خلية عمل أميركية في إسرائيل لتثبيت «الرقابة المباشرة» على نتنياهو

حنقٌ في تل أبيب من «التدخل الأميركي المكثف»... وحسين الشيخ وماجد فرج في القاهرة لدفع اتفاق غزة

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يلتقي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مكتب الأخير بالقدس أمس (أ.ب)
نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يلتقي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مكتب الأخير بالقدس أمس (أ.ب)
TT

خلية عمل أميركية في إسرائيل لتثبيت «الرقابة المباشرة» على نتنياهو

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يلتقي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مكتب الأخير بالقدس أمس (أ.ب)
نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يلتقي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مكتب الأخير بالقدس أمس (أ.ب)

كثّفت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب من إيفاد ممثليها إلى إسرائيل، في مسعى لترسيخ ما وصفته وسائل إعلام عبرية بـ«الرقابة المباشرة» على رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وتلافي أي خروقات تهدد مصير اتفاق وقف إطلاق النار مع «حماس».

وفي حين يواصل نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس زيارته إلى إسرائيل، يُتوقع أن يلحق به وزير الخارجية ماركو روبيو (الخميس)، في حين غادرها الموفدان الرئاسيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر.

وقال فانس خلال مؤتمر صحافي مع نتنياهو في القدس، الأربعاء، إنه جاء «من أجل الحديث عن السلام، وكيفية ضمان استمرار الاتفاق الذي بدأ قبل أسبوع تقريباً، وإمكانية الانتقال بنجاح إلى المرحلتين الثانية والثالثة».

وفيما تنشط خلية العمل الأميركية في إسرائيل لإسناد الاتفاق قدماً، وصل حسين الشيخ نائب الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى القاهرة بصحبة مدير المخابرات العامة ماجد فرج، للغرض نفسه.

نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ (رويترز)

وقال فانس: «تنتظرنا مهمة صعبة للغاية، وهي نزع سلاح حركة (حماس) وإعادة بناء غزة، سعياً لتحسين حياة السكان، وأيضاً لضمان ألا تعود (حماس) لتشكّل تهديداً لأصدقائنا في إسرائيل»، مضيفاً: «أعتقد أن اتفاق غزة يشكّل جزءاً حاسماً في تفعيل (اتفاقات إبراهام)»، في إشارة إلى سلسلة اتفاقات التطبيع بين إسرائيل وعدد من الدول العربية أبرمت في عام 2020.

وأضاف فانس: «ما قد يتيحه الاتفاق أيضاً هو إنشاء هيكل تحالفات في الشرق الأوسط يكون مستداماً وطويل الأمد، ويمنح الناس الصالحين في هذه المنطقة وفي العالم فرصة لأن يمضوا قدماً ويتولوا إدارة أمور منطقتهم».

«جسر جوي سياسي»

قالت هيئة البث الإسرائيلية (كان) إن «وصول المسؤولين الأميركيين بمستوى غير مسبوق واحداً تلو الآخر إلى إسرائيل وإقامة مقر عسكري دولي في منطقة (كريات غات) يضم نحو 200 جندي أميركي وآخرين من دول أخرى، يشكل نوعاً من محاولة التأثير الأميركي في شؤون إسرائيل الأمنية والسياسية».

ورأت القناة في تقرير أن «هذا الوجود المكثف يُنظر إليه في إسرائيل كنوع من (الرقابة المباشرة) أو ما يسميه البعض مراقبة بنيامين نتنياهو ومنع انهيار اتفاق وقف إطلاق النار في غزة».

كما قدر محللو «القناة الإسرائيلية 12» أن زيارة روبيو المرتقبة «تأتي ضمن سلسلة الزيارات المكثفة لمسؤولين أميركيين رفيعي المستوى إلى إسرائيل»، في ما يشبه «جسراً جوياً سياسياً» لتثبيت التفاهمات، ومتابعة تطبيقها ميدانياً.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يزوران الحائط الغربي في البلدة القديمة بالقدس سبتمبر الماضي (أ.ب)

وحسب مصادر إسرائيلية فإن «الهدف من كل ذلك ضمان تنفيذ الاتفاق مع (حماس)، وإرساء نظام جديد في غزة يحدد مستقبلها الأمني والإداري، وقد بدأ الأميركيون بالفعل رسم ملامح (المرحلة الثانية) من الاتفاق تقوم على تشكيل حكومة تكنوقراط، وتثبيت قوة دولية داخل غزة تشرف على تجريد (حماس) من السلاح، وتمنع إسرائيل من استئناف الهجوم طالما القوات الأجنبية موجودة».

