اقتراب استحقاق تفعيل آلية «سناب باك» من إيران

لا حلول بديلة في الأفق ومصدر أوروبي يعد طهران الطرف «الضعيف» في المعادلة الحالية

أرشيفية لمنشأة نووية بالقرب من مدينة أصفهان الإيرانية (أ.ب)
أرشيفية لمنشأة نووية بالقرب من مدينة أصفهان الإيرانية (أ.ب)
TT

اقتراب استحقاق تفعيل آلية «سناب باك» من إيران

أرشيفية لمنشأة نووية بالقرب من مدينة أصفهان الإيرانية (أ.ب)
أرشيفية لمنشأة نووية بالقرب من مدينة أصفهان الإيرانية (أ.ب)

ثمة قناعة مترسخة لدى الغربيين، ولدى أطراف أخرى إسرائيل من بينها، أن إيران تواجه استحقاقات بالغة الصعوبة فيما يتعلق بملفها النووي، خصوصاً أن اجتماع جنيف الثلاثاء لم يفضِ إلى نتيجة حاسمة، وزمن التفاوض مع إيران إلى تناقص.

فيوم الأحد 31 أغسطس (آب) الجاري تنتهي المهلة «المبدئية» التي منحتها «الترويكا» الأوروبية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا) لإيران قبل أن تنقل ملفها النووي إلى مجلس الأمن الدولي من أجل إعادة تفعيل «آلية سناب باك»، أو «الضغط على الزناد».

وبموجب هذه الآلية يعيد مجلس الأمن فرض ست مجموعات من العقوبات على طهران، بسبب عدم احترامها للاتفاق النووي. وقد تم تجميدها مع صدور القرار الدولي رقم 2231 في العام 2015 الذي وفر الغطاء الأممي لـ«خطة العمل الشاملة المشتركة» المبرمة بين إيران ومجموعة 5 زائد واحد في شهر يوليو (تموز) من العام المذكور.

وتركت «الترويكا» لطهران باب نجاة ضيقاً يمنحها مهلة إضافية من خلال اقتراحها التمديد المشروط للقرار الدولي حتى 18 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.

وحتى تستفيد طهران من هذه المهلة، يتعين عليها أن تسمح للمفتشين الدوليين بمعاودة أنشطتهم الميدانية، بما في ذلك كشف مصير الكمية الكبيرة «400كلغم» من اليورانيوم عالي التخصيب، وأن تنخرط في مفاوضات مع الولايات المتحدة، سعياً وراء اتفاق نووي جديد، وأن توفر الأدلة على سلمية برنامجها النووي.

وسبق للطرفين الإيراني والأميركي أن عقدا سلسلة اجتماعات متنقلة ما بين مسقط وروما من غير التوصل إلى نتيجة إيجابية. وانقطعت الاتصالات مع انطلاق «حرب الـ12 يوماً»، بدءاً بالهجمات الإسرائيلية على المواقع النووية الإيرانية، وبعدها استهداف القوات الأميركية ثلاث قواعد نووية رئيسة.

طهران «محشورة» في الزاوية

في ظل الضغط الزمني، التأم في مقر القنصلية الإيرانية في جنيف الثلاثاء الاجتماع الثاني، «منذ حرب الـ12 يوماً»، بين إيران والترويكا الأوروبية بحثاً عن سبل دبلوماسية لإيجاد حلول سياسية للملف النووي، بينما يعود الحديث، مجدداً، عن العودة إلى لغة السلاح.

سيارة تغادر مقر السفارة الإيرانية في جنيف حيث عقدت جولة مفاوضات بين وفد إيراني ووفد «الترويكا» الأوروبية أمس (أ.ف.ب)

والحال، أن الاجتماع لم يخرج بنتائج حاسمة. وحتى عصر الأربعاء، لم يصدر عن أي من الأطراف الأربعة التي شاركت في الاجتماع تفاصيل وافية عما حصل خلاله.

إلا أن نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي، الذي مثل بلاده في الاجتماع، كتب في تغريدة على منصة «إكس» أن طهران «لا تزال ملتزمة الحلول الدبلوماسية»، وأنه «حان الوقت لمجموعة الدول الأوروبية الثلاث ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لاتخاذ القرار الصائب، ومنح الدبلوماسية الوقت والمساحة اللازمين».

