كيف أطال نتنياهو أمد الحرب في غزة للبقاء في السلطة؟

أرشيفية لبنيامين نتنياهو ورئيس أركان الجيش هرتسي هاليفي خلال إحاطة عسكرية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أرشيفية لبنيامين نتنياهو ورئيس أركان الجيش هرتسي هاليفي خلال إحاطة عسكرية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

كيف أطال نتنياهو أمد الحرب في غزة للبقاء في السلطة؟

أرشيفية لبنيامين نتنياهو ورئيس أركان الجيش هرتسي هاليفي خلال إحاطة عسكرية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أرشيفية لبنيامين نتنياهو ورئيس أركان الجيش هرتسي هاليفي خلال إحاطة عسكرية (أرشيفية - أ.ف.ب)

بعد مرور ستة أشهر على الحرب في قطاع غزة، كان بنيامين نتنياهو يستعد لوقفها. كانت المفاوضات جارية لوقف إطلاق النار مع حركة «حماس» الفلسطينية، وكان مستعداً للموافقة على تسوية. وكان قد أوفد مبعوثاً لنقل موقف إسرائيل الجديد إلى الوسطاء المصريين. وخلال اجتماع في وزارة الدفاع في تل أبيب، كان عليه أن يحصل على موافقة حكومته. وكان قد أبقى الخطة خارج جدول الأعمال المكتوب للاجتماع. كانت الفكرة هي الكشف عنها فجأة، لقطع الطريق على الوزراء المعارضين عن إعداد رد منسق.

حدث ذلك في أبريل (نيسان) 2024، أي قبل فترة طويلة من عودة نتنياهو السياسية. كان من شأن الاقتراح المطروح على الطاولة أن يوقف الحرب على غزة لمدة ستة أسابيع على الأقل. وكان من شأنه أن يخلق نافذة للمفاوضات مع «حماس» حول هدنة دائمة.

وكان سيتم إطلاق سراح أكثر من 30 رهينة أسرتهم «حماس» في بداية الحرب في غضون أسابيع.

ولكن بالنسبة لنتنياهو، كانت الهدنة تنطوي أيضاً على مخاطر شخصية. بصفته رئيساً للوزراء، قاد ائتلافاً هشاً اعتمد على دعم وزراء اليمين المتطرف الذين أرادوا احتلال غزة وليس الانسحاب منها. وإذا جاء وقف إطلاق النار في وقت قريب جداً، فقد يقرر هؤلاء الوزراء فك التحالف ما سيؤدي لانهيار الائتلاف الحاكم، والذهاب إلى إجراء انتخابات مبكرة أظهرت استطلاعات الرأي أن نتنياهو سيخسرها.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ب)

منذ عام 2020، كان يخضع للمحاكمة بتهمة الفساد؛ وكانت التهم، التي أنكرها، تتعلق في الغالب بمنح امتيازات لرجال أعمال مقابل هدايا وتغطية إعلامية مواتية. وبعد تجريده من السلطة، كان نتنياهو سيفقد القدرة على إقصاء المدعي العام الذي أشرف على محاكمته، وهو ما ستحاول حكومته فعله لاحقاً.

وبينما كان مجلس الوزراء يناقش مسائل أخرى، سارع أحد المساعدين إلى غرفة الاجتماع حاملاً وثيقة تلخص موقف إسرائيل التفاوضي الجديد، ووضعها بهدوء أمام نتنياهو. كان الطريق إلى الهدنة يمثل خطراً حقيقياً، لكنه بدا مستعداً للمضي قدماً.

ثم قاطع وزير المالية بتسلئيل سموتريتش الإجراءات.

إلى جانب إيتمار بن غفير، وزير الأمن القومي اليميني المتطرف، كان سموتريتش الآن أحد أقوى المدافعين في الحكومة عن إعادة إنشاء تلك المستوطنات. وكان قد دعا مؤخراً إلى مغادرة معظم سكان غزة الفلسطينيين. وخلال اجتماع مجلس الوزراء، أعلن سموتريتش أنه سمع إشاعات عن خطة للتوصل إلى اتفاق.

أرشيفية للوزيرين المتطرفين في حكومة نتنياهو إيتمار بن غفير (يسار) وبتسلئيل سموتريتش (أ.ف.ب)

وقال سموتريتش: «أريدكم أن تعلموا أنه إذا تم طرح اتفاق استسلام كهذا، فلن يكون لديكم حكومة بعد الآن. لقد انتهت الحكومة».

كان رئيس الوزراء مجبراً على الاختيار بين فرصة التوصل إلى هدنة، ونجاته سياسياً، واختار نتنياهو البقاء على قيد الحياة.

ومع استمرار النقاش في مجلس الوزراء، انحنى نتنياهو بهدوء إلى مستشاريه الأمنيين وهمس بما لا بد أنه أصبح واضحاً لهم في ذلك الوقت: «لا تقدموا الخطة».

«بعث سياسي»

سرى اعتقاد على نطاق واسع أن الحرب التي استمرت 12 يوماً مع إيران في يونيو (حزيران) هي لحظة مجد لنتنياهو، وهي لحظة تمثل تتويجاً لعودة صعبة من أدنى نقطة في حياته السياسية الطويلة، عندما أشرف في أكتوبر (تشرين الأول) 2023 على أكثر الإخفاقات العسكرية دموية في تاريخ إسرائيل.

ولكن في أعقاب هذا الانتصار الواضح، ينتظر نتنياهو حسابٌ أكثر مصيرية بشأن الحرب في غزة.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش خلال مؤتمر صحافي في القدس... 30 يوليو 2023 (رويترز)

مع استمرار الحرب، تحوّل التعاطف العالمي الذي اكتسبته إسرائيل في أعقاب الهجوم الأكثر دموية على اليهود منذ «الهولوكوست» إلى خزي متزايد على الساحة الدولية.

تنظر محكمة العدل الدولية في الادعاءات بأن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية. وفي أميركا، أدى فشل الرئيس جو بايدن في إنهاء الحرب إلى انقسام الحزب الديمقراطي وساعد في تحفيز الاضطرابات التي أعادت الرئيس ترمب إلى السلطة.

ويرى معظم الإسرائيليين أن توسيع الحرب لتشمل لبنان وإيران عمل أساسي للدفاع عن النفس ضد حلفاء «حماس» الذين يسعون أيضاً إلى تدمير إسرائيل. لكن الكثيرين يعتقدون على نحو متزايد أن إسرائيل كان بإمكانها التوصل إلى اتفاق مبكر لإنهاء الحرب، ويتهمون نتنياهو، الذي يتمتع بسلطة مطلقة على الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية، بمنع التوصل إلى هذا الاتفاق.

بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت يواجهان أوامر اعتقال يريد الادعاء في المحكمة الجنائية الدولية إصدارها بحقهما على خلفية حرب غزة (رويترز)

ولفهم الدور الذي لعبته حسابات نتنياهو نفسه في إطالة أمد الحرب، تحدثت صحيفة «نيويورك تايمز» مع أكثر من 110 مسؤولين في إسرائيل والولايات المتحدة والعالم العربي. جميع هؤلاء المسؤولين، المؤيدين والمنتقدين على حد سواء، التقوا جميعاً برئيس الوزراء أو راقبوه أو عملوا معه منذ بداية الحرب وأحياناً قبل وقت طويل من اندلاعها. كما راجعت الصحيفة عشرات الوثائق، بما في ذلك سجلات الاجتماعات الحكومية، والاتصالات بين المسؤولين، وسجلات المفاوضات، وخطط الحرب، والتقييمات الاستخباراتية، والبروتوكولات السرية لـ«حماس»، ووثائق المحاكم.

عندما بدأت الحرب في 7 أكتوبر 2023، وهو اليوم الذي قتلت فيه «حماس» وحلفاؤها ما يقرب من 1200 شخص من المدنيين وأفراد الأمن واختطفت نحو 250 شخصاً، بدا أن الحرب كانت معدة لإنهاء مسيرة نتنياهو السياسية.

كان التوقع العام هو أن تهدأ الحرب في وقت مبكر من عام 2024، وأن ينهار ائتلاف نتنياهو، وأن نتنياهو سيتحمل المسؤولية عن الكارثة قريباً.

وبدلاً من ذلك، استغل نتنياهو الحرب لتحسين حظوظه السياسية، في البداية لمجرد البقاء ثم الانتصار بشروطه الخاصة. وبعد مرور ما يقرب من عامين على الهجوم الكارثي على إسرائيل، لا يزال يواجه اتهامات خطيرة بالفساد، ولديه فرصة جيدة لحكم إسرائيل حتى الانتخابات العامة المقرر إجراؤها بحلول أكتوبر 2026، عندما يكون عمره 77 عاماً، وقد يفوز بها.

في السنوات التي تلت محاكمته التي بدأت في عام 2020 ولا تزال جارية، بنى نتنياهو أغلبية هشة في البرلمان الإسرائيلي من خلال إقامة تحالفات مع أحزاب اليمين المتطرف. وقد أبقته في السلطة، لكنها ربطت مصيره بمواقفهم المتطرفة، سواء قبل الحرب أو بعد اندلاعها.

وتحت ضغط سياسي من هؤلاء الحلفاء في الائتلاف الحكومي، أبطأ نتنياهو مفاوضات وقف إطلاق النار في اللحظات الحاسمة، وفوّت فرصاً كانت «حماس» فيها أقل معارضة للاتفاق. ومضى قدماً في الحرب في أبريل ويوليو (تموز) 2024، حتى عندما أخبره كبار الجنرالات أنه لا توجد أي ميزة عسكرية أخرى للاستمرار.

وعندما بدا أن الزخم نحو وقف إطلاق النار يتزايد، أضفى نتنياهو أهمية مفاجئة على أهداف عسكرية بدا في السابق أقل اهتماماً بمتابعتها، مثل الاستيلاء على مدينة رفح الجنوبية ولاحقاً احتلال الحدود بين غزة ومصر. وعندما تم التوصل أخيراً إلى وقف إطلاق النار في يناير (كانون الثاني)، قام بخرق الهدنة في مارس (آذار)، وجزء من أسبابه؛ الحفاظ على ائتلافه الحكومي سليماً.

كانت تكلفة التأخير باهظة: فمع كل أسبوع يمر، كان التأخير يعني موت مئات الفلسطينيين ورعب آلاف آخرين. كما كان يعني أيضاً وفاة ما لا يقل عن ثماني رهائن آخرين في الأسر، مما أدى إلى تعميق الانقسامات في إسرائيل بين أولئك الذين سعوا إلى صفقة تحرير الرهائن قبل كل شيء وأولئك الذين اعتقدوا أن الحرب يجب أن تستمر حتى يتم تدمير «حماس».

ولكن بالنسبة لنتنياهو، كانت المكافآت مجزية. فقد سيطر على إسرائيل أكثر من أي وقت آخر خلال فترة ولايته رئيساً للوزراء التي استمرت 18 عاماً. وقد نجح في منع إجراء تحقيق حكومي من شأنه أن يحقق في مسؤوليته الخاصة، قائلاً إن التداعيات يجب أن تنتظر حتى انتهاء حرب غزة.

وفي الوقت الذي يحضر فيه إلى المحكمة ما يصل إلى ثلاث مرات في الأسبوع لمحاكمته في قضية الفساد، تتحرك حكومته الآن لإقالة النائب العام الذي يشرف على تلك المحاكمة. كما أدى استمرار الحرب إلى دعم تحالفه. فقد منحه ذلك الوقت للتخطيط لهجومه على إيران وتفعيله. والأهم أنها أبقته في منصبه.

يقول سروليك أينهورن، وهو خبير استراتيجي سياسي من الدائرة المقربة من نتنياهو: «لقد حقق نتنياهو بعثاً سياسياً لم يكن أحد، ولا حتى أقرب حلفائه، يعتقد أنه ممكن. لقد غيرت قيادته لحرب طويلة مع (حماس) وضربة جريئة على إيران تشكيل الخريطة السياسية. وهو الآن في موقف قوي للفوز بالانتخابات مرة أخرى».

