الرئيس الفرنسي يحث «حزب الله» على أن «يوقف فوراً هروبه إلى الأمام»

باريس حريصة على المشاركة في أي مفاوضات قادمة وهمُّها «حماية» لبنان

الدمار الذي ألحقته غارة جوية إسرائيلية على مركز طبي في جنوب لبنان وأسفرت عن مقتل 12 فرداً منه (أ.ف.ب)
الدمار الذي ألحقته غارة جوية إسرائيلية على مركز طبي في جنوب لبنان وأسفرت عن مقتل 12 فرداً منه (أ.ف.ب)
TT

الرئيس الفرنسي يحث «حزب الله» على أن «يوقف فوراً هروبه إلى الأمام»

الدمار الذي ألحقته غارة جوية إسرائيلية على مركز طبي في جنوب لبنان وأسفرت عن مقتل 12 فرداً منه (أ.ف.ب)
الدمار الذي ألحقته غارة جوية إسرائيلية على مركز طبي في جنوب لبنان وأسفرت عن مقتل 12 فرداً منه (أ.ف.ب)

تنظر باريس بكثير من القلق إلى ما هو جارٍ على الجبهة اللبنانية من تصعيد ودمار وضحايا ونزوح. وحتى اليوم، لم تنجح الجهود التي يبذلها الرئيس الفرنسي ودبلوماسيته في وقف التصعيد العسكري بين إسرائيل و«حزب الله»، رغم المروحة الواسعة من الاتصالات التي يجريها الرئيس ماكرون مع الأطراف المعنية، بدءاً بالسلطات اللبنانية وإسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، وصولاً إلى إيران وإلى كثير من القادة العرب، في محاولة منه لمنع انزلاق لبنان إلى الانهيار.

وصباح السبت، نشر ماكرون على منصة «إكس» تغريدة كشف فيها عن اتصالات جديدة أجراها الجمعة مع المسؤولين اللبنانيين، ليطرح مجدداً رؤيته لكيفية وضع حد للتصعيد، مؤكداً وجوب «بذل كل ما يلزم لمنع لبنان من الانزلاق إلى الفوضى»، داعياً «حزب الله» إلى أن «يوقف فوراً هروبه إلى الأمام» كما دعا إسرائيل إلى أن «تتخلى عن شنّ هجوم واسع النطاق، وأن توقف ضرباتها المكثفة، في وقتٍ فرَّ فيه بالفعل مئات الآلاف من الأشخاص من القصف».

وتضيف التغريدة: «لقد أبدت السلطة التنفيذية اللبنانية استعدادها لإجراء محادثات مباشرة مع إسرائيل، ويتعين أن تكون جميع مكونات البلاد ممثَّلة فيها. وعلى إسرائيل أن تغتنم هذه الفرصة لبدء محادثات والتوصل إلى وقف لإطلاق النار، وإيجاد حلٍّ دائم، بما يتيح للسلطات اللبنانية تنفيذ التزاماتها لصالح سيادة لبنان». وعرض ماكرون مساهمة فرنسية «لتسهيل المحادثات (اللبنانية- الإسرائيلية) من خلال استضافتها في باريس».

واشنطن وافقت على مشاركة فرنسا في المفاوضات

وعلمت «الشرق الأوسط» أن فرنسا حصلت على موافقة أميركية من أجل أن تكون جزءاً من المفاوضات المرتقبة في حال حصولها، ما يعكس رغبة من جانبها في «حماية لبنان» المتمسك بالمشاركة الفرنسية التي طلبها مباشرة من باريس. ووفق باريس، فإنها حصلت على وعد إسرائيلي بالامتناع عن توسيع دائرة المعارك والقيام بهجوم بري. ولكنها، بالمقابل، لم تحصل بعد على موافقة إسرائيلية على مشاركتها، ما يذكِّر بما حصل في خريف عام 2024، عندما رفضت إسرائيل بداية أن تكون فرنسا جزءاً من اللجنة الخماسية المشرفة على وقف إطلاق النار. والانطباع السائد في العاصمة الفرنسية أن فرنسا وحدها تبدو مهتمة بالوضع اللبناني، وأنها تسعى لمساعدته عن طريق «دبلوماسية التأثير» وطرح الحلول.