«بيبي سيتر»

وأثار التدخل الأميركي المكثف نقاشاً في إسرائيل بشأن ما إذا كانت تل أبيب أصبحت عملياً «تحت تأثير خانق من واشنطن».

وكتب إيتمار إيشنر في صحيفة «يديعوت أحرنوت» أن المسؤولين الأميركيين جاءوا إلى إسرائيل «بيبي سيتر»، في تلاعب لفظي يشير بشكل عام إلى مصطلح رعاية الأطفال لكنه يقصد «رعاية بيبي (بنيامين نتنياهو)»: «وهم هنا للبقاء: الولايات المتحدة تراقب إسرائيل عن كثب».

ووصف الكاتب تدخل واشنطن بأنه «خانق، ووصل إلى مستوى جديد عبر حضور رفيع المستوى، وإنشاء مقر دولي، في مواجهة حكومة يمينية متطرفة، يضعون قواعد واضحة في غزة».

وأضاف: «من الصعب ألا نتساءل عما إذا كانت إسرائيل قد أصبحت (محمية أميركية) في الأيام الأخيرة، أو ربما الولاية الحادية والخمسين في أميركا بحكم الأمر الواقع».

ولقد دفعت تلك الإشارات والانتقادات المتكررة، نتنياهو، إلى الرد عليها علناً، وقال وهو إلى جانب فانس: «أريد أن أوضح هذا الأمر تماماً. مرة يقولون إن إسرائيل تسيطر على الولايات المتحدة، وأسبوعاً آخر يقولون إن الولايات المتحدة تسيطر على إسرائيل. هذا هراء». وأضاف: «لدينا شراكة، تحالف، وتجمعنا قيم وأهداف مشتركة».

وأكد نتنياهو أن إسرائيل تقرر فيما يخص أمنها، ورد فانس: «لا نريد دولة تابعة، لا نريد محمية. نريد شراكة. نريد حليفاً هنا». وانبرى مقربون من نتنياهو للدفاع عنه، وقالوا إن ما يجري ليس مساساً بالسيادة، بل «شراكة استراتيجية مضاعفة القوة».

وعقب إيشنر وكتب: «رغم النفي، هذا ما سنراه من الآن فصاعداً: تدخل أميركي مكثف. لن يسمحوا بانهيار الاتفاق».

«السلطة على الخط»

ودخلت السلطة الوطنية الفلسطينية على خط دعم اتفاق غزة، وقالت مصادر فلسطينية لـ«الشرق الأوسط» إن زيارة الشيخ وفرج للقاهرة تستهدف «مناقشة تفاصيل أمنية إلى جانب الملفات السياسية».

وجاءت زيارة المسؤولين الفلسطينيين إلى مصر بعد يوم من زيارة قام بها مدير المخابرات المصرية حسن رشاد إلى إسرائيل.

وأوضحت المصادر أن «القاهرة وواشنطن تدفعان لدفع الاتفاق، لكن إسرائيل ترفض حتى الآن مشاركة السلطة الفلسطينية».

وحسب ما أوردته هيئة البث العام الإسرائيلية (كان 11)، أبدت واشنطن رغبتها في «البدء الفوري بتنفيذ المرحلة الثانية من الخطة الأميركية، بينما تسعى القاهرة إلى إدخال قوات عربية وأجنبية إلى القطاع خلال الأيام المقبلة» تحت غطاء من قرار يصدره مجلس الأمن.