«الأزمة الداخلية»

في أواخر يوليو 2023، أصدرت الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية تقريراً مقلقاً. وكان الاستنتاج الذي خلص إليه التقرير مريعاً: «إسرائيل في خطر شديد».

كانت إسرائيل تعاني من اضطرابات داخلية شديدة بسبب خطة مثيرة للانقسام، دفعت بها حكومة نتنياهو، لممارسة سيطرة أكبر على السلطة القضائية في البلاد. وعلى مدى شهور، انضم مئات الآلاف من المواطنين، بمن في ذلك عدد متزايد من جنود الاحتياط في الجيش، إلى الاحتجاجات الأسبوعية ضد الخطة.

مسيرة ضد خطة الإصلاح القضائي للحكومة الإسرائيلية في تل أبيب (أ.ف.ب)

وقال التقرير الاستخباراتي إن أعداء إسرائيل الرئيسيين؛ «حماس» في غزة و«حزب الله» في لبنان والحكومة في إيران، لاحظوا الانقسامات المتزايدة داخل المجتمع الإسرائيلي وخاصة بالجيش، وكانوا يناقشون سراً ما إذا كانت إسرائيل ضعيفة بما يكفي لمهاجمتها.

وكتب العميد عميت ساعر، كبير محللي الاستخبارات في الجيش، في مقدمة التقرير: «سأبدأ بالخلاصة وهي أن تعمق الأزمة الداخلية، من وجهة نظري، يزيد من تآكل صورة إسرائيل، ويفاقم الضرر الذي لحق بقوة الردع الإسرائيلية ويزيد من احتمال التصعيد».

وبحلول 23 يوليو 2023، بلغت الاحتجاجات ذروتها. فقد هدد ما لا يقل عن 10 آلاف جندي احتياط، بمن فيهم عشرات الطيارين الاحتياط، بالتوقف عن الخدمة إذا ما مضى نتنياهو في التصويت في البرلمان، المخطط له في اليوم التالي، لسن الجزء الأول من الإصلاح الشامل.

واستشعاراً للكارثة، حاول هرتسي هاليفي، قائد أركان الجيش الإسرائيلي، الوصول إلى نتنياهو، في محاولة لم يتم الإبلاغ عنها سابقاً لحمل رئيس الوزراء على قراءة النتائج التي توصل إليها ساعر.

وكان هاليفي وغيره من كبار المسؤولين، بمن فيهم وزير الدفاع، قد قدموا نتائج مماثلة إلى نتنياهو في الأشهر والأسابيع السابقة، ولكن دون جدوى. وكان هذا التحذير الخطي الرابع الذي أرسله ساعر منذ بداية العام، وقد تم تجاهلها جميعاً. حتى إن نتنياهو أقال وزير الدفاع، يوآف غالانت، في مارس 2023، بسبب إصداره تحذيراً علنياً من المخاطر المتزايدة، قبل أن يتراجع عن قراره تحت ضغط الرأي العام.

كان نتنياهو قد دخل المستشفى للتو، ليجري تركيب جهاز تنظيم ضربات القلب في مركز طبي خارج تل أبيب. لم يكن لدى هاليفي أي وسيلة للوصول إليه. وبدلاً من ذلك، أقنع كبير المستشارين العسكريين لنتنياهو، اللواء آفي جيل، بنقل المعلومات الاستخبارية المقلقة إلى جناح رئيس الوزراء. كانت الساعة الثامنة مساءً عندما وصل المساعد، أي قبل 16 ساعة فقط من موعد تصويت ائتلاف نتنياهو على مشروع القانون في البرلمان.

جلس نتنياهو بملابس النوم إلى طاولة، قدم له جيل رسالة الجنرال ولخص له محتواها. لكن نتنياهو لم يتأثر. فقد كان في تحالفه فصيلان يعدان التصويت أولوية قصوى.

فقد رأى اليمين القومي المتشدد، بمن في ذلك بتسلئيل سموتريتش، في المحكمة العليا عقبة أمام جهودهم لزيادة عدد المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة. وفي الوقت نفسه، استاء الأعضاء اليهود المتشددون من ضغط المحكمة لإنهاء إعفاء ناخبيهم من الخدمة العسكرية.

بنيامين نتنياهو وسموتريتش (رويترز)

لم يرغب نتنياهو في تنفير هؤلاء الحلفاء من خلال وقف التشريع. وبعد لحظات، قام رونين بار، رئيس جهاز الأمن الداخلي (الشاباك) رونين بار، بمحاولته الخاصة للضغط على نتنياهو. ومع علمه أن جيل سيكون مع نتنياهو في ذلك المساء، انتهز بار الفرصة واتصل بهاتف جيل المشفر وطلب منه أن يمرر السماعة إلى رئيس الوزراء. وبمجرد أن كان نتنياهو على الخط، أخبره بار أن البلاد في «نقطة أزمة» وتواجه خطراً وشيكاً. وقال بار إن التفاصيل لم تكن واضحة، لكن الخطر كان حقيقياً.

وأكد: «أنا أعطيك إنذاراً استراتيجياً بشأن الحرب. لا أعرف متى ستحدث، ولا أين، لكنني أعطيك إنذاراً استراتيجياً بشأن الحرب».

نتنياهو ورئيس جهاز «الشاباك» رونين بار بتل أبيب في صورة تعود إلى أبريل 2024 (أرشيفية - د.ب.أ)

لم يتأثر نتنياهو فمن وجهة نظره، كانت الاضطرابات المدنية الإسرائيلية هي المشكلة الأكثر إلحاحاً. قال نتنياهو لبار: «تعامل مع المتظاهرين».

عندما تم تمرير التصويت في اليوم التالي، كان التأثير على الجمهور الإسرائيلي فورياً. واندلع المزيد من الاشتباكات في تلك الليلة بين مؤيدي نتنياهو ومنتقديه، وفي إحدى الحالات اندلع إطلاق النار. وبدأ جنود الاحتياط في الجيش بتنفيذ وعودهم بالاستقالة.

وبعد يومين، أجرت «حماس» تقييمها الخاص للوضع. لقد خطط قادتها لسنوات عديدة لشن هجوم كبير على إسرائيل، وكما سجلوا في محضر اجتماع سري في غزة بقيادة يحيى السنوار، حان الوقت لوضع الخطة موضع التنفيذ: «إن وضع حكومة الاحتلال وساحتها الداخلية يجبرنا على المضي قدماً في معركة استراتيجية».

«نحن في حالة حرب»

علم نتنياهو لأول مرة بهجوم 7 أكتوبر في ذلك الصباح في الساعة 6:29 صباحاً، عندما استيقظ على مكالمة عبر الواتساب من «جيل»، كبير مستشاريه العسكريين. كانت مكالمة قصيرة. أخبر جيل نتنياهو أن «حماس» شنت للتو ضربة من نوع ما. وطلب من رئيس الوزراء أن يستيقظ من نومه ووعد بأن يعاود الاتصال بعد بضع دقائق، وهذه المرة على هاتف نتنياهو المشفر، الذي تم إعداده لتسجيل المحادثات.

في الساعة 6:40 صباحاً، اتصل جيل على هذا الخط الآمن بمزيد من التفاصيل. خلال الليل، رصد ضباط المخابرات عشرات من مقاتلي «حماس» خلال الليل وهم يدخلون شرائح اتصال إسرائيلية في هواتفهم، في إشارة إلى نوع من المناورة الوشيكة التي تتطلب الوصول إلى شبكات الهاتف الإسرائيلية.

توقف جيل عن الكلام، وأجاب نتنياهو، في رد لم يسبق أن تم الإبلاغ عنه من قبل، بسلسلة من الأسئلة: «ماذا حدث؟ لماذا أطلقوا النار؟ بماذا؟». أجاب جيل: «لا نعرف يا رئيس الوزراء».

قال نتنياهو: «ليس لماذا؟ بماذا أطلقوا النار؟»، أجاب جيل: «في الوقت الحالي، أطلقوا وابلاً كثيفاً من النيران في جميع أنحاء البلاد».

سأل نتنياهو: «هل يمكننا القضاء على قيادتهم؟». خلال فصل الصيف، كان نتنياهو قد قاوم ضغطاً من قادته الأمنيين لاغتيال قادة «حماس» بغارات جوية. والآن، في خضم المعركة، كان يعطي الأمر بذلك.

أجاب جيل، مستعرضاً الوضع الراهن: «الجيش يبدأ ذلك الآن. نحن في حالة حرب».

وعلى الفور، انتقل نتنياهو إلى مسألة المسؤولية، قائلاً: «أنا لا أرى أي شيء في المعلومات الاستخبارية».

بعد دقائق من بدء الحرب، كان هذا أول تلميح لكيفية محاولة نتنياهو إطالة عمره السياسي. كان رؤساء الأجهزة الأمنية قد أعطوه تحذيراً استراتيجياً بشأن الحرب، لكنه كان حريصاً على التأكيد في هذه المكالمة المسجلة على أن الأمر لم يكن يتعلق تحديداً باجتياح جبهة من غزة.

أدار غالانت وزير الدفاع، وهاليفي قائد الأركان، المعركة بشكل مباشر في مركز قيادة تحت الأرض يعرف باسم «الحفرة» يقع على عمق عدة طوابق تحت مقر القيادة العسكرية في تل أبيب.

زار نتنياهو لفترة وجيزة «الحفرة» للاطلاع على آخر المستجدات نحو الساعة العاشرة صباحاً، أي بعد أكثر من ثلاث ساعات من بدء الهجوم. لم يكن لدى أحد فهم واضح لحجم ما كان يحدث في الجنوب، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن العديد من القواعد العسكرية قد تم اجتياحها.

فلسطينيون يحتفلون على ظهر دبابة إسرائيلية على الجدار العازل قرب خان يونس في جنوب قطاع غزة يوم 7 أكتوبر (أ.ب)

اعتقد القادة في تل أبيب أن نحو 200 متسلل فقط عبروا الحدود. في الواقع، كان هناك ما لا يقل عن 2000 مقاتل يستقلون شاحنات صغيرة ودراجات نارية وزوارق سريعة وطائرات شراعية، قد اخترقوا إسرائيل من نحو 60 نقطة على طول الحدود الممتدة على طول 37 ميلاً (نحو 60 كيلومتراً). وهاجموا أكثر من 20 مستوطنة وقاعدة للجيش، وتقدموا لمسافة 15 ميلاً (24 كيلومتراً) داخل إسرائيل.

كان أول قرار جوهري لنتنياهو هو إصدار أوامره للجنرالات بقصف غزة بمستوى جديد من القوة. ظهر مرة أخرى بعد الإحاطة الإعلامية لتسجيل فيديو لتوزيعه على الإنترنت. وقال نتنياهو، وهو يرتدي سترة داكنة وقميصاً أبيض مفتوح العنق، إنه أصدر تعليماته للجيش بـ«الرد على النار على نطاق لم يعرفه العدو. سيدفع العدو ثمناً غير مسبوق».

بعد ذلك بوقت قصير، خفف الجنرالات بشكل كبير من قواعد الاشتباك، ووسعوا مجموعة الأهداف العسكرية التي يمكن لمرؤوسيهم ضربها في الضربات الجوية الاستباقية، مع زيادة عدد المدنيين الذين يمكن أن يعرضهم الضباط للخطر في كل هجوم أضعافاً مضاعفة، أحياناً بمعامل 1 إلى 20. وعندما أخبره هاليفي في وقت لاحق أن سلاح الجو ضرب ألف هدف في غزة، دفعه نتنياهو إلى توجيه ضربات أسرع. قال نتنياهو: «ألف؟! أريد خمسة آلاف».

فلسطينيون يبتعدون عن كيبوتس كفار عزة بالقرب من السياج الحدوي مع قطاع غزة عقب هجوم 7 أكتوبر (أ.ب)

كان المزاج السائد داخل ائتلافه السياسي والقيادة العسكرية العليا يائساً، حيث كان القادة يقيّمون كيف أوصلت إخفاقاتهم وأفعالهم إسرائيل إلى هذه النقطة.

