عملية تركيا خالية من الإرهاب» من بين كثير من القضايا الداخلية والخارجية.

إردوغان بحث مع بهشلي سير «عملية تركيا خالية من الإرهاب» الخميس الماضي (الرئاسة التركية)

ويؤيد بهشلي الإسراع باتخاذ خطوات لدفع العملية ووقف الجدل حولها، من خلال خطوات سياسية، مثل الإفراج عن بعض النواب والسياسيين المعتقلين، وإعادة بعض رؤساء البلديات الأكراد المعزولين إلى مناصبهم.

وقبل ذلك، وجَّهت تولاي حاتم أوغولاري، في كلمة خلال اجتماع المجموعة البرلمانية لحزبها، الثلاثاء، واحداً من أعنف الانتقادات للحكومة، منذ انطلاق العملية، واتهمتها بالتصرف «بتردد وجبن وأيدٍ مرتعشة ومماطلة» على الرغم مما وصفته بـ«فرصة تاريخية للسلام».

ورفض إردوغان، في كلمة خلال اجتماع المجموعة البرلمانية لحزب «العدالة والتنمية» الأربعاء، هذه الانتقادات قائلاً: «هناك أجواء إيجابية، وما يجب القيام به واضح، والعملية تسير كما ⁠ينبغي. أولئك الذين يستخلصون ‌استنتاجات متشائمة بشأن العملية يتصرفون ‌بناء على أوهام، وليس حقائق».

انتهت اللجنة البرلمانية من تقريرها حول الإطار القانوني لنزع أسلحة «العمال الكردستاني» في 18 فبراير الماضي (حساب البرلمان التركي في إكس)

وأوضح أنه «مع الموافقة على تقرير (‌لجنة التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية)، في 18 فبراير الماضي، وصلنا إلى مفترق طرق يحتاج إلى ‌التعامل بشكل أكثر حرصاً»، مضيفاً أن «تحالف الشعب» يهدف إلى اجتياز هذه المرحلة بدعم من الأحزاب السياسية الأخرى.

تحركات باتجاه خطوات قانونية

في ظل هذه التطورات، كشفت وسائل إعلام قريبة من الحكومة عن تقديم رئيس المخابرات التركية، إبراهيم كالين، عرضاً خلال اجتماع للجنة التنفيذية المركزية لحزب «العدالة والتنمية» بشأن إجراءات استقبال أعضاء حزب «العمال الكردستاني» ممن سلَّموا أسلحتهم في إطار «عملية السلام» أو «تركيا خالية من الإرهاب»، ومصير أسلحتهم.

ونقلت صحيفة «تركيا» عن مصادر من الحزب، أن قياداته تصر على ضرورة التحقق من تسليم الأسلحة قبل وضع أي تنظيم قانوني بشأن أعضاء «المنظمة الإرهابية» (العمال الكردستاني).

ويطالب أوجلان وحزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» بتنظيم قانوني يستفيد الجميع من خلاله، بمن فيهم الخاضعون للتحقيق أو المحاكمة، أو المطلوبون بموجب النشرات الحمراء للإنتربول (ومنهم قيادات الصف الأول للعمال الكردستاني).

أحرقت مجموعة من عناصر «الكردستاني» أسلحتها رمزياً في 11 يوليو 2025 لكن تركيا تريد التأكد من نزع الأسلحة بالكامل (أ.ف.ب)

وينص تقرير اللجنة البرلمانية على ضرورة خضوع أعضاء «العمال الكردستاني» الراغبين في العودة إلى تركيا لـ«آلية للتحقق والتأكيد» تتألف من ممثلين عن المخابرات ووزارتَي الدفاع والداخلية، تكون هي الجهة المسؤولة عن تنظيم عملية العودة.

وكشفت المصادر عن اجتماعات خلف الكواليس بين مسؤولين من حزبَي «العدالة والتنمية» و«الديمقراطية والمساواة للشعوب»، لبحث تطورات العملية، تم الاتفاق خلالها على عرض مشروع قانون تنظيمي على البرلمان قبل 15 يوليو (تموز) المقبل.


مقالات ذات صلة

قوات من شرق وغرب ليبيا تشارك في مناورات عسكرية في تركيا

شمال افريقيا سرب طائرات يحلق خلال عمليات جوية ضمن مناورات «أفس 2026» في غرب تركيا التي تشارك فيها قوات ليبية (وزارة الدفاع التركية - إكس)

قوات من شرق وغرب ليبيا تشارك في مناورات عسكرية في تركيا

أعلنت تركيا مشاركة مئات من قوات شرق وغرب ليبيا في مناورات «أفس 2026» في إطار مبدأ «جيش واحد، ليبيا واحدة».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية تركيا اقترحت إنشاء خط أنابيب لنقل الوقود العسكري إلى الجناح الشرقي لحلف «ناتو» على خلفية أزمة هرمز (رويترز)

تركيا تقترح مد خط وقود عسكري لـ«ناتو» بعد أزمة مضيق هرمز

كشفت تركيا عن تقديم مقترح لإنشاء خط أنابيب وقود عسكري إلى الجناح الشرقي في حلف شمال الأطلسي (ناتو) لتقليل الاعتماد على النقل البحري

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي هزَّة أرضية في تركيا شعر بها سكان الشمال السوري

هزَّة أرضية في تركيا شعر بها سكان الشمال السوري

أعلن المركز الوطني للزلازل في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، تسجيل هزة أرضية في تركيا، شعر بها سكان بعض المناطق في الشمال السوري.

أوروبا عدد السجناء في كل البلدان التي شملتها الدراسة تخطى 1.1 مليون سجين (رويترز)

دراسة: سجون فرنسا وتركيا الأكثر اكتظاظاً بين دول مجلس أوروبا

سجّلت فرنسا وتركيا أعلى مستويات اكتظاظ في السجون بين دول مجلس أوروبا بـ131 سجيناً لكل 100 مكان مخصص للسجناء.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شؤون إقليمية أكراد يرفعون صورة أوجلان خلال مسيرة من أجل السلام في ديار بكر جنوب شرقي تركيا مطالبين بإطلاق سراحه (رويترز)

تركيا: حليف إردوغان يشعل الجدل حول وضع أوجلان

اشتعل النقاش في تركيا مجدداً حول «عملية السلام» وحل المشكلة الكردية في ظل مطالبات بوضع جديد لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين عبد الله أوجلان

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

بترايوس يسلّم واشنطن «ورقة تنفيذية» لإنهاء السلاح في العراق

صورة نشرها «البنتاغون» عام 2008 لديفيد بترايوس وهو يشرح لباراك أوباما عندما كان سيناتوراً خطة لتأمين مدينة الصدر شرق بغداد خلال جولة فوق المدينة
صورة نشرها «البنتاغون» عام 2008 لديفيد بترايوس وهو يشرح لباراك أوباما عندما كان سيناتوراً خطة لتأمين مدينة الصدر شرق بغداد خلال جولة فوق المدينة
TT

بترايوس يسلّم واشنطن «ورقة تنفيذية» لإنهاء السلاح في العراق

صورة نشرها «البنتاغون» عام 2008 لديفيد بترايوس وهو يشرح لباراك أوباما عندما كان سيناتوراً خطة لتأمين مدينة الصدر شرق بغداد خلال جولة فوق المدينة
صورة نشرها «البنتاغون» عام 2008 لديفيد بترايوس وهو يشرح لباراك أوباما عندما كان سيناتوراً خطة لتأمين مدينة الصدر شرق بغداد خلال جولة فوق المدينة

قال مسؤولون عراقيون إن الولايات المتحدة اشترطت نزع سلاح الفصائل المسلحة وعزل قياداتها وتعيين ضباط محترفين مشرفين على البنية التحتية لـ«الحشد الشعبي» كمقدمة لدمج الهيئة، التي تقول واشنطن إنها عقبة كبيرة أمام استئناف علاقات طبيعية مع بغداد.

