الحشد الأميركي بين ردع إيران وحسابات اليوم التالي

ترمب يفضل «ألا يحدث شيء عسكرياً»... لكن بشرطين

حاملة الطائرات الأميركية «نيميتز يو إس إس أبراهام لينكولن» (أرشيفية - أ.ف.ب)
حاملة الطائرات الأميركية «نيميتز يو إس إس أبراهام لينكولن» (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

الحشد الأميركي بين ردع إيران وحسابات اليوم التالي

حاملة الطائرات الأميركية «نيميتز يو إس إس أبراهام لينكولن» (أرشيفية - أ.ف.ب)
حاملة الطائرات الأميركية «نيميتز يو إس إس أبراهام لينكولن» (أرشيفية - أ.ف.ب)

مع توقع وصول مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ومدمرات مرافقة ومقاتلات إلى الشرق الأوسط في الأيام المقبلة، يعود السؤال القديم - الجديد إلى الواجهة: هل هو تمهيدٌ لضربة أخرى ضد إيران، أم «تهويل» محسوب لرفع الكلفة النفسية والسياسية على طهران من دون الانزلاق إلى حرب؟

الإجابة ليست واحدة؛ لأن الحشد العسكري نفسه يمكن أن يؤدي وظيفتين في وقت واحد: ردعٌ دفاعي لحماية القواعد والحلفاء، ورافعة ضغط تُبقي خيار الهجوم قائماً من دون إعلانٍ مسبق.

وفق مسؤولين أميركيين تحدثوا لوسائل إعلام، فإن تحريك تلك القوة مع بحث إرسال أنظمة دفاع جوي إضافية، يأتي في لحظة حساسة أعقبت حملة قمع واسعة للاحتجاجات داخل إيران. في المقابل، يصرّ الرئيس دونالد ترمب علناً على أنه «يفضّل ألا يحدث شيء» عسكرياً، لكنه يربط ذلك بشرطين: ألا تستأنف طهران أي مسار نووي يقترب من العتبة العسكرية، وألا تمضي في إعدامات تطول متظاهرين.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

ثلاث رسائل في «حشد واحد»

أولى الرسائل موجهة إلى إيران نفسها: واشنطن تريد أن تقول إن لديها القدرة على إعادة التموضع بسرعة، وأن ما تعتبره «نافذة ردع» مفتوحة. قبل أشهر، كانت الولايات المتحدة قد استهدفت منشآت نووية إيرانية في يونيو (حزيران) 2025، وترمب يعيد اليوم تذكير الإيرانيين بأن «الأمر سيتكرر» إذا عادوا إلى النشاط نفسه.

الرسالة الثانية للحلفاء والخصوم الإقليميين: الحشد ليس مجرد تهديد لطهران، بل أيضاً «مظلّة» لحماية المصالح والقواعد الأميركية من ردّ إيراني محتمل، خصوصاً أن القيادة العسكرية الإيرانية تُحذّر علناً من أن أي هجوم سيجعل القواعد والمصالح الأميركية «أهدافاً مشروعة».

وهذا النوع من التهديدات ليس جديداً، لكنه يرفع حساسية أي قرار أميركي؛ لأن تعزيزات اليوم قد تكون دفاعاً استباقياً لتقليل الخسائر إذا انفجرت الأمور.

أما الرسالة الثالثة فهي داخلية سياسية: ترمب يلوّح أيضاً بأدوات غير عسكرية كـ«الرسوم الجمركية الثانوية» على الدول التي تتعامل تجارياً مع إيران، في محاولة لتجميع أدوات الضغط بين العقوبات والردع العسكري. وفي يناير (كانون الثاني) أعلن بالفعل آلية تعريفة عقابية على الدول التي تتعامل مع طهران.

«النووي» عامل غموض

الملف النووي يضيف طبقة أخرى من الإرباك، فالوكالة الدولية للطاقة الذرية لم تتحقق منذ أشهر من مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، فيما تتداول تقديرات عن كمية كبيرة مخصبة حتى 60 في المائة، وهي نسبة قريبة تقنياً من مستوى 90 في المائة لصنع السلاح. هذا الفراغ الرقابي يخلق معضلتين متناقضتين: مؤيدو التشدد يرون أن الغموض يعني احتمال إعادة البناء سراً، وبالتالي ضرورة ضغط أقسى. مؤيدو التهدئة يرون أن الغموض نفسه يجعل أي ضربة «رهاناً أعمى» قد يخطئ الأهداف أو يوسع الحرب من دون ضمان وقف البرنامج.

