الجيش الإسرائيلي يحصد عنف المستوطنين الذي زرعه في الضفة الغربية

التساهل مع المتطرفين وحماية ميليشياتهم المسلحة جعلهم يعتدون على الجنود

جندي إسرائيلي قرب مستوطنين في أحد شوارع الضفة الغربية (أرشيفية - وكالة «وفا»)
جندي إسرائيلي قرب مستوطنين في أحد شوارع الضفة الغربية (أرشيفية - وكالة «وفا»)
TT

الجيش الإسرائيلي يحصد عنف المستوطنين الذي زرعه في الضفة الغربية

جندي إسرائيلي قرب مستوطنين في أحد شوارع الضفة الغربية (أرشيفية - وكالة «وفا»)
جندي إسرائيلي قرب مستوطنين في أحد شوارع الضفة الغربية (أرشيفية - وكالة «وفا»)

في الوقت الذي يتباكى فيه الجيش الإسرائيلي على انفلات مجموعات «شباب التلال» الاستيطانية في الضفة الغربية، وقيام أفرادها بتنفيذ اعتداءات فتاكة حتى على جنود الجيش نفسه، دلت المعطيات الرسمية على أن هذا التذمر ينطوي على كثير من التلون والخداع.

والجيش ومن ورائه المخابرات وسائر الأجهزة الأمنية يتحملون مسؤولية مباشرة عن هذه الاعتداءات، فقد سكتوا عن اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين، وحموا المستوطنين وهم ينفذون هذه الاعتداءات، وغضوا الطرف عن عملية تشكيل ميليشيات مسلحة لهم، طالما أنها تعمل ضد الفلسطينيين.

وفقط عندما اقتربت النار من جنوده بدأ الجيش يتحرك؛ فعملياً بات يحصد ما زرعه في السنين الماضية.

وقالت حركة «سلام الآن» الإسرائيلية إنها تخشى أن تكون شكوى قادة الجيش ضد المستوطنين محاولةً لصرف الأنظار عن نشاط الجيش الإسرائيلي نفسه ضد الفلسطينيين، فهذا الجيش مارس عملية استفراد بالضفة الغربية خلال الحرب على غزة، وقتل 1066 فلسطينياً وأصاب نحو 10 آلاف آخرين، إضافة إلى اعتقال أكثر من 20 ألف فلسطيني بينهم 1600 طفل، وفقاً مصادر طبية فلسطينية.

ميليشيات تحت نظر الجيش

وبالمقابل فإن المستوطنين أقاموا ميليشيات مسلحة، تحت نظر الجيش، ولم يلجمهم. بل كان يحميهم أثناء تنفيذ الاعتداءات على الفلسطينيين. وعندما تجنّد 1200 مواطن يهودي من قوى السلام الإسرائيلية للتضامن مع الفلسطينيين، وقطفوا معهم الزيتون، اعتدى المستوطنون عليهم حتى سالت الدماء من وجوههم، وقام عدد من الجنود بالتشفي منهم قائلين: «أنتم عملاء للفلسطينيين وتستحقون أكثر من ذلك».

نشطاء يواجهون مستوطنين قرب قرية بيت جالا بالضفة الغربية... أغسطس 2024 (أ.ف.ب)

وكانت مصادر عسكرية قد حذرت من اعتداءات المستوطنين فقط بعد أن قاموا بالاعتداء على جنود الجيش الإسرائيلي، وكاد أحدهم يقتل برصاص مستوطن.

وقال قائد المنطقة الوسطى في الجيش، آفي بلوت، لهيئة البث الإسرائيلية إن «الواقع الذي يمارس فيه الشباب الفوضويون العنف ضد الأبرياء، وضد قوات الأمن هو واقع لا يطاق وخطير للغاية، ويجب التعامل معه بحزم».

وأفاد مسؤولون عسكريون إسرائيليون بأن موجة عنف المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة، بلغت مستوى خطيراً دفع قادة الألوية إلى مطالبة رئيس الأركان، إيال زامير، بإعادة أوامر الاعتقال الإداري التي ألغاها وزير الدفاع، يسرائيل كاتس قبل بضعة شهور.