ولا ترى باريس طريقاً لخفض التصعيد إلا من خلال 3 خطوات: الأولى تتعلق بـ«حزب الله» الذي يتعين عليه القيام بها بدايةً، وعنوانها التوقف عن مهاجمة إسرائيل بصواريخه ومُسيَّراته. والخطوة الثانية تكمن في أن تقبل إسرائيل إلحاح باريس التي تدعوها للامتناع عن القيام باجتياح أرضي لمناطق في الجنوب اللبناني، ووضع حد لعمليات القصف والتدمير التي تقوم بها. أما الخطوة الثالثة والتي من شأنها إثارة كثير من التساؤلات، فتتمثل في دعوة الحكومة اللبنانية إلى الإقدام، وقيام الجيش اللبناني بفرض سيطرته التدريجية على المناطق التي تقع راهناً تحت سيطرة «حزب الله». وتعترف باريس بأن عملاً كهذا ليس أمراً سهلاً؛ بل إنه يتضمن خطورة معينة. ولكنها تعتبره ضرورياً وحيوياً من أجل تمكينها من الحصول على ورقة يمكن الضغط بها على إسرائيل التي لا تستجيب حتى اليوم للنداءات الموجهة إليها.

انسحاب الضابط الأميركي عطَّل عمل الخماسية

لأجل تحقيق هذا الغرض، فإن باريس تبدو مستعدة لمزيد من دعم الجيش اللبناني من غير انتظار المؤتمر الذي كان مقرراً عقده الشهر الماضي. فضلاً عن ذلك، تذكِّر باريس بأن قوة «اليونيفيل» التي تساهم فيها منذ عام 1978 سوف تنسحب من لبنان هذا العام، وبالتالي يتعين على السلطات أن تنظر فيما سيحصل في «اليوم التالي». وبنظرها، فإن انتشار الجيش التدريجي بدءاً من المناطق حيث يسهل انتشاره إلى المناطق الأكثر صعوبة يعد أمراً لا مفر منه، ويتعين على السلطات اللبنانية أن تبتدع الحلول.

وحسب باريس، فإن عملية حصر السلاح يجب أن تمر عبر السلطات اللبنانية بدل أن تقوم إسرائيل بذلك، وهي تذكِّر بأن ملف السلاح مطروح منذ عام 1990، وقد تضمنته كافة القرارات الصادرة عن مجلس الأمن منذ ذلك التاريخ. ولا تخفي فرنسا خيبتها من تعطيل الآلية الخماسية «ميكانيزم» وهي تعزو ذلك لانسحاب الضابط الأميركي الذي كان يرأسها. كذلك فإنها ترفض الخوض في الجدل الذي أثير حول قائد الجيش العماد هيكل؛ لكنها تتفهم صعوبة المواقف والقرارات التي يتعنَّى عليه اتخاذها.

تعي باريس أن تحقيق ما تدعو إليه ليس بالأمر السهل، وهي لا تريد بأي حال قيام مواجهة عسكرية بين الجيش اللبناني و«حزب الله»، من شأنها أن تفجِّر الوضع اللبناني. ولكن ثمة ما يمكن القيام به من أجل مساعدة الجيش اللبناني -وهو ما تساهم به- وتعزيز ذراع الشرعية الضاربة، بحيث يميل ميزان القوى لصالحها، ما سيمكنها من السيطرة التدريجية والمنظمة على الأرض.