من هنا، قد يصبح الحشد العسكري «لغة تفاوض»: زيادة الكلفة على طهران كي تقبل بترتيبات تحقق أكثر صرامة، أو كي تبلع تراجعاً في الداخل من دون أن تظهر بمظهر المنهزم.

إسكافي يصلح أحذية يجلس أمام مبانٍ حكومية احترقت خلال الاحتجاجات العامة الأخيرة في طهران (أ.ف.ب)

الشارع الإيراني

لكن في حال نفذت أي ضربة، فما الذي سيستفيد منه الشارع الإيراني اليوم، بعدما تمكن النظام بالفعل من قمع الاحتجاجات؟ هنا تبدو التوقعات المحدودة أكثر واقعية من الوعود الكبيرة. فحتى في واشنطن، ثمة نقاش واضح: أي تدخل عسكري، خصوصاً «ضربة محدودة» ضد أدوات القمع مثل «الحرس الثوري»، قد لا يغيّر نتيجة مواجهة داخلية إذا كانت المعارضة مشتتة وغير مسلحة وغير منظمة. هذا ما خلصت إليه تحليلات في الصحافة الأميركية، محذّرة من أن القصف وحده لا «يصنع ثورة»، وقد يوقف القمع مؤقتاً لكنه لا يفكك المنظومة الأمنية إلا بحملة طويلة ومكلفة.

بل إن الضربة قد تنتج أثراً معاكساً، تعبئة وطنية لصالح النظام عبر سردية «العدوان الخارجي»، وتغليظ القمع تحت عنوان «محاربة العملاء والإرهاب»، بما في ذلك توسيع الاعتقالات أو فرض أحكام قاسية، وانزلاق غير مضبوط نحو صدام أهلي إذا تكسرت بعض مفاصل الدولة وبقيت أخرى.

ومع تراجع زخم الاحتجاجات بعد القمع، ومع استمرار القيود على الإنترنت والاتصالات، يبدو أن «مفعول الشارع» ليس في ذروته بما يسمح لترمب، إن أراد، أن يربط أي ضربة بنتيجة سياسية داخلية سريعة. وفي الأيام الأخيرة ظهرت مؤشرات على نقاش داخل إيران بشأن تخفيف الحظر، لكن البيئة المعلوماتية ما زالت مضطربة، حتى إن التلفزيون الرسمي تعرّض لاختراق وبُثت رسائل تحريضية.

«اليوم التالي»

أما السؤال الذي يدفع بعض دوائر واشنطن إلى التحذير، فهو: ماذا لو كانت الضربة «قاصمة» وأضعفت رأس النظام أو شلت مركزه، لكن الدولة لم تسقط بطريقة منظمة؟ هنا يدخل هاجس «اليوم التالي» بكل ثقله.

يحذّر مايكل دوران الباحث في معهد هدسون، من أن إيران، بوصفها دولة متعددة القوميات ذات أطراف حدودية حساسة، قد تواجه سيناريوهات تفكك أو صراع داخلي إذا انهار مركز السلطة فجأة، على غرار تجارب تاريخية حيث تنهار «هوية الدولة» سريعاً بعد سقوط النظام.

ويشير دوران إلى أن الأقليات (الأذريون، الأكراد، العرب، البلوش، التركمان) تتمركز على الأطراف ولها امتدادات عبر الحدود، ما يجعل الجوار لاعباً مهتماً مباشرة بمصير الداخل الإيراني.

الأخطر، وفق هذا المنطق، ليس فقط احتمال التفكك، بل احتمال استمرار النظام بصيغة أخرى؛ أن تبقى مفاصل «الحرس الثوري» وأجهزة الأمن، فتخلع الغطاء الآيديولوجي الديني وتلبس قناعاً قومياً/ عسكرياً، أي «تبديل الرأس» أكثر منه تغيير نظام. ويدعو إلى تجنّب «تعيين وريث» لإيران من الخارج أو افتراض شكل الدولة مسبقاً؛ لأن ذلك قد يفجّر حساسيات قومية ويزرع بذور نزاعات مبكرة.

