مؤتمر «حل الدولتين» ينعقد نهاية الشهر بآمال في «حل سياسي»

مصادر فرنسية رفضت الإجابة بوضوح عن احتمالية اعتراف ماكرون بدولة فلسطينية

مظاهرة مؤيدة للفلسطينيين في بروكسل (أ.ف.ب)
مظاهرة مؤيدة للفلسطينيين في بروكسل (أ.ف.ب)
TT

مؤتمر «حل الدولتين» ينعقد نهاية الشهر بآمال في «حل سياسي»

مظاهرة مؤيدة للفلسطينيين في بروكسل (أ.ف.ب)
مظاهرة مؤيدة للفلسطينيين في بروكسل (أ.ف.ب)

أعلنت فرنسا رسمياً، الأربعاء، عن انعقاد مؤتمر «حل الدولتين» في 28 و29 يوليو (تموز) الحالي في مقر الأمم المتحدة بنيويورك على المستوى الوزاري، بعدما كان مقرراً أن ينعقد في 17 و18 يونيو (حزيران) الماضي، وتأجل بسبب الحرب الإسرائيلية - الإيرانية.

وستظل رئاسة المؤتمر كما هو مقرر سابقاً سعودية - فرنسية وبحضور وزيرَي خارجية البلدين، وسيكون مفتوحاً أمام جميع أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة والمنظمات الدولية.

وتأمل باريس أن يساهم الاجتماع القادم في تحضير الأرضية لقمة حول الملف نفسه يمكن أن تلتئم في نيويورك؛ بمناسبة «أسبوع الرؤساء» الذي يسبق أعمال الجمعية العامة السنوية في شهر سبتمبر المقبل.

جانب من اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك فبراير الماضي (أ.ف.ب)

وجاء في بيان لوزارة الخارجية الفرنسية، الأربعاء، أن المؤتمر «يهدف إلى رسم مسار نحو حل الدولتين من خلال تدابير ملموسة اقترحتها مجموعات العمل الثماني التي أجرت مشاورات واسعة مع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة ومع المجتمع المدني».

كما أن المؤتمر، بحسب الخارجية الفرنسية، يسعى إلى «إحياء دينامية جماعية لصالح حل سياسي يستجيب للاعتبارات الأمنية المشروعة لإسرائيل، ويضمن في نهاية المطاف تواصلاً جغرافياً وقابلية بقاء الدولة الفلسطينية».

محطة دبلوماسية تمهيدية

في هذا السياق، فإن باريس تريد من المؤتمر أن «يركز على تعزيز الاعتراف بدولة فلسطين، وتطبيع العلاقات مع إسرائيل، والتكامل الإقليمي، وإصلاح الحكم الفلسطيني، ونزع سلاح حركة (حماس)».

وفي نظر باريس، فإن المؤتمر «يمكن أن يكون محطة دبلوماسية أساسية تمهد لانعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر المقبل».

ومنذ أن أعلن الرئيس ماكرون، بُعيد انطلاق الحرب الإسرائيلية - الإيرانية تأجيل القمة، دأب على التأكيد أنه سيدعو إلى انعقاده مجدداً «في أقرب وقت والتشاور مع المملكة السعودية» الطرف الشريك.

الرئيس الفرنسي ماكرون لدى وصوله إلى جادة الشانزليزيه الاثنين الماضي بمناسبة الاحتفال بالعيد الوطني لبلاده (أ.ب)

وعندما سألت «الشرق الأوسط» مصادر فرنسية رسمية عن مشاركة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في المؤتمر، اكتفت بالرد أنه «مدعو». بالإضافة إلى أن هناك انقسامات أوروبية حول الملف الفلسطيني، والدليل على ذلك أن وزراء الخارجية الأوروبيين لم ينجحوا، الثلاثاء، في التوافق على أي إجراء بحق إسرائيل التي تنتهك، وفق تقييم أوروبي رسمي، البند الثاني (المتعلق بحقوق الإنسان) من اتفاقية الشراكة الأوروبية - الإسرائيلية، والتي دخلت حيز التنفيذ في عام 2000، علماً بأن لأوروبا القدرة على لي ذراع إسرائيل لو توافرت لها «الشجاعة السياسية».