وتذكِّر باريس بأنها حصلت على تعهدات من دول عدة -بينها السعودية والإمارات وقطر- لدعم الجيش اللبناني بأسرع وقت. إلا أنها تعي أيضاً أنها لا تملك الأوراق الضرورية للتأثير جذرياً على مجريات الأمور. وإذا كانت لا تتردد في اعتبار أن إسرائيل تتصرف في لبنان بعيداً عما تنص عليه القوانين الدولية، فإنها ترى بالمقابل أن «حزب الله» يتصرف كحركة إرهابية، وأنه مسؤول عن الحرب الدائرة حالياً؛ لأنه هو من بدأها، ولأنه كان يعي مسبقاً طبيعة الرد الإسرائيلي. وتعرف فرنسا أنها لا يمكنها أن تكون -فقط- صديقة للبنان، ولكن يتعين عليها أن تأخذ مطالب إسرائيل بعين الاعتبار، حتى تكون مقبولة منها وقادرة على التأثير عليها.

وفي موضوع السلاح، تفضِّل باريس وبكلام مبسط، أن يعمد «حزب الله» إلى تسليم سلاحه للجيش اللبناني، بدل أن تقوم إسرائيل بذلك، وما يستتبعه من ضحايا ودمار.

الارتياح لمبادرة الرئيس عون

تنظر باريس بكثير من الارتياح لما أقدم عليه الرئيس جوزيف عون، بطرح مبادرته لمفاوضات مباشرة مع إسرائيل، وترى أن هذه الخطوة هي ما يتعين على لبنان القيام به اليوم؛ إذ لا حل آخر غيره. ولم يُكشف السبت عما دار في الاتصال الهاتفي بين ماكرون وبري، الذي يبدو أنه يعارض انطلاق المفاوضات حسبما نُقل عنه. إلا أنها تعتبر أن الأخير قام بخطوات سياسية ما كان ليقدم عليها سابقاً. كذلك تثمِّن باريس التواصل المباشر بين عون والرئيس السوري أحمد الشرع، بخصوص ضبط الحدود بين البلدين، وتعد ذلك تثبيتاً للشرعية اللبنانية.

وما زالت باريس تطرح مساهمتها لحل الإشكالات الحدودية بين بيروت ودمشق، معتبرة أن مصلحة البلدين تكمن في تنقية علاقاتهما وتطبيعها، بعيداً عما كانت عليه في العقود السابقة.



إيران تتمسك بصواريخها وترهن تنفيذ التفاهم بالتزامات واشنطن

د بزشكيان يعرض نسخة من «مذكرة تفاهم إسلام آباد» الموقعة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنهاء الحرب (التلفزيون الرسمي الإيراني/أ ف ب)
د بزشكيان يعرض نسخة من «مذكرة تفاهم إسلام آباد» الموقعة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنهاء الحرب (التلفزيون الرسمي الإيراني/أ ف ب)
TT

إيران تتمسك بصواريخها وترهن تنفيذ التفاهم بالتزامات واشنطن

د بزشكيان يعرض نسخة من «مذكرة تفاهم إسلام آباد» الموقعة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنهاء الحرب (التلفزيون الرسمي الإيراني/أ ف ب)
د بزشكيان يعرض نسخة من «مذكرة تفاهم إسلام آباد» الموقعة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنهاء الحرب (التلفزيون الرسمي الإيراني/أ ف ب)

دخلت «مذكرة تفاهم إسلام آباد» حيز التنفيذ، وبدأت معها مرحلة تفسير الاتفاق وتحديد حدوده بين طهران وواشنطن. وتركز الولايات المتحدة على البرنامج النووي وآليات خفض التخصيب، فيما تسعى إيران إلى تثبيت معادلة تقوم على إنهاء الحرب من دون المساس ببرنامجها الصاروخي أو موقعها في مضيق هرمز.

وأشاد الرئيس مسعود بزشكيان الخميس بمذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة، واصفاً إياها بأنها «وثيقة تاريخية» تمهد الطريق أمام مفاوضات تهدف إلى التوصل لاتفاق نهائي خلال الأشهر المقبلة.