مقالات ذات صلة

إسرائيل تنشر نقاطاً على «الخط الأصفر» لجمع سلاح «حماس»

شؤون إقليمية مقاتلون من «كتائب عز الدين القسام» الجناح العسكري لـ«حماس» في خان يونس 20 فبراير 2025 (د.ب.أ)

إسرائيل تنشر نقاطاً على «الخط الأصفر» لجمع سلاح «حماس»

أقام الجيش الإسرائيلي على طول «الخط الأصفر» في قطاع غزة نقاطاً مخصصة لجمع الأسلحة من قطاع غزة، على الرغم من أن حركة «حماس» لم تقل أبداً إنها ستسلم السلاح.

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي نجاة روبائي (وسط) تعانق أحد أحفادها بعد وصولهم مع والدتهم ضمن مجموعة تضم نحو اثني عشر فلسطينياً سُمح لهم بدخول غزة عقب إعادة فتح معبر رفح الحدودي (أ.ب)

عقب إعادة فتح معبر رفح...عناق ودموع بغزّة مع وصول عائدين للقطاع

بالدموع والعناق، استقبل سكان في غزة أقاربهم العائدين إلى القطاع المدمّر، ضمن دفعة أولى ضمّت 12 شخصاً عبر معبر رفح الحدودي مع مصر.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية الشعار الجديد للجنة الوطنية لإدارة غزة المنشور على صفحتها على «إكس»

إسرائيل غاضبة بعد اعتماد «لجنة إدارة غزة» شعار السلطة الفلسطينية

أعربت إسرائيل عن غضبها، مساء الاثنين، بعد أن قامت «لجنة تكنوقراط قطاع غزة»، بتغيير شعارها إلى الشعار المستخدم من قِبل السلطة الفلسطينية.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
أوروبا شاحنات محملة بالمواد الغذائية دخلت قطاع غزة عبر معبر كرم أبو سالم (أ.ب) play-circle

فرنسا: إصدار مذكرتَي جلب بحق ناشطتين بتهمة «التواطؤ في إبادة جماعية»

أصدر القضاء الفرنسي مذكرتَي جلب بشبهة «التواطؤ في إبادة جماعية» بحق ناشطتَين فرنسيتين - إسرائيليتين يُشتبه بمشاركتهما في تحركات لعرقلة دخول المساعدات إلى غزة.

«الشرق الأوسط» (باريس )
المشرق العربي رجل يسكب مشروباً ساخناً خارج خيمة في مخيم النصيرات للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

«لجنة تكنوقراط غزة» للعبور إلى القطاع وسط تحديات «تسليم المهام»

تترقّب «لجنة تكنوقراط قطاع غزة» عملها في القطاع، بجانب تسلّم المهام من «حماس»، تنفيذاً لاتفاق وقف إطلاق النار المبرم قبل نحو 3 أشهر بين الحركة وإسرائيل.

محمد محمود (القاهرة)

طهران أمام اختبار دبلوماسي على وقع التهديدات

 حريق هائل اندلع الثلاثاء في سوق في غرب طهران، من دون أن تتضح أسبابه (إ.ب.أ)
حريق هائل اندلع الثلاثاء في سوق في غرب طهران، من دون أن تتضح أسبابه (إ.ب.أ)
TT

طهران أمام اختبار دبلوماسي على وقع التهديدات

 حريق هائل اندلع الثلاثاء في سوق في غرب طهران، من دون أن تتضح أسبابه (إ.ب.أ)
حريق هائل اندلع الثلاثاء في سوق في غرب طهران، من دون أن تتضح أسبابه (إ.ب.أ)

تواجه إيران اختباراً دبلوماسياً حساساً مع اقتراب موعد محادثات محتملة مع الولايات المتحدة، ووسط تصاعد التحذيرات العسكرية.

وتؤكد طهران استعدادها لكل السيناريوهات، مع الإبقاء على باب الدبلوماسية مفتوحاً.

وأعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أنه وجّه وزير الخارجية عباس عراقجي للسعي إلى تفاوض «عادل ومنصف» إذا توفرت بيئة خالية من التهديدات والتوقعات غير المعقولة، استجابة لطلبات حكومات إقليمية.