الإعلان الختامي

ويبدو أن باريس تراهن على احتمال التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار لشهرين بين إسرائيل و«حماس» بوساطة مصرية - قطرية وبدفع من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وما يسعى إليه المؤتمر إعادة فتح الأفق السياسي المسدود حالياً والمحافظة على حل الدولتين الذي يهدده الاستيطان المتسارع في الضفة الغربية وسيناريوهات مستقبل ما بعد حرب غزة.

وينتظر أن ينص «الإعلان الختامي» للمؤتمر، إضافة إلى التأكيد على المبادئ العامة، على التدابير العملية التي من شأنها نزع العوائق وتسهيل قيام الدولة الفلسطينية.

ولقد عملت ثماني لجان مزدوجة الرئاسة، أوروبياً وعربياً، على بلورة هذه الخطوات وستكون الأساس للبيان الختامي.

محاور رئيسية

وبحسب باريس، فإن أعمال المؤتمر سوف تتركز على محاور رئيسية، منها الدفع نحو اعتراف عدد من الدول التي لم تقم بعد بذلك، بدولة فلسطين، ومنها فرنسا وما يشكل هذا العمل دفعة سياسية وديبلوماسية، والتأكيد على أهمية إحلال السلام في المنطقة والعمل على ذلك، ودعم إصلاح السلطة الفلسطينية، والمضي نحو تحقيق تقدم في توفير ضمانات أمنية لجميع الأطراف المعنية.

وبالتأكيد، لن يغفل المؤتمرون مسألة «اليوم التالي في غزة بحيث يساهم في وضع خطة واقعية للقطاع، سواء من حيث إعادة الإعمار أو الحوكمة أو الترتيبات الأمنية».

مشهد لأنقاض في مدينة رفح في غزة يناير الماضي (رويترز)

إزاء تعنت الحكومة الإسرائيلية، تحرص باريس على إظهار المنافع التي ستحصل عليها إسرائيل من الخطة... فبدايةً، ترى فرنسا أن «الخطة» توفر «مخرجاً سياسياً لإسرائيل من مأزق غزة» في حين المناقشات الراهنة تدور حول وقف إطلاق النار والمسائل الإنسانية وعن إطلاق سراح الرهائن الإسرائيلية.

أما غرض المؤتمر، فهو أوسع، ويطمح لرسم خريطة طريق تضع حداً للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، مع وضع اعتبار للشواغل الأمنية.

اعتراف فرنسا بدولة فلسطينية

بيد أن باريس لا تعلق كثيراً من الآمال على رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو والتحالف الذي يقوده؛ كما أنها ترى أن الحكومة الحالية «ليست أبدية»، وأن المجتمع الإسرائيلي أمام أحد خيارين: إما الاستمرار على النهج الحالي في غزة والضفة الغربية أي سلوك «الطريق المسدودة» والذهاب نحو عزلة دولية أو الانخراط في تسوية توفر العديد من المنافع أمنياً واقتصادياً.

وتعي باريس أن الطرفين، في اختيارهما لهذه الطريق «السلمية»، إنما يخوضان رهاناً سياسياً حقيقياً. لكن «ثمنه» يبقى أقل كلفة من ثمن مواصلة الحرب.

وتجدر الإشارة إلى أن التصور الفرنسي الأولي للمؤتمر كان يقوم على مبدأ «الخطوات التبادلية»، بمعنى أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية من جانب الدول الغربية التي لم تعترف بها يتم مقابل خطوات باتجاه التطبيع عربياً وإسلامياً مع إسرائيل، لكن يبدو أن هذا الرهان لم يعد قائماً في الوقت الحاضر.