لكن ما تغيّر اليوم عن «سوابق الحشود» هو أن واشنطن لا تواجه فقط سؤال «هل نضرب؟»، بل سؤال «ماذا بعد الضربة؟» داخل إيران قبل الإقليم. وهذه معادلة تجعل القرار أصعب: ضربة قد تُرضي منطق الردع، لكنها قد تفتح أبواباً لا يمكن إغلاقها إذا لم تُصمَّم السياسة على أساس عدم اليقين، لا على وهم الاستقرار السريع.


مقالات ذات صلة

شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث للصحافيين في المكتب البيضاوي اليوم (إ.ب.أ)

ترمب يتحدث عن «هدية» إيرانية... وطهران تنفي أي مسار تفاوض

قال الرئيس الأميركي إن إيران قدّمت «تنازلاً كبيراً» في مجال الطاقة، في وقت فتحت إشارات متضاربة من واشنطن وطهران مساراً دبلوماسياً هشاً.

«الشرق الأوسط» (لندن_واشنطن_طهران)
يوميات الشرق صاروخ نظام الإطلاق الفضائي التابع لـ«ناسا» لبعثة «أرتيميس 2» والمركبة الفضائية «أوريون» يظهران عند شروق الشمس في فلوريدا (أ.ف.ب)

«ناسا» تخصص 20 مليار دولار لبناء قاعدة قمرية… وتعلّق خطط محطتها المدارية

أعلن رئيس «ناسا»، اليوم الثلاثاء، أن وكالة الفضاء الأميركية ستستثمر 20 مليار دولار لتطوير قاعدة على سطح القمر، مع تعليق خططها لإنشاء محطتها المدارية القمرية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)

ترمب: إيران وافقت على أنها لن تملك سلاحاً نووياً أبداً

أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الثلاثاء، أن واشنطن تُجري مفاوضات مع إيران التي «لم يتبق لديها قادة».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض تتحدث إلى الصحافيين في مدخل الجناح الغربي للبيت الأبيض بواشنطن 18 مارس 2026 (رويترز)

البيت الأبيض: العمليات الأميركية ضد إيران مستمرة بموازاة الجهود الدبلوماسية

أعلن البيت الأبيض، الثلاثاء، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يواصل العمليات العسكرية ضد إيران، بموازاة درسه خيارات دبلوماسية «جديدة».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

إيران للأمم المتحدة: السماح للسفن «غير المعادية» بعبور مضيق هرمز

صورة قمر اصطناعي التقطتها وكالة «ناسا» لمضيق هرمز (د.ب.أ)
صورة قمر اصطناعي التقطتها وكالة «ناسا» لمضيق هرمز (د.ب.أ)
TT

إيران للأمم المتحدة: السماح للسفن «غير المعادية» بعبور مضيق هرمز

صورة قمر اصطناعي التقطتها وكالة «ناسا» لمضيق هرمز (د.ب.أ)
صورة قمر اصطناعي التقطتها وكالة «ناسا» لمضيق هرمز (د.ب.أ)

أظهرت مذكرة اطلعت عليها رويترز اليوم الثلاثاء أن إيران أبلغت مجلس الأمن الدولي والمنظمة البحرية الدولية بإمكانية عبور «السفن غير المعادية» مضيق هرمز شريطة التنسيق مع السلطات الإيرانية.

وتسببت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في توقف شبه تام لمرور نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المُسال في العالم عبر المضيق، مما تسبب في اضطراب إمدادات النفط.

وأرسلت وزارة الخارجية الإيرانية المذكرة إلى مجلس الأمن الدولي وإلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يوم الأحد. ثم عُممت الرسالة اليوم الثلاثاء على 176 دولة عضو في المنظمة البحرية الدولية، وهي وكالة تابعة للأمم المتحدة مقرها لندن ومسؤولة عن تنظيم سلامة وأمن الملاحة الدولية ومنع التلوث.

وجاء في الرسالة «يُسمح للسفن غير المعادية، بما في ذلك السفن التابعة لدول أخرى أو المرتبطة بها، الاستفادة من المرور الآمن عبر مضيق هرمز بالتنسيق مع السلطات الإيرانية المختصة شريطة ألا تشارك في أعمال قتالية ضد إيران أو تدعمها، وأن تلتزم التزاما تاما بلوائح السلامة والأمن المعلنة».