غير أن جماعات شيعية رأت أن تنفيذ «الخطة الجريئة»، التي لا تزال قيد النقاش، يضع حكومة علي الزيدي في مواجهة غير متكافئة مع إيران والفصائل المرتبطة بها، في ظل انعدام الضمانات، محذرةً من «انقسامات داخلية واضطرابات».

ماذا فعل بترايوس في بغداد؟

وتزامنت المعلومات التي كشف عنها مسؤولون شاركوا في نقاشات فنية وسياسية عن مستقبل «الحشد الشعبي»، مع زيارة قام بها الجنرال الأميركي المتقاعد ديفيد بترايوس إلى بغداد الأسبوع الماضي، بصفته «خبيراً مستقلاً» يقدم خدمات استشارية للبيت الأبيض.

وبعد مغادرته بغداد، كتب بترايوس في منصة «لنكد إن»، في 17 مايو 2026، أن «المسؤولين العراقيين الذين التقاهم اعترفوا بأهمية ضمان احتكار أجهزة الأمن العراقية لاستخدام القوة». وأوضح أنه غادر العراق «متفائلاً بما سمعه، رغم بقائه واقعياً بشأن طبيعة العلاقة مع إيران».

وعلمت «الشرق الأوسط» أن بترايوس مكث 5 أيام في بغداد، التقى خلالها مسؤولين عراقيين رفيعي المستوى، وكان مصير مقاتلي «الحشد الشعبي» في صلب «نقاشات جادة»، حسب مصادر.

وقال متحدث باسم الخارجية الأميركية لـ«الشرق الأوسط» إن بترايوس زار بغداد بصفته «مواطناً عادياً، ليس أكثر»، غير أن مستوى اللقاءات التي عقدها هناك، وشملت رئيس القضاء العراقي فائق زيدان، ورئيسي الحكومة والبرلمان علي الزيدي وهيبت الحلبوسي، ورئيس جهاز مكافحة الإرهاب الفريق الركن كريم التميمي، تجاوز الطابع الشخصي.

وقالت شخصية عراقية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن «اجتماعات بترايوس تمحورت حول هدف واحد فقط: إصلاح المؤسسة العسكرية وإنهاء الصيغة الحالية لـ(الحشد الشعبي)، مع بحث آليات واقعية قابلة للتطبيق لدمج عناصره في المؤسسات الأمنية».

ويُعد بترايوس من أبرز القادة الذين ارتبط اسمهم بالحرب في العراق بعد 2003، واكتسب خبرته عبر أدوار ميدانية واستراتيجية متعددة، أبرزها قيادته «الفرقة 101» المحمولة جواً خلال الغزو الذي أطاح بنظام صدام حسين.

ويشغل بترايوس الآن منصب الشريك ومسؤول العمليات في شركة «KKR» المتخصصة في إدارة الأصول الاستثمارية حول العالم، وتفيد بيانات متاحة عبر موقعها الإلكتروني بأن نشاطها يتوسع في بلدان الشرق الأوسط، دون أي إشارة للعراق.

لم ترد شركة «KKR» على طلبات «الشرق الأوسط» للتعليق حول طبيعة زيارة بترايوس إلى بغداد، وما إذا كان البيت الأبيض قد أناط إليه مهمة استشارية هناك.

لكن 3 شخصيات حكومية وسياسية أكدت لـ«الشرق الأوسط» أن الجنرال الأميركي «مكلف صياغة ورقة تنفيذية قابلة للتنفيذ تُسلَّم إلى البيت الأبيض في وقت لاحق عبر المبعوث الأميركي إلى سوريا توم براك».

ويقول مقربون من رئيس الحكومة الجديد في بغداد لـ«الشرق الأوسط» إن «علي الزيدي سيناقش هذا الملف الحساس مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب إذا ما تحققت زيارة منتظرة إلى البيت الأبيض». وقال مسؤول عراقي رفض الكشف عن هويته إن «الموعد الأولي قد يُحدد بعد عيد الأضحى في يونيو (حزيران) المقبل»، مشيراً إلى أن «الموعد قد يتأثر بظروف المفاوضات بين واشنطن وطهران».

بدأ الجنرال ديفيد بترايوس جولته في بغداد باجتماع مع رئيس القضاء العراقي فائق زيدان (د.ب.أ)

«خطر ينفجر في وجهك»

قال شخص مطلع على أجواء الاجتماعات التي شارك فيها بترايوس إن «بعض المسؤولين العراقيين تحدثوا مع الجنرال الأميركي كما لو أنهم يتحدثون مع (الرئيس الأميركي) ترمب (...). أظهروا صراحة غير معهودة بشأن مخاوفهم من تداعيات محتملة من خطط نظرية حتى الآن بشأن (الحشد)».

وقال آخر إن «الجنرال الأميركي سمع أكثر مما تكلم مع المسؤولين العراقيين، لكنه كان واضحاً بشأن ما تريده واشنطن: القضاء على مصدر التهديد الإقليمي». ومع ذلك، «غادر الجنرال بغداد دون يقين كامل بقدرة بغداد على إنهاء المشكلة وفق الرؤية الأميركية».

وأفاد دبلوماسيان غربيان لـ«الشرق الأوسط»، اشترطا عدم الإفصاح عن هويتهما، بأن «ثقة الولايات المتحدة تراجعت بشكل حاد في الأشهر الأخيرة من حكومة السوداني، بسبب ما اعتُبر تساهلاً مع هجمات الفصائل المسلحة خلال الحرب، وهو ما قد يدفع ثمنه رئيس الحكومة الحالي حين يُطلب منه المزيد من الضمانات الأمنية والسياسية بشأن فرض السيادة».

ومع استمرار الهجمات على دول الخليج، واتهام الولايات المتحدة للحكومة العراقية السابقة بتأمين غطاء رسمي لهذه الجماعات، تحوّل «الحشد الشعبي» وما يتصل به من فصائل مسلحة إلى «عقدة يصعب تفكيكها». ويقول مسؤول عراقي، إن هذا الملف «خطر يجب التعامل معه، لكن عند الاقتراب منه قد ينفجر في وجهك».

وتأمل واشنطن أن يتمكن رئيس الحكومة الجديد، علي الزيدي، وهو رجل أعمال يُشاع أن تجارته ازدهرت تحت ظلال السياسة، من عزل حكومته عن النفوذ الإيراني، وترى أن مسألة السلاح المنفلت اختبار لمواصلة الثقة واستئناف الدعم، لكن المهمة ليست سهلة، حسب مقرَّب منه.

وقال شخص ذو اطلاع على مشاورات سياسية بشأن «الحشد الشعبي» إن «بترايوس لم يُجِب عن أسئلة طرحها مسؤولون عراقيون عما إذا كان هناك غطاء كافٍ لمواجهة إيران في حال تم حل (الحشد الشعبي)».

تدفع قوى شيعية للجوء إلى البرلمان لبحث مصير «الحشد الشعبي» وليس تحت ضغط أميركي (أ.ب)

بغداد «تشتري الوقت»

«الحشد الشعبي» بالنسبة لقيادات شيعية في العراق «مسألة مصيرية» و«خط أحمر لا يمكن تجاوزه»، على حد وصف مسؤولين مقربين من الفصائل، لكن هذه الهيئة وقعت في شرك استقطاب إقليمي حاد، منذ اندلاع أحداث 7 أكتوبر 2023، وباتت منخرطة بشكل مباشر خلال الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران.

وظهر متحدثون مقربون من الفصائل المسلحة في وسائل إعلام مرئية، وهم يلوّحون بـ«التنكيل بأي مسؤول حكومي أو سياسي يشارك في مشروع لدمج أو حل (الحشد الشعبي)».

وقال قيادي في فصيل مسلح لـ«الشرق الأوسط» إن «إيران حثتهم أخيراً على مقاومة المسار الأميركي الذي يهدف إلى إنهاء أكبر قوة عسكرية تضمن مصالحها في المنطقة». وأضاف: «جنرالات (الحرس الثوري) الذين يلعبون أدواراً إشرافية في فصائل شيعية، وبينهم من يديرون غرفة عمليات المقاومة الإسلامية في العراق، سيضعون العصي في الدواليب، إذا ما تحركت نحو حل (الحشد الشعبي)».

وحسب عضو في البرلمان العراقي مقرب من «كتائب حزب الله»، فإن «الحشد الشعبي» مؤسسة تعمل تحت مظلة قانون شرعه البرلمان العراقي عام 2016، وحلّه يتطلب اليوم تصويتاً في البرلمان.

وتحتفظ الجماعات الشيعية المسلحة بأجنحة سياسية نافذة في البرلمان العراقي. وتقول تقديرات إنها تشغل نحو 80 مقعداً، بينما يتمتع التحالف الشيعي الحاكم (الإطار التنسيقي) بأغلبية مريحة تُقدَّر بـ180 مقعداً من أصل 329 مقعداً؛ ما يمنحه قدرة عالية على التأثير في مسار التشريع.

وقال عضوان في «الإطار التنسيقي» لـ«الشرق الأوسط» إن «أغلبية قادة التحالف الشيعي أبلغت رئيس الحكومة أنها متفقة بشأن مخاطر الفصائل، لكن حل المشكلة بحاجة إلى حوار وطني وخطة حوافز، ضمن خطة أشمل تتداخل فيها المرجعية الدينية في النجف، نظراً إلى حساسية التوازنات السياسية والأمنية المرتبطة به».

ومن وجهة نظر مستشار غربي يعمل في العراق، تحدث إلى لـ«الشرق الأوسط»، فإن «واشنطن باتت تنظر إلى مثل هذه الأفكار على أنها محاولات لشراء الوقت، وأن التحذير من مخاطر حل (الحشد) يُستخدم كورقة ضغط مضادة على الولايات المتحدة».

كما أفاد مسؤول عراقي بأن «مسؤولين أميركيين سبقوا نقاشات بترايوس في بغداد أوضحوا للمسؤولين المحليين أن التغاضي عن مشكلة (الحشد الشعبي) مكلف للغاية».

حسين مؤنس (يسار) رئيس «حركة حقوق» المرتبطة بـ«كتائب حزب الله» معلناً للصحافيين في بغداد معارضته حكومة علي الزيدي في 14 مايو 2026 (د.ب.أ)

«لم تجد أذناً مصغية»

على هذا الأساس، وفق مصادر، تجاهلت الولايات المتحدة مقترحات عراقية اعتبرت شكلية لدمج «الحشد الشعبي» أو إعادة هيكلته وتغيير قياداته.

وأقرت الحكومة العراقية في منهاجها، الذي صادق عليه البرلمان العراقي، «تحديد مسؤوليات (الحشد الشعبي) ضمن المنظومة العسكرية والأمنية».

ورفض مكتب الزيدي الإجابة عن أسئلة «الشرق الأوسط» بشأن كيفية تنفيذ برنامج الحكومة المتعلق بـ(الحشد الشعبي)، وما إذا كان قد شارك في أي خطط تنفيذية بهذا الشأن مع الولايات المتحدة.

ووفق خمس شخصيات عراقية وغربية تحدثت إلى «الشرق الأوسط»، فإن مقترحات تقدم بها أعضاء في «الإطار التنسيقي» كانت تهدف إلى ترقية «الحشد الشعبي» وفصائل أخرى إلى تشكيل وزاري جديد أو إعادة هيكلتها ضمن إطار إداري تحت إشراف رئيس الحكومة، لم تجد «أذناً مصغية» من الأميركيين.

وخلال الأسبوع الماضي، ظهر متحدثون مقربون من جماعات شيعية في محطات التلفزيون المحلية للترويج لمقترح إنشاء «وزارة الأمن الاتحادي»، وزعموا أنها ستكون مظلة لـ«الحشد الشعبي» وتشكيلات أمنية أخرى، مثل «قوات الرد السريع» و«حرس الحدود».

وقالت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الولايات المتحدة تركز بشكل جدي على فرض السيادة العراقية المطلقة على القرارين السياسي والأمني، وإزالة مصادر التهديد التي تصفها بالإرهابية، حتى تتمكن بغداد من العيش بسلام مع جيرانها.

ويُعتقد على نطاق واسع في بغداد أن الهجمات التي انطلقت مؤخراً ضد السعودية والإمارات جزء من حملة مزدوجة، من استراتيجية «الحرس الثوري» في المنطقة، في نطاق الحرب، وفي الوقت نفسه محاولة ردع لحماية وضع «الحشد الشعبي» ومنع تقليص نفوذه.

وفي 18 مايو (أيار) 2026، قال المسؤول الأمني في «كتائب حزب الله»، أبو مجاهد العساف، في بيان صحافي، إن هذا الفصيل «مستعد للرد على الولايات المتحدة في جميع المجالات، في حال استهداف قادة المقاومة و(الحشد الشعبي)».

عنصران من فصيل «كتائب حزب الله» يحملان راية الفصيل أمام حاجز لقوة مكافحة الشغب في بغداد (رويترز)

ما التالي في بغداد؟

مع ذلك، توقعت شخصيتان عراقيتان «انطلاق مرحلة أولى خلال الفترة المقبلة، تتضمن تسليم سلاح ثقيل ومتوسط إلى جهة أمنية عراقية موثوقة، متفق عليها بين الحكومة العراقية والولايات المتحدة، حسب وصفهما.

وتتضمن المرحلة الأولى أيضاً، وفق أحد الشخصيتين، إزاحة شخصيات متورطة بهجمات ضد الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة، وتعيين جنرالات عراقيين مشرفين على البنية التحتية التي تضم مسلحي «الحشد الشعبي».

وعلمت «الشرق الأوسط» أن أجنحة مسلحة لديها تمثيل سياسي في البرلمان تتفاوض لاستعادة حصصها في الحكومة العراقية بعد تسليم سلاحها، لكنها تطلب ضمانات أكيدة من إزالتها من قائمة الجماعات الممنوعة من المشاركة في الحكومة.

ولا تزال حقائب وزارية في حكومة علي الزيدي شاغرة بسبب خلافات داخل «الإطار التنسيقي»، لكن ثمة مناصب أُرجئت إلى إشعار آخر بسبب «فيتو» أميركي على فائزين في الانتخابات لديهم أجنحة مسلحة وارتباطات بإيران.


تقرير: إيران تعيد بناء قدراتها العسكرية أسرع من المتوقع

يمرّ الناس بسياراتهم أمام لوحة إعلانية مناهضة لأميركا في طهران (رويترز)
يمرّ الناس بسياراتهم أمام لوحة إعلانية مناهضة لأميركا في طهران (رويترز)
TT

تقرير: إيران تعيد بناء قدراتها العسكرية أسرع من المتوقع

يمرّ الناس بسياراتهم أمام لوحة إعلانية مناهضة لأميركا في طهران (رويترز)
يمرّ الناس بسياراتهم أمام لوحة إعلانية مناهضة لأميركا في طهران (رويترز)

ذكرت شبكة «سي إن إن»، اليوم (الخميس)، نقلاً عن مصدرَين مطلعَين على تقييمات استخباراتية أميركية، أنَّ إيران استأنفت بالفعل بعض عمليات إنتاج الطائرات المسيّرة خلال فترة وقف إطلاق النار التي بدأت في أوائل أبريل (نيسان).

كما نقل التقرير عن 4 مصادر أنَّ الاستخبارات الأميركية تشير إلى أنَّ الجيش الإيراني يعيد بناء صفوفه بوتيرة أسرع بكثير مما كان متوقعاً في البداية.

ويعني بعادة بناء القدرات العسكرية، بما في ذلك استبدال مواقع الصواريخ وقاذفاتها، وزيادة الطاقة الإنتاجية لأنظمة الأسلحة الرئيسية التي دُمِّرت خلال النزاع الحالي، أنَّ إيران لا تزال تُشكِّل تهديداً كبيراً لحلفائها الإقليميين في حال استئناف الرئيس الأميركي دونالد ترمب حملة القصف، وفقاً للمصادر الـ4 المطلعة على المعلومات الاستخباراتية. كما يُشكِّك هذا في الادعاءات المتعلقة بمدى تأثير الضربات الأميركية - الإسرائيلية على إضعاف الجيش الإيراني على المدى الطويل.

صواريخ إيرانية معروضة في أحد المتنزهات بالعاصمة طهران يوم 26 مارس 2026 (رويترز)

وبينما يختلف الوقت اللازم لاستئناف إنتاج مكونات الأسلحة المختلفة، تشير بعض تقديرات الاستخبارات الأميركية إلى أنَّ إيران قد تعيد بناء قدرتها على شنِّ هجمات بالطائرات المسيّرة بالكامل في غضون 6 أشهر فقط، حسبما صرَّح أحد المصادر، وهو مسؤول أميركي، لشبكة «سي إن إن» الأميركية.

وقال المسؤول الأميركي: «لقد تجاوز الإيرانيون جميع الجداول الزمنية التي حدَّدتها أجهزة الاستخبارات لإعادة البناء».

صواريخ إيرانية معروضة بمتحف الوحدة الصاروخية التابع لـ«الحرس الثوري» بطهران (رويترز)

ويشير التقرير إلى أنَّ إيران قد تمكَّنت من إعادة بناء قدراتها بوتيرة أسرع بكثير من المتوقع بفضل مجموعة من العوامل، بدءاً من الدعم الذي تتلقاه من روسيا والصين، وصولاً إلى حقيقة أنَّ الولايات المتحدة وإسرائيل لم تُلحقا بها الضرر الذي كانتا تأملانه، وفقاً لأحد المصادر لشبكة «سي إن إن» الأميركية.

وأشار التقرير إلى أنَّ الصين واصلت تزويد إيران بمكونات خلال النزاع يُمكن استخدامها في بناء الصواريخ، حسبما أفاد مصدران مُطلعان على تقييمات الاستخبارات الأميركية لشبكة «سي إن إن» الأميركية على الرغم من أنَّ الحصار الأميركي المُستمر قد حدَّ من ذلك على الأرجح.

امرأة تسير أمام نماذج لصواريخ إيرانية في طهران (أ.ف.ب)

صرَّح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لشبكة «سي إن إن» الأميركية، الأسبوع الماضي، بأنَّ الصين تقدِّم لإيران «مكونات تصنيع الصواريخ» لكنه رفض الخوض في مزيد من التفاصيل.


قائد الجيش الباكستاني يزور طهران اليوم

عاصم منير يتحدث إلى قاليباف على هامش لقاء سابق في طهران (أرشيفية- البرلمان الإيراني)
عاصم منير يتحدث إلى قاليباف على هامش لقاء سابق في طهران (أرشيفية- البرلمان الإيراني)
TT

قائد الجيش الباكستاني يزور طهران اليوم

عاصم منير يتحدث إلى قاليباف على هامش لقاء سابق في طهران (أرشيفية- البرلمان الإيراني)
عاصم منير يتحدث إلى قاليباف على هامش لقاء سابق في طهران (أرشيفية- البرلمان الإيراني)

أفادت وسائل إعلام إيرانية بأن قائد الجيش الباكستاني عاصم منير يزور طهران، الخميس، في إطار جهود الوساطة التي تتولاها إسلام آباد بين الولايات المتحدة وإيران سعياً للتوصل إلى اتفاق بينهما.

وأوضحت وكالة «إسنا» للأنباء ووسائل إعلام أخرى أن الزيارة التي تأتي بعد محادثات لوزير الداخلية الباكستاني في طهران تهدف إلى «مواصلة المناقشات مع المسؤولين الإيرانيين»، من دون أن تذكر مزيداً من التفاصيل.