ونشر بزشكيان عبر منصات التواصل الاجتماعي نسخة من المذكرة تحمل توقيعه وتوقيع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إضافة إلى توقيع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف الذي اضطلعت بلاده بدور الوساطة بين الطرفين. وأرفق الوثيقة بتعليق قال فيه: «هذه وثيقة تاريخية ورسالة من إيران قوية: سيتحقق السلام في ظل الاحترام المتبادل».

وجاء ذلك بعدما قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن مذكرة التفاهم أصبحت نافذة بعد توقيعها إلكترونياً ، قائلاً إن الوقت حان لاختبار تنفيذها على الأرض.

وقال بقائي إن النسختين الفارسية والإنجليزية من المذكرة متطابقتان، وإن الجانب الأميركي وقع على النص الفارسي أيضاً، في محاولة لتبديد الشكوك الداخلية بشأن وجود اختلافات بين الروايتين الإيرانية والأميركية للاتفاق.

وجاء الاتفاق بعد حرب امتدت إلى الخليج العربي ولبنان، قبل أن تفضي وساطة باكستانية إلى مسار تفاوضي مدته 60 يوماً، يهدف إلى اتفاق نهائي بشأن البرنامج النووي والعقوبات وترتيبات الأمن الإقليمي والملاحة البحرية.

محطة إسلام آباد

وبالتزامن مع إعلان التوقيع رسمياً، قدّم رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف رواية مفصلة عن مفاوضات إسلام آباد، قائلاً إن الوفدين عقدا خلال 24 ساعة ثلاث جولات تفاوضية حول نص المذكرة، وثلاث جولات أخرى بمشاركة الوسطاء.

وقال قاليباف إن مذكرة التفاهم تمثل «هزيمة للولايات المتحدة»، مضيفاً في مقابلة مع التلفزيون الرسمي الإيراني، بعد نشر نص الوثيقة، أن «الناس سيطّلعون عليها وسيحكمون بأنفسهم».

وأضاف أن إيران دخلت المحادثات واضعةً ملفي وقف النار في لبنان والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة في صدارة أولوياتها.

وخاطب قاليباف الإيرانيين قائلاً إن الوفد الإيراني جلس إلى الطاولة مدعوماً بنتائج الحرب، مضيفاً أن ما يميز هذه الجولة عن المراحل السابقة هو أن «راية انتصار الميدان» أصبحت سنداً للمفاوضات، معتبراً أن كل ما سعت إيران إلى تحقيقه عبر العمل العسكري حصلت على أضعافه عبر التفاوض.

وقال قاليباف إن الليلة الأخيرة من المفاوضات شكّلت لحظة حاسمة في صياغة مذكرة التفاهم، معتبراً أن أي انتصار عسكري لا يتحول إلى وثيقة قانونية وسياسية «لا يحقق مكاسب» دائمة.

وأضاف أن الوفد الإيراني كان يناقش تعديلات على بعض بنود الوثيقة عندما تعرضت الضاحية الجنوبية لبيروت لهجوم إسرائيلي، مشيراً إلى أنه أبلغ الوسطاء فوراً بأن إيران سترد، وأن هذه الرسالة نُقلت خلال دقائق إلى الطرف الآخر.

وبحسب روايته، غيّر الهجوم على الضاحية مسار النقاشات، ودفع إلى حسم بنود لم تكن قد أُنجزت خلال أسابيع من التفاوض، خصوصاً ما يتعلق بلبنان. وقال إن بعض النصوص التي لم يُتوصل إلى تفاهم بشأنها خلال 50 أو 60 يوماً حُسمت خلال ساعات.

وقال قاليباف إن رفع الحصار البحري كان مقرراً، وفق مذكرة التفاهم، خلال 30 يوماً، لكنه تم في الليلة نفسها بعد تدخلات وضغوط متبادلة. وأضاف أنه رد على إعلان ترمب فتح مضيق هرمز بالتأكيد أن المضيق «ليس مفتوحاً بعد» وفق الشروط الإيرانية.