بعد أن أمضى بعض الوزراء تسعة أشهر في تجاهل التهديدات الخارجية من أجل تحقيق أهداف داخلية مثيرة للجدل، عانى بعض الوزراء من الرعب الشديد؛ فجلس ياريف ليفين وزير العدل ومهندس الإصلاح القضائي، على أحد السلالم باكياً، وفقاً لشاهدين، من بينهما موتي بابشيك، أحد كبار مساعدي الوزير. نفى ليفين عبر متحدث باسمه بكاءه.

وفي اجتماع مجلس الوزراء في ذلك اليوم، لخص بتسلئيل سموتريتش الحالة المزاجية: «في غضون 48 ساعة، سيطالبون باستقالتنا بسبب هذه الفوضى، وسيكونون على حق».

ومع ذلك، حتى في الحضيض الذي وصل إليه نتنياهو في حياته السياسية، كان نتنياهو يرسم بالفعل طريقه نحو البقاء السياسي.

خلال الأيام التالية التي سادتها الفوضى، صدّ الجيش هجوم «حماس»، وتعامل مع المتسللين المتبقين منهم، وبدأ التخطيط لاجتياح غزة. وفي الخلفية، كان نتنياهو يعمل على كيفية ضم المزيد من الأحزاب إلى حكومته الائتلافية.

وجاءت فرصته الأولى عندما عرض عليه يائير لابيد، خصمه السياسي الرئيسي، تشكيل حكومة وحدة في زمن الحرب. كان من غير المحتمل أن يكونا شريكين. كان لابيد قد عارض بشدة محاولة نتنياهو نزع الشرعية عن القضاء. كما أنه كان أكثر انفتاحاً من نتنياهو على فكرة السيادة الفلسطينية.

رئيس الوزراء الإسرائيلي لابيد (يمين) التقى زعيم المعارضة بنيامين نتنياهو بحضور السكرتير العسكري (د.ب.أ)

ومع ذلك، كان لابيد مستعداً لتنحية هذه الخلافات جانباً من أجل المصلحة الوطنية، إذا وافق نتنياهو على إقالة سموتريتش، وبن غفير الذي أدين ذات مرة بدعم جماعة إرهابية يهودية. كان لابيد يخشى أن يجعل قادة اليمين المتطرف من الصعب توجيه مسار عقلاني للحرب. وكان من المحتمل، حتى في ذلك الحين، أن يحاولوا إطالة أمد الحرب القادمة لخدمة حلمهم بضم غزة وتوطين الإسرائيليين فيها.

رفض نتنياهو طلب لابيد. كان يعلم أنه بمجرد انتهاء الحرب، سيكون اليمين المتطرف أكثر ميلاً من لابيد للسماح له بالبقاء في السلطة.

وجد نتنياهو شركاء أكثر مرونة في 11 أكتوبر 2023، بينما كان الجيش يستعد لمهاجمة «حزب الله» في لبنان. كان «حزب الله»، المدعوم من إيران، يطلق الصواريخ على القوات الإسرائيلية منذ اليوم الثاني للحرب. وكان القادة الإسرائيليون يخشون أن تكون الجماعة المسلحة تسليحاً جيداً تخطط لغزو بري من الشمال.

كان غالانت وزير الدفاع آنذاك، الذي كان يعمل في «الحفرة»، مستعداً لتنفيذ خطة تهدف إلى استباق مثل هذا الغزو، كان سلاح الجو الإسرائيلي سيقطع رأس قيادة «حزب الله» في بيروت بوابل من الضربات الجوية. لكنه كان بحاجة إلى موافقة نتنياهو. كانت المشكلة أن نتنياهو لم يرد على مكالماته. ومع تحليق الطائرات في الجو، ذهب غالانت شخصياً إلى مكتب نتنياهو، فوجده يضع تركيزه على مسألة مختلفة تماماً، هي السياسة الداخلية.

كان يجلس مع نتنياهو كل من بيني غانتس وغادي آيزنكوت، وهما قائدان عسكريان سابقان. وقبل ذلك بدقائق، وافق غانتس وآيزنكوت على ضم حزبهما إلى ائتلاف نتنياهو في زمن الحرب.

بيني غانتس وبنيامين نتنياهو (أرشيفية - د.ب.أ)

ألقى هذا الاتفاق طوق نجاة لنتنياهو في أضعف لحظات حياته المهنية، على عكس لابيد، انضم غانتس وآيزنكوت إلى الحكومة دون المطالبة بالإطاحة ببن غفير وسموتريتش.

ومع انضمام الوزراء الجدد إلى الحكومة، كانت الطائرات المقاتلة الإسرائيلية تحلق بالفعل فوق البحر الأبيض المتوسط، على بعد نحو 30 ميلاً (نحو 50 كيلومتراً) من بيروت. كان على الحكومة الجديدة أن تقرر: هل يجب على الطيارين المضي قدماً في الهجوم؟

حذرت الولايات المتحدة من ذلك. وقال بايدن ومستشاروه إنهم لم يروا أي دليل على أن «حزب الله» كان ينوي غزو إسرائيل، وكانوا يخشون أن تؤدي الضربة الإسرائيلية إلى تصعيد إقليمي يشمل إيران راعية «حزب الله».

في تلك المرحلة المبكرة من الحرب وهو يقاتل من أجل حياته السياسية، كان نتنياهو حريصاً على الحفاظ على دعم بايدن، ولم يكن الصراع المتعدد الجبهات أولوية نتنياهو.

«لا أعرف ماذا أفعل»

طوال الأشهر الأولى من الحرب، كان بقاء نتنياهو يعتمد على تحقيق توازن شبه مستحيل. فقد كان عليه أن يفعل ما يكفي لإرضاء بايدن، الذي كان دعمه الدبلوماسي ومساعدته العسكرية ضروريين للمجهود الحربي الإسرائيلي، بينما لم يكن عليه أن يفعل الكثير لإبعاد اليمين المتطرف، الذي تعتمد عليه مسيرة نتنياهو السياسية.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركي جو بايدن (أرشيفية - رويترز)

أصبح التحدي المتمثل في إرضاء كليهما واضحاً بعد منتصف ليل 17 أكتوبر 2023 أي بعد 10 أيام من الهجوم. في أربعة طوابق تحت مقر القيادة العسكرية في تل أبيب، كان نتنياهو مشلولاً بسبب الحاجة إلى الاختيار بين رغبات الوفد الأميركي الجالس في غرفة تحت الأرض ورغبات وزراء حكومته الجالسين في غرفة أخرى قريبة.

كان الأميركيون، بقيادة وزير الخارجية أنتوني بلينكن، يضغطون على نتنياهو لتخفيف الحصار على غزة الذي فرضته إسرائيل منذ بداية الحرب. كان مخزون الغذاء والدواء والوقود ينفد، وكانت الكارثة الإنسانية تتشكل. كان بايدن يرفض زيارة إسرائيل حتى يتم تخفيف الحصار. ومع ذلك، كان معظم أعضاء الحكومة الإسرائيلية يضغطون على نتنياهو للإبقاء عليه.

هرع نتنياهو ورون ديرمر، وهو وزير في الحكومة الإسرائيلية ومستشاره الأقرب، بين الغرفتين، وهما يكافحان من أجل التوصل إلى حل وسط. بالنسبة للأميركيين، بدا نتنياهو يائساً. قال لهم إن أي صور لشاحنات المساعدات التي تدخل غزة ستؤدي إلى انهيار ائتلافه. والتفت إلى ديرمر. قال: «لا أعرف ماذا أفعل. رون، أنت مبدع، ابتكر شيئاً ما». أخيراً، نحو الساعة الواحدة صباحاً، وبعد ساعات من المفاوضات، استسلم نتنياهو لرغبات الأميركيين.

وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر في واشنطن (أ.ف.ب)

بدأ التوازن يتغير بعد أن شنت إسرائيل غزواً برياً على غزة في أواخر أكتوبر 2023. بدأت إدارة بايدن وكبار القادة الإسرائيليين بالضغط على نتنياهو للبدء في التخطيط لكيفية حكم غزة بعد هزيمة «حماس».

ازداد الإحباط الأميركي بعد وقف قصير لإطلاق النار في أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، عندما تم تحرير أكثر من 100 رهينة في صفقة تضمنت إطلاق سراح 240 أسيراً ومعتقلاً فلسطينياً. حتى ذلك الحين، كان التوقع السائد داخل التسلسل الهرمي الأميركي والإسرائيلي هو أن العملية الإسرائيلية ستبدأ في التلاشي بحلول نهاية العام وأنه سيتم التوصل إلى هدنة أخرى في غضون أسابيع.

تجمع فلسطينيين ومسلحين من «حماس» خلال عملية إطلاق سراح الرهائن في النصيرات وسط غزة (رويترز)

وبدلاً من ذلك، توقفت محادثات الهدنة. أخبر نتنياهو الأميركيين أن إسرائيل كانت بحاجة إلى مزيد من الوقت للسيطرة على خان يونس، لأن الجنود الإسرائيليين الذين يقاتلون في المدينة اكتشفوا أن شبكة أنفاق «حماس» هناك كانت أكثر اتساعاً مما كان متوقعاً.

بايدن في اتصال هاتفي مع نتنياهو في 4 أبريل 2024 (رويترز)

مع استمرار الحرب حتى أوائل عام 2024، بدأ كبار المسؤولين في واشنطن يغمزون عيونهم كلما قال نتنياهو أو فريقه إنهم بحاجة إلى «أسبوعين آخرين» لإكمال هدف عسكري أخير. كان من الواضح لهم أن نتنياهو كان يتطلع إلى إطالة أمد الحرب ضد نصيحة الأميركيين والقيادة العسكرية الإسرائيلية العليا.

لو أراد نتنياهو ذلك لكان التوصل إلى هدنة جديدة في متناول اليد، فقد توصل الوسطاء من الولايات المتحدة ومصر وقطر إلى إطار عمل يسد الفجوات بين الطرفين. في ساحة المعركة، كان الجيش على وشك استكمال خطة المعركة الأولية وكان يستعد لسحب آخر جنود الاحتياط من غزة.

قال آيزنكوت، الجنرال السابق الذي انضم إلى الحكومة في أكتوبر 2023، في مقابلة تلفزيونية نادرة، إن الرهائن لن يتم تحريرهم أحياء إلا من خلال المفاوضات، وإنه ينبغي على إسرائيل أن تعطي الأولوية لإطلاق سراحهم على قتل أعدائها.

غادي آيزنكوت (وسائل إعلام إسرائيلية)

وأوصى هاليفي، رئيس الأركان آنذاك، القيادة السياسية بإبرام صفقة رهائن ثانية. ولم يرَ فائدة فورية تذكر من السيطرة على رفح، وأراد أن تركز إسرائيل على المعركة المنخفضة المستوى مع «حزب الله» على حدودها الشمالية مع لبنان.

تحت ضغط من بن غفير وسموتريتش، كان نتنياهو يأخذ إسرائيل في اتجاه مختلف. وبدأ يتحدث عن تحقيق «النصر الكامل»، ثم غيّر تكتيكاته العسكرية؛ فبعد أن أخبر المسؤولين الأميركيين في أكتوبر أن رفح ليست هدفاً، بدأ يعدّ السيطرة عليها ضرورة استراتيجية. وفي محادثات وقف إطلاق النار، بدأ نتنياهو يطرح مطالب جديدة.

عندما اقترب نتنياهو من تقديم تنازلات، في التحضير لاجتماع الحكومة في أبريل 2024 الذي عطله سموتريتش، تراجع تحت ضغط اليمين المتطرف. كان سموتريتش وبن غفير يسيطران معاً على 14 من أصل 72 نائباً في ائتلاف نتنياهو المتعدد الأحزاب؛ ومن دونهما، كان «الليكود» سيظل أكبر حزب في الكنيست، لكن التحالف الأوسع كان سيفقد الأغلبية المطلوبة (61 مقعداً). كان ذلك على الأرجح سيؤدي إلى انتخابات مبكرة، أظهرت الاستطلاعات أن نتنياهو، الذي كان لا يزال متخلفاً كثيراً عن غانتس وآيزنكوت، سيخسرها.

بنيامين نتنياهو وسموتريتش (رويترز)

فشل المسؤولون الأميركيون في إقناع نتنياهو بأن الهدنة قد تكسبه تأييداً في إسرائيل.

في 22 مايو (أيار) 2024، وافق نتنياهو أخيراً على التسوية التي تخلى عنها في الشهر السابق، متجاهلاً تهديدات الوزراء اليمينيين. عمل ديرمر، ذراعه اليمنى، حتى ساعات الصباح مع أحد المفاوضين الإسرائيليين لوضع اللمسات الأخيرة على التنازلات المقترحة. أزالوا شروطاً كانت «حماس» قد رفضتها سابقاً. واتفقوا على صياغة تقبل انسحاب إسرائيل الكامل، وإن كان تدريجياً، من غزة. كما وافقوا على بدء مفاوضات لهدنة دائمة بمجرد بدء وقف إطلاق النار المؤقت.

في 27 مايو، أرسل فريق التفاوض الإسرائيلي الموقف المعدل إلى الوسطاء المصريين والقطريين، الذين رحبوا به بحماس. أصبح الطريق ممهّداً لوقف إطلاق النار، بشرط تعاون «حماس».

لكن «حماس» كانت لا تزال تريد ضمان هدنة دائمة، وليس مجرد احتمال، مر شهر آخر بينما استمرت المفاوضات، وفقاً لصحيفة «نيويورك تايمز».

في الخلفية، كان فريق نتنياهو أخيراً يُعد خطة لغزة بعد الحرب. في أوائل يوليو، تلقى اتصالاً من نتنياهو أبلغه فيه أن «حماس» قد خففت أخيراً موقفها التفاوضي. قال نتنياهو: «ربما لدينا اتفاق».

تدخل بن غفير بسرعة ليضمن ألا يحدث ذلك. غاضباً من رفض نتنياهو إرسال نص مسودة وقف إطلاق النار إليه، توجه دون موعد إلى مكتب نتنياهو في القدس، شق بن غفير طريقه بصخب إلى مكتب نتنياهو الشخصي. رفض نتنياهو الخروج. لجأ بن غفير إلى وسائل التواصل الاجتماعي لإدانة ما وصفه بـ«اتفاق متهور»، مضيفاً بشكل ينذر بالخطر أنه «يعمل لضمان أن رئيس الوزراء لن يذعن».

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير في الكنيست بالقدس يوم 19 مارس 2025 (رويترز)

تم تحديد قمة لإنهاء الاتفاق في 28 يوليو في منزل ريفي لسفير قطر لدى إيطاليا، فيلا خارج روما. انضم ديفيد برنياع، كبير المفاوضين ورئيس جهاز الاستخبارات الإسرائيلي (الموساد)، إلى بيل بيرنز مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، والشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني رئيس وزراء قطر؛ وعباس كامل رئيس المخابرات المصرية. وصل معظم الوسطاء معتقدين أنهم سيتممون الاتفاق. لكن برنياع لم يفعل. وبدا عليه الحرج والاعتذار، وبدلاً من ذلك وزع نسخاً من رسالة أعادت تعطيل العملية.

حددت الوثيقة ستة مطالب جديدة من نتنياهو. كان أكثرها إشكالية يتعلق بحدود غزة مع مصر، المعروفة بممر فيلادلفيا. في مايو، وافق نتنياهو على إطار يقضي بانسحاب القوات الإسرائيلية من هذا الممر في أثناء أي هدنة. ثم وعلى عكس نصيحة القادة العسكريين والاستخباراتيين الإسرائيليين، رفض الانسحاب منه. خيم الصمت على الغرفة. كانت هذه شروطاً رفضتها «حماس» بالفعل في مايو. انتهى الاجتماع بسرعة، وأغلقت نافذة الهدنة مرة أخرى.

بدلاً من اتفاق في غزة، بدا أن المنطقة على شفا حرب شاملة بين إسرائيل ومحور إيران.

غاضباً من الفوضى المتزايدة، صب بايدن غضبه على نتنياهو في مكالمة هاتفية في 1 أغسطس (آب). قال له: «توقف عن خداعي».

«الزعيم راض»

منذ الأيام الأولى للحرب، كان نتنياهو يقاتل علناً وسراً لتحويل اللوم على هجوم أكتوبر نحو المؤسسة الأمنية. ومع استمرار القتال في جنوب إسرائيل، أبلغ فريق نتنياهو المؤثرين والمعلقين المؤيدين له بأن الجنرالات هم من يجب أن يتحملوا مسؤولية أسوأ إخفاق دفاعي في تاريخ إسرائيل.

خلال أسابيع، كان نتنياهو يردد الحجة نفسها. كتب في منشور مطول على حسابه الرسمي في منصة «إكس» بعد أيام من اجتياح الجيش لغزة في أواخر أكتوبر 2023: «تحت أي ظرف وفي أي مرحلة لم يتم تحذير رئيس الوزراء نتنياهو من نيات الحرب لدى (حماس)». وأضاف: «على العكس، كان تقييم جميع الأجهزة الأمنية، بمن في ذلك رئيس الاستخبارات العسكرية ورئيس الشاباك، أن حماس مردوعة». بعد ساعات، وبعد اتهامه بتأجيج الانقسام في وقت حرج، حذف المنشور.

لكن خلف الكواليس، واصل هو ومساعدوه المقربون التركيز على إيجاد طرق لإضعاف منافسيه.

في الوقت نفسه، حاول مساعدو نتنياهو منع تسريب محادثات قد تضر به. في البداية أمروا الجيش بإيقاف جهاز تسجيل الاجتماعات الرسمية بين نتنياهو والجنرالات. لاحقاً في أكتوبر، نُقلت الاجتماعات لغرفة أخرى بلا جهاز تسجيل دائم، مما سمح لمساعدي نتنياهو باستخدام أجهزتهم الخاصة لتسجيل الاجتماعات، بينما منعوا الجيش من التسجيل. كما أمروا حراس نتنياهو بتفتيش الجنرالات، بمن فيهم رئيس الأركان هاليفي، بحثاً عن ميكروفونات مخفية.

ثم جاء تدخل أكثر جرأة: أمر كبير موظفيه، تساحي برافرمان، موظفي الأرشيف بتغيير سجلات مكالمات نتنياهو الهاتفية في 7 أكتوبر. ووفقاً لشكوى مكتوبة، أصر برافرمان، على تغيير الطابع الزمني للمكالمة الثانية لنتنياهو في ذلك اليوم. في الواقع، بدأت المكالمة في الساعة 6:40 صباحاً. طلب برافرمان تغييرها إلى 6:29 صباحاً، وهو وقت المكالمة الأولى غير المسجلة التي أبلغت نتنياهو بالهجوم.

بالنسبة للمسؤولين المطلعين على التغيير، الذي لا يزال قيد التحقيق القانوني، بدا أن برافرمان أراد أن يستنتج المؤرخون مستقبلاً أن استجابة نتنياهو الأولى لهجوم 7 أكتوبر كانت المكالمة الأطول على هاتفه المشفر، التي وجه فيها جيل لاغتيال قادة «حماس». قال محامي برافرمان إنه لم تكن لديه نية سيئة، بل أساء فهم توقيت المكالمة.

مع استمرار الحرب، بدا أن الحاجة لتحويل اللوم تزداد. كان المثال الأكثر وضوحاً على عملية التأثير التي قادها نتنياهو ضد الإسرائيليين الآخرين في أواخر أغسطس 2024، حين حاول تهدئة الغضب الشعبي المتزايد بسبب فشله في التوصل إلى هدنة.

في 31 أغسطس، عثر جنود إسرائيليون على جثث ست رهائن مقتولين في نفق بجنوب غزة. أطلق مقاتلو «حماس» النار عليهم وقتلوهم قبل أيام من فرارهم من التقدم الإسرائيلي. أثار الاكتشاف موجة غضب في إسرائيل ضد نتنياهو. كان من الممكن أن يكون بعض الرهائن قد أُفرج عنهم لو أن نتنياهو مضى في الهدنة في يوليو.

تجمع مئات الآلاف من المتظاهرين في أنحاء البلاد. واقتحم حشد غاضب خطوط الشرطة قرب منزل نتنياهو في القدس، مطالبين إياه بتقديم تنازلات قبل قتل مزيد من الرهائن في غزة.

تحرك فريق نتنياهو بسرعة لتشويه صورة المتظاهرين في وسائل الإعلام. قاد إيلي فيلدشتاين، المتحدث باسم مكتب نتنياهو منذ بدء الحرب، تلك الجهود بمحاولة تسريب وثيقة حساسة للصحافة.

كانت الوثيقة عبارة عن مذكرة استراتيجية كتبها ضابط استخبارات في «حماس»، واعترضها الجيش الإسرائيلي. كان النص سرياً للغاية داخل الجيش الإسرائيلي لأن نشره قد يكشف لـ«حماس» كيف تراقب إسرائيل اتصالاتها. حصل فيلدشتاين على الوثيقة من مصدر عسكري رأى أنها قد تفيد نتنياهو.

كانت المذكرة وثيقة معقدة يصعب تلخيصها. أشارت بعض أجزائها إلى استعداد «حماس» للتسوية في محادثات الهدنة. وأوصى جزء آخر بأن تستخدم «حماس» الحرب النفسية لإثارة عائلات الرهائن الإسرائيليين، مما يزيد الضغط على الحكومة الإسرائيلية لتقديم تنازلات في المفاوضات.

بالنسبة لفريق نتنياهو الإعلامي، كان هذا الجزء هو المفيد، وذلك إذا نُشرت في الإعلام، وأصبح يمكن الاستشهاد بها لتصوير المتظاهرين المطالبين بوقف إطلاق النار كأنهم أدوات غير واعية لـ«حماس».

كانت المشكلة أمام فيلدشتاين أنه من المستحيل تسريب مثل هذه الوثيقة لوسيلة إعلام إسرائيلية، لأن الصحافيين الإسرائيليين ملزمون بعرض أعمالهم على الرقابة العسكرية قبل النشر. وبعد أن رفضت الرقابة الموافقة على نشر المقال في إسرائيل، قرر فيلدشتاين إرسال المادة إلى وسيلة إعلام أجنبية.

سأل فيلدشتاين رئيس الاتصالات لدى نتنياهو، يوناتان أوريخ، عمن يمكنه المساعدة في النشر بالخارج. اقترح أوريخ سروليك أينهورن، المستشار السابق لنتنياهو. بعد فترة وجيزة، أرسل أينهورن ترجمة الوثيقة إلى صحيفة «بيلد» الألمانية اليمينية الواسعة الانتشار. في 6 سبتمبر (أيلول)، نشرت «بيلد» مقتطفات من الوثيقة، متجاهلة الأجزاء التي تشير إلى استعداد «حماس» للهدنة.

وبدلاً من ذلك، استخدمت الوثيقة لاتهام «حماس» بـ«تعذيب نفسي وحشي بهدف وحيد: جعل أقارب الرهائن يائسين لدرجة أنهم سيفعلون أي شيء لتحرير أحبائهم، حتى لو كان ذلك يعني معارضة حكومتهم».

أرسل أوريخ إلى فيلدشتاين، رسالة نصية مكتوباً فيها «الزعيم راضٍ»، وسرعان ما اتضح السبب. بعد يومين، استشهد نتنياهو بمقال «بيلد» ليزعم أن منتقديه ينفذون أجندة «حماس» دون وعي.

وقال نتنياهو في اجتماع حكومته: «في نهاية الأسبوع الماضي، نشرت صحيفة (بيلد) الألمانية وثيقة رسمية من (حماس) كشفت عن خطة عملها: زرع الفتنة بيننا، واستخدام الحرب النفسية ضد عائلات الرهائن، وممارسة الضغط السياسي الداخلي والخارجي على الحكومة الإسرائيلية، وتمزيقنا من الداخل».

