حملة لإلغاء محاكمة نتنياهو بوحي من خطاب ترمب

مشروع قانون يقلص جلسات المحاكمة وخطة شعبية لإغلاق الملف ودعوات مضادة تستهدف إسقاط حكومته

معارض لنتنياهو يضع قناعاً يمثله ويلبس زي سجين ويداه مكبلتان خارج مقر المحكمة بتل أبيب في ديسمبر 2024 (إ.ب.أ)
معارض لنتنياهو يضع قناعاً يمثله ويلبس زي سجين ويداه مكبلتان خارج مقر المحكمة بتل أبيب في ديسمبر 2024 (إ.ب.أ)
TT

حملة لإلغاء محاكمة نتنياهو بوحي من خطاب ترمب

معارض لنتنياهو يضع قناعاً يمثله ويلبس زي سجين ويداه مكبلتان خارج مقر المحكمة بتل أبيب في ديسمبر 2024 (إ.ب.أ)
معارض لنتنياهو يضع قناعاً يمثله ويلبس زي سجين ويداه مكبلتان خارج مقر المحكمة بتل أبيب في ديسمبر 2024 (إ.ب.أ)

لم يتأخر أنصار رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، فما إن خرجت البلاد من عطلة «عيد العرش»، الأربعاء، حتى انطلقوا في حملة تستهدف إلغاء محاكمته بتهم الفساد. وحضروا جلسة المحكمة بوفد يتألف من عدة وزراء ورئيس الكنيست (البرلمان)، أمير أوحانا، وطرحوا مشروع قانون يقضي بتقليص عدد ومدد جلسات المحكمة، وبدأوا دراسة خطة لإغلاق الملف تماماً.

وجاءت هذه الخطوات بوحي من خطاب الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، الاثنين الماضي، من على منبر الكنيست، حيث استخف بالتهم (تلقي الرشى بمئات من زجاجات الشامبانيا وصناديق من السيجار الفاخر)، وتوجه مباشرة إلى الرئيس الإسرائيلي، يتسحاك هرتسوغ، طالباً أن يصدر عفواً عن نتنياهو.

ترمب في الكنيست الإسرائيلي (أ.ف.ب)

وبعد ذلك، هاجم وزير القضاء، ياريف ليفين، المحاكمة واصفاً إياها بأنها «تتعارض مع العدالة ومصلحة الدولة»، وأشار إلى أنه سيدفع بمشروع قانون سريع يتيح له ولوزير الدفاع، يسرائيل كاتس، «إلغاء جلسات المحكمة، وتقليصها لضرورات أمنية».

وينص مشروع القانون على «تقليص عدد الجلسات لدواعٍ تتعلق بأمن الدولة، بينما سيكون وزير الدفاع مخولاً في كل وقت، بعد تقديم لائحة الاتهام وقبيل النطق بالحكم وبالتشاور مع وزير القضاء، بالتوجه برسالة مفصلة إلى المحكمة خلال فترة حتى 180 يوماً، يوعز خلالها بتقليص الإجراء الجنائي بعدة جلسات في حال كانت الجلسات بوتيرتها العادية تمس فعلياً بأمن الدولة. على أن يكونا مخولين أيضاً فيما بعد بتمديدها لفترات إضافية لا تتخطى كل منها 180 يوماً».

وكان نتنياهو قد طلب إلغاء جلسة المحكمة المقررة الأربعاء، بعد توقف دام شهرين، بدعوى زيارة متوقعة لرئيسي إندونيسيا وقبرص، إلا أن الأخيرين ألغيا زيارتيهما، ما دفعه إلى المثول أمام المحكمة. وفي بداية إفادته، قال نتنياهو للقضاة إنه «يعاني من الرشح الشديد»، ومن «التهاب الشعب الهوائية». وطلب إعفاءه من المحكمة. وبعد ذلك تلقى مغلفاً دفعه إلى مغادرة قاعة جلسة المحكمة قبل أن يعود لاحقاً.

نتنياهو في المحكمة للإدلاء بإفادته بخصوص تُهم فساد موجهة إليه في ديسمبر 2024 (رويترز)

وقوبلت هذه الحملة بمظاهرة أمام مقر المحكمة في تل أبيب بمشاركة مئات المتظاهرين الذين أطلقوا هتافات وصافرات ضد الوزراء الذين حضروا، وهتفوا ضدهم: «أنتم صفر»، «أيها المنافقون إنكم تسجلون وصمة عار على الجبين لأبد الدهر» و«لا تستحون» وغيرها.

وأعرب عدد من المتظاهرين عن القلق من خطة نتنياهو القادمة. وقال البروفسور أوري شارون، وهو محاضر في كلية الحقوق وفي برنامج التنظيم البيئي في «جامعة بار-إيلان» وباحث في مجالات القانون البيئي الدولي، وشغل منصباً رفيعاً في استشارات رائدة في الولايات المتحدة، إنه يشعر بالقلق من هذه الحملة، «ومن خطر استئناف إسرائيل للحرب، إذا فشلت الحملة».

وأضاف شارون، في منشور على الشبكات الاجتماعية: «إنهم يبنون خطاب الرئيس ترمب، الذي صعد إلى منبر الكنيست مثل مُهرّج يبيع الابتسامات، وكل ابتسامةٍ من هذه كانت رصاصةً دقيقةً من الاحتقار لنا. سخر من كلّ شيء: من دولة إسرائيل ومن توراتها، من مؤسسة الرئاسة، من رئيس الحكومة وزوجته، من رئيس الأركان الذي تحوّل إلى شخصية في مسلسل خيالي على (نتفليكس)، من رئيس الكنيست، من القانون ومن الكرامة، كل ذلك بغلافٍ من حلوى لامعة».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أ.ف.ب)

وتابع: «لقد أظهر للجميع كم هي إسرائيل صغيرة، والجمهور المأجور يصفّق. هذا هو تكتيكه: أن يُصغّر الجميع كي يبقى هو الكبير الوحيد. يُصغّر، يُضحك، يمحو الاحترام، ثم جاء دور الرئيس (الإسرائيلي). «ربما تمنح بيبي العفو، قال له ترمب بابتسامة عريضة، كأنه لا يعلم أن العفو يُمنح فقط لمتهمين مذنبين ومدانين. فكانت لدغة أخرى على حساب سلطة القضاء والقانون، مغلفة بمجاملة زائفة تخترق ما تبقى من الرسمية».

وكانت عائلات المحتجزين قد عقدت مؤتمرين صحافيين، ليلة الثلاثاء-الأربعاء، في مستشفى شيبا ومستشفى إيخيلوف، حيثما يعالج المحتجزون المحررون من أسر «حماس». وشكرت المشاركين في المظاهرات التي أقيمت في تل أبيب وعشرات البلدات الإسرائيلية تضامناً معهم. كما شكرت الرئيس ترمب وقوات الجيش التي حاربت في غزة، ولكنها تعمدت ألا تذكر نتنياهو بين من يستحقون الشكر.

وتكلم في المؤتمرين ثمانية أشخاص من ممثلي العائلات بصوت واحد حول الخطوات القادمة، فأكدوا أولاً أنهم «سيواصلون المعركة حتى عودة كل الجثامين»، وطالبوا الحكومة «باستئناف الحرب في حال حاولت (حماس) التلاعب في الموضوع». ثم أكدوا أنهم لن يجلسوا في البيت بعد الآن، بل سيسعون أولاً إلى شفاء العائدين من أسر «حماس» صحياً ونفسياً، وإعادة دمجهم في العائلات وفي المجتمع، وثانياً: المطالبة بمحاسبة المسؤولين عن الإخفاقات.

