الهجمات الإسرائيلية ــ الإيرانية تؤجل مؤتمر «حل الدولتين»

ضغوط أميركية لإجهاضه... وباريس تعوّل على إطلاق «دينامية سياسية»

 ماكرون في طريقه الى المؤتمر الصحافي في قصر الأليزيه يوم الجمعة حيث أعلن عن تأجيل مؤتمر حل الدولتين (رويترز)
ماكرون في طريقه الى المؤتمر الصحافي في قصر الأليزيه يوم الجمعة حيث أعلن عن تأجيل مؤتمر حل الدولتين (رويترز)
TT

الهجمات الإسرائيلية ــ الإيرانية تؤجل مؤتمر «حل الدولتين»

 ماكرون في طريقه الى المؤتمر الصحافي في قصر الأليزيه يوم الجمعة حيث أعلن عن تأجيل مؤتمر حل الدولتين (رويترز)
ماكرون في طريقه الى المؤتمر الصحافي في قصر الأليزيه يوم الجمعة حيث أعلن عن تأجيل مؤتمر حل الدولتين (رويترز)

لم تكن باريس تتوقع أن يُضطر رئيسها إلى الإعلان عن تأجيل انعقاد ما يسمى «مؤتمر حل الدولتين» قبل أيام قليلة من انعقاده، وقد عملت من أجله الدبلوماسية الفرنسية، منذ أسابيع عديدة، من أجل توفير أفضل الظروف لانعقاده، خصوصاً من أجل التوصل إلى نتائج واضحة تقرّب من الهدف المنشود. وما ضاعف من أهميته أن فرنسا كانت تنوي، بهذه المناسبة، الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وهي الخطوة التي أجّلتها منذ أمد طويل، وتحديداً منذ أن صوّت مجلس النواب الفرنسي في شهر ديسمبر (كانون الأول) من عام 2014، على قرار يدعو الحكومة للاعتراف بالدولة الفلسطينية.

إلا أن الهجمات التي أطلقتها إسرائيل، ليل الخميس - الجمعة، ضد المواقع العسكرية والنووية والحكومية الإيرانية، أطاحت هذا السيناريو. ومساء الجمعة، أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون عن تأجيل المؤتمر إلى موعد لاحق، معتبراً أن خيار التأجيل أملته «البراغماتية واعتبارات الأمن».

تبرير ماكرون للتأجيل

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يتحدث خلال فعالية يوم 9 يونيو 2025 (رويترز)

وقال ماكرون ما حرفيته: «ما الجدوى من عقد مؤتمر كهذا يُفترض أن أترأسه بالتشارك مع ولي عهد المملكة العربية السعودية؛ حيث كان رئيس السلطة الفلسطينية سيعمد إلى تقديم التزامات قوية تتجاوز حتى مضمون الرسالة التي سبق أن كتبها (ووجّهها إلى باريس والرياض)، وهي بحد ذاتها التزامات تاريخية وتصريحات تاريخية، إذا كان جميع قادة المنطقة، ولأسباب واضحة، مضطرين للبقاء في بلدانهم؟ واليوم، أشار لي كل من ولي العهد ورئيس السلطة الفلسطينية إلى أنهما ليسا في وضع يسمح لهما من الناحية اللوجستية أو الأمنية أو السياسية بالسفر والمشاركة».

ولذا، فقرار التأجيل «لا يتعدى كونه لأسباب براغماتية (ونابعاً) من وضوح الرؤية».

بيد أن ماكرون سارع إلى التأكيد أن القمة التي كان انعقادها مرتقباً ما بين 17 و20 يونيو (حزيران) في الأمم المتحدة وبرئاسة مشتركة سعودية ــ فرنسية، لن تُلغى، بل إنها «ستلتئم في أقرب وقت وسوف يتم تحديد موعد جديد في الأيام القليلة المقبلة بالتشاور مع قادة المنطقة، خصوصاً مع المملكة السعودية».

وأضاف ماكرون: «هذا التأجيل لا يمكن أن يغيّر من عزمنا على المضي قدماً نحو تنفيذ حل الدولتين، مهما كانت الظروف». وإزاء التساؤلات التي برزت في الأيام الأخيرة عن استدارة في الموقف الفرنسي لجهة الاعتراف بالدولة الفلسطينية، بمناسبة مؤتمر نيويورك، أراد ماكرون أن يقطع الشك باليقين بقوله: «لقد أعلنت عن عزمي على الاعتراف بدولة فلسطين. وهذا العزم كامل، وهو قرار سيادي».