انتصرت رواية نتنياهو. تلاشت الاحتجاجات، وخف الضغط من أجل وقف إطلاق النار. بالنسبة لنتنياهو، كان ذلك بداية سلسلة من الانتصارات أعادت له بعض هيبته المفقودة، وأمنت ائتلافه ومددت حياته السياسية. أولاً، أشرف على هزيمة مذهلة لـ«حزب الله» حيث دمرت إسرائيل قيادة الحزب، وقلصت نفوذه على المجتمع اللبناني ودمرت معظم ترسانته. ثم، في معركة قصيرة مع إيران في أكتوبر 2024، سبقت الصراع الشامل في يونيو الماضي، تمكنت إسرائيل من تدمير جزء كبير من نظام الدفاع الجوي الإيراني؛ مما أضعف التهديد الإيراني بشكل كبير.

في غزة، خلال اشتباك مع مقاتلي «حماس» في جنوب غزة في منتصف أكتوبر، اكتشف الجنود الإسرائيليون أنهم قتلوا يحيى السنوار قائد «حماس» في غزة وأحد مهندسي هجوم 7 أكتوبر.

ومع ضعف «حزب الله» وإيران بفعل هجمات إسرائيل، لم يتمكن أي منهما من حماية الرئيس السوري بشار الأسد من تقدم المعارضة في ديسمبر، مما أدى إلى الإطاحة بعدو آخر قديم لإسرائيل.

عندما وقف نتنياهو أخيراً في قفص الاتهام في محاكمته بتهم الفساد، لأول مرة منذ بدء التحقيقات في 2016، بدا وكأنه منتش. كان خطابه للمحكمة أشبه بالتطهير النفسي: فرصة ليست فقط للدفاع عن نفسه ضد تهم الفساد، بل أيضاً لتصوير مستقبل الدولة على أنه مرتبط بمصيره هو. قال نتنياهو: «أنا مصدوم من حجم هذا العبث». وأضاف: «أنا رئيس الوزراء، أدير دولة، أدير حرباً. لا أنشغل بمستقبلي، بل بمستقبل دولة إسرائيل».

«العملية بأكملها غير قانونية»

جاءت أكبر دفعة سياسية لنتنياهو داخلياً في سبتمبر 2024، عندما وافق جدعون ساعر، زعيم معارض، على دعم أغلبية نتنياهو بإدخال حزبه الصغير إلى الائتلاف الحاكم. فجأة أصبح من الأصعب على بن غفير وسموتريتش فرض شروطهما: باتت الحكومة قادرة على البقاء حتى لو غادر أحدهما أو كلاهما.

مع مساحة مناورة أكبر بكثير، وافق نتنياهو أخيراً على هدنة في يناير 2025، بتشجيع من الرئيس المنتخب ترمب ومبعوثه للشرق الأوسط ستيف ويتكوف.

كان نص الاتفاق شبه مطابق للنسخة التي رفضها نتنياهو في أبريل السابق. استقال بن غفير احتجاجاً، وأخذ معه مجموعته الصغيرة من النواب. لكن مع وجود ساعر، لم يعد بن غفير ضرورياً لبقاء نتنياهو، على الأقل مؤقتاً.

بحلول مارس، تغيرت حسابات نتنياهو السياسية مرة أخرى. هدد أعضاء الائتلاف من المتدينين المتشددين بإسقاط الحكومة، غاضبين من غياب التنازلات لمجتمعهم في الميزانية الجديدة. عرض بن غفير العودة لدعم ائتلاف نتنياهو بشرط استئناف الحرب.

في 18 مارس، بدأ سلاح الجو الإسرائيلي قصفاً مكثفاً على غزة، منهياً وقف إطلاق النار. في اليوم التالي، عاد بن غفير إلى الائتلاف. أُقرت ميزانية نتنياهو. نجت الحكومة. واستمرت الحرب.

ثم بدأت مرحلة الاستحواذ على السلطة. شبه نتنياهو نفسه بترمب، وأعاد إحياء خطة الإصلاح القضائي المثيرة للجدل، التي تعطلت بسبب اندلاع الحرب، لإعطاء السياسيين سيطرة أكبر على تعيين قضاة المحكمة العليا. وقبل كل شيء، سعى لإقالة أو تقييد المسؤولين الذين هددوا مستقبله الشخصي أو عرقلوا سياسات حكومته.

كتب في مارس على منصة «إكس»: «في أميركا وإسرائيل، عندما يفوز زعيم يميني قوي في الانتخابات، تقوم الدولة العميقة اليسارية بتسليح النظام القضائي لإحباط إرادة الشعب. لن ينجحوا في أي من البلدين».

كان رونين بار مدير «الشاباك»، أول المستهدفين. في 20 مارس، اليوم التالي لعودة بن غفير، عقد نتنياهو اجتماعاً حكومياً لإقالة بار. اجتمع الوزراء حول طاولة خشبية طويلة في قاعة الحكومة بالقدس، تحت صورة تيودور هرتزل ونسخة من إعلان استقلال إسرائيل. ألقى نتنياهو خطاباً عدّه مراقبون إعلان حرب على مؤسسات الرقابة في إسرائيل.

صوّر نتنياهو قرار إقالة بار على أنه مهني. أشار إلى فشل بار في منع هجوم 7 أكتوبر.

ومع استمرار الحرب، قال نتنياهو إن بار فشل في تمثيل مصالح إسرائيل بشكل صحيح في الدبلوماسية السرية التي شارك فيها طوال الحرب. وأخيراً، أضاف أن بار تجاوز صلاحياته المهنية بالدعوة إلى لجنة تحقيق رسمية في إخفاقات 7 أكتوبر.

ومع ذلك، أغفل نتنياهو تفصيلاً مهماً: قراره بإقالة بار كان يمثل تضارب مصالح. لعدة أشهر، كان بار يحقق مع عدد من مساعدي نتنياهو، وكان نتنياهو يحاول إقالته قبل انتهاء تلك التحقيقات.

دار اثنان من التحقيقات حول الوثيقة المسربة إلى صحيفة «بيلد» الألمانية. وكان تحقيق آخر حول ما إذا كان فيلدشتاين وأينهورن وأوريخ، مدير اتصالات نتنياهو، قد تلقوا جميعاً أموالاً من لوبي قطري في أثناء عملهم في الحكومة الإسرائيلية. كما كان «الشاباك» يقيّم ما إذا كانت وزارة بن غفير، المسؤولة عن الشرطة، قد اخترقها أنصار جماعة يهودية إرهابية، بينما كانت الشرطة تحقق في تعديل سجلات مكالمات نتنياهو صباح 7 أكتوبر.

رئيس جهاز الأمن الداخلي في إسرائيل رونين بار (رويترز)

في النقاش الحكومي، الذي يُبلغ عنه هنا لأول مرة بهذا التفصيل، تجاهل نتنياهو ووزراؤه كل ذلك. تحدث كل واحد منهم دون تردد مؤيداً لإقالة بار.

في النهاية، تحدث شخص واحد فقط ضد الاقتراح، المستشارة القانونية للحكومة غالي بهراف - ميارا. كانت واضحة: بمحاولة إقالة بار، يواجه نتنياهو تضارب مصالح. خلصت إلى أن «هذه العملية برمتها غير قانونية».

بعد ثلاثة أيام، مررت الحكومة بالإجماع تصويتاً بحجب الثقة عن بهراف - ميارا، وهي الخطوة الأولى في عملية طويلة لإقالتها.

المستشارة القانونية للحكومة الإسرائيلية غالي بهراف - ميارا (فيسبوك)

وبعدما ازادت ثقته وقوته، أصبح نتنياهو مستعداً لإحدى أخطر المهام العسكرية في تاريخ إسرائيل. لعقود، كان يحلم بتدمير البرنامج النووي الإيراني. خلال فترة سابقة بصفته رئيس وزراء، خطط لهجوم كبير على إيران لكنه ألغاه في النهاية خوفاً من فشل الجيش في تنفيذ المهمة.

كانت إيران في وضع ضعيف بشكل غير معتاد. هُزم حلفاؤها الإقليميون أو أُضعفوا، وتضررت دفاعاتها الجوية بفعل هجمات إسرائيلية سابقة. وكان الوقت ينفد: بدأ ترمب التفاوض مع إيران للحد من برنامجها النووي، وكجميع الرؤساء الأميركيين قبله، عارض شن ضربة. إذا تم التوصل لاتفاق، فقد تُغلق نافذة الهجوم نهائياً.

صورة حملها نتنياهو حول برنامج إيران النووي خلال كلمته أمام الجمعية العامة في سبتمبر 2012 (رويترز)

لكن مع استمرار المفاوضات، بدأ ترمب يعيد التفكير. في أوائل يونيو، قرر نتنياهو المضي في الهجوم. بعد أن أشرف على أسوأ إخفاق عسكري في تاريخ إسرائيل، كان نتنياهو يقترب من الخلاص السياسي.

ومع ذلك، وقبل انطلاق الطائرات الحربية نحو إيران، كان على نتنياهو حل مشكلة داخلية. كان عدد من النواب في ائتلافه الهش، غير مدركين للخطة السرية، على وشك إسقاط الحكومة. وكما حدث في أزمة مارس، كان هؤلاء النواب من اليهود المتدينين المتشددين (الحريديم). هذه المرة، كانوا غاضبين من مقترحات إنهاء الإعفاء من الخدمة العسكرية. خططوا للانضمام للمعارضة في تصويت لحل الكنيست، ما كان سيؤدي لانتخابات جديدة، وكان التصويت على وشك النجاح.

بعد أيام، الاثنين 9 يونيو، نفذ نتنياهو مناورة سياسية من النوع الذي أبقاه في السلطة بصفته أطول رؤساء وزراء إسرائيل خدمة. جالساً في مكتبه الصغير بمقر الجيش في تل أبيب، حيث يقضي جزءاً من الأسبوع، طلب من مساعده الاتصال بموشيه غافني، زعيم أحد الأحزاب الحريدية في ائتلافه. بعد أن أجاب غافني، ناوله المساعد الهاتف ودعاه نتنياهو للاجتماع فوراً.

وصل غافني إلى المكتب نحو السادسة مساءً، وقدم له ورقة ليوقع عليها. كانت اتفاقية عدم إفصاح، كثيراً ما تستخدم في الجيش الإسرائيلي، وهي تلزم الموقع بالحفاظ على سرية معلومات عسكرية، وقع غافني وكشف له نتنياهو عن خطة مهاجمة إيران بعد أربعة أيام.

بعد يومين، صوت حزب غافني لصالح بقاء الحكومة، ونجا نتنياهو بصفته رئيساً للوزراء. وبعد أقل من 24 ساعة، أقلعت الطائرات الحربية الإسرائيلية نحو إيران، لتبدأ أعظم فصل في مسيرة نتنياهو السياسية.

أظهرت هذه المناورة المتعددة الأوجه نتنياهو في ذروة قوته السياسية. أبرزت سعيه الدائم لضمان بقائه السياسي عبر استرضاء ومناورة الحلفاء داخل ائتلافه والمستفيدين في الإدارة الأميركية، غالباً في آن واحد. وأظهرت التداخل المتكرر بين أهدافه الشخصية واحتياجاته السياسية والمصلحة الوطنية.

وأبرزت كيف استخدم نتنياهو الحرب، سواء في غزة أو لبنان أو في إيران، جزئياً للبقاء في السلطة.

قال إسرائيل كوهين، مذيع إذاعي حريدي ومقرب من غافني: «كانت خطة ضرب إيران هي الشيء الوحيد الذي منع الحريديم من حل الحكومة، وبيبي (نتنياهو) كان يعرف ذلك».

«الإنجازات الهائلة في غزة»

خلال 12 يوماً من الحرب مع إيران، ألحقت إسرائيل أضراراً دائمة ببرامج إيران النووية والصاروخية، وأقنعت ترمب في النهاية بإرسال قاذفات أميركية، هي الأقوى في العالم، لاستكمال المهمة.

ورغم أن مدى الضرر لا يزال غير واضح، فقد عُدّ الهجوم في إسرائيل انتصاراً سريعاً. حتى أشد منتقدي نتنياهو المحليين أشادوا بجرأته في بدء الهجوم وحنكته في إقناع ترمب بالمشاركة.

فجأة، أصبح حزب نتنياهو في وضع انتخابي أقوى من أي وقت منذ بدء حرب غزة. وأثار ذلك تكهنات بأنه قد يحصل أخيراً على حرية سياسية لتجاهل حلفائه من اليمين المتطرف، والموافقة على هدنة في غزة، والدعوة لانتخابات جديدة.