أعمال سادية

ويصف الجيش الإسرائيلي، حسب صحيفة «يديعوت أحرونوت»، بعض أعمال المتطرفين اليهود بأنها «سادية» ويحذر من فقدان السيطرة بينما تبدو الشرطة وجهاز الأمن العام «الشاباك» مترديَين أو متهاونَين في مواجهة المعتدين.

وذكرت الصحيفة أن أوساطاً سياسية تعزو تصعيد اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين إلى «الغضب من إطلاق سراح عدد من الأسرى الفلسطينيين في صفقة تبادل، وتهييج مجموعات استيطانية احتجاجاً على إخلاء بؤر استيطانية غير قانونية».

وتقول إنه، ونتيجة لتصاعد عنف مجموعات المستوطنين، كلف الجيش الإسرائيلي وحدات خاصة لإحكام السيطرة على «نقاط ساخنة» وحول جرافات وآليات سبق استخدامها في غزة إلى مهام هدم البؤر الاستيطانية غير القانونية في الضفة الغربية.

لقطة عامة لإحدى المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية (أرشيفية - رويترز)

وحسب قادة عسكريين، فإنه تم الدفع بفرق وقائية وتوسعت مهام فرق قوات الاحتياط لتأمين القرى الفلسطينية والممرات الفاصلة، في وقت يشعر فيه الجنود بأنهم يؤدون مهام كانت مفترضة للشرطة الإسرائيلية.

من جهة أخرى، حذر ضباط الجيش من أن أعمال العنف التي تواجههم أحياناً ليست فقط من مستوطنين محليين، بل تشمل أحياناً دعماً أو توجيهاً من سياسيين ووزراء، ما يعيق تطبيق القانون ويضع الجنود في مواجهة مع مسؤولين حكوميين يدافعون عن المستوطنين.

ويشير العسكريون إلى تقاعس الشرطة الإسرائيلية وعدم اقتحامها لمواقع العنف بالسرعة أو القوة الكافية، ما يفاقم فوضى تطبيق القانون. وهم قلقون من خطر اتساع ظاهرة العنف.

مناخ مشجع للمتطرفين

وحذر ضباط بالجيش من أن استمرار هذا المناخ السياسي والأمني الذي يشجع المستوطنين المتطرفين، سيؤدي إلى تعقيد مهمة قوات الأمن وإضعاف القدرة على حفظ النظام، وربما يعيد إشعال دوائر عنف أوسع في الضفة إذا لم تتخذ خطوات حاسمة ومتناغمة بين الجيش والشرطة والسلطات المدنية.

دانت بعض الشخصيات الإسرائيلية تصاعد هجمات المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة، ودعت إلى اتخاذ إجراءات حازمة لوقفها.

ويأتي ذلك بينما يدفع وزراء ونواب من أحزاب حكومة بنيامين نتنياهو السلطات إلى غضّ الطرف عن اعتداءات هؤلاء المستوطنين المتطرفين.

رئيس أركان الجيش الإسرائيلي يلتقي مستوطنين في الضفة الغربية (آي 24 نيوز العبري)

وشهدت الضفة الغربية، مساء أمس الثلاثاء، أحدث هذه الهجمات، إذ شنّ مستوطنون اعتداءات واسعة قرب بلدة بيت ليد، شرق طولكرم، استهدفت منشآت صناعية وزراعية، وأدت إلى اندلاع حرائق وإصابة عدد من الفلسطينيين.

وقال الرئيس الأسبق لأركان جيش الاحتلال الإسرائيلي، غادي آيزنكوت، لإذاعة الجيش، إن «شبان التلال الذين يهاجمون جنود الجيش الإسرائيلي ويحرقون المركبات إرهابيون، ويجب معاملتهم بقسوة»، كما دان الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، في تدوينة على منصة «إكس»، الهجمات التي نفذها مستوطنون في شمال الضفة الغربية، واصفاً إياها بأنها «صادمة وخطيرة». وأضاف: «هذا العنف ضد المدنيين وجنود الجيش الإسرائيلي يتجاوز الخط الأحمر، وعلى جميع مسؤولي الدولة التحرك بحزم للقضاء على هذه الظاهرة».