وأكد قاليباف أنه أبلغ نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في إسلام آباد أن إيران لا تثق بواشنطن، لكنها جاءت إلى المفاوضات «بحسن نية ومن موقع قوة»، مضيفاً أن تعديل الموقف الأميركي خلال دقائق عكس ما سماه «المفاوضات المقتدرة».

وختم قائلاً إن كسر الحصار كان سيحتاج إلى حرب أكبر من الحرب التي خاضتها إيران، لكنه تحقق في ليلة واحدة «تحت ظل الصاروخ نفسه»، في إشارة إلى أن القوة العسكرية بقيت حاضرة خلف المسار التفاوضي.

الملف اللبناني

وحضر الملف اللبناني بقوة في رواية قاليباف للمفاوضات. وقال إن إيران أبلغت الوسطاء قبل بدء محادثات إسلام آباد أن وقف إطلاق النار في لبنان سيكون أحد المحاور الرئيسية لأي تفاهم مع واشنطن. وأضاف أنه رفض بدء التفاوض قبل اتضاح مسار الجبهة اللبنانية، مؤكداً أنه أبلغ الوسطاء بأن أي اتفاق يجب أن يشمل وقف العمليات الإسرائيلية في لبنان.

ووفق قاليباف، فإن استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت خلال المفاوضات أدى إلى تغيير أجواء المحادثات، إذ أبلغ الوفد الإيراني الوسطاء والجانب الأميركي بأن طهران سترد على الهجوم. وقال إن إيران وجّهت إنذاراً إلى الولايات المتحدة بعد الضربات الإسرائيلية على الضاحية، وإن الرئيس الأميركي تدخّل لاحقاً وضغط على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لوقف الهجمات.

واعتبر قاليباف أن ما تحقق في لبنان يعكس ما وصفه بـ«التفاوض من موقع القوة»، قائلاً إن وقف إطلاق النار لم يكن نتيجة المسار الدبلوماسي وحده، بل جاء مدعوماً بالقدرات العسكرية الإيرانية وحلفائها. وأضاف أن إيران أصرت خلال المفاوضات على أن يسري وقف الحرب على جميع الجبهات، بما فيها لبنان، وهو ما انعكس لاحقاً في نص مذكرة التفاهم.

كما أشاد بما وصفه بدور «حزب الله» خلال الحرب، قائلاً إن لبنان دفع ثمناً كبيراً في المواجهة، وإن طهران تنظر إلى تثبيت وقف إطلاق النار هناك باعتباره جزءاً أساسياً من نتائج المفاوضات التي أفضت إلى توقيع مذكرة التفاهم.

هرمز بعد الحرب

ويعد مضيق هرمز أحد أكثر بنود الاتفاق حساسية، بعدما تحول خلال الحرب إلى مركز ضغط اقتصادي عالمي. وتنص المذكرة على ضمان المرور الآمن للسفن التجارية من دون رسوم لمدة 60 يوماً، ضمن إجراءات تهدف إلى إعادة حركة الملاحة تدريجياً إلى مستويات ما قبل الحرب.

وأوضح قاليباف أن الإعفاء من الرسوم مؤقت، مضيفاً أن إيران تعتزم بعد انتهاء الفترة الانتقالية فرض رسوم على الخدمات المقدمة للسفن العابرة.

وقال إن مضيق هرمز «لن يعود إلى ما كان عليه قبل الحرب»، مضيفاً أن لإيران «حقوقاً سيادية» في المضيق تخولها تقاضي رسوم مقابل الخدمات البحرية، مع الالتزام بالقوانين الدولية الخاصة بالملاحة.

وتعكس هذه التصريحات رغبة إيرانية في تحويل النفوذ الذي اكتسبته خلال الأزمة إلى ترتيبات دائمة في أحد أهم الممرات المائية في العالم.

وبدوره، قال بقائي أن إدارة المضيق ستكون مسؤولية مشتركة بين إيران وسلطنة عمان، وأن الجانبين سيعملان على وضع آلية جديدة لتنظيم الحركة والخدمات البحرية.