معارض لنتنياهو خارج مقرّ المحكمة في تل أبيب (أ.ب)

وقالت لاشاي ميران لافي، زوجة المحتجز المحرر عومري ميران، إنها سعيدة جداً بعودة زوجها، لكنها لن تكنّ ولن تلين إلا وهي ترى محاسبة القيادة السياسية التي عرقلت إمكانية تحرير المحتجزين في وقت سابق.

وأضافت: «هذه الصفقة نفسها، وربما أفضل منها، كان يمكن أن تبرم من زمان. منذ سنة ونصف السنة، وتحديداً في مايو (أيار) 2024، لو نفذت لكنا حقنا الكثير من الدماء والدموع. لكن هناك من منع الصفقة لأسباب حزبية ومصالح شخصية، وهو يجب أن يدفع الثمن. في هذه الأثناء أصيب المخطوفون بالصدمة النفسية، بسبب تخلي الدولة عنهم، وتوفي بعض منهم، وأصيب آخرون بأمراض جسدية ونفسية. وقتل مئات الجنود الإسرائيليين الذين أرسلتهم الحكومة لوحل غزة، رغم معارضة قيادة الجيش».

متظاهر إسرائيلي يرتدي قناعاً بملامح نتنياهو ضمن احتجاجات عائلات الرهائن الإسرائيليين الذين كانوا في غزة (أرشيفية-أ.ف.ب)

واستخدم جميع الخطباء الثمانية الجملة التالية، بالكلمات نفسها: «لن نوقف نضالنا بعودة الأبناء... نريد أولاً أن يحاسب المتهمون المذنبون بالإخفاقات قبيل 7 أكتوبر (تشرين الأول) وفي يوم 7 أكتوبر وإدارة الحرب الفاشلة. والسبيل الوحيد لمعرفة الحقائق أو معظمها يكون بتشكيل لجنة تحقيق رسمية برئاسة قاضٍ في المحكمة العليا، ذي صلاحيات».

وفي أعقاب ذلك، اتهمهم ناطق بلسان حزب «ليكود» بـ«الجحود». وقال إنهم «يعرفون جيداً كيف عمل نتنياهو كي يعودوا»، وأشار إلى المدائح التي أغدقها الرئيس ترمب عليه وإشادته «بقدراته القيادية العالية، وطريقة إدارته للمفاوضات». واتهمهم بـ«الوقوع في حبائل اليسار الذي لا يريد سوى إسقاط الحكومة والتحريض عليها». واقتبس قول أحد أفراد العائلات لنتنياهو خلال زيارته ابنه المحرر: «أنا لم أصوت لك. ولكنني أشكر الله على أنك رئيس حكومة إسرائيل في هذه الظروف العصيبة».


مقالات ذات صلة

نتنياهو: نسحق إيران و«حزب الله»

شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ب)

نتنياهو: نسحق إيران و«حزب الله»

عقد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مساء الخميس، أول مؤتمر صحافي له منذ بدء الحرب مع إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية أفراد من الشرطة الإيرانية (أرشيفية - أ.ب)

قائد الشرطة الإيرانية محذراً من التظاهر ضد النظام: أصابعنا على الزناد

حذر قائد الشرطة الإيرانية، الثلاثاء، المواطنين من التظاهر للمطالبة بتغيير النظام، بعد أن دعا رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو الإيرانيين إلى الانتفاض.

«الشرق الأوسط» (طهران)
شؤون إقليمية أعضاء من فرق «الهلال الأحمر» الإيراني يوم الثلاثاء في موقع مبنى تضرر بغارة جوية أميركية - إسرائيلية في طهران (د.ب.أ) p-circle

نتنياهو يُلقي هدف «إسقاط النظام» على الإيرانيين... ويريد مواصلة الهجمات

ألقى رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو هدف «إسقاط النظام» على كاهل الإيرانيين، بينما أظهرت تحركات عسكرية إسرائيلية رغبة في المضي نحو استمرار الهجمات.

كفاح زبون (رام الله)
شؤون إقليمية نتنياهو خلال زيارة قام بها إلى المركز الوطني لعمليات الطوارئ الصحية (حساب رئيس الوزراء الإسرائيلي على «إكس») p-circle

نتنياهو: نكسر عظام النظام الإيراني… وإسقاطه «بيد الشعب»

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اليوم (الثلاثاء)، إن إسقاط النظام في إيران يقع في نهاية المطاف «بيد الشعب الإيراني».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي يتوسط وزير الدفاع يسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زامير (د.ب.أ)

نتنياهو: إسرائيل لديها الكثير من «المفاجآت» في المرحلة التالية لعملية إيران

قال بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي، اليوم (السبت)، إن إسرائيل لديها «الكثير من المفاجآت» خلال المرحلة التالية من عمليتها في إيران.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

المرشد الجريح يتمسّك بـ«الثأر» وإغلاق هرمز

إيرانيون يعاينون بنايات سكنية متضررة بفعل القصف الأميركي ـ الإسرائيلي وسط طهران أمس (إ.ب.أ)
إيرانيون يعاينون بنايات سكنية متضررة بفعل القصف الأميركي ـ الإسرائيلي وسط طهران أمس (إ.ب.أ)
TT

المرشد الجريح يتمسّك بـ«الثأر» وإغلاق هرمز

إيرانيون يعاينون بنايات سكنية متضررة بفعل القصف الأميركي ـ الإسرائيلي وسط طهران أمس (إ.ب.أ)
إيرانيون يعاينون بنايات سكنية متضررة بفعل القصف الأميركي ـ الإسرائيلي وسط طهران أمس (إ.ب.أ)

استهل المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي عهده برسالة تمسّك فيها بخيار «الثأر» وإبقاء مضيق هرمز مغلقاً، في خطوة بدت امتداداً لموقف القيادة العسكرية الإيرانية و«الحرس الثوري» في خضم الحرب الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

وجاء في رسالة لخامنئي، تلاها التلفزيون الرسمي أمس، أن طهران قد تفتح «جبهات أخرى» إذا استمر التصعيد العسكري، مشدداً على أن مطلب قطاعات واسعة من الإيرانيين هو «استمرار الدفاع الفعّال والرادع». وقال إن إيران «لن تتنازل عن الثأر» لدماء قتلاها. وبُثت الرسالة وسط تباين بشأن الوضع الصحي لمجتبى خامنئي الذي أصيب بجروح في الضربة الأولى للحرب التي قتل فيها والده المرشد السابق علي خامنئي.

وقال «الحرس الثوري» إنه سيُنفذ توجيهات المرشد بإبقاء المضيق مغلقاً، متوعداً بتوجيه «أشد الضربات» للخصوم. كما لوّح بتصعيد محتمل في مضيق باب المندب إذا استمرت العمليات العسكرية.

وشنت إيران هجمات جديدة على منشآت الطاقة في الخليج واستهدفت سفناً، ما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط مجدداً فوق 100 دولار للبرميل.

وهدد المتحدث باسم عمليات هيئة الأركان الإيرانية بإشعال قطاع النفط والغاز في المنطقة إذا تعرضت البنى التحتية للطاقة أو الموانئ الإيرانية لأي هجوم.

وسعى الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى طمأنة الأسواق، مؤكداً أن بلاده أكبر منتج للنفط في العالم، لكنه شدد على أن أولويته هي منع إيران من امتلاك سلاح نووي. كما أعلنت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) أنها ضربت نحو 6000 هدف داخل إيران ضمن عملية «ملحمة الغضب».