رئيس المجلس الأوروبي مستقبلاً رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى في بروكسل (رويترز)

حتى اليوم، وعلى مسافة 11 يوماً من المؤتمر، لم يُعرف بعد ما ستقوم به فرنسا عملياً، رغم أن الرئيس ماكرون يكرر ويشدد في كل مناسبة على أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية «ليس فقط مجرد واجب أخلاقي، بل هو مطلب سياسي».

وسبق لماكرون، أن رهن الخطوة بشروط، منها إطلاق سراح المحتجزين لدى «حماس» ونزع سلاحها. وأكثر من مرة قالت باريس إنها تريد لخطوتها أن تكون «مؤثرة ديبلوماسياً وسياسياً»، وألا تكون منعزلة، بمعنى أن تترافق مع خطوات مشابهة من دول أخرى مثل بريطانيا، وهولندا، وكندا واليابان.

ولدى سؤال «الشرق الأوسط» المصادر الفرنسية عما إذا كان الاعتراف سيحصل إبان المؤتمر الوزاري هذا الشهر أو في سبتمبر المقبل، فإنها امتنعت عن توفير جواب واضح، مشيرة إلى أن القرارات النهائية «لم تعلن بعد رسمياً».

ويعود القرار النهائي بطبيعة الحال، للرئيس ماكرون، وإذا كانت باريس تأمل بأن تلحق بها دول أخرى، فعليها ألا تنتظر حتى 27 الحالي لإعلان موقفها، لكنه رجح أن بريطانيا وكندا ليستا جاهزتين اليوم للإقدام على هذه الخطوة، في حين انضمام برلين إلى باريس يبدو مستبعداً تماماً.


مقالات ذات صلة

«القدس بعد الضفة»... إسرائيل تُجهِز عملياً على أراضي دولة فلسطين

شؤون إقليمية مستوطنة «نفيه يعقوب» شمال القدس الشرقية ويظهر الجدار الإسرائيلي الذي يفصل حي الرام الفلسطيني في الضفة (أ.ف.ب) p-circle

«القدس بعد الضفة»... إسرائيل تُجهِز عملياً على أراضي دولة فلسطين

بعد يوم من قرار إسرائيلي غير مسبوق يسمح بالاستيلاء على أراضي الضفة الغربية، كشفت تقارير عن خطة استيطانية ستؤدي إلى تعميق الاحتلال الإسرائيلي لمدينة القدس.

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي فلسطيني يمرّ بجوار سياج من الأعلام الإسرائيلية نصبه مستوطنون بعد استيلائهم على محطة قطار تعود إلى العصر العثماني في قرية برقة شمال الضفة يوم الأحد (أ.ف.ب) p-circle

إسرائيل تُقر الاستيلاء على أراضي الضفة لأول مرة منذ 1967

الحكومة الإسرائيلية تصادق على بدء تسجيل الأراضي بالضفة، لأول مرة من 1967، منقلبة على السلطة والاتفاقيات وعلى الفلسطينيين بشكل يضمن ضم الضفة، ويلغي دور السلطة.

كفاح زبون (رام الله)
خاص عبّر لازاريني عن خشيته أن يكون التضامن والرحمة قد تراجعا بوصفهما المحرّك الأساسي للاستجابة الدولية (تصوير: تركي العقيلي) p-circle 01:57

خاص لازاريني لـ«الشرق الأوسط»: تجاهل مليوني شخص في غزة يزرع أجيال غضب جديدة

قبل شهر من مغادرته منصبه يتحدث المفوض العام لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، فيليب لازاريني، لـ«الشرق الأوسط»، عن مخاوفه بشأن غزة والضفة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
المشرق العربي خلال مسيرة فلسطينية في رام الله بالضفة الغربية (رويترز - أرشيفية)

نشر المسودة الأولى لدستور مؤقت لدولة فلسطينية

نشرت اللجنة المكلفة بصياغة دستور لدولة فلسطينية، الثلاثاء، المسودة الأولى لدستور مؤقت ليتسنى للجمهور الاطلاع عليها، وإبداء الملاحظات قبل الصياغة النهائية.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
الخليج شددت السعودية على ضمان انسحاب القوات الإسرائيلية وإنهاء الاحتلال وتهيئة الظروف اللازمة للتقدم السياسي (أ.ب)

السعودية تشدد على ضمان الارتباط المؤسسي والجغرافي بين غزة والضفة الغربية

شددت السعودية على أهمية تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2803 الذي يمثل المرجعية القانونية والسياسية، ولا سيما فيما يتعلق بعمل مجلس السلام.

«الشرق الأوسط» (دبلن)

نتنياهو: جيشنا سيبقى في جنوب لبنان ضمن منطقة أمنية بعمق 10 كم

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مراسم إحياء ذكرى يوم الهولوكوست السنوي في نصب ياد فاشيم التذكاري للهولوكوست بالقدس 14 أبريل 2026 (أ.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مراسم إحياء ذكرى يوم الهولوكوست السنوي في نصب ياد فاشيم التذكاري للهولوكوست بالقدس 14 أبريل 2026 (أ.ب)
TT

نتنياهو: جيشنا سيبقى في جنوب لبنان ضمن منطقة أمنية بعمق 10 كم

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مراسم إحياء ذكرى يوم الهولوكوست السنوي في نصب ياد فاشيم التذكاري للهولوكوست بالقدس 14 أبريل 2026 (أ.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مراسم إحياء ذكرى يوم الهولوكوست السنوي في نصب ياد فاشيم التذكاري للهولوكوست بالقدس 14 أبريل 2026 (أ.ب)

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الخميس، إن وقف إطلاق النار مع لبنان يمثل فرصة لـ«سلام تاريخي»، مشدداً على مطلبه بنزع سلاح «حزب الله» كشرط مسبق لأي اتفاق. وصرّح نتنياهو: «لدينا فرصة للتوصل إلى اتفاق سلام تاريخي مع لبنان»، موضحاً أن القوات الإسرائيلية «ستبقى في الجنوب (اللبناني) ضِمن منطقة أمنية بعمق 10 كيلومترات».

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أعلن، الخميس، أن نتنياهو والرئيس اللبناني جوزيف عون اتفقا على وقف لإطلاق النار لمدة عشرة أيام يبدأ الخميس عند الساعة 21:00 بتوقيت غرينتش، مشيراً إلى أن هذا الاتفاق «سيشمل (حزب الله)» المدعوم من إيران.


ترمب: واشنطن وطهران قريبتان جداً من التوصل إلى اتفاق

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في حديقة البيت الأبيض (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في حديقة البيت الأبيض (أ.ب)
TT

ترمب: واشنطن وطهران قريبتان جداً من التوصل إلى اتفاق

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في حديقة البيت الأبيض (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في حديقة البيت الأبيض (أ.ب)

أعلن الرئيس الاميركي دونالد ترمب، الخميس، أن الولايات المتحدة وإيران «قريبتان جدا» من التوصل إلى اتفاق، وأنه يدرس إمكان زيارة باكستان لتوقيع هذا الاتفاق.

وقال للصحافيين في البيت الأبيض إن طهران وافقت على تسليم مخزونها من اليورانيوم المخصب، في وقت يدرس البلدان إجراء جولة ثانية من المفاوضات في إسلام آباد، وفق وكالة الصحافة الفرنسية.

وصرح ترمب قبيل توجهه الى لاس فيغاس «نحن قريبون جدًا من إبرام اتفاق مع إيران». وأضاف «كان علينا التأكد من أن إيران لن تحوز ابدا السلاح النووي... لقد وافقوا تماما على ذلك. لقد وافقوا على كل شيء تقريبًا، لذا إذا قبلوا بالجلوس إلى طاولة المفاوضات (مجددا)، فسيكون هناك فرق».

وسُئل هل سيتوجه إلى باكستان لتوقيع الاتفاق، فأجاب «قد أذهب، نعم. إذا تم توقيع الاتفاق في إسلام آباد، قد أذهب».

وأشاد الرئيس الأميركي برئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف وقائد الجيش عاصم منير، لقيامهما بجهود الوساطة مع إيران.

وأكد أن إيران وافقت على تسليم مخزونها من اليورانيوم المخصب، والذي يشكل نقطة خلاف رئيسية بين الجانبين، موضحا «وافقوا على إعادة الغبار النووي إلينا»، مستخدما هذا التعبير للإشارة إلى مخزون اليورانيوم المخصّب الذي تقول الولايات المتحدة إنه يمكن استخدامه في تصنيع أسلحة نووية.

وأكمل: «لدينا تصريح، تصريح ‌قوي للغاية بأنهم لن يملكوا ⁠أسلحة ⁠نووية لمدة تزيد عن 20 عاما».

وجزم بأن «الحصار الأميركي لمضيق هرمز صامد على نحو جيد»، وفق ما أوردته وكالة «رويترز».

وتطرّق الرئيس الأميركي إلى إعلانه هدنة 10 أيام بين إسرائيل ولبنان، موضحاً أن وقف إطلاق النار «سيشمل (حزب الله)».

وتناول موضوع السجال الكلامي مع الفاتيكان بقوله إن «على البابا ليو أن يدرك أن إيران تشكل تهديداً للعالم».


دعوات إصلاحية في إيران لدعم المفاوضات وسط تباين داخلي

خاتمي خلال مراسم الذكرى السابعة لوفاة حليفه الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني في طهران الشهر الماضي (جماران)
خاتمي خلال مراسم الذكرى السابعة لوفاة حليفه الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني في طهران الشهر الماضي (جماران)
TT

دعوات إصلاحية في إيران لدعم المفاوضات وسط تباين داخلي

خاتمي خلال مراسم الذكرى السابعة لوفاة حليفه الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني في طهران الشهر الماضي (جماران)
خاتمي خلال مراسم الذكرى السابعة لوفاة حليفه الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني في طهران الشهر الماضي (جماران)

نقلت صحف إصلاحية، الخميس، عن الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي دعوته إلى دعم مسار المفاوضات الجارية مع الولايات المتحدة، بوساطة باكستانية، وتثبيت «المكاسب التي حققتها إيران بعد الحرب»، معتبراً أن البلاد باتت في موقع يتيح لها السعي إلى «سلام مستدام» رغم صعوبة المرحلة.

وقال خاتمي، خلال اجتماع مع مستشاريه، إن الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، بعد أربعين يوماً من القتال والهجمات المكثفة على الموارد البشرية والعسكرية والاقتصادية والعلمية، أدخلت البلاد في «مرحلة جديدة»، مضيفاً أن هذا الواقع لا يمكن فهمه أو التعامل معه بالأدوات الذهنية والافتراضات السابقة.

وأضاف أن إيران، «بفضل المدافعين الشجعان وتضحيات الشعب الواعي»، تمكنت من إحباط ما وصفه بـ«حلم إسقاط نظامها السياسي واستقلالها ووحدة أراضيها وحضارتها التاريخية»، مضيفاً أن «الصمود» وضعها في «موقع عزة» يجعل الوصول إلى «سلام دائم»، رغم تعقيداته، «ليس بعيد المنال».

وشدّد خاتمي على أن السلام المستدام هو «الوجه الآخر للدفاع الشامل»، لكنه أكثر تعقيداً من الميدان العسكري، موضحاً أن السلام لا يقتصر على غياب الحرب، بل يحتاج إلى «حوارات حقيقية، ومفاوضات ذكية، واتفاقات معقولة». وقال إن الحوار في المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وعلى المستويين الداخلي والخارجي، يمثل بدوره شكلاً من أشكال الدفاع الفعال.

وأشار إلى أن مؤسسات الدولة والحكومة بدأت بالفعل خطوات في هذا الاتجاه، مضيفاً أن «الأركان القانونية في البلاد شرعت في إجراءات مهمة، وأجرت المفاوضات اللازمة»، ومعتبراً أن «على الجميع أن يساعدوا في إنجاح هذه الجهود».

ورأى خاتمي أن الحرب أظهرت بوضوح مواقف القوى والتيارات من مسألة السلام، ومنحت صورة أوضح عن الجهات الداعمة له والجهات المنخرطة في تأجيج الحرب. كما قال إن مفكرين ومراكز أبحاث ووسائل إعلام وحكومات عدة باتت تتحدث بوضوح عن فشل الاستراتيجيات الأميركية والإسرائيلية القائمة على الحرب والتصعيد.

وأضاف أن تراجع هذا النهج، إلى جانب التأثير المتزايد للحرب على الاقتصاد العالمي، وضع إيران في موقع يمكنها من امتلاك هامش أوسع بعد الحرب، ليس في إدارة المواجهة فقط، بل أيضاً في الإسهام في تثبيت سلام إقليمي ودولي.

وأعرب خاتمي عن اعتقاده أن البلاد دخلت مرحلة «أكثر حساسية»، تستوجب «تجنب الاندفاع والتطرف، والعمل على تثبيت النجاحات العسكرية والسياسية الراهنة»، فضلاً عن قراءة دقيقة لاحتياجات المجتمع ومتطلبات ما بعد الحرب والتحولات الاقتصادية والسياسية الدولية.

ودعا إلى التوجه نحو مستقبل يبعد شبح الحرب والتهديد عن إيران، ويتيح مشاركة جميع المواطنين، وخصوصاً النخب والمفكرين والشرائح المختلفة، في إعادة بناء البلاد على أسس الحرية والاستقلال والازدهار.

وشدّد خاتمي على أن دعم المفاوضات يمثل أولوية في هذه المرحلة، وأن الحفاظ على المكاسب الحالية يمر عبر إدارة هادئة وعقلانية للمرحلة المقبلة، بما يعزز فرص الوصول إلى تسوية مستقرة.

الحفاظ على السرية

وعكست الصحف الإيرانية الصادرة، الخميس، تبايناً في مقاربة ملف الحرب والمفاوضات مع الولايات المتحدة، بين دعوات إلى الحفاظ على السرية، واعتبار فشل محادثات إسلام آباد موقفاً أفضل من التوصل إلى اتفاق، وانتقادات لضعف إدارة المعلومات الموجهة إلى الرأي العام.

وكتب حسين شريعتمداري، رئيس تحرير صحيفة «كيهان»، أن جميع الأنظمة الحاكمة «لديها أسرار وخفايا لا يمكن كشفها ويجب أن تبقى مخفية»، معتبراً أن حجب بعض المعلومات لا يعني استبعاد الناس، بل يهدف إلى إبقاء أسرار الدولة بعيداً عن الخصوم ومنعهم من القيام بردود فعل استباقية.

وأضاف أن إجابة المسؤولين المعنيين بالحرب على بعض الأسئلة قد تؤدي إلى «كشف أسرار البلاد وتسبب مشكلات للنظام»، مشيراً إلى أن بعض القرارات قد تستند إلى «حسابات دقيقة وواقعية» لا يمكن إعلانها.

أما صحيفة «قدس»، التابعة لهيئة «آستان قدس رضوي» الخاضعة لمكتب المرشد الإيراني، فرأت أن فشل المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة في إسلام آباد بدا «أفضل من أي اتفاق»، معتبرة أن الوفد الإيراني واجه «المطالب المفرطة» للجانب الأميركي وتمسك بمصالح البلاد.

وقالت الصحيفة إن إيران «لا تملك خياراً سوى إثبات وجودها وفرضه بقوة»، مضيفة أن ذلك لا يتحقق إلا عبر «المقاومة والاستعداد للمواجهة وتحميل العدو التكلفة». كما اعتبرت أن المفاوضات لا ينبغي أن تستهدف إنهاء النزاع، بل إدارة الصراع وتثبيت الوقائع والضغط المتبادل.

على الضفة الأخرى، انتقدت صحيفة «خراسان»، القريبة من رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، طريقة إدارة المعلومات المرتبطة بالمفاوضات، مشيرة إلى وجود فجوة واضحة بين السلطات والرأي العام.

وقالت إن المشكلة الأساسية ليست في معارضة المجتمع لقرارات النظام، بل في «نقص المعلومات»، مضيفة أن المواطنين الذين أظهروا دعماً خلال «40 ليلة» ينتظرون معلومات دقيقة وسريعة، لا مجرد بيانات عامة.

وحذرت الصحيفة من أن الفراغ المعلوماتي يمكن أن يتحول سريعاً إلى قلق، ثم إلى فقدان للثقة إذا لم يعالج في الوقت المناسب، مشددة على ضرورة بناء رواية إعلامية واضحة للمفاوضات، تتولاها جهة واحدة تتمتع بالمصداقية والسرعة والخبرة الإعلامية، مع رسائل مفهومة وتوقيت واضح.

«تراجع واشنطن»

ورأت صحيفة «فرهيختغان»، المقربة من علي أكبر ولايتي، أن زيارة قائد الجيش الباكستاني عاصم منير إلى طهران تحمل دلالات تتجاوز الوساطة المباشرة بين واشنطن وطهران.

وبحسب الصحيفة، فإن منير بات، منذ إقصاء عمران خان، صاحب الدور الأبرز في إدارة الملفات الكبرى في باكستان، ولا سيما تلك المرتبطة بالتوازنات الدولية وانعكاسات التنافس بين الصين والولايات المتحدة على بلاده. ومن هذا المنطلق، فسّرت الصحيفة تحركه نحو طهران بوصفه جزءاً من موقع باكستان داخل هذا التنافس، وليس استجابة ظرفية فقط للأزمة الإيرانية - الأميركية.

وأضافت الصحيفة أن اختيار باكستان لتولي الوساطة بعد تراجع أدوار وسطاء إقليميين سابقين، مثل عُمان وقطر، يعكس تحولاً في بيئة التفاوض فرضته الحرب، كما يعكس، في تقديرها، صعوداً نسبياً للموقع الصيني في إدارة التوازنات الإقليمية، في مقابل تراجع هامش الحركة الأميركي.

وأشارت إلى أن إسلام آباد تحركت خلال الحرب في خط أقرب إلى بكين، سواء في مواقفها المعلنة أو في قبولها استضافة المفاوضات.

وفي هذا السياق، اعتبرت «فرهيختغان» أن مجرد عودة عاصم منير إلى طهران بعد جولة إسلام آباد تمثل، في أحد أوجهها، مؤشراً إلى «تراجع واشنطن» عن لهجة الإنذار التي حملها نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس، إذ كان قد قدم المقترح الأميركي عند مغادرته باكستان على أنه «العرض النهائي»، وأن على إيران قبوله أو رفضه.

وترى الصحيفة أن دخول منير مجدداً على خط الوساطة بعد ذلك يعني عملياً أن باب التفاوض لم يغلق، وأن الولايات المتحدة عادت إلى البحث عن مخرج عبر الوسيط الباكستاني، بما يوحي، من وجهة نظرها، بأن الضغط العسكري والحصار البحري لم يحققا حسماً سريعاً، وأن واشنطن اضطرت إلى العودة إلى مسار المراجعة والاتصال.