خط أحمر صاروخي

وحرصت طهران مبكراً على حسم موقفها من البرنامج الصاروخي، في وقت غاب فيه الملف عن بنود مذكرة التفاهم. وقال بقائي إن القدرات الدفاعية الإيرانية «ليست موضوعاً للنقاش أو التفاوض بأي شكل من الأشكال»، مضيفاً أن الصواريخ الإيرانية «مخصصة للإطلاق، لا للتفاوض».

وجاء الموقف الإيراني بعدما خفف ترمب لهجته حيال الترسانة الصاروخية الإيرانية، قائلاً خلال قمة مجموعة السبع إن من «غير المنصف» حرمان إيران من امتلاك صواريخ إذا كانت دول أخرى تمتلكها.

ويمثل ذلك تحولاً مقارنة بمواقف أميركية سابقة كانت تعد الصواريخ الباليستية جزءاً أساسياً من أي تسوية مستقبلية مع طهران.

ورغم تعرض البنية الصاروخية الإيرانية لأضرار كبيرة خلال الحرب، تعكس تصريحات بقائي وقاليباف إصراراً على إخراج هذا الملف من مسار التفاوض.

وفي الملف النووي، أكد بقائي أن المواد النووية الإيرانية لن تغادر البلاد، مشيراً إلى أن أحد الخيارات المطروحة بموجب المذكرة يتمثل في خفض مستوى تخصيب مخزون اليورانيوم داخل إيران، وتحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وشدد على أن التزامات طهران مرتبطة بالتزامات واشنطن، موضحاً أن الولايات المتحدة مطالبة خلال فترة الستين يوماً بعدم فرض عقوبات جديدة وعدم تعزيز وجودها العسكري في المنطقة.

وتتوقع إيران أن تبدأ فوراً في بيع نفطها بحرية، وأن تتمكن من استخدام خدمات التأمين والنقل والوصول المباشر إلى عائدات صادراتها النفطية، إلى جانب إزالة القيود المفروضة على أموالها المجمدة.

كما حذر بقائي من أن استمرار الهجمات الإسرائيلية على لبنان سيعد خرقاً للالتزامات الواردة في مذكرة التفاهم، في إشارة إلى ارتباط المسار اللبناني بترتيبات وقف الحرب الأوسع.


إسرائيل تعلن احتجاجاً محسوباً ضد مسؤولة «الخارجية الأوروبية»

TT

إسرائيل تعلن احتجاجاً محسوباً ضد مسؤولة «الخارجية الأوروبية»

مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس خلال مؤتمر صحافي إلى جانب وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر في القدس مارس 2025 (أ.ف.ب)
مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس خلال مؤتمر صحافي إلى جانب وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر في القدس مارس 2025 (أ.ف.ب)

في خطوة احتجاج حادة ولكن محسوبة، أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، الخميس، قطع جميع الاتصالات مع مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، على خلفية تصريحات نُسبت إليها قارنت فيها سياسات إسرائيل تجاه الفلسطينيين بنظام الفصل العنصري (الأبارتهايد) الذي كان قائماً في جنوب أفريقيا.

وردت كالاس على الإعلان الإسرائيلي، عبر منصة «إكس»، الخميس، مؤكدة التزام ‌التكتل الأوروبي بـ«علاقة ‌بناءة ​مع ‌إسرائيل»، وخاطبت ساعر: «أقدر حوارنا وتواصلنا، وأنا على استعداد ‌لمواصلة هذا النهج، باحترام ⁠وبشكل بناء».

وأضافت كالاس ⁠أن الاتحاد الأوروبي يظل ملتزماً بحل الدولتين، وكررت التنديد بالمستوطنات الإسرائيلية في ​الضفة ​الغربية.