كذلك قال إسماعيل بقائي، الناطق باسم الخارجية الإيرانية، إن التواصل مع «الترويكا» سيستمر في الأيام القادمة. بيد أنه لم يقدم أي تاريخ محدد.

واشنطن والعواصم

وفي واشنطن، اعلن النائب الأول للمتحدث الرسمي تومي بيغوت، الأربعاء، أن

وزير الخارجية ماركو روبيو أجرى اتصالاً هاتفياً مع نظرائه الفرنسي جان-نويل بارو، والألماني يوهان ڤاديفول، والبريطاني ديفيد لامي لمناقشة قضية إيران. وأعاد الجميع التأكيد على التزامهم بضمان عدم قيام إيران بتطوير أو حيازة سلاح نووي.

كسب الوقت

في المقابل، أفاد مصدر دبلوماسي أوروبي بأن الجهود سوف تتواصل في الأيام القليلة المقبلة «أي قبل نهاية الشهر الجاري» من أجل العثور على مخرج، وتجنب تفعيل «سناب باك».

ونقلت وكالة «أسوشييتد برس» عن الدبلوماسي الأوروبي قوله إن جولة جنيف «انتهت دون نتيجة نهائية». وتجدر الإشارة إلى أن الاجتماع في المدينة السويسرية جاء بعد شهر كامل على اجتماع استضافته إسطنبول. ولا يبدو أن فترة الثلاثين يوماً كانت كافية للجانبين الأوروبي والإيراني للعثور على تسويات تمكنهما من التغلب على مقارباتهما المتباعدة للملفات الخلافية.

وتتهم مصادر أوروبية طهران بالسعي لكسب الوقت، والنظر في كيفية الالتفاف على تفعيل «سناب باك»، إن من خلال التنسيق مع روسيا والصين، أو عبر التنديد بالترويكا، واعتبارها غير مؤهلة لنقل الملف النووي إلى مجلس الأمن، والسعي لتعظيم الضغوط على طهران من خلال إعادة فرض العقوبات الدولية التي «علقت ولم تلغ» بفعل القرار 2231.

ضيق الخيارات

ويرى مصدر دبلوماسي أوروبي في باريس أن الخيارات بوجه طهران «تضيق»، وأن الترويكا الأوروبية «جادة» في تنفيذ وعيدها، والالتزام بمهلة نهاية أغسطس موعداً نهائياً لتفعيل آلية «سناب باك»، خصوصاً أن إيران تبدو اليوم على أنها «الطرف الضعيف» بعد الضربات العسكرية الإسرائيلية والأميركية، والتهديدات المبطنة للطرفين بـ«إنهاء ما تحقق» في يونيو (حزيران) الماضي.

بيد أن المصدر المشار إليه ينظر بكثير من الاهتمام لتوقيت إعلان رافاييل غروسي، مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في مقابلة مع القناة الإخبارية الأميركية «فوكس نيوز» مساء الثلاثاء عودة المفتشين الدوليين إلى إيران.

قاليباف وعراقجي

وسارع رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إلى تأكيد أن عودة المفتشين إلى لإيران «لا تتعارض» مع القانون الذي أقره البرلمان، والذي منع بموجبه أن التعاون مع المفتشين يرتبط تنفيذه بما يصدر عن المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني.

أكد عراقجي أن التعاون مع السعودية يحقق الأمن والاستقرار في المنطقة (تصوير: علي خمج)

والحال أن عباس عراقجي، وزير الخارجية، قال الأربعاء إن المجلس المذكور «وافق» على عودتهم. وأردف قائلاً إنه «لا يوجد اتفاق نهائي حتى الآن بشأن التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، مشيراً بذلك إلى الشروط الجديدة التي تريد طهران أن تنظم عمل المفتشين الذين سبق لها أن اتهمتهم بالعمل لصالح إسرائيل.

وسرد عراقجي سبباً إضافياً لهذه العودة إذ ربطها بـ«تغيير وقود مفاعل بوشهر النووي يجب أن يتم تحت إشراف مفتشي الوكالة الدولية».

جديد غروسي

وجديد غروسي ما كشفت عنه الوكالة الدولية في فيينا، ومفاده بأنه يحظى بحماية خاصة من «وحدة كوبرا» التابعة لوزارة الداخلية بعد تلقيه تهديدات. ومن المعلوم أن الوحدة المذكورة توفر الحماية للرئيس النمساوي، ولمستشارها، إضافة إلى السفيرين الأميركي، والإسرائيلي.

رافاييل غروسي رئيس وكالة الطاقة الذرية (رويترز)

وقال فريدريك داهل، المتحدث باسم الوكالة الدولية الأربعاء: «يمكننا تأكيد أن النمسا وفرت (وحدة كوبرا)، لكن لا يمكننا تأكيد مصدر التهديد المحدد». وسبق لصحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية أن كانت أول من كشف تعزيز الحماية لغروسي.

سباق مع الزمن

يبدو اليوم أن هناك سباقاً مع الزمن من شأنه أن يقرر مصير الملف النووي الإيراني، إن بالدبلوماسية، أو بالضغوط الدولية، وربما بالعمل العسكري.

فروسيا، وهي طرف موقع على اتفاق 2015، دخلت الحلبة الدبلوماسية «مع الصين» بتوزيع مسودة مشروع قرار يمدد القرار 2231 ستة أشهر حتى الربيع القادم. والمبادرة الروسية-الصينية تمت، بلا شك، بالتنسيق مع طهران، حيث الأطراف الثلاثة كثفت مشاوراتها، على كافة المستويات، في الأسابيع الأخيرة. وما يميز المبادرة الروسية-الصينية عن منافستها الأوروبية أنها توفر مهلة زمنية طويلة «ستة أشهر» للعمل الدبلوماسي، وتحمي إيران من أي مبادرات معادية، ولا تفرض عليها أي شروط، مقارنة باقتراح الترويكا الأقصر زمنياً، والذي يفرض شروطاً بعضها صعب القبول على القيادة الإيرانية. وأحد الشروط إطلاق المفاوضات مع واشنطن.

شروط إيران

والحال أن لإيران شروطاً لذلك: رفض التفاوض تحت الضغوط، التشدد في الحصول على ضمانات بألا تستهدف عسكرياً خلال المفاوضات، الحصول على تعويضات مالية، الاعتراف بحق إيران في تخصيب اليورانيوم على أراضيها... والأحد الماضي، شكك المرشد الأعلى علي خامنئي في حصول أي مفاوضات مع الجانب الأميركي، ما يعني أن أحد الشروط الأوروبية صعب التنفيذ. وبالمقابل، فإن مشروع القرار الروسي-الصيني لن يكون مقبولاً أميركياً وأوروبياً بصيغته الراهنة، ما يعرضه للفيتو الغربي.

وكل هذه العناصر تبين أن الوضع وصل لطريق مسدود وأن الأيام القليلة القادمة لن تكون كافية لتفكيك الصعوبات، علماً أن الأوروبيين يريدون النفاذ بمبادرتهم قبل أن تتولى روسيا رئاسة مجلس الأمن أكتوبر القادم، وهو الشهر المفصلي الذي سيقرر خلاله مصير الاتفاق النووي، وتبعاته.


مقالات ذات صلة

محادثات مسقط... «بداية جيّدة» بلا اختراق

شؤون إقليمية صورة مركبة لاستقبال وزير خارجية عُمان البوسعيدي نظيره الإيراني عراقجي (يمين) ثم لاستقباله المبعوث الأميركي ويتكوف وكوشنر قبل بدء المباحثات في مسقط أمس (إ.ب.أ)

محادثات مسقط... «بداية جيّدة» بلا اختراق

انتهت جولة المحادثات النووية غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في العاصمة العُمانية مسقط، أمس، وسط أجواء من التَّرقب والهواجس حيال جولة ثانية محتملة،

«الشرق الأوسط» ( لندن - مسقط)
شؤون إقليمية صور الأقمار الصناعية تُظهر أن إيران تعمل على مواقع الصواريخ والمواقع النووية

صور أقمار صناعية تكشف أعمالاً إيرانية في مواقع صاروخية ونووية

يبدو أن إيران أصلحت بسرعة عدداً من منشآت الصواريخ الباليستية التي تضررت خلال الضربات التي نُفذت العام الماضي.

صمويل غرانادوس (نيويورك) أوريلين بريدين (نيويورك)
شؤون إقليمية رجل يمر أمام لوحة جدارية تصور تمثال الحرية بذراعه الحاملة للشعلة وهي مكسورة ومرسومة على الجدران الخارجية للسفارة الأميركية في طهران التي تطلق عليها السلطات «وكر الجواسيس» (أ.ف.ب)

عقوبات أميركية جديدة تستهدف «أسطول الظل» الإيراني

أعلنت الولايات المتحدة، الجمعة، فرض عقوبات جديدة تستهدف تجارة النفط الإيراني، عقب جولة من المحادثات غير المباشرة بين طهران وواشنطن عُقدت في سلطنة عُمان.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن)
شؤون إقليمية مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن»، ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي، تبحر في بحر العرب، فيما تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل، في استعراض للقوة (سنتكوم) p-circle 00:37

محادثات مسقط بلا اختراق... وتفاهم أميركي - إيراني على مواصلة المسار

انتهت جولة المحادثات النووية غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة في مسقط، الجمعة، من دون اختراق حاسم، في حين وصفها وزير الخارجية الإيراني بأنها بداية جيدة.

«الشرق الأوسط» (لندن_مسقط_طهران)
شؤون إقليمية صورة نشرتها الخارجية الإيرانية من وصول الوفد التفاوضي برئاسة عراقجي إلى مقر المحادثات مع ستيف ويتكوف p-circle

جولة ثانية من محادثات مسقط... وعراقجي يقدم خطة تمهيدية

انطلقت في مسقط المفاوضات النووية بين عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني وستيف ويتكوف المبعوث الأميركي، بعد مشاورات إيرانية - عمانية مهدت لآليات التفاوض.

«الشرق الأوسط» (لندن - مسقط)

محادثات مسقط... «بداية جيّدة» بلا اختراق

صورة مركبة لاستقبال وزير خارجية عُمان البوسعيدي نظيره الإيراني عراقجي (يمين) ثم لاستقباله المبعوث الأميركي ويتكوف وكوشنر قبل بدء المباحثات في مسقط أمس (إ.ب.أ)
صورة مركبة لاستقبال وزير خارجية عُمان البوسعيدي نظيره الإيراني عراقجي (يمين) ثم لاستقباله المبعوث الأميركي ويتكوف وكوشنر قبل بدء المباحثات في مسقط أمس (إ.ب.أ)
TT

محادثات مسقط... «بداية جيّدة» بلا اختراق

صورة مركبة لاستقبال وزير خارجية عُمان البوسعيدي نظيره الإيراني عراقجي (يمين) ثم لاستقباله المبعوث الأميركي ويتكوف وكوشنر قبل بدء المباحثات في مسقط أمس (إ.ب.أ)
صورة مركبة لاستقبال وزير خارجية عُمان البوسعيدي نظيره الإيراني عراقجي (يمين) ثم لاستقباله المبعوث الأميركي ويتكوف وكوشنر قبل بدء المباحثات في مسقط أمس (إ.ب.أ)

انتهت جولة المحادثات النووية غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في العاصمة العُمانية مسقط، أمس، وسط أجواء من التَّرقب والهواجس حيال جولة ثانية محتملة، بعدما تمسّك الطرفان بشروطهما من دون تحقيق اختراق حاسم.

ووصف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي المحادثات بأنَّها «بداية جيدة»، مؤكداً وجود تفاهم على مبدأ مواصلة المسار، لكنَّه شدَّد على أنَّ «انعدام الثقة» يمثل التحدي الأكبر، وأنَّ الاستمرار مشروط بمشاورات تُجرى في طهران وواشنطن. ويلعب وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي دور الوسيط، وتنقل بين الوفدين لتبادل الرسائل.

وضمّ الوفد الأميركي برئاسة ستيف ويتكوف، قائدَ القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) براد كوبر، في خطوة عُدّت رسالة ضغط موازية للمسار الدبلوماسي، وسط تحذيرات متبادلة وحشد عسكري أميركي في المنطقة.

وقال دبلوماسي إقليمي لوكالة «رويترز» إنَّ طهران خرجت من جولة محادثات مسقط بانطباع مفاده أنَّ المفاوضين الأميركيين أبدوا قدراً من التفهّم لمواقفها الأساسية، لا سيما فيما يتعلق بحق إيران في تخصيب اليورانيوم، مشيراً إلى أنَّ ملف القدرات الصاروخية لم يُطرح خلال النقاشات، وأنَّ الجانب الإيراني استبعد القبول بتصفير التخصيب، لكنَّه أبدى استعداداً لبحث مستواه ونقائه أو صيغ بديلة.


ترمب يوقع أمراً بفرض رسوم جمركية على أي دولة  تتعامل تجارياً مع إيران

الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ‌ترمب (ا.ف.ب)
الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ‌ترمب (ا.ف.ب)
TT

ترمب يوقع أمراً بفرض رسوم جمركية على أي دولة  تتعامل تجارياً مع إيران

الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ‌ترمب (ا.ف.ب)
الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ‌ترمب (ا.ف.ب)

قال البيت الأبيض إن الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ‌ترمب، وقع ⁠اليوم ​الجمعة ‌أمراً تنفيذياً ربما يقضي بفرض رسوم جمركية بنسبة ⁠25 ‌في المائة على ‍الدول ‍التي ‍تتعامل تجارياً مع إيران.

يأتي هذا الأمر ​في الوقت الذي تتزايد ⁠فيه حدة التوتر إيران والولايات المتحدة، على الرغم من إجراء البلدين محادثات هذا الأسبوع.


صور أقمار صناعية تكشف أعمالاً إيرانية في مواقع صاروخية ونووية

صور الأقمار الصناعية تُظهر أن إيران تعمل على مواقع الصواريخ والمواقع النووية
صور الأقمار الصناعية تُظهر أن إيران تعمل على مواقع الصواريخ والمواقع النووية
TT

صور أقمار صناعية تكشف أعمالاً إيرانية في مواقع صاروخية ونووية

صور الأقمار الصناعية تُظهر أن إيران تعمل على مواقع الصواريخ والمواقع النووية
صور الأقمار الصناعية تُظهر أن إيران تعمل على مواقع الصواريخ والمواقع النووية

يبدو أن إيران أصلحت بسرعة عدداً من منشآت الصواريخ الباليستية التي تضررت خلال الضربات التي نُفذت العام الماضي، لكنها أجرت إصلاحات محدودة فقط في المواقع النووية الرئيسية التي استهدفتها إسرائيل والولايات المتحدة، وذلك وفقاً لتحليل أجرته صحيفة «نيويورك تايمز»، استناداً إلى صور أقمار صناعية.

وتُقدّم وتيرة إعادة الإعمار غير المتكافئة مؤشرات على أولويات إيران العسكرية، في وقتٍ تحشد فيه الولايات المتحدة قواتها بالقرب منها، ويوازن الرئيس الأميركي دونالد ترمب خيارات عمل عسكري جديد. وإذا ما شنت الولايات المتحدة هجوماً، فمن المرجح أن تردّ إيران بإطلاق صواريخ باليستية تستهدف إسرائيل وأصولاً أميركية في المنطقة.

وعقدت الولايات المتحدة وإيران اجتماعاً في عُمان، الجمعة؛ في محاولة لتفادي صراع جديد. ولم يكن نطاق المحادثات واضحاً، على الفور، لكن البرنامج النووي الإيراني كان مرجحاً أن يكون محوراً رئيسياً فيها.

وأكد خبراء يراقبون من كثب البرامج النووية والصاروخية الإيرانية نتائج تحليل «نيويورك تايمز»، التي فحصت صوراً لنحو عشرين موقعاً تعرضت للقصف من قِبل إسرائيل أو الولايات المتحدة، خلال الصراع الذي استمر 12 يوماً في يونيو (حزيران) الماضي. ووجدت الصحيفة أعمال بناء في أكثر من نصف هذه المواقع.

وحذّر الخبراء من أن الحجم الكامل للإصلاحات لا يزال غير واضح؛ نظراً لأن صور الأقمار الصناعية لا توفر سوى رؤية لما يجري فوق سطح الأرض.

وتشير الصور، التي راجعتها الصحيفة، إلى أن بعض الإصلاحات بدأت بعد وقت قصير من الضربات التي استهدفت عدداً من منشآت الصواريخ، ما يشير إلى أن إيران جعلت إنتاج الصواريخ أولوية قصيرة الأمد.

صور لمنشأة صاروخية قرب آمند بإيران تظهر إلى اليسار في 29 يونيو 2025 عقب غارات جوية إسرائيلية وإلى اليمين في 11 نوفمبر 2025 بعد تنفيذ أعمال إصلاح («نيويورك تايمز»)

وكتب جون ب. كيفز الثالث، الخبير الاستشاري بمركز دراسة أسلحة الدمار الشامل في جامعة الدفاع الوطني بواشنطن، في رسالة إلكترونية: «إن تهديد إسرائيل والقواعد الأميركية وحلفائهما في المنطقة بهجمات صاروخية هو أحد الخيارات القليلة المتاحة لإيران لردع تكرار الضربات على منشآتها النووية».

وعلى النقيض من ذلك، يقول الخبراء إن الصور التي تُظهر الأضرار التي لحقت المنشآت النووية الإيرانية الرئيسية لا تكشف سوى عن إصلاحات جزئية وجهود تحصين لم تتسارع إلا في الأشهر الأخيرة.

ولم يجد مسؤولون غربيون وإسرائيليون سوى مؤشرات محدودة على أن إيران أحرزت تقدماً كبيراً في إعادة بناء قدرتها على تخصيب الوقود النووي أو تصنيع رأس نووي.

تجديد ترسانة الصواريخ

تُظهر صور الأقمار الصناعية التي حللتها «نيويورك تايمز» أن أعمال إصلاح أُنجزت، خلال الأشهر القليلة الماضية، في أكثر من عشرة منشآت صاروخية، بما في ذلك مواقع إنتاج.

وخلصت تقييمات استخباراتية إلى أن إيران أعادت، إلى حد كبير، بناء برنامجها للصواريخ الباليستية منذ الهجمات التي وقعت في يونيو.

وقال سام لاير، الباحث المشارك في مركز جيمس مارتن لدراسات عدم الانتشار في مونتيري بولاية كاليفورنيا: «إن التركيز الذي وُضع على إعادة بناء برنامج الصواريخ يتناقض مع البرنامج النووي».

وأضاف أن منشأة اختبار الصواريخ في شاهرود بدت كأنها أُعيد بناؤها بسرعة لافتة، ويُعتقد أنها عادت إلى العمل خلال أشهر من الضربات. وأشار إلى أنه عندما تساقطت الثلوج، الشهر الماضي، جرى تنظيف الطرق المؤدية إلى المنشأة بسرعة، وإزالة الثلوج عن الأسطح، ما يدل على أن الموقع نشِط.

وقال: «شاهرود هي أكبر وأحدث مصنع لإنتاج الصواريخ ذات الوقود الصلب، لذا فمن المنطقي أنها حظيت بكل هذا الاهتمام».

إعادة بناء نووية محدودة

تقول استراتيجية الأمن القومي للبيت الأبيض، التي نُشرت في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، إن الضربات «أدت إلى تدهور كبير في برنامج إيران النووي».

ويقول خبراء إنه رغم بعض الأعمال الظاهرة، فإن منشآت التخصيب الثلاث الرئيسية في إيران: أصفهان ونطنز وفوردو تبدو معطلة.

تُظهر مجموعة من صور القمر الصناعي بلانِت لابس مبنى كان مدمراً سابقاً (في الأسفل)، وسقفاً جديداً أُقيم فوقه (في الأعلى)، في موقع نطنز النووي بإيران (رويترز)

ومنذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أقامت إيران أسقفاً فوق اثنتين من هذه المنشآت، ما يجعل من الصعب تحديد ما إذا كانت تجري أعمال إعادة بناء داخل الهياكل. ويقول الخبراء إن ذلك قد يعني محاولة استعادة أصول دون أن تُرصد من الأعلى. ولا يزال كثير من الضرر فوق الأرض الناتج عن ضربات يونيو مرئياً.

وفي مجمع نطنز النووي، الواقع على بُعد نحو 140 ميلاً جنوب طهران، والذي يُعد المركز الرئيسي لتخصيب اليورانيوم في إيران، غُطي الضرر الذي كان مرئياً في أوائل ديسمبر بهيكل سقفي أبيض. وقد حدّد معهد العلوم والأمن الدولي، وهو مجموعة خاصة في واشنطن تُتابع الانتشار النووي، المبنى المتضرر على أنه منشأة التخصيب التجريبية للوقود.

وفي مجمع أصفهان النووي، دمَّرت الضربات عدة مبانٍ فوق الأرض، بما في ذلك منشآت تحويل اليورانيوم. وتُظهر صورة، التُقطت في ديسمبر، مباني مدمَّرة يبدو أنها غُطيت بسقف.

وعلى مسافة أقل من ميل واحد من منشأة أصفهان فوق الأرض، نُصبت حواجز جديدة عند أحد مداخل مجمع أنفاق جبلي قريب، يعتقد بعض الخبراء أنه قد يضم منشأة تخصيب سرية. وفي موقع جديد تحت الأرض، على بُعد أقل من ميلين من نطنز ويُعرف باسم «جبل بيكساكس»، جرى تعزيز مداخل الأنفاق في الأشهر الأخيرة.

وقال جوزيف رودجرز، الزميل في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن، الذي راقب البرنامج النووي الإيراني، إن كثيراً من النشاط الذي شوهد حول المواقع النووية حتى وقت قريب، كان موجهاً أساساً لتقييم الأضرار وتثبيت الوضع، مثل إزالة الأنقاض وملء الحفر.

تُظهر مجموعة من صور القمر الصناعي «بلانِت لابس» مبنى كان مدمراً سابقاً (في الأسفل) وسقفاً جديداً أُقيم فوقه (في الأعلى) بموقع نطنز النووي بإيران (رويترز)

وأضاف: «لم نشهد أي جهود مكثفة لإخراج المُعدات من هذه المنشآت»، مشيراً إلى أن حملة الحكومة الإيرانية على الجواسيس المشتبَه بهم بعد ضربات يونيو عطّلت أيضاً برنامجها النووي.

لكنه حذَّر من أن إيران لا تزال تمتلك مخزوناً من اليورانيوم المخصب؛ الوقود الأقرب إلى التحول لمادة صالحة لصنع قنبلة نووية. وتشير معلومات استخباراتية أميركية وإسرائيلية إلى أن اليورانيوم المخصب المدفون في المواقع الثلاثة التي تعرضت للضربات في يونيو لا يزال في مكانه، ويبدو أنه مدفون ولم يُمس.

وقال معهد العلوم والأمن الدولي، في تقرير صدر الأسبوع الماضي، إنه رصد زيادة في النشاط بمجمع أصفهان النووي خلال الأيام الماضية، كان آخِرها دفن مداخل الأنفاق بتربة جديدة.

وقال ديفيد أولبرايت، رئيس المعهد، إن تكديس التربة كان، على الأرجح، «تحسباً لهجوم، ما يعني أن هناك شيئاً ذا قيمة»، ربما يورانيوم مخصب.

صورة من قمر «بلانت لبس» ترصد إعادة بناء منشآت صاروخية في قاعدة بارشين الحساسة شرق طهران أغسطس الماضي (أ.ب)

وأضاف: «ليس من الواضح ما الذي تفعله إيران، لكن الشكوك تزداد في أنهم يعيدون تشكيل برنامج يمكّنهم من صنع أسلحة نووية. لا نعتقد أن الأمر عاجل أو وشيك بأي حال».

ويظهر تطور مهم آخر في مجمع بارشين العسكري، جنوب شرقي طهران، حيث اختبرت إيران متفجرات شديدة الانفجار يمكن استخدامها مفجرات لرؤوس نووية. وتُظهر صور من الأشهر الأخيرة أن غرفة أسطوانية كبيرة بطول نحو 150 قدماً بُنيت حديثاً في الموقع.

ولم يُستهدف الموقع في يونيو، لكنه كان هدفاً لضربة إسرائيلية في عام 2024، كما جرى تحصينه بوسائل دفاعية مثل المدفعية المضادة للطائرات، وفق تقرير حديث لمعهد العلوم والأمن الدولي.

وقال التقرير عن الغرفة الجديدة: «على الرغم من أنه لم يكن ممكناً تحديد الغرض المقصود من المنشأة الجديدة من الصور، فإن أعمال البناء الجديدة تشير إلى أهميتها الاستراتيجية».

*خدمة «نيويورك تايمز»