مقالات ذات صلة

مقتل شاب فلسطيني برصاص مستوطنين في الضفة الغربية

المشرق العربي أقارب المراهق الفلسطيني أوس حمدي النعسان يشاركون في جنازته شرق مدينة رام الله في الضفة الغربية (إ.ب.أ) p-circle

مقتل شاب فلسطيني برصاص مستوطنين في الضفة الغربية

أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية مقتل شاب برصاص مستوطنين إسرائيليين في الضفة الغربية، اليوم (الأربعاء)، وهو الضحية الثالثة في غضون يومين.

«الشرق الأوسط» (الضفة الغربية)
المشرق العربي والدة الفلسطيني جهاد أبو نعيم تبكي بعد مقتله بنيران مستوطنين إسرائيليين في قرية المغير شرق رام الله في الضفة الغربية يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

المستوطنون يقتلون فلسطينيين في استهداف لمدرسة قرب رام الله

هاجم مستوطنون إسرائيليون قرية المغير شرق رام الله بالضفة الغربية، الثلاثاء، وقتلوا فلسطينيين اثنين، أحدهما طالب في مدرسة.

كفاح زبون (رام الله)
أوروبا وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني (يسار) ووزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول في لوكسمبورغ (إ.ب.أ)

ألمانيا وإيطاليا ترفضان تعليق اتفاق التعاون بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل

رفضت ألمانيا وإيطاليا الثلاثاء الدعوات لتعليق اتفاق للتعاون مع إسرائيل رغم تصاعد الغضب حيال الحرب في لبنان والوضع بالضفة الغربية المحتلة

«الشرق الأوسط» (لوكسمبورغ)
المشرق العربي امرأة فلسطينية تمر بجوار جنود إسرائيليين يقومون بدورية في سوق البلدة القديمة بمدينة نابلس شمال الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

تقرير: جنود إسرائيليون يستخدمون الاعتداء الجنسي لدفع الفلسطينيين إلى النزوح

قال خبراء في حقوق الإنسان والقانون إن الجنود والمستوطنين الإسرائيليين يستخدمون الاعتداء والتحرش الجنسي لإجبار الفلسطينيين على ترك منازلهم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي جنديان إسرائيليان خلال دورية في الضفة الغربية (أرشيفية - رويترز)

مقتل 3 فلسطينيين بينهم طفلان بهجمات لمستوطنين في الضفة الغربية

قُتل فلسطينيان أحدهما طفل في الـ13 من عمره، بهجوم لمستوطنين على قرية شمال الضفة الغربية المحتلة، حسبما أفاد به الهلال الأحمر الفلسطيني، اليوم (الثلاثاء).

«الشرق الأوسط» (رام الله)

ترمب: سنهاجم أي قارب يضع ألغاماً في مضيق هرمز

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

ترمب: سنهاجم أي قارب يضع ألغاماً في مضيق هرمز

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ‌اليوم ‌(الخميس)، أنه ‌أمر ⁠البحرية ​الأميركية بـ«إطلاق النار على ⁠أي قارب» يضع ⁠ألغاماً ‌في ‌مضيق ​هرمز. وأضاف ‌أن ‌كاسحات الألغام الأميركية ‌تعمل «بثلاثة أمثال مستواها» لإزالة ⁠أي ألغام ⁠من المياه بعدما وجّه إليها أمراً بهذا الخصوص.

كانت طهران قد أكدت أن مضيق هرمز سيبقى مغلقاً ما دام الحصار البحري الأميركي على موانئها قائماً، فيما أعلنت واشنطن أنْ لا مهلة محدّدة لتمديد وقف إطلاق النار، وأنها لن توقف حصارها في مياه الخليج، الأمر الذي يثير مخاوف من تصعيد جديد هذه المرة في البحر.