إسرائيل تعلن شن سلسلة ضربات جديدة «واسعة النطاق» على طهران

سحابة كثيفة من الدخان تتصاعد جراء ضربات إسرائيلية على خزانات نفط في العاصمة الإيرانية طهران (أ.ب)
سحابة كثيفة من الدخان تتصاعد جراء ضربات إسرائيلية على خزانات نفط في العاصمة الإيرانية طهران (أ.ب)
TT

إسرائيل تعلن شن سلسلة ضربات جديدة «واسعة النطاق» على طهران

سحابة كثيفة من الدخان تتصاعد جراء ضربات إسرائيلية على خزانات نفط في العاصمة الإيرانية طهران (أ.ب)
سحابة كثيفة من الدخان تتصاعد جراء ضربات إسرائيلية على خزانات نفط في العاصمة الإيرانية طهران (أ.ب)

أعلن الجيش الإسرائيلي، مساء الخميس، أنه يشن سلسلة جديدة من الضربات التي تستهدف بنى تحتية في طهران، في اليوم الثالث عشر من الحرب في الشرق الأوسط.

وقال، في بيان، إن «الجيش الإسرائيلي بدأ تواً سلسلة جديدة من الضربات الواسعة النطاق، والتي تستهدف البنى التحتية للنظام الإرهابي الإيراني في طهران»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».


بعثة أممية: الحرب ستفاقم على الأرجح القمع في إيران

عناصر من الأمن الإيراني يقفون على سطح سيارتهم حاملين صور المرشد السابق علي خامنئي وخليفته وابنه مجتبى خلال تجمُّع لدعمه بطهران (أ.ب)
عناصر من الأمن الإيراني يقفون على سطح سيارتهم حاملين صور المرشد السابق علي خامنئي وخليفته وابنه مجتبى خلال تجمُّع لدعمه بطهران (أ.ب)
TT

بعثة أممية: الحرب ستفاقم على الأرجح القمع في إيران

عناصر من الأمن الإيراني يقفون على سطح سيارتهم حاملين صور المرشد السابق علي خامنئي وخليفته وابنه مجتبى خلال تجمُّع لدعمه بطهران (أ.ب)
عناصر من الأمن الإيراني يقفون على سطح سيارتهم حاملين صور المرشد السابق علي خامنئي وخليفته وابنه مجتبى خلال تجمُّع لدعمه بطهران (أ.ب)

حذّرت بعثة تقصّي الحقائق المستقلة التابعة للأمم المتحدة بشأن الوضع في إيران، من أن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط قد تؤدي إلى تفاقم القمع المؤسسي داخل البلاد، مشيرة إلى أن المدنيين الإيرانيين باتوا عالقين بين تصاعد العمليات العسكرية وتشديد القيود الأمنية التي تمارسها السلطات.

وقالت «البعثة»، في تقرير، إن المدنيين في إيران يقفون «بين مطرقة استمرار الأعمال العدائية المسلَّحة وسندان قمع بلغ مستويات غير مسبوقة»، وعَدَّت أن بعض الانتهاكات قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية. وأضافت أن تفاقم أزمة حقوق الإنسان «مرجَّح في أعقاب الهجمات الأميركية الإسرائيلية على إيران، والضربات الانتقامية التي تشنُّها طهران في أنحاء المنطقة».

وأوضحت «البعثة»، التي تضم ثلاثة أعضاء ومكلَّفة بجمع الأدلة وتوثيق الانتهاكات، أنها حدّدت، خلال الأشهر الأحد عشر الماضية، «نمطاً واضحاً» من القمع يرتبط بالتطورات الجارية في البلاد. وأشارت إلى أن حماية المدنيين، بما في ذلك المحتجَزون، تصبح أكثر خطورة، خلال النزاعات المسلَّحة، خصوصاً في ظل قطع الاتصالات والإنترنت.

كان مجلس حقوق الإنسان، التابع للأمم المتحدة، قد أنشأ «البعثة» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، عقب حملة القمع التي أعقبت الاحتجاجات الواسعة على خلفية وفاة الشابة مهسا أميني.

وذكر التقرير أن وضع حقوق الإنسان في إيران «تفاقم بشكل حاد»، منذ بدء الضربات الأميركية الإسرائيلية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وعَدَّ أن الشعب الإيراني يواجه حالياً «حملة عسكرية واسعة النطاق قد تستمر لأسابيع أو أشهر»، بالتزامن مع تشديد القيود الداخلية.