قال نتنياهو في خطاب بعد نهاية الحرب مع إيران: «في 7 أكتوبر، وقفنا على حافة الهاوية. واجهنا أبشع كارثة في تاريخ دولتنا. لكن بفضل الجهود المشتركة للحكومة وقوات الأمن وأنتم - الشعب - تمكنا من التعافي والرد بقوة».

ومع أن انتصاره الظاهري في إيران منحه وقتاً وخيارات في إسرائيل، فإن أفعاله في غزة قد تكون ما سيحدد إرثه عالمياً. سواء انتهت الحرب في غزة غداً أو بعد عدة أشهر، فقد قتلت بالفعل أكثر من 55 ألف شخص. وشُرد نحو مليوني شخص. وتضرر أو دُمر معظم المباني. الجوع منتشر. وأصبح البحث اليومي عن الطعام فخاً قاتلاً بائساً حيث يُقتل المدنيون بانتظام في أثناء اقترابهم من مواقع توزيع المساعدات القليلة.

ترى صحيفة «نيويورك تايمز» أن هجوم «حماس» على إسرائيل هو ما أشعل الحرب. وفي ردوده الأولى على «حماس» في أكتوبر 2023، تصرف نتنياهو كما كان سيفعل أي رئيس وزراء إسرائيلي في مكانه. لكن مع تحول الصراع من معركة وجودية إلى حرب استنزاف، ومع تشكيك قادة إسرائيليين آخرين في منطق استمرارها، كان نتنياهو هو من أطال أمدها. كان هو من رفض التخطيط لنقل السلطة بعد الحرب، وكان هو من أجّل مراراً التوصل إلى هدنة. خوفاً على بقائه السياسي، وربط مصيره بأحلام المتطرفين الإسرائيليين وأطال أمد الحرب للحفاظ على دعمهم.

وبفضل سلسلة من الأحداث غير المتوقعة، أصبحت إسرائيل، وفق بعض التفسيرات، أكثر أماناً نتيجة لذلك. لم يكن انتصار إسرائيل على «حزب الله»، وانهيار نظام الأسد في سوريا، وإضعاف إيران ليحدث لو انتهت الحرب في صيف 2024. ومع أن نتنياهو لم يكن ينوي في البداية تحقيق هذه الانتصارات، فقد كان مرناً بما يكفي لاقتناص الفرص حينما ظهرت فجأة في لبنان وإيران، واتخذ إجراءات جريئة ارتقت إلى مستوى اللحظة.

لكن من نواحٍ أخرى، أصبحت إسرائيل أقل أماناً من أي وقت مضى. سمعتها في أدنى مستوياتها على الإطلاق. تنظر محكمة العدل الدولية فيما إذا كانت إسرائيل، التي تأسست بعد محرقة، مذنبة بارتكاب محرقة أخرى. وأصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة اعتقال بحق نتنياهو نفسه. أشرف نتنياهو على واحدة من كوارث القرن الحادي والعشرين، تلك التي من المرجح أن تلطخ اسم إسرائيل لعقود.

لكن بالنسبة لنتنياهو، بقيت فائدة واحدة دائمة، لقد نجا.


مقالات ذات صلة

إضراب عام للعرب في إسرائيل احتجاجاً على تفاقم الجرائم

شؤون إقليمية مواطنون عرب يتظاهرون في سخنين شمال إسرائيل يوم الخميس احتجاجاً على انتشار الجريمة بالبلدات العربية (رويترز) play-circle

إضراب عام للعرب في إسرائيل احتجاجاً على تفاقم الجرائم

بدأ مواطنون عرب في إسرائيل، الخميس، إضراباً عاماً للاحتجاج على الانتشار الهائل للجريمة المنظمة في البلدات العربية، واتهموا الحكومة بالامتناع عن وقفها.

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية وزير التعاون الإقليمي الإسرائيلي حينها تساحي هنغبي (ومستشار الأمن القومي لاحقاً) خلال فعالية في بروكسل ببلجيكا يوم 31 يناير 2018 (رويترز)

هنغبي يدعو نتنياهو للاستعجال في التوصل إلى اتفاق «تفاهمات أمنية» مع سوريا

دعا الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي بالحكومة الإسرائيلية تساحي هنغبي، رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى الاستعجال في التوصل لاتفاق مع سوريا.

«الشرق الأوسط» (تل ابيب)
المشرق العربي الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أثناء مؤتمر صحافي مشترك في بالم بيتش بفلوريدا 29 ديسمبر 2025 (رويترز) play-circle

«حماس» تندد بضم نتنياهو لـ«مجلس السلام»

عبّرت حركة «حماس» عن استنكارها الشديد لضم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى «مجلس السلام» بشأن غزة، واصفة ذلك بأنه «مؤشر خطير». 

«الشرق الأوسط» (غزة)
تحليل إخباري كلمة «حرب؟» كتبت على كتلة خرسانية على الجانب الإسرائيلي مع غزة في جنوب إسرائيل يوم الأربعاء (رويترز) play-circle

تحليل إخباري نتنياهو ينحني مؤقتاً لـ«المرحلة الثانية»... ويراهن على تعثر نزع سلاح «حماس»

روج مساعدون ومقربون من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى ضرورة الانتقال إلى المرحلة الثانية فوراً، لأن «الجمود الحالي يخدم (حماس)».

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في أثناء مؤتمر صحافي مشترك في بالم بيتش بفلوريدا وهو اللقاء الخامس بينهما 29 ديسمبر 2025 (رويترز)

نتنياهو يقبل دعوة ترمب إلى المشاركة في «مجلس السلام»

قبل رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى المشاركة في «مجلس السلام» الخاص بقطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

إسرائيل ترسخ اعترافها بـ«أرض الصومال» بلقاء هرتسوغ ورئيس الإقليم الانفصالي

الرئيس الإسرائيلي يلتقي قائد إقليم أرض الصومال الانفصالي على هامش منتدى دافوس (حساب هرتسوغ على إكس)
الرئيس الإسرائيلي يلتقي قائد إقليم أرض الصومال الانفصالي على هامش منتدى دافوس (حساب هرتسوغ على إكس)
TT

إسرائيل ترسخ اعترافها بـ«أرض الصومال» بلقاء هرتسوغ ورئيس الإقليم الانفصالي

الرئيس الإسرائيلي يلتقي قائد إقليم أرض الصومال الانفصالي على هامش منتدى دافوس (حساب هرتسوغ على إكس)
الرئيس الإسرائيلي يلتقي قائد إقليم أرض الصومال الانفصالي على هامش منتدى دافوس (حساب هرتسوغ على إكس)

بعد أقل من شهر، من أزمة «الاعتراف» بـ«أرض الصومال»، وسَّعت إسرائيل من علاقاتها بالإقليم الانفصالي بلقاء جمع الرئيس إسحاق هرتسوغ مع قائد الإقليم عبد الرحمن عبد الله عرو، في خطوة عدَّها محللون «متعمدة».

فقد التقى هرتسوغ، الخميس، على هامش «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس بسويسرا، مع قائد إقليم «أرض الصومال» الانفصالي، وكتب عبر منصة «إكس»: «سُررتُ بلقاء الرئيس عبد الرحمن عبد الله رئيس أرض الصومال هنا في دافوس»، مضيفاً: «أُرحب بإقامة العلاقات الدبلوماسية بين بلدينا، وأتطلع إلى تعزيز تعاوننا الثنائي لما فيه مصلحة شعبينا».

تلك الخطوة يراها خبير في الشؤون الأفريقية، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، «متعمدة من إسرائيل لزيادة ترسيخ اعترافها بالإقليم الانفصالي، لأهداف متعلقة بإيجاد نفوذ في البحر الأحمر»، متوقعاً ثلاثة سيناريوهات لذلك المسار، أرجحها «استمرار التعاون بلا اعتراف فعلي عبر مكاتب»، وأضعفهم «تراجع إسرائيل عن الاعتراف حال زادت كلفة ذلك التعاون».

هرتسوغ وعرو في دافوس (حساب هرتسوغ على إكس)

وقال المحلل السياسي الصومالي عبد الولي جامع بري: «إسرائيل بهذا اللقاء تصر على ترسيخ علاقتها مع إقليم أرض الصومال الانفصالي»، مشيراً إلى أن إصرار إسرائيل لا يرتبط فقط بـ«الاعتراف» بحدّ ذاته، بل بسياق استراتيجي أوسع.

ولفت إلى أن الإقليم يقع على باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وقال إن إسرائيل «ترى القرن الأفريقي امتداداً مباشراً لأمنها البحري، خاصة مع تهديدات الحوثيين والنفوذ الإيراني واضطراب الملاحة في البحر الأحمر، فضلاً على أنها تريد اختراق الصومال لإضعاف الإجماع العربي والموقف الأفريقي الداعم لوحدة الدول».

وتوالت المواقف العربية والأفريقية الرافضة للاعتراف الإسرائيلي بالإقليم الانفصالي في 26 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والتي تشدد على ضرورة عدم المساس بسيادة ووحدة الصومال.

وبعد ثلاثة أسابيع من اعتراف إسرائيل بـ«أرض الصومال»، شارك الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود في مراسم تنصيب رئيس ولاية شمال شرقي الصومال، عبد القادر أحمد أوعلي، معلناً في كلمة أن تلك الولاية باتت «عضواً كامل العضوية في جمهورية الصومال الفيدرالية»، وسط تقديرات مراقبين بأنها رسالة لأرض الصومال.

وتضم ولاية شمال شرقي الصومال أجزاء من ثلاث محافظات هي صول وسناج وعين، وعاصمتها لاسعانود التي تُعد عاصمة إقليمية متنازعاً عليها مع إقليم أرض الصومال الانفصالي. وكان إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يسيطر على لاسعانود منذ عام 2007، لكن قواته اضطرت إلى الانسحاب منها بعد اشتباكات عنيفة مع القوات الصومالية وميليشيات مُوالية لمقديشو خلَّفت عشرات القتلى في 2023.

وكانت زيارة حسن شيخ محمود هي الأولى التي يُجريها رئيس في المنصب للمنطقة منذ نحو 50 عاماً.

ثلاثة سيناريوهات

ويرى المحلل السياسي جامع بري احتمال استمرار إسرائيل في تنمية علاقاتها مع أرض الصومال علناً رغم الرفض العربي والغربي، موضحاً أن الرفض «قائم على احترام وحدة الصومال والخشية من سابقة انفصالية، لكنه لا يزال سياسياً لفظياً أكثر منه عملياً، ولا توجد أدوات ضغط حقيقية تُمارس على إسرائيل في هذا الملف».

ويرجح بري ثلاثة سيناريوهات محتملة لاستمرار التواصل الإسرائيلي، يتمثل الأول في تعاون عبر لقاءات علنية على هامش المنتديات، وتعاون أمني وتقني ومساعدات اقتصادية محدودة دون اعتراف رسمي عبر مكاتب لتجنب صدام مع أفريقيا وإرباك علاقاتها مع دول عربية، وهو السيناريو الأرجح.

ويتمثل الثاني، بحسب بري، في تصعيد تدريجي مشروط، «وقد تلجأ إسرائيل إلى فتح مكاتب تمثيلية غير دبلوماسية ودعم دول أخرى للاعتراف وربط الملف بترتيبات أمن البحر الأحمر... لكن هذا مرهون بضعف الموقف الصومالي الرسمي وتصاعد الصراع الإقليمي».

والسيناريو الثالث، وهو الأضعف في رأيه، فيتمثل في تراجع إسرائيل عن مسار الاعتراف، «وهذا يحدث فقط إذا تحركت الدبلوماسية الصومالية بقوة، وإذا تبلور موقف عربي أفريقي عملي، وارتفعت كلفة الخطوة على إسرائيل دولياً».

ويخلص بري إلى أن إسرائيل لا تسعى بالضرورة إلى اعتراف فوري، بل تستهدف ترسيخ أمر واقع سياسي وأمني طويل المدى.