مسؤول إيراني: طهران بدأت تتلقى رسوماً على عبور مضيق هرمز

سفينة حاويات تحاول عبور مضيق هرمز (رويترز)
سفينة حاويات تحاول عبور مضيق هرمز (رويترز)
TT

مسؤول إيراني: طهران بدأت تتلقى رسوماً على عبور مضيق هرمز

سفينة حاويات تحاول عبور مضيق هرمز (رويترز)
سفينة حاويات تحاول عبور مضيق هرمز (رويترز)

أعلن نائب رئيس مجلس الشورى الإيراني حميد رضا حاجي بابائي اليوم (الخميس) أن طهران حصلت على أول عائداتها من رسوم العبور التي فرضتها في مضيق هرمز الاستراتيجي.

ونقلت وكالة الأنباء «تسنيم» عن بابائي قوله: «أولى العائدات الناتجة عن رسوم عبور مضيق هرمز أُودِعَت في حساب البنك المركزي».

وأوردت وسائل إعلام أخرى التصريح نفسه من دون أي تفاصيل إضافية، وفقاً لما ذكرت «وكالة الصحافة الفرنسية».

حول هذا الممر المائي الحيوي للطاقة الذي أغلقته إيران بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) إثر هجوم أميركي إسرائيلي على إيران.

وسمحت إيران بمرور عدد محدود من السفن في المضيق الذي يعبره في زمن السلم خُمس تدفقات النفط والغاز العالمية، وسلع حيوية أخرى.

وقبل الإعلان عن عائدات رسوم العبور، كان البرلمان الإيراني يدرس مسألة فرضها على الملاحة البحرية عبر المضيق، فيما حذّر مسؤولون إيرانيون من أن حركة الملاحة البحرية عبر المضيق «لن تعود إلى وضعها قبل الحرب».

وفي 30 مارس (آذار) ذكرت وسائل إعلام إيرانية رسمية أن لجنة الأمن في البرلمان وافقت على خطط لفرض رسوم عبور، لكن لم يتضح ما إذا كان تمّ التصويت النهائي على المقترح في البرلمان.

ويضغط الرئيس الأميركي دونالد ترمب على إيران لفتح المضيق.

وتفرض الولايات المتحدة حصاراً بحرياً بدورها على الموانئ الإيرانية تعتبره طهران خرقاً لوقف إطلاق النار المعمول به منذ الثامن من أبريل (نيسان).


تقرير: ترمب يتطلع إلى اتفاق مع إيران يشمل تنازلات انتقد بسببها أوباما

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

تقرير: ترمب يتطلع إلى اتفاق مع إيران يشمل تنازلات انتقد بسببها أوباما

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

يتطلع الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى اتفاق مع إيران يتضمن العديد من التنازلات التي انتَقَد بسببها الرئيسُ الحالي الرئيسَ الأسبق باراك أوباما واتفاقه النووي المُبرم مع إيران في عام 2015.

وقال ترمب مؤخراً إن «الصفقة» التي يعمل عليها حالياً مع إيران ستكون أفضل من اتفاق 2015، واصفاً اتفاق أوباما بأنه «واحدة من أسوأ الصفقات التي أُبرمت على الإطلاق».

وذكرت صحيفة «واشنطن بوست» أنه، وفق الاتفاق الجديد، قد تُعاد مليارات الدولارات من الأصول المجمدة إلى إيران، وقد تنتهي صلاحية الاتفاقيات التي تحد من البرنامج النووي الإيراني في نهاية المطاف، وقد يجد بعض «القادة المتشددين الذين قمعوا الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد في يناير (كانون الثاني)» أنفسهم يتمتعون بـ«موارد أفضل» مما كانوا عليه قبل أن يشن ترمب الحرب ضد إيران، قبل أكثر من سبعة أسابيع.

وبعد نحو عقدٍ من هجومه الشرس على اتفاق أوباما مع إيران، يسعى ترمب (في محاولة للخروج من حربٍ أشعلها بنفسه) إلى تفويض المفاوضين الأميركيين للنظر في صفقة تتضمن العديد من التنازلات نفسها التي واجهها أوباما.

ورغم توقف المحادثات مؤقتاً بعد قرار ترمب، يوم الثلاثاء، تمديد وقف إطلاق النار إلى أجلٍ غير مسمى، ريثما تُقدّم إيران «رداً موحداً» بشأن مقترحات واشنطن للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب؛ فمن المرجح أن يواجه الرئيس التحديات نفسها بغض النظر عن موعد جلوس المفاوضين إلى طاولة المفاوضات.

ومع توقف الصراع، قد تترسخ الهدنة الهشة. إلا أن حركة الملاحة عبر مضيق هرمز لم تعد إلى مستوياتها الطبيعية، في ظل استمرار الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية، وإصرار إيران على سيطرتها على الممرات الملاحية.

وقد أدى ذلك إلى تباطؤ أسواق الطاقة العالمية. ولا تزال إيران تسيطر على مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، وهو ما سبق أن وصفه ترمب بأنه غير مقبول.

20 مليار مقابل اليورانيوم

ووفق «واشنطن بوست»، فإن الجمهوريون الذين انتقدوا اتفاق عام 2015، لأن إدارة أوباما وافقت حينها على إرسال 1.7 مليار دولار إلى طهران، لتسوية نزاع تجاري دام عقوداً، يجدون أنفسهم الآن أمام إدارة تطرح إمكانية الإفراج عن 20 مليار دولار، جزء منها عائدات مبيعات النفط الإيراني التي جمّدتها العقوبات في بنوك حول العالم.

وسيُستخدم هذا المبلغ كورقة ضغط لإجبار إيران على تسليم مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب. لكن لا تزال بنود أخرى من الاتفاق محل تساؤل، بما في ذلك نقاط تُثير قلق بعض منتقدي الاتفاق السابق.

وقالت سوزان مالوني، نائبة رئيس معهد «بروكينغز» الخبيرة في الشؤون الإيرانية: «إنهم (الأميركيين) يواجهون نفس العقبة الأساسية التي شكلت أساس المفاوضات الطويلة التي استمرت لأكثر من عقد من الزمن، والتي أفضت في النهاية إلى الاتفاق النووي (عام 2015)، وهي أن الإيرانيين متشبثون تماماً بموقفهم بشأن مسألة تخصيب الوقود النووي».

ولطالما نفت إيران سعيها لامتلاك سلاح نووي، لكنها تقول إن لها الحق بموجب القانون الدولي في تخصيب اليورانيوم أو غيره من المواد النووية لتشغيل «برنامج نووي مدني».

وأضافت مالوني: «الإيرانيون مستعدون لقبول بعض التنازلات فيما يتعلق بالجداول الزمنية ومستوى التخصيب ومصير المخزون النووي، لكنهم غير مستعدين تماماً للتخلي عن التخصيب. وكان هذا أحد الانتقادات الرئيسية لاتفاق 2015».

«منحدر زلق»

ويصر ترمب علناً على أن اتفاقه لن يتضمن العيوب التي ندد بها في اتفاق أوباما. إلا أن المخاطر السياسية كبيرة، وقد وضعت جهود البيت الأبيض للتوصل إلى اتفاق بعض مؤيدي ترمب في موقف حرج، لا سيما مع تداول المال كورقة ضغط.

وقال ريتشارد غولدبرغ، الذي عمل على قضايا إيران في إدارة ترمب الأولى: «إنه وقوع في منحدر زلق، فسواء كان 20 مليون دولار أو 10 مليارات دولار، ففي النهاية، إذا كان النظام (الإيراني) لم يقدم لك تنازلاً بشأن نشاط غير مشروع رئيسي، مثل رعاية الإرهاب أو إنتاج شيء يشكل تهديداً، فسيكون هناك دائماً جدل حول: (هل خصصت مبلغاً معيناً من المال هنا لدفع ثمن هذا؟)».

ويوضح: «تحرير هذا المبلغ من المال (المُجمد) سيُستخدم في إيران لتمويل شيء آخر. لذلك، سيظل هناك دائماً جدلٌ حول أن واشنطن دعمت بشكل غير مباشر الأنشطة غير المشروعة التي لم يتم إيقافها أو التنازل عنها».