الضغوط الإسرائيلية لإفشال المؤتمر

أشخاصٌ يتفقدون أنقاض مبنى مُدمَّر إثر قصف إسرائيلي على مخيم البريج للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

بعد انطلاقة الحرب الإسرائيلية - الإيرانية، بدا بوضوح أن الاهتمام بالملف الفلسطيني سيتراجع حكماً. وترى مصادر سياسية في باريس أن قمة حل الدولتين كانت أولى ضحاياها «ليس فقط بسبب تأجيلها إلى موعد غير معروف، بل لأن رئيس الوزراء يرى في الحرب مع إيران طريقاً لتحقيق هدفين متلازمين: الأول حَرْف الأنظار عن الحرب التي تتواصل فصولها في غزة وعن تواصل تساقط عشرات القتلى والجرحى كل يوم، بل أيضاً إعادة رصّ الصفوف في الداخل حول سياساته، وإعادة الغربيين إلى حظيرة دعم إسرائيل».

ويضيف مصدر آخر أن الحرب التي وصفها بنيامين نتنياهو بـ«الوجودية» بالنسبة لإسرائيل، والتي يتبنى الغربيون سرديتها، كما فعل المستشار الألماني ورئيس الوزراء البريطاني، ولكن أيضاً الرئيس الفرنسي، وبالطبع الرئيس الأميركي، تجعل ممارسة الضغوط على نتنياهو في ملف غزة أمراً بالغ الصعوبة.

أما بالنسبة للموعد البديل للمؤتمر، فمن الصعب التكهّن به، باعتبار أن حرب إسرائيل - إيران لن تنتهي غداً، ولا أحد يعلم كيف ستنتهي، وما إذا كانت الأسرة الدولية ستكون مهتمة بالعودة للنظر في الملف الفلسطيني.

حقيقة الأمر أن الضغوط التي مارستها إسرائيل من أجل منع انعقاد القمة أو إفراغها من محتواها ليست سراً. نتنياهو رفض دوماً مبدأ قيام دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل. وفي الخريف الماضي، صوّت الكنيست على قرار يرفض قيامها.

وبعد أن ازداد الاهتمام بمؤتمر نيويورك، كان جواب الحكومة الإسرائيلية الإعلان عن إقامة 22 مستوطنة في الضفة الغربية، والهدف الواضح جعل قيام هذه الدولة، التي تضم قطاع غزة المدمّر وتحت الحصار، والضفة الغربية التي تمزقها المستوطنات وعنف المستوطنين، أمراً بالغ الصعوبة إن لم يكن مستحيلاً.

وأحد الأسباب التي ركزت عليها الدبلوماسية الفرنسية خلال أشهر تحضير المؤتمر أن غرضه السير بالقمة قبل أن يتم وأد فكرتها وقيامها نهائياً.

الموقف الأميركي من القمة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدّثاً في البيت الأبيض يوم 12 يونيو (أ.ب)

عندما كانت تُسأل المصادر الفرنسية عن موقف واشنطن من مؤتمر نيويورك، كان الجواب أنه «لا موقف مُعلناً» لواشنطن، وأن باريس تريد إبراز المؤتمر على أنه «تتويج» لجهود ترمب بالدفع نحو شرق أوسط مستقر ويعيش بسلام. وكانت باريس تراهن على لقاء بين الرئيسين الفرنسي والأميركي، بمناسبة «قمة السبع» التي ستُعقد في كندا «ألبرتا» مباشرة قبل مؤتمر نيويورك، لدفع سيد البيت الأبيض لتسهيل المؤتمر إن لم يكن لدعمه.

والحال أن تصويت واشنطن في مجلس الأمن ضد مشروع قرار يدعو لوقف إطلاق النار في غزة أحبط باريس. ثم جاء كشف وكالة «رويترز»، الخميس الماضي، عن وجود مذكرة دبلوماسية صادرة عن وزارة الخارجية الأميركية للوقوف بوجه المؤتمر، لتبديد آخر آمال بـ«تفهم» أميركي للمشروع الفرنسي - السعودي.