في غضون ذلك، أسقط الجيش الأميركي مسيّرة إيرانية من طراز «شاهد - 139»، قائلاً إنها اقتربت «بشكل عدائي» من حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن»، وقال البيت الأبيض إن الإجراء كان مناسباً، مؤكداً الإبقاء على المحادثات المقررة. كما أفادت جهات بحرية بأن زوارق تابعة لـ«الحرس الثوري» اقتربت من ناقلة نفط أميركية في مضيق هرمز قبل أن تواصل السفينة مسارها، متجاهلة طلب تفتيشها من قبل السلطات الإيرانية.

من جهة أخرى، أفاد موقع «أكسيوس» بأن إيران طلبت نقل المحادثات من إسطنبول إلى سلطنة عُمان، وحصرها في الملف النووي وبصيغة ثنائية.

وأجرى المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، محادثات موسّعة في إسرائيل. وقال مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي إن بنيامين نتنياهو أبلغ ويتكوف أن «إيران أثبتت مراراً أن وعودها غير موثوقة».


نتنياهو يبلغ ويتكوف أن السلطة الفلسطينية لن تكون جزءاً من إدارة غزة

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ب)
TT

نتنياهو يبلغ ويتكوف أن السلطة الفلسطينية لن تكون جزءاً من إدارة غزة

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ب)

أبلغ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف في القدس، الثلاثاء، أن السلطة الفلسطينية لن تكون «بأي شكل من الأشكال» جزءاً من إدارة قطاع غزة بعد الحرب.

وقال مكتب نتنياهو، في بيان عقب انتهاء الاجتماع، إن «رئيس الوزراء أوضح أن السلطة الفلسطينية لن تشارك في إدارة قطاع (غزة) بأي شكل من الأشكال».

وبموجب خطة وقف إطلاق النار في غزة التي طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لم يُحسم دور السلطة الفلسطينية بعد الحرب.


استبعاد «الترويكا الأوروبية» من محادثات إسطنبول حول الملف الإيراني

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو متحدثاً لمسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي بمناسبة اجتماع وزراء خارجية الاتحاد في بروكسل 29 يناير (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو متحدثاً لمسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي بمناسبة اجتماع وزراء خارجية الاتحاد في بروكسل 29 يناير (إ.ب.أ)
TT

استبعاد «الترويكا الأوروبية» من محادثات إسطنبول حول الملف الإيراني

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو متحدثاً لمسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي بمناسبة اجتماع وزراء خارجية الاتحاد في بروكسل 29 يناير (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو متحدثاً لمسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي بمناسبة اجتماع وزراء خارجية الاتحاد في بروكسل 29 يناير (إ.ب.أ)

إذا لم يطرأ أي تطور حتى الجمعة المقبل، الموعد المرتقب للمفاوضات الأميركية الإيرانية في إسطنبول، بمشاركة أطراف إقليمية، فإن الاتحاد الأوروبي سيكون غائباً عن هذا الاستحقاق الحاسم.

ويعوّل على محادثات إسطنبول أن تُبعد شبح الحرب المحتملة بين الولايات المتحدة وإيران عن منطقة الخليج الحسّاسة. وتجد «الترويكا الأوروبية» - فرنسا وبريطانيا وألمانيا - التي لعبت دوراً أساسياً لسنوات طويلة في مفاوضات الملف النووي الإيراني، نفسها، اليوم، خارج المشهد، بعدما كانت طهران ترفض الجلوس وجهاً لوجه مع مُوفدي «الشيطان الأكبر». غير أن المعطيات تغيّرت، ولم يعد التفاوض المباشر مع واشنطن، من المنظور الإيراني، محرَّماً كما كان في السابق.

وللتذكير، فإن جولات التفاوض الخمس المتنقلة التي جرت بين الطرفين بين أبريل (نيسان) ويونيو (حزيران) الماضيين، وقبيل حرب الـ12 يوماً، كانت تُعقد دائماً بحضور «الوسيط» العُماني.