وكان ساعر قد أعلن في منشور عبر منصة «إكس» أنه قرر وقف التواصل مع كالاس إلى حين تراجعها عما وصفه بـ«فرية الدم» ضد إسرائيل، مدعياً أنها «تتعامل مع إسرائيل بعدائية واضحة وبصورة غير منصفة»، على حد تعبيره.

وجاء موقف ساعر بعد تقارير تحدثت عن تصريحات أدلت بها كالاس خلال اجتماعات مغلقة في العاصمة المكسيكية مكسيكو سيتي أواخر شهر مايو (أيار) الماضي، قارنت خلالها معاملة إسرائيل للفلسطينيين في غزة والضفة الغربية بسياسات الفصل العنصري التي كانت مطبقة في جنوب أفريقيا.

وحسب مصادر سياسية في تل أبيب، فقد تردد ساعر كثيراً حتى اتخذ القرار، إذ إن خبراء في قيادة الوزارة حذروه من تبعاتها على مستقبل العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، الذي يعد الشريك التجاري الأول لإسرائيل في العالم ويعتبر حليفاً في مجالات التنسيق الأمني، وتبادل المعلومات الاستخباراتية لمكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب.

وبسبب الحرب التي شنتها إسرائيل ضد غزة وخلص محققون أمميون أنها تضمنت «إبادة جماعية»، تباعدت المواقف بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، ولوح أعضاء الاتحاد بمراجعة اتفاقية الشراكة مع تل أبيب، لكن لم يتمكنوا من حصد الموافقات اللازمة للتطبيق.

الفلسطيني يوسف سلمان يحتضن الحقيبة المدرسية لابنه جاد (8 سنوات) بعد مقتله في غارة إسرائيلية على مخيم جباليا للاجئين بمدينة غزة (رويترز)

ووفق وسائل إعلام عبرية، قد اتفق في تل أبيب على أن يكون واضحاً في القرار أن «المقاطعة ستقتصر على كالاس شخصياً وليس على رئاسة الاتحاد ومؤسساته»، وتبين أن «هناك دولاً أوروبية تتعاطف مع إسرائيل في هذا الموضوع وتقول إن الممارسات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين سيئة وخطيرة لكن لا يوجد تقييم لها على أنها (أبارتهايد) حتى الآن».

وحفلت وسائل إعلام عبرية بتصريحات عن دبلوماسيين ومسؤولين أوروبيين تضمنت انتقادات داخلية لتصريحات كالاس؛ إذ اعتبر بعضهم أن «المقارنة لا تعبر عن الموقف الرسمي للاتحاد الأوروبي»، فيما رأى آخرون أن القضية «تعكس خلافات متزايدة داخل المؤسسات الأوروبية بشأن التعاطي مع الحرب الإسرائيلية على غزة وسياسات إسرائيل تجاه الفلسطينيين».

وكان موقع «يوراكتيف» قد نقل، الأسبوع الماضي، أن كالاس أثارت هذه المقارنة خلال لقاءات غير علنية مع مسؤولين مكسيكيين، مستندة إلى انطباعات تكونت لديها بعد زيارة أجرتها العام الماضي إلى جنوب أفريقيا ومتحف الفصل العنصري في جوهانسبرغ.

وحسب التقرير، فإن تصريحات كالاس أثارت جدلاً داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، نظراً لأن الاتحاد لم يتبنَ رسمياً توصيف إسرائيل بوصفها نظام فصل عنصري، رغم وجود دول أوروبية تبدي تأييداً لهذا الطرح، من بينها آيرلندا وإسبانيا.

وفي منشوره، قال ساعر إن عدداً من المسؤولين الأوروبيين المنتخبين أدانوا التصريحات المنسوبة إلى كالاس، معتبراً أنها لم تقدم حتى الآن أي نفي أو توضيح بشأنها.

وأضاف: «بصفتي وزيراً لخارجية دولة إسرائيل، لا خيار أمامي سوى قطع جميع الاتصالات مع السيدة كالاس إلى أن تتراجع عن فرية الدم التي وجهتها ضد الدولة اليهودية الوحيدة في العالم، والديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط»، على حد تعبيره.