«إصبع على الزناد»... إيران تحذر وترمب يترك باب التفاوض مفتوحاً

إسكافي يصلح أحذية يجلس أمام مبانٍ حكومية احترقت خلال الاحتجاجات العامة الأخيرة في طهران (أ.ف.ب)
إسكافي يصلح أحذية يجلس أمام مبانٍ حكومية احترقت خلال الاحتجاجات العامة الأخيرة في طهران (أ.ف.ب)
TT

«إصبع على الزناد»... إيران تحذر وترمب يترك باب التفاوض مفتوحاً

إسكافي يصلح أحذية يجلس أمام مبانٍ حكومية احترقت خلال الاحتجاجات العامة الأخيرة في طهران (أ.ف.ب)
إسكافي يصلح أحذية يجلس أمام مبانٍ حكومية احترقت خلال الاحتجاجات العامة الأخيرة في طهران (أ.ف.ب)

حذّر قائد «الحرس الثوري» الإيراني، الخميس، واشنطن من أن قواته «إصبعها على الزناد» في أعقاب الاحتجاجات الجماهيرية، في وقت قال فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن طهران لا تزال تبدو مهتمة بإجراء محادثات.

وتبادلت إيران والولايات المتحدة في الأيام الأخيرة التهديدات بشنّ حرب واسعة النطاق إذا قُتل أي من زعيمي البلدين. ويأتي ذلك في ظل احتجاجات، اتهمت طهران واشنطن بتأجيجها، وبعد أن هدّد ترمب بعمل عسكري إذا قُتل مزيد من المتظاهرين في حملة القمع.

وكان ترمب قد أبقى مراراً خيار شنّ عمل عسكري جديد ضد إيران مفتوحاً، بعدما دعمت واشنطن وانضمت إلى حرب إسرائيل التي استمرت 12 يوماً في يونيو (حزيران) الماضي، وهدفت إلى إضعاف البرامج النووية والصاروخية الإيرانية.

وهزّت احتجاجات استمرت أسبوعين، وبدأت في أواخر ديسمبر (كانون الأول)، المؤسسة الحاكمة بقيادة المرشد علي خامنئي، قبل أن تخمد الحركة في مواجهة حملة قمع، يقول ناشطون إنها أسفرت عن مقتل الآلاف، وترافقت مع قطع غير مسبوق للإنترنت على مستوى البلاد.

ويبدو أن احتمال تحرّك أميركي فوري ضد طهران قد تراجع خلال الأسبوع الماضي، مع إصرار الجانبين على إعطاء الدبلوماسية فرصة، حتى مع ما أوردته وسائل إعلام أميركية عن أن ترمب لا يزال يدرس خياراته.

وقال ترمب، في كلمة ألقاها أمام منتدى دافوس، إن الولايات المتحدة ضربت مواقع إيرانية لتخصيب اليورانيوم العام الماضي لمنع طهران من صنع سلاح نووي. وتنفي إيران أن برنامجها النووي يهدف إلى صنع قنبلة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يرتب سترته وهو يغادر مركز المؤتمرات خلال الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس (أ.ف.ب)

وذكّر ترمب بالضربات الأميركية على منشآت تخصيب اليورانيوم في إيران العام الفائت، مؤكداً «عدم السماح» لطهران بأن تمتلك سلاحاً نووياً، وأضاف: «إيران تريد التفاوض، وسنتفاوض».

وقبل ذلك بساعات، شدّد ترمب في مقابلة ‌مع شبكة «‍سي إن بي سي» أنه على إيران وقف مساعيها لامتلاك سلاح نووي، مؤكداً أن واشنطن تراقب ما ستفعله طهران في هذا الشأن، ومجدداً تحذيره من احتمال اتخاذ إجراءات لاحقة إذا لم تتوقف هذه الجهود.

وقال ترمب إن قوات الأمن كانت تطلق النار عشوائياً في الشوارع، مضيفاً أن إيران أوقفت قتل المتظاهرين بعدما وجّه لها تحذيراً الأسبوع الماضي بإمكانية اتخاذ إجراءات عسكرية. وأشار إلى أن طهران «كانت تعتزم شنق 837 شخصاً»، قبل أن يتدخل، قائلاً إنه أبلغها بعدم جواز ذلك، معرباً عن أمله في ألا تُتخذ خطوات إضافية.

ومن دافوس، قال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي إن بلاده تدعو إلى تهيئة الظروف اللازمة لاستئناف الحوار بين الولايات المتحدة وإيران، مؤكداً أهمية خفض التصعيد وبناء الثقة لإتاحة فرصة حقيقية للحلول الدبلوماسية. وجاء ذلك بعد لقاء مع مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي واتصالات أجراها مع نظيريه الفرنسي جان - نويل بارو، والإيراني عباس عراقجي.

وقال السيناتور الأميركي، ليندسي غراهام، إن الرهان على إمكانية تغيير سلوك القيادة الإيرانية والتوصل إلى اتفاق معها «وهمٌ خطير»، معتبراً أن من يعتقد إمكانية ذلك «لا يفهم تاريخ النظام وطبيعته».

وشبّه غراهام فكرة التفاهم مع طهران بمحاولات عقد صفقة مع أدولف هتلر، مؤكداً أن «الشر لا يساوم بل يُواجه». ودعا إلى دعم الشعب الإيراني بوصفه الخيار الصحيح في التعامل مع الأزمة، منتقداً أي مقاربات تقوم على استرضاء النظام أو التعويل على تحول في نهجه.

وفي مواجهة اتسمت بتصريحات متقلبة، كان ترمب قد حذّر، الثلاثاء، قادة إيران من أن الولايات المتحدة «ستمحوهم من على وجه الأرض» إذا وقع أي هجوم على حياته، رداً على ضربة تستهدف خامنئي.

«أهداف مشروعة»

وحذّر قائد «الحرس الثوري»، الجنرال محمد باكبور، إسرائيل والولايات المتحدة من «أي سوء تقدير»، داعياً إلى «التعلم من التجارب التاريخية وما تعلّموه في الحرب المفروضة التي استمرت 12 يوماً، حتى لا يواجهوا مصيراً أكثر إيلاماً وندماً»، حسبما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية.

وقال باكبور: «إن (الحرس الثوري) وإيران العزيزة يضعان إصبعهما على الزناد، في أعلى درجات الجاهزية، ومستعدّين لتنفيذ أوامر وتدابير القائد الأعلى للقوات المسلحة، المرشد هو أعزّ عليهم من أرواحهم»، في إشارة إلى خامنئي.

وجاءت تصريحاته في بيان مكتوب، نقلته وسائل الإعلام الرسمية، بمناسبة اليوم الوطني للاحتفاء بـ«الحرس الثوري»، القوة المكلفة بحماية ثورة عام 1979 من التهديدات الداخلية والخارجية.

متظاهرون يتجمعون وسط احتجاجات مناهضة للحكومة في طهران في 9 يناير (رويترز)

وتولى باكبور قيادة «الحرس الثوري» العام الماضي بعد مقتل سلفه حسين سلامي، أحد أبرز القادة العسكريين، في أولى الضربات الإسرائيلية خلال حرب الـ12 يوماً، وهي خسائر كشفت عن اختراق استخباراتي إسرائيلي عميق داخل الجمهورية الإسلامية.

وفي تحذير موازٍ، قال قائد العمليات المشتركة في هيئة الأركان، غلام علي عبداللهي، إن إيران سترد «بشكل سريع ودقيق ومدمّر» على أي هجوم يستهدف أراضيها أو أمنها أو مصالحها، محذراً من أن أي «خطأ في الحسابات» سيحوّل فوراً المصالح والقواعد ومراكز النفوذ الأميركية إلى «أهداف مشروعة».

ونقلت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري»، قوله إن مرحلة «الضرب والإفلات انتهت»، وإن أي ردّ إيراني مقبل سيكون «أسرع وأدق وأكثر تدميراً» مما يتصوره الخصوم.

وفي إشارة إلى احتمال ضرب المنشآت الصاروخية الإيرانية، قال عبداللهي إن القدرات الدفاعية الإيرانية «حقيقية وفاعلة وغير قابلة للمساس»، وترتكز إلى «إرادة وطنية وقدرات محلية»، مشيراً إلى أنها عطّلت الحسابات الاستراتيجية للخصوم، وأُثبتت عملياً في ميادين المواجهة. وأضاف أن إيران «لن تكون البادئة بالحرب»، لكنها ستقدّم «رداً قاسياً ومُندماً» على أي عمل عدائي.

وحمّل عبداللهي الولايات المتحدة وإسرائيل مسؤولية «سوء تقدير استراتيجي» عبر دعم ما وصفه بـ«الفتن والأعمال الإرهابية». كما قال إن التهديدات الأميركية قوبلت بانتقادات داخلية حتى في الكونغرس، في مؤشر على «تراجع وعزلة» السياسات الأميركية.

من جانبه، قال وزير الخارجية عباس عراقجي، في مقال رأي لافت نُشر الثلاثاء في صحيفة «وول ستريت جورنال»، إن إيران «لن تضبط ردّها» إذا تعرّضت لهجوم، لكنه أضاف أنها «كانت دائماً مستعدة لمفاوضات حقيقية وجدية».

مراجع تدعم خامنئي

انتقد المرجع الديني ناصر مكارم شيرازي بشدة تهديدات الولايات المتحدة ضد إيران والمرشد علي خامنئي، معتبراً أنها «غير قابلة للتحمّل» وستواجه «رداً حاسماً». وقال، في بيان، إن «قادة أميركا في نهاية الضعف، ومن باب الحماقة باشروا تهديد قائد الثورة»، عادّاً التهديد «مصداقاً للمحاربة».

امرأة تمر أمام مبنى حكومي احترق خلال الاحتجاجات العامة الأخيرة في طهران الأربعاء (أ.ف.ب)

وقال مكارم شيرازي، الذي تربطه صلات وثيقة بخامنئي: «كل شخص أو نظام يهدد القيادة والمرجعية أو يتعرض لهما (...)، فإن حكمه حكم المحارب».

ووجّه مكارم شيرازي انتقادات حادة لسياسات ترمب، قائلاً إن «رئيس الولايات المتحدة أسير الأوهام، ورأس مال ترمب الأساسي هو الكذب»، مضيفاً أن «التفاوض مع أميركا التي لا تلتزم بأي تعهد ليس منطقياً ولا عقلانياً». واعتبر العقوبات دليلاً على ضعف الولايات المتحدة، مؤكداً أنها «ستفقد فاعليتها أمام مقاومة الشعب والمسؤولين».

كما شدّد على أن الحفاظ على الوحدة الوطنية بات أكثر إلحاحاً، مع إقراره بأن الأوضاع المعيشية الصعبة وغلاء الأسعار وعدم استقرارها تمثل أسباباً رئيسية للسخط الاجتماعي. لكنه حذّر من أن الاحتجاجات «لا ينبغي أن تتحول إلى أرضية لاستغلال الأعداء».

ومن جانبه، قال المرجع حسين نوري همداني، وهو من أبرز مراجع قم الداعمة لخامنئي، إن رئيس الولايات المتحدة «يأتي علناً ليمنح مثيري الشغب الأمل» ويهدد قائد النظام، مضيفاً أنه «لا يستحق الردّ»، لكنه شدّد على أن أي تعرض للمرشد «يُعدّ محاربة».

ونقلت وسائل إعلام إيرانية عنه قوله، خلال لقائه أئمة جماعات في طهران، إن «مسؤولية رجال اليوم بالغة الأهمية في مرحلة، شنّ فيها العدو هجوماً كاملاً عبر الفضاء الافتراضي»، داعياً المؤسسة الدينية إلى «الحضور في الساحة» وعدم الاكتفاء بالدور التقليدي.

وانتقد نوري همداني صمت بعض «الخواص» أو تأخرهم في إعلان مواقفهم خلال «الفتن»، معتبراً أن ما جرى «لا يفسَّر بدوافع اقتصادية فقط»، ومشيراً إلى أن من «قتل الناس وأحرق الممتلكات لم يكن من عامة الشعب»، رغم إقراره بصعوبة الأوضاع المعيشية. ووصف دعم المرشد بـ«واجب شرعي»، وشدّد على ضرورة «الانسجام الداخلي».