وخلال الأشهر الثمانية المنقضية، رفض الطرف الإيراني استئناف المفاوضات مع نظيره الأميركي، سواء أكانت مباشرة أم غير مباشرة. في المقابل، عُقدت جلسة تفاوض واحدة على المستوى الوزاري مع «الترويكا الأوروبية»، في أواخر يوليو (تموز) الماضي، بإسطنبول.

ورغم توافق الطرفين آنذاك على استمرار التواصل، فإن الدور الذي اضطلعت به «الترويكا» داخل مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، خلال الصيف الماضي، ثم طلبها لاحقاً من مجلس الأمن إعادةَ تفعيل آلية «سناب باك» (الضغط على الزناد)، التي أُعيد، بموجبها، فرض حزم العقوبات الدولية الست على إيران، بعد أن كانت مجمّدة بموجب اتفاق عام 2015، أحدث قطيعة بين الجانبين.

المرشد الأعلى علي خامنئي متحدثاً خلال اجتماع بطهران في بداية فبراير (رويترز)

فإيران، التي سعت طويلاً إلى استمالة «الترويكا» إلى جانبها وحثّها على تبنّي مواقف أقل تشدداً من الموقف الأميركي، بدأت تنظر إليها بوصفها «تابعة» لواشنطن، وبالتالي «عديمة الفائدة» بالنسبة لها. وجاء قرار الاتحاد الأوروبي، الأسبوع الماضي، إدراج «الحرس الثوري» الإيراني على اللائحة الأوروبية للمنظمات الإرهابية، وفرض عقوبات على وزراء وشخصيات محورية في النظام الإيراني، ليكرّس هذا الطلاق مع «الترويكا»، وهو ما يفسّر عدم طلب طهران، مطلقاً، مشاركة أوروبية في الاجتماع المرتقب.

«سلم أولويات»

مِن بين أطراف «الترويكا» الثلاثية، تبدو فرنسا الأكثر «هجومية» في مقاربتها للملف الإيراني. فقبيل انطلاق محادثات الجمعة، طرحت باريس، بلسان وزير خارجيتها جان نويل بارو، رؤيتها لما ينبغي أن تفضي إليه هذه المحادثات، وما تتوقعه من الطرف الأميركي أن يتمسك به، علماً بأن الرئيس دونالد ترمب كان قد حدّد سلفاً ما يريد الحصول عليه مقابل الامتناع عن قصف إيران.

وفي حديث إلى صحيفة «ليبراسيون» نُشر الأحد الماضي، رأى بارو أنه «يتعين على النظام اغتنام الفرصة، عبر القبول بتنازلات كبرى، وإحداث تغيير جذري في نهجه». وطالب بأن «تتوقف إيران عن كونها مصدراً للتهديد لجوارها الإقليمي ولمصالحنا الأمنية»، داعياً، في الوقت نفسه، إلى أن «يستعيد الشعب الإيراني حريته، وأن يوضع حد للقمع، وأن يُطلق سراح السجناء، وأن تتوقف الإعدامات، وأن تُعاد خدمة الإنترنت».

وفي مقابلة صباحية مع القناة الثانية في التلفزيون الفرنسي، الثلاثاء، حدّد بارو سُلّم الأولويات الذي يرى أن على الطرف الأميركي الالتزام به، مشدداً على أن الأولوية الأولى يجب أن تكون وضع حد للقمع الدموي. وقال حرفياً: «إن القرار الأول يجب، بطبيعة الحال، أن يكون وضع حدٍّ لهذا القمع الدموي، ثم بعد ذلك فعلاً معالجة القضايا المتعلقة بالملف النووي، ومسائل الصواريخ الباليستية، ودعم المنظمات الإرهابية في المنطقة، وهي أمور تثير مشكلات أمنية كبرى للمنطقة، ولكن أيضاً لأوروبا».

وبرأيه، فإن «الجرائم الجماعية التي ارتكبها النظام يجب ألا تبقى بلا عقاب»، مضيفاً أن الإجراءات التي «اتخذناها، الأسبوع الماضي، كأوروبيين» تندرج في هذا الإطار. وخلص إلى أنه «يتعين على النظام أن يقبل تقديم تنازلات كبرى، وأن يغيّر بشكل جذري موقفه تجاه شعبه، وكذلك تجاه دول المنطقة، وتجاهنا نحن أيضاً؛ لأن سلوكه، منذ سنوات طويلة، يثير مخاوف أمنية جسيمة».