ودعت «البعثة» جميع الأطراف إلى الوقف الفوري للهجمات لتفادي إلحاق مزيد من الأذى بالمدنيين في إيران وفي المنطقة.

وقدّمت «البعثة» أحدث تقاريرها إلى مجلس حقوق الإنسان، الأربعاء، ويغطي التقرير الفترة الممتدة من أبريل (نيسان) 2025 حتى 18 فبراير من العام الحالي. وأكد أن أنماط القمع التي تقودها الدولة «لم تستمرَّ فحسب، بل تطورت وتعززت»، خصوصاً بعد موجة الاحتجاجات التي اندلعت في 28 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

واتهم التقرير قوات الأمن باستخدام «قوة فتّاكة مُفرطة»، بما في ذلك بنادق هجومية ورشاشات ثقيلة، ما أدى إلى سقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى.

كما تطرَّق التقرير إلى الحرب التي استمرت 12 يوماً بين إيران وإسرائيل، في يونيو (حزيران) 2025، مشيراً إلى أن الهجوم الذي استهدف مَجمع سجن إيفين خلصت البعثة إلى أنه قد يشكل جريمة حرب بسبب استهداف موقع مدني، وقد أسفر عن مقتل نحو 80 شخصاً.

وخلصت «البعثة» إلى أن عدداً من الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها السلطات الإيرانية، بما في ذلك القتل والحبس والتعذيب والعنف الجنسي والاضطهاد على أساس النوع الاجتماعي والإخفاء القسري، قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية ارتُكبت «في إطار هجوم واسع النطاق ومنهجيّ ضد المدنيين».

في سياق متصل، أفادت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان «هرانا» بأن السلطات الإيرانية أوقفت نحو 200 شخص بتُهم مرتبطة بالحرب الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. وأوضحت الوكالة، ومقرُّها الولايات المتحدة، أن 195 شخصاً، على الأقل، اعتُقلوا في مناطق مختلفة من البلاد، بينها طهران ووسط البلاد وشمالها الغربي.

ووفقاً للتقارير، وُجّهت إلى الموقوفين اتهامات تتعلق بنشاطهم على شبكات التواصل الاجتماعي، وإرسال مواد إعلامية إلى وسائل إعلام أجنبية، والتجسس، فضلاً عن الإخلال بالأمن العام.

وأعلن جهاز الاستخبارات، التابع لـ«الحرس الثوري»، أنه أوقف عشرة أشخاص صوّروا مواقع تعرضت للضربات وأرسلوا الصور إلى وسائل إعلام أجنبية، في حين نشرت وسائل إعلام رسمية تسجيلات مصوَّرة لاعترافاتهم، قالت «هرانا» إنها أُخذت تحت الضغط.

وفي الوقت نفسه، حذّر قائد الشرطة الوطنية أحمد رضا رادان المتظاهرين من أنهم سيُعامَلون «كأعداء»، مشيراً إلى أن يد القوات الأمنية «على الزناد».

كما أثار تسجيلٌ بثّه التلفزيون الرسمي جدلاً واسعاً بعد أن قال فيه أحد المذيعين إن السلطات «ستجعل الأمهات يبكين»، إذا حاول البعض استغلال الفوضى للقيام بأنشطة مُعارضة.

تأتي هذه التطورات في ظل توتر داخلي متصاعد أعقب موجة احتجاجات واسعة شهدتها البلاد قبل اندلاع الحرب، وأسفر قمعها عن سقوط آلاف القتلى واعتقال عشرات الآلاف، وفق منظمات حقوقية.

وقالت بهار قندهاري، من «مركز حقوق الإنسان في إيران»، إن السلطات «اعتادت استغلال أجواء الحرب والأزمات لتشديد القمع الداخلي»، مضيفة أن الحكومة «تساوي بشكل متزايد بين المعارضة والتجسس، وتصف المنتقدين بأنهم أعداء للدولة، ما يوفر غطاء سياسياً لتشديد الإجراءات الأمنية».