إيرانيون يشاركون في جنازة عناصر أجهزة الأمن الذين قُتلوا في الاحتجاجات في 14 يناير (رويترز)

«زرّ القتل الوطني»

وفي إعلانهم أول حصيلة رسمية للاحتجاجات، قالت السلطات الإيرانية، الأربعاء، إن 3117 شخصاً قُتلوا.

وسعت مؤسسة «الشهداء والمحاربين القدامى» الإيرانية، في بيان، إلى التمييز بين «الشهداء» – وقالت إنهم من عناصر قوات الأمن أو مدنيين أبرياء – وبين ما وصفته بـ«المشاغبين» المدعومين من الولايات المتحدة.

ومن أصل 3117 قتيلاً، قالت المؤسسة إن 2427 شخصاً هم من «الشهداء». وصنّفت السلطات 690 شخصاً ضمن «الإرهابيين ومثيري الشغب وأولئك الذين هاجموا مواقع عسكرية».

لكن منظمات حقوقية تؤكد أن الحصيلة المرتفعة نتجت عن إطلاق قوات الأمن النار مباشرة على المتظاهرين، مشيرة إلى أن العدد الفعلي للقتلى قد يكون أكثر من المعلن، وربما يتجاوز 20 ألفاً.

وقالت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان (هرانا)، وهي منظمة حقوقية تتخذ من الولايات المتحدة مقراً، إنها تحققت حتى الآن من مقتل 4902 شخصاً في الاضطرابات. وتراجع «هرانا» 9049 حالة وفاة إضافية. وقالت الوكالة، تم اعتقال ما لا يقل عن 26541 شخصاً.

من جانبها، قالت منظمة «حقوق الإنسان في إيران»، ومقرها أوسلو، إنها تحققت من مقتل 3428 شخصاً على الأقل. وتحذّر المنظمة من أن حصيلتها الحالية لا تعكس العدد الحقيقي للضحايا.

وقال مدير المنظمة، محمود أميري مقدم، إن «جميع الأدلة التي تظهر تدريجيا من داخل إيران تُظهر أن العدد الحقيقي للأشخاص الذين قُتلوا في الاحتجاجات أعلى بكثير من الرقم الرسمي»، مضيفا أن حصيلة السلطات «لا تحظى بأي مصداقية على الإطلاق».

وقال مسؤول إيراني لـ«رويترز»، الأحد، إن عدد القتلى المؤكد حتى يوم الأحد بلغ أكثر من 5 آلاف قتيل، منهم 500 من قوات الأمن.

وأعاقت محاولات التحقق من حجم الخسائر عملية قطع الإنترنت على المستوى الوطني، إذ قالت منظمة «نت بلوكس»، المعنية بمراقبة الإنترنت، إن السلطات لجأت إلى ما وصفته بـ«زرّ القتل الوطني» منذ أسبوعين. ويدخل قطع الإنترنت أسبوعه الثالث مع حلول يوم الجمعة.

وكانت السلطات قد وعدت بإعادة خدمة الإنترنت، لكن أمين لجنة الأمن القومي التابعة لوزارة الداخلية، علي أكبر بورجمشيديان، قال للتلفزيون الرسمي، إن توقيت عودة الإنترنت والارتباط بالعالم الخارجي غير معروف بعد.

وتتهم منظمات حقوقية «الحرس الثوري» بالاضطلاع بدور متقدم في القمع الدموي للاحتجاجات. وقد صنّفت دول، من بينها أستراليا وكندا والولايات المتحدة، «الحرس الثوري» ككيان إرهابي، فيما طالبت حملات منذ سنوات الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة باتخاذ خطوات مماثلة.

وأكّدت رئيسة البرلمان الأوروبي، روبرتا ميتسولا، أن البرلمان صوّت بأغلبية ساحقة دعماً لتطلعات الشعب الإيراني، مشددة على أن «إيران يجب أن تكون حرة، وستكون كذلك».

ودعت ميتسولا السلطات الإيرانية إلى وقف العنف والقمع والقتل الجماعي للمتظاهرين السلميين، ووقف تنفيذ أحكام الإعدام فوراً، والإفراج عن جميع المعتقلين والمتظاهرين والسجناء السياسيين.

كما طالبت بمحاسبة المسؤولين عن القمع، وتصنيف «الحرس الثوري» منظمة إرهابية وملاحقة قياداته قضائياً، مؤكدة تضامن البرلمان الأوروبي مع الإيرانيين «حتى في ظل قطع الاتصالات والتعتيم».

وفي مداخلة له في دافوس، قال الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إن «مستقبل الشعب الإيراني لا يمكن أن يكون إلا في تغيير النظام»، مضيفاً أن «نظام آيات الله في وضع هشّ للغاية».


ترمب يصدم إسرائيل: «القبة الحديدية» مشروع أميركي

ترمب خلال إعلانه عن درع الدفاع الصاروخية «القبة الذهبية» في واشنطن 20 مايو 2025 (رويترز)
ترمب خلال إعلانه عن درع الدفاع الصاروخية «القبة الذهبية» في واشنطن 20 مايو 2025 (رويترز)
TT

ترمب يصدم إسرائيل: «القبة الحديدية» مشروع أميركي

ترمب خلال إعلانه عن درع الدفاع الصاروخية «القبة الذهبية» في واشنطن 20 مايو 2025 (رويترز)
ترمب خلال إعلانه عن درع الدفاع الصاروخية «القبة الذهبية» في واشنطن 20 مايو 2025 (رويترز)

أحدثت أقوال الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بأن منظومة الدفاع الصاروخي «القبة الحديدية» مشروع أميركي، وأنه طلب من رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أن يكف عن أخذ الرصيد عليها، لأنها تكنولوجيا أميركية؛ صدمة في تل أبيب، إذ اعتبرها البعض «خلطاً ما بين القبة الحديدية الإسرائيلية والقبة الذهبية الأميركية»، فيما رأى فيها آخرون «تصريحاً تجارياً يقصد به أن من يمول المشروع يكون صاحبه».

وفي كل الأحوال، أصدر نتنياهو تعليمات تمنع وزراءه وغيرهم من المسؤولين، التفوه في الموضوع، حتى لا يدخلوا في جدال مع الرئيس الأميركي.

بيد أن وسائل الإعلام العبرية لم تتردد في خوض الجدال. وراحت تؤكد أن «القبة الحديدية» هي منظومة إسرائيلية في الفكرة وفي التكنولوجيا، ولو أن الإدارة الأميركية تقدم لها تمويلاً سخياً جداً.

أرشيفية لصاروخ ينطلق من إحدى بطاريات نظام «القبة الحديدية» الدفاعي الإسرائيلي (د.ب.أ)

ووفقاً للموقع الخاص بهذا السلاح، في شركة «رفائيل» لإنتاج الأسلحة الإسرائيلية، فإن «القبة الحديدية» هي فخر الصناعة العسكرية الإسرائيلية، باعتبارها سلاحاً أحدث انعطافاً في الأسلحة المضادة للصواريخ، وكانت سابقة للعصر؛ لأنها صالحة للتصدي للطائرات المسيرة أيضاً، قبل أن تعرف هذه المسيرات كونها سلاحاً. وتعتبرها الشركة «من عجائب القرن»؛ إذ تم اختراعها وتطويرها وإدخالها للمجال العملي في غضون سنتين ونصف السنة فقط.

و«القبة الحديدية» هي منظومة دفاع جوي بالصواريخ ذات قواعد متحركة، طوّرتها شركة «رفائيل» لأنظمة الدفاع المتقدمة والهدف منها اعتراض الصواريخ قصيرة المدى والقذائف المدفعية.

طُرِحت فكرة، لأول مرة سنة 2006، إبان الحرب على لبنان، إذ وجد الجيش الإسرائيلي صعوبة في صد الصواريخ قصيرة المدى التي أطلقها «حزب الله» باتجاه إسرائيل، فأدت إلى مقتل 44 إسرائيلياً، وفي كل مرة كانت هذه الصواريخ تجبر نحو مليون إسرائيلي للهروب بهلع إلى الملاجئ. وتم طرح عدة حلول بينها إسقاط الصواريخ بالليزر. ولكن، وفي شهر فبراير (شباط) 2007، اختار وزير الدفاع الإسرائيلي في حينه، عمير بيرتس، نظام القبة الحديدية رغم تكلفته الباهظة. ورصدت الحكومة مبلغ 900 مليون دولار لتطويره. وتوجهت إلى الولايات المتحدة طالبة تخصيص ميزانية بالمبلغ نفسه لتمويله.

نظام القبة الحديدية الإسرائيلي يعمل على اعتراض الصواريخ التي يتم إطلاقها من لبنان (أرشيفية - رويترز)

وافق الرئيس الأميركي باراك أوباما، في حينه، على منح الميزانية في البداية باعتبارها جزءاً من ميزانية الدعم الأميركي السنوية، التي بلغت يومها 3.3 مليار دولار في السنة، ثم أضافها إلى هذا الدعم في ميزانية خاصة لهذا الغرض. ومنذ ذلك الوقت تدفع الولايات المتحدة مبلغ 350 مليون دولار في السنة لهذا الغرض، إضافة إلى 3.8 مليار دولار دعماً عسكرياً تقليدياً.

وقد تسلم الجيش الإسرائيلي هذه المنظومة في 2009 وأدخلها إلى العمليات الحربية لأول مرة في 2011، في مواجهة الصواريخ البدائية التي كانت تطلقها «حماس» من قطاع غزة.

وقد تمكنت من إسقاط الصواريخ بنسبة نجاح 75 في المائة، بحسب شركة «رفائيل»، وخلال عشر سنوات ارتفعت النسبة إلى 86 في المائة. وشيئاً فشيئاً أنتجت قبة حديدية خاصة لسلاح البحرية. ومنذ 2012 تبيع إسرائيل القبة الحديدية للجيش الأميركي ثم لبريطانيا ثم لدول أخرى. وجنباً إلى جنب مع تطويرها، تم العمل على تطوير سلاح يعتمد على أشعة ليزر ذي التكلفة الأرخص. وفي مطلع السنة أعلن الجيش الإسرائيلي عن إدخال المنظومة الجديدة إلى العمليات الحربية، ولكن ليس بدل القبة الحديدية، بل إلى جانبها.

منظومة القبة الحديدية تتصدى لصاروخ أطلق من قطاع غزة (أرشيفية - رويترز)

القبة الذهبية

الولايات المتحدة من جهتها، وإزاء تعاظم حرب الصواريخ، وعدم جدوى القبة الحديدية في مواجهة الصواريخ الباليستية، قررت تطوير ما يسمى بـ«القبة الذهبية»، ولهذا الاسم توجد قصة. فالمهندس الإسرائيلي، الذي اخترع القبة الحديدية، كان قد أطلق عليها اسم «القبة الذهبية»، لكن رفاقه في إدارة الشركة نصحوه بالتواضع والاكتفاء باسم القبة الحديدية؛ لأنها لا تستطيع إسقاط صواريخ ثقيلة.

وهكذا؛ فإن الاسم جاء ملائماً للمنظومة الصاروخية الأميركية، لأنها تعمل بأربع طبقات دفاع، أولاها في الفضاء الخارجي. وهي المنظومة التي يعتبرها الرئيس ترمب مشروعاً شخصياً لعهده، كما قال في 20 مايو (أيار) 2025، عند الإعلان عنها، وطلب أن تنتهي عملية إنتاجها وإدخالها للعمليات الحربية حتى نهاية دورته الرئاسية.

وتوصف هذه المنظومة بأنها «نقلة نوعية» في مجال الدفاع الصاروخي، لمواجهة تهديدات الصواريخ المتطورة مثل الفرط صوتية، والصواريخ الروسية والصينية. وتدمج القبة الذهبية بين أنظمة متطورة أرضية وبحرية وفضائية، وتعتمد على أقمار صناعية مزودة بمستشعرات وتقنيات حديثة لاكتشاف التهديدات. وأثار البرنامج انتقادات دولية، خاصة من الصين وروسيا، بسبب تخوفهما من «عسكرة الفضاء وزعزعة الأمن العالمي».