تراجع الدور الأوروبي

يريد بارو، من خلال ما يطرحه، أن ينزع من النظام الإيراني أنيابه في الداخل والخارج، بحيث إن ما تطالب به باريس لا يغيّر فحسب الأولويات الأميركية، بل يتجاوزها. فالرئيس الأميركي نسي، أو تناسى، الوضع الداخلي في إيران، الذي كان في الأساس الدافع الأول لعزمه التدخل عسكرياً لوقف «المجازر». ويشدد ترمب، اليوم، حصراً على المطالب الثلاثة الاستراتيجية التي باتت معروفة: سحب ورقة البرنامج النووي من إيران، عبر حرمانها من تخصيب اليورانيوم ومن الكميات المخصبة بنسبة 60 في المائة، وتحجيم برنامجها الصاروخي، وأخيراً تقليم أذرعها الإقليمية. وكأن باريس تسعى إلى فرض أجندة جديدة على ترمب تمس طبيعة وجوهر النظام الإيراني.

في ضوء ما سبق، وما تعدُّه طهران تهديداً مباشراً للنظام، لم يتأخر ردها على المواقف الفرنسية. فقد عدَّ إسماعيل بقائي، الناطق باسم «الخارجية» الإيرانية، في مؤتمره الصحافي، الاثنين، أن فرنسا تتصرف «كعامل مُخرِّب في أي مسار دبلوماسي»، وبالتالي «لا تملك أي مكانة قانونية أو أخلاقية للتدخل أو الإدلاء بأي تصريح في أي مسار دبلوماسي».

الدخان يتصاعد خلال حريق في سوق جنت آباد بطهران بإيران 3 فبراير (رويترز)

وأضاف بقائي، وفق ما نقلت عنه «وكالة إرنا» الرسمية، أن فرنسا «لعبت دوراً مخرِّباً فيما يتعلق بالقرار غير القانوني وغير اللائق للاتحاد الأوروبي بتصنيف (الحرس الثوري) تنظيماً إرهابياً». ودعا «الأطراف الفرنسية إلى العمل من أجل استعادة مصداقية ومكانة الاتحاد الأوروبي المتدهورة كفاعل كان يمكن أن يلعب دوراً إيجابياً وفعالاً في التفاعلات الدولية».

وتفسر الفقرة الأخيرة معنى الغياب الأوروبي عن اجتماع إسطنبول، المرتقب يوم الجمعة المقبل، إذ تعكس بوضوحٍ قناعة إيرانية بأن «الترويكا» والاتحاد الأوروبي تخلّيا عن لعب دور «إيجابي»؛ أيْ دور متوافق مع المصالح الإيرانية.

ورغم ذلك، لم تفقد فرنسا، ومعها الشريكتان الأخريان في «الترويكا»، الأمل في الاضطلاع بدورٍ ما، ولو في الحد الأدنى، دفاعاً عن مصالحها. وفي هذا السياق، قال بارو إن «الترويكا على اتصال وثيق مع الدول التي تقوم بالوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، ونحن ندعمها في هذا الجهد». كما يراهن على عامل آخر يتمثل في ملف رفع العقوبات عن إيران. فبعد تذكيره بأن «الترويكا» كانت في طليعة المفاوضات مع طهران، رأى أنه «في أي حال، إذا جاء الوقت الذي يغيّر فيه النظام موقفه بشكل جذري، وطُرحت مسألة رفع محتمل للحظر أو للعقوبات، فإن ذلك لا بد أن يمر عبر أوروبا»، باعتبار أنها فرضت سلسلة طويلة من العقوبات على إيران، كان آخِرها استهداف مسؤولين كبار وآخرين في «الحرس الثوري»، فضلاً عن التزامها بالعقوبات الدولية. وخلاصة موقفه أن «أوروبا ستشارك، بطريقة أو بأخرى، في هذه المباحثات».