لكنه قال إنه إذا تمكن ترمب من تأمين اليورانيوم عالي التخصيب وتفكيك منشأة نووية مدفونة في عمق الأرض قيد الإنشاء في موقع إيراني يُعرف باسم جبل الفأس: «فسيُغير ذلك قواعد اللعبة تماماً؛ فبذلك، على الأقل في الوقت الراهن وخلال السنوات القليلة المقبلة، يكون قد قضى على التهديد النووي الذي تُمثله إيران».

مطالب أكبر

وإضافة إلى القضية النووية، يُريد ترمب اتفاقاً جديداً يشمل برنامج الصواريخ الإيراني ودعم طهران لوكلائها الإقليميين، بما في ذلك «حزب الله» اللبناني وحركة «حماس» الفلسطينية.

وترى ويندي شيرمان، كبيرة المفاوضين الأميركيين مع إيران في عهد أوباما أن مطالب طهران هذه المرة «ستكون أكبر مما كانت عليه في عام 2015، ويعود ذلك جزئياً إلى محاولات الإدارة الأميركية الحثيثة لتحقيق الكثير». وتضيف: «ليس واضحاً لي ما الخطوط الحمراء التي يسعى إليها ترمب. هل هي مخزون اليورانيوم؟ أم التخصيب؟ أم الصواريخ؟ أم الوكلاء؟ أم مضيق هرمز؟».

وتضيف: «إذا حصل (ترمب) على وعد بتعليق برنامج التخصيب لمدة 10 أو 15 أو 20 عاماً، كيف سيتم التحقق من ذلك؟ الأمر غير واضح تماماً بالنسبة لي أو لأي شخص آخر، وربما حتى بالنسبة له. وماذا سيتعين على ترمب تقديمه في المقابل؟»، خصوصاً أن إيران تملك الآن الكثير من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، وهو أقل بقليل من مستوى التخصيب اللازم لصنع أسلحة نووية، وفقاً لـ«الوكالة الدولية للطاقة الذرية».

وتُعتبر الحكومة الإيرانية الحالية أكثر تشدداً من القادة الإصلاحيين الذين أبرموا الاتفاق مع أوباما.

أوراق ضغط

ووفق «واشنطن بوست»، فرغم الدمار الكبير الذي سببته الحرب لإيران وأذرعها، إلا أن طهران لا تزال تمتلك أوراق ضغط. فقد أثبت النظام الإيراني قدرته على البقاء، كما أثبتت طهران قدرتها على خنق حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، مما أدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة.

وفي ظلّ تصاعد الهجمات الأميركية، قد يميل بعض المتشددين في طهران إلى السعي لامتلاك سلاح نووي، مما يزيد الضغط على واشنطن لمعالجة مسألة مخزون اليورانيوم.

كما توجد عوامل أخرى قد تجعل طهران أقل رغبة في إبرام اتفاق، بحسب ريتشارد نيفيو، المسؤول السابق في وزارة الخارجية الأميركية الذي ساهم في صياغة نظام العقوبات المفروضة على إيران في عهد إدارة أوباما.

ويقول نيفيو: «بشكلٍ ما، تُخفف الحرب بعض الضغط على إيران... لقد أثبتوا قدرتهم على تحمل الضربات والرد عليها بالشكل المناسب». كما أن «الحرس الثوري»، الجناح الأكثر تشدداً في النظام الحاكم في إيران، هو الذي يتصدر المشهد الآن، مع غياب المعتدلين الذين كانوا يفسحون المجال سابقاً للمفاوضات.

ويُعدّ نيفيو من مؤيدي اتفاق 2015، لكنه أعرب عن تخوفه من إبرام اتفاق جديد مع المجموعة الجديدة من القادة الإيرانيين. ويقول: «لست متأكداً من جدوى فكرة تخفيف العقوبات المفروضة على الحكومة الإيرانية التي قتلت كل هؤلاء الناس بعد احتجاجات يناير».