وفي المقابل، أشار تقرير «يوراكتيف» إلى أن كالاس أكدت خلال اللقاءات نفسها حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، لكنها شددت على أن هذا الحق يجب أن يُمارس بصورة متناسبة، كما انتقدت الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية وقالت إنه يقوض فرص حل الدولتين.

ووفقاً للتقرير، فإن المقارنة بين سياسات إسرائيل ونظام الفصل العنصري تشكل إحدى القضايا المركزية في الدعوى التي أقامتها جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية، التي تتهم فيها إسرائيل بانتهاك التزاماتها بموجب اتفاقية منع الإبادة الجماعية في قطاع غزة.


«الوكالة الذرية»: سنعمل مع واشنطن وطهران على آليات التنفيذ

غروسي يتحدث خلال مقابلة خاصة بمقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا (أ.ب)
غروسي يتحدث خلال مقابلة خاصة بمقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا (أ.ب)
TT

«الوكالة الذرية»: سنعمل مع واشنطن وطهران على آليات التنفيذ

غروسي يتحدث خلال مقابلة خاصة بمقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا (أ.ب)
غروسي يتحدث خلال مقابلة خاصة بمقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا (أ.ب)

رحّبت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، الخميس، باتفاق السلام المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران، مؤكدة أنها ستشارك في المناقشات الفنية الخاصة بتنفيذ بنوده.

وقال المدير العام للوكالة التابعة للأمم المتحدة، رافائيل غروسي، للصحافيين في جنيف: «من الجيد أن تكون هناك مذكرة تفاهم. سيبدأ العمل الفني، الآن».

وأضاف: «حان دورنا للجلوس مع زملائنا الأميركيين والإيرانيين وبدء صياغة الخطوات الملموسة التي سيتعيّن اتخاذها»، وفقاً لوكالة «رويترز».

ويمدِّد الاتفاق المؤلف من 14 بنداً، والذي وُقّع مساء الأربعاء، وقف إطلاق النار المعلَن، في أبريل (نيسان) الماضي، لمدة 60 يوماً إضافية، بما يشمل لبنان، لإتاحة المجال أمام الطرفين للتفاوض على هدنة نهائية.

وقال مسؤولون أميركيون وإيرانيون إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان وقّعا رقمياً على المذكرة باللغتين الإنجليزية والفارسية، في حين أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية أن الاتفاق دخل حيز التنفيذ ابتداءً من الأربعاء.

وقال غروسي إن تضمين نص يشير إلى أن تنفيذ الاتفاق سيكون «تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومراقبتها» يعد أمراً بالغ الأهمية، مضيفاً: «ما سنفعله في محادثاتنا هو تحديد ما نحتاج إلى رؤيته وما نحتاج إلى الوصول إليه».

وأوضح أن حجم عمل الوكالة سيتحدد وفق الشروط النهائية للاتفاق، مشيراً إلى أن المحادثات الفنية ستركز على وضع التفاصيل التنفيذية للمبادئ العامة الواردة في المذكرة.

وفي فبراير (شباط) الماضي، أخفقت إيران والولايات المتحدة في تحقيق اختراق، خلال محادثات جنيف الرامية إلى تسوية نزاعهما النووي المستمر منذ سنوات، رغم إشارات من سلطنة عمان التي اضطلعت بدور الوساطة، إلى إحراز تقدم.

وكان من المقرر عقد محادثات فنية مع الوكالة في فيينا، خلال الأسبوع التالي، إلا أن الولايات المتحدة وإسرائيل شنتا، بعد 48 ساعة، ضربات على إيران، ما أشعل فتيل الحرب في المنطقة.

وحذّر غروسي من الاستسلام للإحباط بسبب الإخفاقات السابقة، قائلاً: «لدينا فرصة، وعلينا اغتنامها».