ومما جاء في المذكرة: «نحث الحكومات على عدم المشاركة في المؤتمر، الذي نراه ضارّاً بالجهود الجارية والمنقذة للحياة لإنهاء الحرب في غزة وإطلاق سراح الرهائن». وجاء في المذكرة أيضاً أن «الولايات المتحدة تعارض أي خطوات للاعتراف الأحادي بدولة فلسطينية مفترضة؛ إذ إن ذلك يضيف عقبات قانونية وسياسية كبيرة أمام حل النزاع في نهاية المطاف، وقد يؤدي إلى الضغط على إسرائيل أثناء حرب، مما يعني دعم أعدائها».

وذهب السفير الأميركي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، إلى القول إنه «لا يعتقد» أن قيام دولة فلسطينية ما زال يعكس السياسة الأميركية إزاء النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي. وللتذكير، فإن السياسة التقليدية الأميركية كانت تنهض على مبدأ قيام دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل.

رهانات فرنسية خاسرة

كان الرهان الفرنسي، من أجل إنجاح القمة، يقوم على مبدأ «المبادلة»، بحيث تقدم الدول العربية والإسلامية «شيئاً» ما مقابل اعترافها بالدولة الفلسطينية، كتطبيع علاقاتها مع إسرائيل أو على الأقل إعلان قبولها السير في مسار كهذا. بيد أن تواصل حرب غزة قضى على هذه التوقعات.

ورهان باريس الثاني كان قوامه استعداد دول أوروبية، مثل بريطانيا وبلجيكا وهولندا أو أخرى مثل كندا وأستراليا ونيوزيلندا... للسير إلى جانبها من أجل إطلاق «دينامية سياسية» في اتجاه إيجاد الظروف الملائمة والملموسة لنجاح حل الدولتين. لكنه لم يكن مضمون النتائج، لا، بل أصبح اليوم رهاناً خاسراً بعد التطورات الحربية الأخيرة.

بيد أن جميع هذه الاعتبارات ليست كافية لثني الرئيس ماكرون عن خطته؛ إذ يعتبر أن لا معطى شرق أوسطياً يجب أن يكون منطلقاً ومساعداً لحل الدولتين. وقال في مؤتمره الصحافي إن «الدينامية التي أطلقتها هذه القمة هي دينامية لا يمكن إيقافها»، معدِّداً مجدداً أهدافها، ومشدداً خصوصاً على أن إسرائيل ستكون المستفيدة منها، بفضل انخراطها وقبولها في منظومة الشرق الأوسط، وبفضل «الهندسة الأمنية» لكل دول الشرق الأوسط.

واضح أن القراءات متفاوتة. والسؤال حول انعقاد القمة ونجاحها مرهون بما ستؤول إليه حرب إسرائيل - إيران، وصورة الشرق الأوسط الجديد التي ستشارك في رسمها.


مقالات ذات صلة

مقتل فلسطيني خلال عملية اعتقال نفذتها الشرطة الإسرائيلية بالقدس الشرقية

المشرق العربي قوات الأمن الإسرائيلية تفرّق مصلين حاولوا التجمع خارج أسوار البلدة القديمة في القدس لأداء صلاة الفجر بمناسبة عيد الفطر (أ.ف.ب) p-circle

مقتل فلسطيني خلال عملية اعتقال نفذتها الشرطة الإسرائيلية بالقدس الشرقية

كشفت الشرطة الإسرائيلية، اليوم (الأربعاء)، عن أنها قتلت شاباً فلسطينياً حاول «خطف» سلاح أحد عناصرها خلال عملية ليلية في بلدة جبل المكبر بالقدس الشرقية المحتلة.

«الشرق الأوسط» (القدس)
المشرق العربي فلسطينية تعد وجبة في مخيم النصيرات للاجئين شمال دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

«اتفاق غزة»... تحركات جديدة من الوسطاء لكسر الجمود

تحركات جديدة بشأن مسار اتفاق وقف إطلاق في قطاع غزة، الذي زاد تعثره منذ اندلاع حرب إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا فلسطيني يحمل جثمان أحد أقربائه قتل في غارة جوية إسرائيلية بمدينة غزة (أ.ف.ب)

«سلاح حماس»... تحرك لـ«مجلس السلام» بغزة في توقيت مربك

حراك جديد لدفع اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وسط تصاعد حرب إيران، مع تسريبات إعلامية بأن «مجلس السلام» قدم مقترحاً لحركة «حماس» لنزع سلاحها.

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا مقر وزارة الخارجية المصرية (الهيئة العامة للاستعلامات)

مصر قلقة إزاء «المنحى التصاعدي» لأعمال العنف في الضفة

أعربت مصر عن بالغ قلقها إزاء «المنحى التصاعدي» لأعمال العنف التي ينفذها المستوطنون في الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
المشرق العربي سيارات تحمل أول مجموعة من الجرحى يغادرون مقر الصليب الأحمر الفلسطيني في خان يونس متجهين إلى معبر رفح الحدودي مع مصر (إ.ب.أ) p-circle

مقتل 4 فلسطينيين بغارات إسرائيلية على غزة

قُتل 4 فلسطينيين في غارات إسرائيلية استهدفت مدينة غزة، بحسب ما أفادت هيئة الدفاع المدني ومستشفيان في القطاع الفلسطيني.

«الشرق الأوسط» (غزة)

ترمب: المفاوضون الإيرانيون يخشون أن «يُقتلوا على أيدي جماعتهم»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
TT

ترمب: المفاوضون الإيرانيون يخشون أن «يُقتلوا على أيدي جماعتهم»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

أصرّ الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، على أن إيران تشارك في محادثات سلام، قائلاً إن نفي طهران ذلك هو بسبب خوف المفاوضين الإيرانيين من أن «يقتلوا على أيدي جماعتهم».

وقال ترمب في عشاء لأعضاء الكونغرس الجمهوريين: «إنهم يفاوضون، بالمناسبة، ويريدون بشدة إبرام اتفاق. لكنهم يخشون التصريح بذلك، لأنهم يعتقدون أنهم إذا فعلوا ذلك سيُقتلون على أيدي جماعتهم».

وأضاف: «إنهم يخشون أيضاً أن يُقتلوا على أيدينا»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وجاءت تصريحات ترمب بعدما قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن «لا نية» لدى إيران للتفاوض مع الولايات المتحدة.

وكرر ترمب تأكيده أن إيران «تُباد» رغم أن طهران ما زالت تسيطر بشكل فعال على مضيق هرمز الحيوي الذي يمثل طريقاً رئيسياً لنقل النفط.

وفي هجوم لاذع على خصومه في الداخل، قال ترمب إن الديمقراطيين يحاولون «صرف الانتباه عن النجاح الهائل الذي نحققه في هذه العملية العسكرية».

وفي إشارة ساخرة إلى دعوات ديمقراطيين إليه بوجوب الحصول على موافقة الكونغرس على الحرب، أضاف ترمب: «إنهم لا يحبون كلمة (حرب)، لأنه من المفترض الحصول على موافقة، لذلك سأستخدم كلمة عملية عسكرية».


عراقجي: لا نية لدينا للتفاوض... ومضيق هرمز مغلق فقط «أمام الأعداء»

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (أرشيفية - رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (أرشيفية - رويترز)
TT

عراقجي: لا نية لدينا للتفاوض... ومضيق هرمز مغلق فقط «أمام الأعداء»

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (أرشيفية - رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (أرشيفية - رويترز)

أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، اليوم الأربعاء، أن «لا نية» لدى إيران للتفاوض مع الولايات المتحدة، معتبراً أن الحديث عن مفاوضات الآن هو «إقرار بالهزيمة»، وفق ما أوردته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال عراقجي في تصريح للتلفزيون الرسمي: «في الوقت الراهن، سياستنا هي مواصلة المقاومة»، مضيفاً: «لا نية لدينا للتفاوض، فلم تُجرَ أي مفاوضات حتى الآن، وأعتقد أن موقفنا قائم على مبادئ».

وأشار إلى أن مضيق هرمز «مغلق فقط أمام الأعداء»، وذلك بعدما أدت الحرب في الشرق الأوسط إلى إغلاق شبه كامل لهذا الممر الحيوي لإمدادات النفط والغاز.

وتابع: «مضيق هرمز، من وجهة نظرنا، ليس مغلقاً تماماً بل مغلق فقط أمام الأعداء»، مضيفاً: «لا يوجد أي مبرر للسماح لسفن أعدائنا وحلفائهم بالمرور». ولفت إلى أن القوات المسلحة الإيرانية قد وفرت بالفعل «مروراً آمناً» لسفن دول صديقة.

وأعلن عراقجي أن الولايات المتحدة «فشلت في تحقيق أهدافها من الحرب»، بما في ذلك «تحقيق نصر سريع أو إحداث تغيير في النظام»، مؤكداً أن إيران «أظهرت للعالم أنه لا يمكن لأي دولة أن تهدد أمنها».

ونفى عراقجي، في تصريح، وجود محادثات مع الولايات المتحدة، موضحاً أن «تبادل الرسائل عبر وسطاء مختلفين لا يعني وجود مفاوضات». وأضاف أن واشنطن «تبعث رسائل عبر قنوات وساطة متعددة»، في وقت لا تزال فيه طهران ترفض الدخول في أي حوار مباشر.

وفي سياق متصل، دعا وزير الخارجية الإيراني الدول المجاورة إلى «النأي بنفسها عن الولايات المتحدة»، مشيراً إلى أن بلاده «لا تسعى إلى الحرب، بل تريد إنهاء الصراع بشكل دائم». وقال إن إيران «تطالب بوقف الحرب بشكل نهائي، والحصول على تعويضات عن الدمار»، معتبراً أن تحقيق ذلك هو السبيل الوحيد لإنهاء الأزمة القائمة.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد قال للصحافيين، الاثنين، إن الولايات المتحدة أجرت محادثات بنّاءة مع إيران، موضحاً أن الجانبين لديهما «نقاط اتفاق رئيسية».


واشنطن تعزز قواتها حول إيران وتوسع خياراتها

جندي من الفرقة المظلية 82 المحمولة جواً يشارك في تدريبات مدفعية خلال مناورة ميدانية في فورت براغ، بولاية كارولينا الشمالية (أ.ب)
جندي من الفرقة المظلية 82 المحمولة جواً يشارك في تدريبات مدفعية خلال مناورة ميدانية في فورت براغ، بولاية كارولينا الشمالية (أ.ب)
TT

واشنطن تعزز قواتها حول إيران وتوسع خياراتها

جندي من الفرقة المظلية 82 المحمولة جواً يشارك في تدريبات مدفعية خلال مناورة ميدانية في فورت براغ، بولاية كارولينا الشمالية (أ.ب)
جندي من الفرقة المظلية 82 المحمولة جواً يشارك في تدريبات مدفعية خلال مناورة ميدانية في فورت براغ، بولاية كارولينا الشمالية (أ.ب)

أمرت الولايات المتحدة بإرسال قوات إضافية إلى الشرق الأوسط، في خطوة توسع نطاق الخيارات العسكرية المتاحة للرئيس الأميركي دونالد ترمب، في الحرب الجارية مع إيران، وتجمع بين تعزيز الانتشار البري والبحري والجوي، بينما صعَّدت طهران من تحذيراتها للقوات الأميركية، واتجهت بريطانيا إلى إعداد ترتيبات بحرية خاصة لإعادة فتح مضيق هرمز وحماية الملاحة.

وقال مسؤولان في وزارة الدفاع الأميركية إن «البنتاغون» أمر نحو 2000 جندي من الفرقة 82 المحمولة جواً التابعة للجيش بالبدء في التحرك إلى الشرق الأوسط، حتى في وقت يدرس فيه ترمب مبادرة دبلوماسية جديدة مع إيران، وفقاً لصحيفة «نيويورك تايمز».

وستأتي القوات القتالية من «قوة الاستجابة الفورية» التابعة للفرقة، وهي لواء يضم نحو 3000 جندي قادر على الانتشار في أي مكان في العالم خلال 18 ساعة.

وتضم القوة المنتشرة اللواء براندون آر تيغتماير، قائد الفرقة، وعشرات من أفراد طاقمه، إلى جانب كتيبتين تضم كل منهما نحو 800 جندي. وقال مسؤولون أميركيون إن مزيداً من عناصر اللواء قد يتم إرسالهم خلال الأيام المقبلة.

وأفادت وكالة «أسوشييتد برس»، بأن الجيش الأميركي يستعد أيضاً لنشر ما لا يقل عن 1000 جندي من الفرقة نفسها خلال الأيام المقبلة، ضمن مسار التعزيز الحالي.

وأشار إلى أن الهدف هو منح ترمب خيارات عسكرية إضافية، فيما ينظر البيت الأبيض إلى هذه التحركات بوصفها وسيلة لمنح الرئيس «أقصى قدر من المرونة» في تحديد ما سيفعله لاحقاً.

ومع وصول هذه القوات إلى جانب وحدات مشاة البحرية المرسلة بالفعل، يرتفع العدد الإجمالي للقوات البرية الإضافية التي نُقلت إلى المنطقة منذ بدء الصراع إلى نحو 7000 جندي، في حين يبلغ مجموع القوات المخصصة للعملية التي يسميها البنتاغون «ملحمة الغضب» نحو 50 ألف جندي موزعين بين الشرق الأوسط وأوروبا والولايات المتحدة.

ما هي الفرقة 82؟

تُعد الفرقة 82 المحمولة جواً من أكثر الوحدات الأميركية جاهزية وسرعة انتشار. وقالت «واشنطن بوست» إن «قوة الاستجابة الفورية» التابعة لها مدربة على الانتشار خلال أقل من 24 ساعة إلى أراضٍ معادية أو متنازع عليها، لتأمين المطارات والبنية التحتية الحيوية والأراضي ذات الأهمية العملياتية.

وتتميز هذه القوة بأن أفرادها مدربون على القفز بالمظلات في بيئات قتالية، وعلى العمل في المراحل الأولى من أي عملية توسع بري أو دعم لوجستي واسع. كما يمكن استخدامها لتعزيز السفارات الأميركية وتمكين عمليات الإجلاء في الطوارئ.

ورغم سرعتها، لا تحمل هذه القوات عادة معدات ثقيلة، مثل المدرعات، ما يجعلها مناسبة للاندفاع السريع وتثبيت موطئ قدم أكثر من خوض حرب برية تقليدية طويلة بمفردها.

ويشمل الانتشار الحالي عنصر القيادة في الفرقة، وهو ما يعني أن واشنطن لا تدفع فقط قوة تكتيكية سريعة، بل تضيف أيضاً بنية قيادة وتخطيط قادرة على تنسيق عمليات أوسع إذا لزم الأمر.

مشاة البحرية على الطريق

إلى جانب المظليين، تقترب من المنطقة ثلاث سفن حربية تحمل نحو 4500 جندي من مجموعة «تريبولي» الجاهزة للعمليات البرمائية، وفق المواد المرسلة. وتضم المجموعة الوحدة الاستكشافية البحرية 31 المتمركزة في أوكيناوا باليابان، وهي وحدة متخصصة من مشاة البحرية تضم نحو 2200 عنصر، بينهم كتيبة مشاة قوامها نحو 800 جندي.

وأفادت صحيفة «وول ستريت جورنال» بأن هذه الوحدات تعمل من على متن سفن تُستخدم كقواعد متنقلة، وقادرة على القتال في الجو والبر والبحر، باستخدام المشاة الآلية، وطائرات «إف - 35 بي»، وطائرات «إم في - 22 أوسبري»، وزوارق الإنزال، والطائرات المسيّرة. وغالباً ما تتدرب على شن هجمات برمائية من البحر إلى الشاطئ المعادي للاستيلاء على الأرض.

طائرة استطلاع أميركية تستعد للهبوط على حاملة الطائرات «جيرالد فورد» خلال العمليات الجارية (أ.ف.ب)

كما غادرت الوحدة الاستكشافية البحرية 11 الساحل الغربي للولايات المتحدة، ومن المتوقَّع أن تصل إلى الشرق الأوسط بحلول منتصف أبريل (نيسان). وتعمل هذه الوحدة من على متن حاملة الطائرات «يو إس إس بوكسر» ومجموعتها البرمائية الجاهزة.

ومن المتوقَّع أن يصل نحو 2300 من مشاة البحرية من الوحدة الاستكشافية 31 إلى الشرق الأوسط في وقت لاحق من هذا الأسبوع، ويمكن استخدامهم للسيطرة على جزيرة خرج، أو للمساعدة في تأمين مضيق هرمز.

خرج في صلب الحسابات

وتظهر جزيرة خرج، مركز تصدير النفط الرئيسي لإيران، في تطورات عملياتية محتملة إذا ما انتهت مهلة حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإيران من أجل التوصل لوقف إطلاق النار.

ومن بين الخطط التي تدرسها الإدارة الأميركية الاستيلاء على الجزيرة، التي تصدّر منها طهران نحو 90 في المائة من نفطها.

وقال مسؤولون أميركيون إن القوات البرية قد تتمكن على الأرجح من السيطرة على الجزيرة بسرعة، لكنها قد تضطر إلى مواجهة وابل من الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية طوال فترة وجودها هناك.

وأمر ترمب هذا الشهر بقصف أهداف عسكرية في الجزيرة، لكنه ترك البنية التحتية النفطية سليمة عمداً. وتعرض المدرج الجوي في الجزيرة لأضرار جراء الضربات الأميركية الأخيرة.

ورجّح قادة أميركيون سابقون نشر مشاة البحرية أولاً، لأن وحدات الهندسة القتالية التابعة لهم تستطيع إصلاح البنية التحتية للمطار بسرعة. وبعد إصلاح المدرج، يمكن لسلاح الجو إرسال العتاد والقوات بطائرات الشحن «سي - 130».

وفي هذا السيناريو، يرجح أن تعمل الفرقة 82 المحمولة جواً كقوة تعزيز لاحقة لمشاة البحرية، تمسك الأرض أو توسع الانتشار بعد فتح الممرات الأساسية، وفقاً لصحيفة «نيويورك تايمز».

تحذير بحري إيراني

في مقابل هذا التعزيز الأميركي، صعَّدت طهران لهجتها تجاه القوات الأميركية. وقال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إن طهران تراقب من كثب جميع تحركات الولايات المتحدة في المنطقة، لا سيما نشر قواتها. وأضاف أن «ما أفسده الجنرالات لا يمكن للجنود إصلاحه»، معتبراً أنهم «سيكونون مجرد ضحايا لأوهام بنيامين نتنياهو».

وكان عضو لجنة الدفاع العليا علي أكبر أحمديان، قد حذر، الثلاثاء، من أن طهران استعدَّت منذ أكثر من عقدين لهذا السيناريو ضمن استراتيجية «الحرب غير المتكافئة»، موجهاً رسالة مباشرة إلى الجنود الأميركيين: «اقتربوا أكثر».

على المستوى البحري، قال قائد القوات البحرية في الجيش الإيراني، الأدميرال شهرام إيراني، إن بلاده تراقب باستمرار تحركات مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن»، وستستهدفها بضربات «حاسمة» إذا دخلت مدى المنظومات الصاروخية الإيرانية. وأضاف أن القوات البحرية الإيرانية تفرض «السيطرة والسيادة الكاملة» على مضيق هرمز والخليج.

وأعلن الجيش الإيراني إطلاق صواريخ «كروز» على «أبراهام لينكولن»، بينما قال ترمب إن أكثر من مائة صاروخ أُطلقت على الحاملة، وتم إسقاطها كلها.

البحرية البريطانية لتأمين هرمز

في موازاة الحشد الأميركي، أفادت صحيفة «ديلي تلغراف» بأن بريطانيا تدرس استئجار سفن مدنية للمساعدة في إعادة فتح مضيق هرمز.

ووفق التقرير، فإن السفن المستأجرة يمكن أن تعمل كسفن أم للطائرات المسيّرة المخصصة للبحث عن الألغام وتدميرها، فيما تقود بريطانيا تحالفاً دولياً يضم فرنسا والولايات المتحدة لوضع خيارات لإعادة فتح الممر الملاحي الضيق.

ويدرس رئيس أركان الدفاع البريطاني، السير ريتشارد نايتون، تعزيز قدرات البحرية البريطانية في مكافحة الألغام، سواء باستئجار سفن تجارية أو بتحويل بعض سفن الإنزال من فئة «باي» التابعة للأسطول الملكي المساعد إلى منصات للبحث عن الألغام.

كما أشارت «ديلي تلغراف» إلى أن مهمة فتح المضيق قد تشمل قوارب غير مأهولة ومدمرات من طراز «تايب 45» تعمل مع سفن حليفة لتوفير حماية للناقلات. ونقلت عن مسؤولين استخباراتيين أميركيين قولهم إن إيران زرعت ما لا يقل عن اثني عشر لغماً من طرازي «ماهام 3» و«ماهام 7».