وأضافت الرسالة أن إيران «اتخذت التدابير اللازمة والمتناسبة لمنع المعتدين وداعميهم من استغلال مضيق هرمز لشن عمليات قتالية» عليها، مشيرة إلى أن السفن والمعدات وأي أصول تابعة للولايات المتحدة أو إسرائيل «وكذلك المشاركين الآخرين في العدوان، لا يحق لهم المرور».

وكانت صحيفة فاينانشال تايمز أول من نشر خبر تعميم الرسالة على الدول الأعضاء في المنظمة البحرية الدولية اليوم الثلاثاء.


ضربة تصيب محطة بوشهر النووية الإيرانية من دون التسبب بأضرار

صورة بالأقمار الاصطناعية تظهر محطة بوشهر للطاقة النووية في بوشهر في إيران 7 ديسمبر 2025 (أ.ب)
صورة بالأقمار الاصطناعية تظهر محطة بوشهر للطاقة النووية في بوشهر في إيران 7 ديسمبر 2025 (أ.ب)
TT

ضربة تصيب محطة بوشهر النووية الإيرانية من دون التسبب بأضرار

صورة بالأقمار الاصطناعية تظهر محطة بوشهر للطاقة النووية في بوشهر في إيران 7 ديسمبر 2025 (أ.ب)
صورة بالأقمار الاصطناعية تظهر محطة بوشهر للطاقة النووية في بوشهر في إيران 7 ديسمبر 2025 (أ.ب)

اتهمت منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، الثلاثاء، الولايات المتحدة وإسرائيل بمهاجمة محطة بوشهر النووية، قائلة إن مقذوفاً سقط في المنطقة المحيطة بالمحطة من دون أن يُلحق أي ضرر.

وقالت المنظمة، في بيان: «فيما يواصل العدو الأميركي الصهيوني عدوانه (...) أصاب مقذوف حرم محطة بوشهر»، من دون أن يسفر ذلك عن «أي أضرار مادية أو فنية، أو خسائر بشرية»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

بعيد ذلك، أعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة أن إيران أبلغتها بسقوط مقذوف على أرض محطة بوشهر النووية مجددة الدعوة إلى «ضبط النفس». وكتبت الوكالة عبر منصة «إكس»: «يُجدد المدير العام للوكالة رافايل غروسي دعوته إلى أقصى درجات ضبط النفس لتجنب المخاطر النووية أثناء النزاعات».

وأعلنت الوكالة، الأربعاء الماضي، أن محطة بوشهر النووية في جنوب إيران أصيبت بـ«مقذوف» مساء اليوم السابق لم يسفر عن أضرار في البنية التحتية، ولا عن وقوع إصابات. وندّدت روسيا التي لديها خبراء يعملون في المنشأة، بالضربة ووصفتها بأنها «غير مسؤولة».

وتبلغ الطاقة الإنتاجية لمحطة بوشهر، وهي المحطة النووية الوحيدة العاملة في إيران، 1000 ميغاواط، ما يغطي جزءاً ضئيلاً من احتياجات البلاد من الكهرباء.


ماكرون يدعو إيران إلى «الانخراط بنية حسنة في المفاوضات» لإنهاء الحرب

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)
TT

ماكرون يدعو إيران إلى «الانخراط بنية حسنة في المفاوضات» لإنهاء الحرب

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)

دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الثلاثاء، إيران إلى «الانخراط بنيّة حسنة في مفاوضات» تهدف إلى «خفض التصعيد» في الحرب الدائرة بالشرق الأوسط، وذلك عقب محادثة أجراها مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

وكتب ماكرون عبر منصة «إكس»: «دعوتُ إيران إلى الانخراط بنيّة حسنة في مفاوضات، من أجل فتح مسار لخفض التصعيد وتوفير إطار عمل لتلبية تطلعات المجتمع الدولي بشأن برامج إيران النووية والصاروخية الباليستية، فضلاً عن أنشطتها لزعزعة الاستقرار الإقليمي».

وكان ماكرون قد دعا قبل ذلك إسرائيل، إلى «منع المزيد من تصعيد النزاع في لبنان» واغتنام «الفرصة» لإجراء «مناقشات مباشرة» بين البلدين، وذلك خلال محادثات مع الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ.