«سناب‌ باك» يعمق التوتر بين طهران والغرب

البرلمان الإيراني يلوح برد «غير متوقع» ودعوات للانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي... وإسرائيل تضغط على الأوروبيين

إيرانيون يسيرون قرب جدارية دعائية في طهران تستلهم شخصية من الأساطير الفارسية وهي تطلق صواريخ الأربعاء (إ.ب.أ)
إيرانيون يسيرون قرب جدارية دعائية في طهران تستلهم شخصية من الأساطير الفارسية وهي تطلق صواريخ الأربعاء (إ.ب.أ)
TT

«سناب‌ باك» يعمق التوتر بين طهران والغرب

إيرانيون يسيرون قرب جدارية دعائية في طهران تستلهم شخصية من الأساطير الفارسية وهي تطلق صواريخ الأربعاء (إ.ب.أ)
إيرانيون يسيرون قرب جدارية دعائية في طهران تستلهم شخصية من الأساطير الفارسية وهي تطلق صواريخ الأربعاء (إ.ب.أ)

تصاعدت حدة التوتر بين إيران والدول الغربية، مع تلويح الترويكا الأوروبية بتفعيل آلية «سناب باك» التي تعيد تلقائياً فرض العقوبات الأممية على طهران، مما دفع مسؤولين إيرانيين إلى التحذير من ردود قد تكون «غير متوقعة» لبعض الأوروبيين. ودعت صحيفة «كيهان» إلى تشريع قانون يفرض الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي بوصفها خطوة ردعية.

وتوافق وزراء خارجية الترويكا الأوروبية على إعادة فرض العقوبات الأممية الصارمة على إيران بحلول نهاية أغسطس (آب) إذا لم يحرز أي تقدم ملموس في الاتفاق النووي، وذلك بعدما ناقشوا الخطوة مع وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو في اتصال هاتفي جرى الاثنين، وفقاً لما نقلته «وكالة أسوشييتد برس» عن مصادر دبلوماسية أوروبية وأميركية.

وتعيد آلية العودة السريعة للعقوبات فرض كل العقوبات التي أقرها مجلس الأمن الدولي على إيران تلقائياً، وهي عقوبات رُفعت بموجب الاتفاق النووي الموقع في 2015. وتنتهي صلاحية هذا البند في 18 أكتوبر (تشرين الأول).

طهران تواصل التحذيرات

وفي سياق الردود المتصاعدة في طهران، نقل موقع البرلمان الإيراني، الخميس، عن رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية، النائب إبراهيم عزيزي، قوله إن اتفاق وزراء دول الترويكا الأوروبية ونظيرهم الأميركي على تفعيل «سناب باك» يعد «موضوعاً سياسياً يهدف إلى أغراض عدائية، وقد أعلنا مراراً أننا لا نعتبره مجرد وسيلة ضغط على بلدنا، بل نراه سلوكاً عدائياً ضد إيران».

رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية النائب إبراهيم عزيزي (موقع البرلمان)

وقال: «لا شك أن لدى إيران خيارات متعددة، ستلجأ إليها متى ما اقتضت الضرورة رداً على إجراءات الطرف المقابل، ونُصرّ على أن على الغرب الامتناع عن اتخاذ مثل هذه الخطوة. كما نحذر من أنه في حال تنفيذها، فستكون هناك بالتأكيد إجراءات مقابلة من جانبنا، قد تكون غير متوقعة لبعض الأوروبيين».

وزاد عزيزي: «على الأوروبيين ألا يتوهموا أن تفعيل آلية العودة التلقائية يمكن أن يُضعف من إرادة الشعب الإيراني، أو يمس بأهدافه السامية». وأضاف: «سنتخذ كل خطوة في الوقت المناسب، وبما يتلاءم مع الظروف، وستكون هذه الإجراءات مدروسة بعناية، وبفهم شامل من قبل الحكومة والبرلمان».

بدورها، دعت صحيفة «كيهان» البرلمان إلى سن قانون ملزم للحكومة يصادق على خروج إيران من معاهدة حظر الانتشار النووي، بهدف إحباط تنفيذ آلية «سناب باك».

وقالت الصحيفة المقربة من مكتب المرشد الإيراني في عددها الصادر الخميس: «إذا قام البرلمان، استناداً إلى صلاحياته التشريعية بإقرار قانون ينص صراحة على أنه في حال تفعيل آلية (سناب باك) تُلزم الحكومة الإيرانية بالخروج من معاهدة حظر الانتشار النووي خلال فترة زمنية محدودة، وأن توقف كافة أشكال التعاون الطوعي والرقابي مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، حينها يمكن توقع أن تتغير حسابات الطرف الآخر بشكل جذري».

وفي وقت سابق من هذا الشهر أقرت الحكومة الإيرانية قانوناً برلمانياً لتعليق التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ويلزمها بتنسيق طلبات التفتيش الدولي مع المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني.

دعوات مضادة

وجاءت

الخطوة رداً على قصف الولايات المتحدة في 22 يونيو (حزيران) موقع تخصيب اليورانيوم تحت الأرض في فوردو جنوب طهران، ومنشأتي أصفهان ونطنز النوويتين (وسط إيران)، في إطار الحرب التي استمرت 12 يوماً، وشنتها إسرائيل في 13 يونيو.

وعلى خلاف دعوات صحيفة «كيهان»، دعا محمد صدر، الدبلوماسي الإيراني المخضرم وعضو مجلس تشخيص مصلحة النظام، إلى البدء في مفاوضات مع الترويكا الأوروبية بشكل جاد وسريع للغاية.

وقال صدر في تصريحات صحافية إنه «نظراً إلى المهلة المحددة لتفعيل آلية (سناب باك) فإن الوقت المتاح لإيران محدود، وعلينا أن نعمل فعلياً على خلق ظروف تبعد أوروبا عن تفعيل الآلية».

وجدد التحرك الأوروبي المحتمل الجدل الداخلي الإيراني حول إدراج آلية «سناب باك» في نص الاتفاق النووي، خصوصاً إلقاء اللوم على حكومة الرئيس الأسبق حسن روحاني، ووزير خارجيته محمد جواد ظريف.

وحاولت صحيفة «إيران» الناطقة باسم الحكومة الدفاع عن الحكومة التي وقعت الاتفاق النووي. ونقلت عن الدبلوماسي السابق، كوروش أحمد، قوله إن «المعارضين للاتفاق النووي يسألون كثيراً هذه الأيام عن أسباب إدارة بند آلية العودة السريعة للعقوبات في القرار 2231، ولماذا تم منح هذا الامتياز للطرف الغربي؟».

وأضاف: «إن إدراج الآلية لا علاقة له بحكومة روحاني وظريف، ولم يكن ضمن صلاحياتهم، بل كان قرار النظام بأكمله، ويعود إلى سير العملية التفاوضية التي أدت إلى الاتفاق». وقال: «لو لم يدرج هذا البند في القرار، لما كان هناك اتفاق من الأساس»، مشيراً إلى أنه «كان شرطاً حاسماً للطرف الغربي».

أوروبا تلوح بالعقوبات

وتعد بريطانيا وفرنسا وألمانيا جزءاً من الاتفاق الموقع مع إيران عام 2015 للحد من برنامجها النووي، والذي انسحب منه الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال ولايته الأولى بحجة أنه ليس صارماً بما فيه الكفاية.

وبموجب الاتفاق الذي رفع العقوبات الاقتصادية عن إيران مقابل تقييد برنامجها النووي ومراقبته، يسمح لما يعرف بآلية «الاسترجاع السريع» بإعادة فرض العقوبات الأممية إذا لم تلتزم طهران بالتزاماتها.

وقال وزير الخارجية الفرنسي، جان-نويل بارو، يوم الثلاثاء، إن الدول الأوروبية الثلاث ستكون في موقع يبرر إعادة فرض العقوبات.

وجاء في بيان لوزارة الخارجية الفرنسية بعد اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في بروكسل: «بخصوص إيران، أكد الوزير أولوية استئناف المفاوضات لوضع إطار طويل الأمد للبرنامج النووي الإيراني. وفي حال عدم وجود التزام واضح من إيران بحلول نهاية أغسطس على أبعد تقدير، سيكون لفرنسا وألمانيا وبريطانيا المبرر القانوني لإعادة فرض العقوبات الأممية التي ألغيت قبل 10 سنوات».

حركة المرور أمام جدارية دعائية تصور رأساً حربياً لصاروخ إيراني يحمل شعاراً بالفارسية يقول: «سقط الصاروخ بين العفاریت» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)

والتقى سفراء دول الترويكا لدى الأمم المتحدة، الثلاثاء، في بعثة ألمانية بالأمم المتحدة لمناقشة الاتفاق المحتمل مع إيران، وإعادة فرض العقوبات. ولم يُقدّم الدبلوماسيون تفاصيل عن الاتفاق المطلوب مع إيران.

ونقلت «رويترز» عن متحدث باسم الخارجية الألمانية، الأربعاء، قوله إن «هناك حاجة إلى حل دبلوماسي مستدام وقابل للتحقق يضع في الحسبان المصالح الأمنية للمجتمع الدولي. إذا لم يتم التوصل لمثل هذا الحل خلال الصيف، فآلية العودة السريعة لتطبيق العقوبات هي خيار مطروح أمام الترويكا».

تل أبيب تضغط لطرح ملف الصواريخ

وذكرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» أن وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، حض نظيريه الألماني والفرنسي على تفعيل الآلية، وذلك في اجتماع عقده على هامش اجتماع المجلس الوزاري في بروكسل الثلاثاء.

وكان الملف محوراً في محادثات جرت مؤخراً بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وعدد من القوى العالمية حسب الصحيفة.

وقال مسؤول إسرائيلي كبير إنه لم تعد هناك أسباب مقنعة لتأجيل إعادة فرض العقوبات، وأضاف: «كل الأعذار السابقة لعدم تفعيل آلية العودة التلقائية لم تعد تنطبق. كانوا يقولون إن إيران ستزيد تخصيب اليورانيوم من 60 إلى 90 في المائة إذا اتخذنا هذه الخطوة، لكن هذا الأمر لم يعد ذا صلة الآن».

وقال: «حتى الولايات المتحدة تدعم الآن استخدام آلية (سناب باك)، والأوروبيون أيضاً يرغبون في دراسة هذا الخيار». وأضاف: «من الممكن أن تبدأ المحادثات خلال الأسابيع المقبلة. الأوروبيون لمحوا إلى اتخاذ قرار بحلول نهاية أغسطس، لكن إسرائيل ترى أنه يجب أن يحدث ذلك في وقت أقرب. كل من إسرائيل والولايات المتحدة تدعمان هذا التحرك».

وأشار المسؤول أيضاً إلى أنه بعد عملية «الأسد الصاعد»، أصبح برنامج إيران الصاروخي قضية محورية لكل من الولايات المتحدة وأوروبا. وقال: «يرغبون في تناول مسألة القدرات الصاروخية الإيرانية في إطار اتفاق جديد محتمل». واستدرك: «لكن حتى الآن، ترفض إيران بشكل قاطع مناقشة هذا الموضوع».

مفاوضات متعثرة

وقال مسؤول أميركي رفيع لموقع «أكسيوس» إن إدارة ترمب تؤيد تفعيل «سناب باك»، وتراها وسيلة ضغط في المحادثات مع إيران. وأضاف أن ترمب يشعر بإحباط شديد؛ لأن الإيرانيين لم يعودوا إلى طاولة المفاوضات بعد. وأوضح المسؤول أن ويتكوف أوضح للإيرانيين أن أي محادثات مستقبلية يجب أن تكون مباشرة، وليس عبر وسطاء، لتفادي سوء الفهم، وتسريع العملية.

وقد عقدت الولايات المتحدة وإيران عدة جولات من المفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني قبل بدء الضربات الإسرائيلية في يونيو. وقال ترمب ومبعوثه للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، الأسبوع الماضي إن المحادثات ستبدأ قريباً، لكن لم يُحدد أي موعد بعد، لكن هذا الأسبوع، قال ترمب إنه ليس في عجلة من أمره للتفاوض مع إيران، لأن مواقعها النووية «دمرت».

وقال وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، إن طهران ستوافق على استئناف المحادثات النووية مع الولايات المتحدة إذا تلقت ضمانات بعدم تكرار الهجمات، وذلك بعد الضربات الإسرائيلية والأميركية على منشآتها النووية.

وأكد أن هناك حاجة إلى «ضمان قوي بعدم تكرار مثل هذه الإجراءات»، مشدداً على أن «الهجوم على المنشآت النووية الإيرانية جعل الوصول إلى حل أكثر صعوبة وتعقيداً».


مقالات ذات صلة

واشنطن تلوّح بمزيد من الضغوط الاقتصادية على طهران

شؤون إقليمية شعلة غاز على منصة إنتاج النفط بجانب العَلَم الإيراني (رويترز)

واشنطن تلوّح بمزيد من الضغوط الاقتصادية على طهران

لوّحت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بمزيد من الضغوط الاقتصادية على إيران بعد أيام من فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية ومنعها من تصدير النفط.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن)
الولايات المتحدة​ وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث يتحدث بينما يستمع إليه الأدميرال براد كوبر قائد القيادة المركزية الأميركية خلال مؤتمر صحافي بالبنتاغون في أرلينغتون بولاية فيرجينيا 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب) p-circle 00:30

الجيش الأميركي يلوّح بضرب محطات الكهرباء والطاقة الإيرانية

أكد وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، الخميس، أنّ الولايات المتحدة ستواصل منع كل السفن من بلوغ الموانئ الإيرانية، أو الخروج منها «ما دام لزم الأمر».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ طائرات تنطلق من على سطح حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» خلال الحرب على إيران يوم 3 مارس 2026 (رويترز)

الجيش الأميركي يوسّع حصار إيران ليشمل شحنات بضائع مهربة

قال سلاح البحرية الأميركية في بيان، الخميس، إن الجيش وسّع الحصار البحري المفروض على إيران، ليشمل شحنات البضائع المهربة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الخليج علم الإمارات (الشرق الأوسط)

الإمارات تحتج لدى العراق على «هجمات انطلقت من أراضيه»

استدعت وزارة الخارجية الإماراتية القائم بأعمال السفارة العراقية، وسلّمته مذكرة احتجاج عبّرت فيها عن إدانتها واستنكارها لما وصفته بـ«الاعتداءات الإرهابية».

«الشرق الأوسط» (أبوظبي)
شؤون إقليمية علم إيراني يظهر بالقرب من مبنى سكني تضرر جراء غارة جوية على طهران (رويترز) p-circle

تقرير: إيران تُعيد تأهيل منصات إطلاق صواريخ مدفونة وسط هدنة هشة

في ظلّ هدنة مؤقتة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تكشف المعطيات الميدانية عن سباق خفي لإعادة ترتيب القدرات العسكرية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

نتنياهو: جيشنا سيبقى في جنوب لبنان ضمن منطقة أمنية بعمق 10 كم

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مراسم إحياء ذكرى يوم الهولوكوست السنوي في نصب ياد فاشيم التذكاري للهولوكوست بالقدس 14 أبريل 2026 (أ.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مراسم إحياء ذكرى يوم الهولوكوست السنوي في نصب ياد فاشيم التذكاري للهولوكوست بالقدس 14 أبريل 2026 (أ.ب)
TT

نتنياهو: جيشنا سيبقى في جنوب لبنان ضمن منطقة أمنية بعمق 10 كم

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مراسم إحياء ذكرى يوم الهولوكوست السنوي في نصب ياد فاشيم التذكاري للهولوكوست بالقدس 14 أبريل 2026 (أ.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مراسم إحياء ذكرى يوم الهولوكوست السنوي في نصب ياد فاشيم التذكاري للهولوكوست بالقدس 14 أبريل 2026 (أ.ب)

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الخميس، إن وقف إطلاق النار مع لبنان يمثل فرصة لـ«سلام تاريخي»، مشدداً على مطلبه بنزع سلاح «حزب الله» كشرط مسبق لأي اتفاق. وصرّح نتنياهو: «لدينا فرصة للتوصل إلى اتفاق سلام تاريخي مع لبنان»، موضحاً أن القوات الإسرائيلية «ستبقى في الجنوب (اللبناني) ضِمن منطقة أمنية بعمق 10 كيلومترات».

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أعلن، الخميس، أن نتنياهو والرئيس اللبناني جوزيف عون اتفقا على وقف لإطلاق النار لمدة عشرة أيام يبدأ الخميس عند الساعة 21:00 بتوقيت غرينتش، مشيراً إلى أن هذا الاتفاق «سيشمل (حزب الله)» المدعوم من إيران.


ترمب: واشنطن وطهران قريبتان جداً من التوصل إلى اتفاق

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في حديقة البيت الأبيض (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في حديقة البيت الأبيض (أ.ب)
TT

ترمب: واشنطن وطهران قريبتان جداً من التوصل إلى اتفاق

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في حديقة البيت الأبيض (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في حديقة البيت الأبيض (أ.ب)

أعلن الرئيس الاميركي دونالد ترمب، الخميس، أن الولايات المتحدة وإيران «قريبتان جدا» من التوصل إلى اتفاق، وأنه يدرس إمكان زيارة باكستان لتوقيع هذا الاتفاق.

وقال للصحافيين في البيت الأبيض إن طهران وافقت على تسليم مخزونها من اليورانيوم المخصب، في وقت يدرس البلدان إجراء جولة ثانية من المفاوضات في إسلام آباد، وفق وكالة الصحافة الفرنسية.

وصرح ترمب قبيل توجهه الى لاس فيغاس «نحن قريبون جدًا من إبرام اتفاق مع إيران». وأضاف «كان علينا التأكد من أن إيران لن تحوز ابدا السلاح النووي... لقد وافقوا تماما على ذلك. لقد وافقوا على كل شيء تقريبًا، لذا إذا قبلوا بالجلوس إلى طاولة المفاوضات (مجددا)، فسيكون هناك فرق».

وسُئل هل سيتوجه إلى باكستان لتوقيع الاتفاق، فأجاب «قد أذهب، نعم. إذا تم توقيع الاتفاق في إسلام آباد، قد أذهب».

وأشاد الرئيس الأميركي برئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف وقائد الجيش عاصم منير، لقيامهما بجهود الوساطة مع إيران.

وأكد أن إيران وافقت على تسليم مخزونها من اليورانيوم المخصب، والذي يشكل نقطة خلاف رئيسية بين الجانبين، موضحا «وافقوا على إعادة الغبار النووي إلينا»، مستخدما هذا التعبير للإشارة إلى مخزون اليورانيوم المخصّب الذي تقول الولايات المتحدة إنه يمكن استخدامه في تصنيع أسلحة نووية.

وأكمل: «لدينا تصريح، تصريح ‌قوي للغاية بأنهم لن يملكوا ⁠أسلحة ⁠نووية لمدة تزيد عن 20 عاما».

وجزم بأن «الحصار الأميركي لمضيق هرمز صامد على نحو جيد»، وفق ما أوردته وكالة «رويترز».

وتطرّق الرئيس الأميركي إلى إعلانه هدنة 10 أيام بين إسرائيل ولبنان، موضحاً أن وقف إطلاق النار «سيشمل (حزب الله)».

وتناول موضوع السجال الكلامي مع الفاتيكان بقوله إن «على البابا ليو أن يدرك أن إيران تشكل تهديداً للعالم».


دعوات إصلاحية في إيران لدعم المفاوضات وسط تباين داخلي

خاتمي خلال مراسم الذكرى السابعة لوفاة حليفه الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني في طهران الشهر الماضي (جماران)
خاتمي خلال مراسم الذكرى السابعة لوفاة حليفه الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني في طهران الشهر الماضي (جماران)
TT

دعوات إصلاحية في إيران لدعم المفاوضات وسط تباين داخلي

خاتمي خلال مراسم الذكرى السابعة لوفاة حليفه الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني في طهران الشهر الماضي (جماران)
خاتمي خلال مراسم الذكرى السابعة لوفاة حليفه الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني في طهران الشهر الماضي (جماران)

نقلت صحف إصلاحية، الخميس، عن الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي دعوته إلى دعم مسار المفاوضات الجارية مع الولايات المتحدة، بوساطة باكستانية، وتثبيت «المكاسب التي حققتها إيران بعد الحرب»، معتبراً أن البلاد باتت في موقع يتيح لها السعي إلى «سلام مستدام» رغم صعوبة المرحلة.

وقال خاتمي، خلال اجتماع مع مستشاريه، إن الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، بعد أربعين يوماً من القتال والهجمات المكثفة على الموارد البشرية والعسكرية والاقتصادية والعلمية، أدخلت البلاد في «مرحلة جديدة»، مضيفاً أن هذا الواقع لا يمكن فهمه أو التعامل معه بالأدوات الذهنية والافتراضات السابقة.

وأضاف أن إيران، «بفضل المدافعين الشجعان وتضحيات الشعب الواعي»، تمكنت من إحباط ما وصفه بـ«حلم إسقاط نظامها السياسي واستقلالها ووحدة أراضيها وحضارتها التاريخية»، مضيفاً أن «الصمود» وضعها في «موقع عزة» يجعل الوصول إلى «سلام دائم»، رغم تعقيداته، «ليس بعيد المنال».

وشدّد خاتمي على أن السلام المستدام هو «الوجه الآخر للدفاع الشامل»، لكنه أكثر تعقيداً من الميدان العسكري، موضحاً أن السلام لا يقتصر على غياب الحرب، بل يحتاج إلى «حوارات حقيقية، ومفاوضات ذكية، واتفاقات معقولة». وقال إن الحوار في المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وعلى المستويين الداخلي والخارجي، يمثل بدوره شكلاً من أشكال الدفاع الفعال.

وأشار إلى أن مؤسسات الدولة والحكومة بدأت بالفعل خطوات في هذا الاتجاه، مضيفاً أن «الأركان القانونية في البلاد شرعت في إجراءات مهمة، وأجرت المفاوضات اللازمة»، ومعتبراً أن «على الجميع أن يساعدوا في إنجاح هذه الجهود».

ورأى خاتمي أن الحرب أظهرت بوضوح مواقف القوى والتيارات من مسألة السلام، ومنحت صورة أوضح عن الجهات الداعمة له والجهات المنخرطة في تأجيج الحرب. كما قال إن مفكرين ومراكز أبحاث ووسائل إعلام وحكومات عدة باتت تتحدث بوضوح عن فشل الاستراتيجيات الأميركية والإسرائيلية القائمة على الحرب والتصعيد.

وأضاف أن تراجع هذا النهج، إلى جانب التأثير المتزايد للحرب على الاقتصاد العالمي، وضع إيران في موقع يمكنها من امتلاك هامش أوسع بعد الحرب، ليس في إدارة المواجهة فقط، بل أيضاً في الإسهام في تثبيت سلام إقليمي ودولي.

وأعرب خاتمي عن اعتقاده أن البلاد دخلت مرحلة «أكثر حساسية»، تستوجب «تجنب الاندفاع والتطرف، والعمل على تثبيت النجاحات العسكرية والسياسية الراهنة»، فضلاً عن قراءة دقيقة لاحتياجات المجتمع ومتطلبات ما بعد الحرب والتحولات الاقتصادية والسياسية الدولية.

ودعا إلى التوجه نحو مستقبل يبعد شبح الحرب والتهديد عن إيران، ويتيح مشاركة جميع المواطنين، وخصوصاً النخب والمفكرين والشرائح المختلفة، في إعادة بناء البلاد على أسس الحرية والاستقلال والازدهار.

وشدّد خاتمي على أن دعم المفاوضات يمثل أولوية في هذه المرحلة، وأن الحفاظ على المكاسب الحالية يمر عبر إدارة هادئة وعقلانية للمرحلة المقبلة، بما يعزز فرص الوصول إلى تسوية مستقرة.

الحفاظ على السرية

وعكست الصحف الإيرانية الصادرة، الخميس، تبايناً في مقاربة ملف الحرب والمفاوضات مع الولايات المتحدة، بين دعوات إلى الحفاظ على السرية، واعتبار فشل محادثات إسلام آباد موقفاً أفضل من التوصل إلى اتفاق، وانتقادات لضعف إدارة المعلومات الموجهة إلى الرأي العام.

وكتب حسين شريعتمداري، رئيس تحرير صحيفة «كيهان»، أن جميع الأنظمة الحاكمة «لديها أسرار وخفايا لا يمكن كشفها ويجب أن تبقى مخفية»، معتبراً أن حجب بعض المعلومات لا يعني استبعاد الناس، بل يهدف إلى إبقاء أسرار الدولة بعيداً عن الخصوم ومنعهم من القيام بردود فعل استباقية.

وأضاف أن إجابة المسؤولين المعنيين بالحرب على بعض الأسئلة قد تؤدي إلى «كشف أسرار البلاد وتسبب مشكلات للنظام»، مشيراً إلى أن بعض القرارات قد تستند إلى «حسابات دقيقة وواقعية» لا يمكن إعلانها.

أما صحيفة «قدس»، التابعة لهيئة «آستان قدس رضوي» الخاضعة لمكتب المرشد الإيراني، فرأت أن فشل المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة في إسلام آباد بدا «أفضل من أي اتفاق»، معتبرة أن الوفد الإيراني واجه «المطالب المفرطة» للجانب الأميركي وتمسك بمصالح البلاد.

وقالت الصحيفة إن إيران «لا تملك خياراً سوى إثبات وجودها وفرضه بقوة»، مضيفة أن ذلك لا يتحقق إلا عبر «المقاومة والاستعداد للمواجهة وتحميل العدو التكلفة». كما اعتبرت أن المفاوضات لا ينبغي أن تستهدف إنهاء النزاع، بل إدارة الصراع وتثبيت الوقائع والضغط المتبادل.

على الضفة الأخرى، انتقدت صحيفة «خراسان»، القريبة من رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، طريقة إدارة المعلومات المرتبطة بالمفاوضات، مشيرة إلى وجود فجوة واضحة بين السلطات والرأي العام.

وقالت إن المشكلة الأساسية ليست في معارضة المجتمع لقرارات النظام، بل في «نقص المعلومات»، مضيفة أن المواطنين الذين أظهروا دعماً خلال «40 ليلة» ينتظرون معلومات دقيقة وسريعة، لا مجرد بيانات عامة.

وحذرت الصحيفة من أن الفراغ المعلوماتي يمكن أن يتحول سريعاً إلى قلق، ثم إلى فقدان للثقة إذا لم يعالج في الوقت المناسب، مشددة على ضرورة بناء رواية إعلامية واضحة للمفاوضات، تتولاها جهة واحدة تتمتع بالمصداقية والسرعة والخبرة الإعلامية، مع رسائل مفهومة وتوقيت واضح.

«تراجع واشنطن»

ورأت صحيفة «فرهيختغان»، المقربة من علي أكبر ولايتي، أن زيارة قائد الجيش الباكستاني عاصم منير إلى طهران تحمل دلالات تتجاوز الوساطة المباشرة بين واشنطن وطهران.

وبحسب الصحيفة، فإن منير بات، منذ إقصاء عمران خان، صاحب الدور الأبرز في إدارة الملفات الكبرى في باكستان، ولا سيما تلك المرتبطة بالتوازنات الدولية وانعكاسات التنافس بين الصين والولايات المتحدة على بلاده. ومن هذا المنطلق، فسّرت الصحيفة تحركه نحو طهران بوصفه جزءاً من موقع باكستان داخل هذا التنافس، وليس استجابة ظرفية فقط للأزمة الإيرانية - الأميركية.

وأضافت الصحيفة أن اختيار باكستان لتولي الوساطة بعد تراجع أدوار وسطاء إقليميين سابقين، مثل عُمان وقطر، يعكس تحولاً في بيئة التفاوض فرضته الحرب، كما يعكس، في تقديرها، صعوداً نسبياً للموقع الصيني في إدارة التوازنات الإقليمية، في مقابل تراجع هامش الحركة الأميركي.

وأشارت إلى أن إسلام آباد تحركت خلال الحرب في خط أقرب إلى بكين، سواء في مواقفها المعلنة أو في قبولها استضافة المفاوضات.

وفي هذا السياق، اعتبرت «فرهيختغان» أن مجرد عودة عاصم منير إلى طهران بعد جولة إسلام آباد تمثل، في أحد أوجهها، مؤشراً إلى «تراجع واشنطن» عن لهجة الإنذار التي حملها نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس، إذ كان قد قدم المقترح الأميركي عند مغادرته باكستان على أنه «العرض النهائي»، وأن على إيران قبوله أو رفضه.

وترى الصحيفة أن دخول منير مجدداً على خط الوساطة بعد ذلك يعني عملياً أن باب التفاوض لم يغلق، وأن الولايات المتحدة عادت إلى البحث عن مخرج عبر الوسيط الباكستاني، بما يوحي، من وجهة نظرها، بأن الضغط العسكري والحصار البحري لم يحققا حسماً سريعاً، وأن واشنطن اضطرت إلى العودة إلى مسار المراجعة والاتصال.