البيت الأبيض يضغط: مقترح ترمب بشأن «النووي» في «مصلحة إيران»

عراقجي: الرد على الرسالة الأميركية قيد الإعداد

عراقجي والبوسعيدي وسيط المفاوضات النووية داخل السفارة العمانية في روما (الخارجية الإيرانية)
عراقجي والبوسعيدي وسيط المفاوضات النووية داخل السفارة العمانية في روما (الخارجية الإيرانية)
TT

البيت الأبيض يضغط: مقترح ترمب بشأن «النووي» في «مصلحة إيران»

عراقجي والبوسعيدي وسيط المفاوضات النووية داخل السفارة العمانية في روما (الخارجية الإيرانية)
عراقجي والبوسعيدي وسيط المفاوضات النووية داخل السفارة العمانية في روما (الخارجية الإيرانية)

في تطور لافت على مسار المفاوضات النووية المتعثرة، كثف البيت الأبيض ضغوطه على طهران، وحضها على قبول مقترح جديد قدمه الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، وُصف بأنه «مفصّل ومقبول» و«يخدم المصالح الإيرانية»، وفق تصريحات رسمية.

وجاءت الدعوة الأميركية عبر وساطة عمانية، عقب تسليم أول عرض مكتوب إلى الجانب الإيراني، وسط مؤشرات متضاربة بين تشدد طهران في ملف التخصيب النووي، وسعي واشنطن إلى تفادي تصعيد عسكري محتمل.

وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولاين ليفيت، إن ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص للرئيس الأميركي إلى الشرق الأوسط، «أرسل مقترحاً مفصلاً ومقبولاً للنظام الإيراني، ومن مصلحتهم قبوله».

وأكدت ليفيت في بيان: «لقد أوضح الرئيس ترمب أن إيران لا يمكنها أبداً الحصول على قنبلة نووية».

وسلم وزير الخارجية العماني، بدر البوسعيدي، نظيره الإيراني، عباس عراقجي، الاقتراح الرسمي الأميركي بشأن اتفاق محتمل مع طهران.

وقال عراقجي في منشور على منصة «إكس» إن إيران «سترد على المقترح الأميركي بما يتماشى والمبادئ والمصالح الوطنية وحقوق الشعب الإيراني».

وفي وقت لاحق، أفادت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» أن عراقجي قدّم تقريراً خلال اجتماع الحكومة عن آخر مستجدات المفاوضات، وأشار إلى الرسالة التي بعث بها الأميركيون، قائلاً إن «الرد على هذه الرسالة قيد الإعداد حالياً».

وجاء الكشف عن إرسال المقترح بعد مضي 8 أيام على الجولة الخامسة من المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، بسفارة عمان في العاصمة الإيطالية روما. وتلعب عمان دور الوسيط في المفاوضات.

وقبل نحو أسبوعين، أكد ترمب، خلال جولته الإقليمية، أن واشنطن قدمت لإيران مقترحاً لاتفاق بين الطرفين، لافتاً إلى أن واشنطن وطهران تقتربان من التوصُّل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني؛ مما من شأنه أن يجنّب واشنطن عملاً عسكرياً. وحينها قالت طهران إنها لم تتسلم المقترح.

وجاءت زيارة البوسعيدي القصيرة إلى طهران، السبت، بعد أيام من زيارة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى مسقط. وكان من المفترض أن يعلن البوسعيدي عن تحديد مكانٍ وتوقيتٍ لجولة سادسة.

وتزامن الإعلان عن المقترح الأميركي مع تسريب مقتطفات من أحدث تقرير من «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» بشأن مستجدات البرنامج النووي الإيراني، خصوصاً تسارع تخصيب اليورانيوم القريب من عتبة السلاح النووي، الأمر الذي من شأنه أن يزيد من تعقيدات المسار الدبلوماسي.

تسريبات

وأوردت صحيفة «نيويورك تايمز»، نقلاً عن مسؤولين مطلعين على المفاوضات الدبلوماسية، أن الاقتراح هو «سلسلة من النقاط الموجزة»، و«ليس مسودة كاملة». ويدعو الاقتراح إيران إلى «وقف جميع أنشطة تخصيب اليورانيوم، وإلى إنشاء تحالف إقليمي لإنتاج الطاقة النووية يضم إيران ودولاً عربية، بالإضافة إلى الولايات المتحدة».

بدوره، نقل موقع «أكسيوس» عن مسؤولين أميركيين أن «الاقتراح الأميركي المكتوب يأتي في محاولة لحلّ العقدة الرئيسية التي تعرقل المفاوضات: إصرار إيران على مواصلة تخصيب اليورانيوم داخل أراضيها».

وإحدى النقاط الشائكة الرئيسية في مفاوضات المسؤولين الأميركيين والإيرانيين هي إصرار الولايات المتحدة على أن تتخلى إيران عن منشآتها لتخصيب اليورانيوم، وهو ما ترفضه إيران.

ونفت طهران خلال الأيام الأخيرة احتمال إبرام اتفاق مؤقت يوقف تخصيب اليورانيوم لمدة تتراوح بين 6 أشهر و3 سنوات، مقابل تعليق بعض العقوبات.

شرط إيراني

وقبل ساعات من لقاء البوسعيدي وعراقجي السبت، ذكرت وسائل إعلام إيرانية أن طهران أبلغت الوسطاء والطرف الأميركي «بوضوح» أن تكرار شرط «صفر تخصيب (الهبوط بالتخصيب إلى المستوى صفر)» سيعدّ نهاية للمفاوضات، وأنها «لن تتراجع عن حقوقها النووية المشروعة تحت أي ضغط»، وعدّت «هذا الموقف ليس مجرد إعلان سياسي، بل يمثل هجوماً دبلوماسياً مضاداً في مواجهة الحرب النفسية والحملة الإعلامية أحادية الجانب من الولايات المتحدة».

صحف إيرانية تنتقد مدير «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» رافاييل غروسي (إ.ب.أ)

واتهمت الرسالة التي تضمنت هذه المواقف، والتي أعادت نشرها مواقع إيرانية، الإعلام الغربي بـ«الترويج لسيناريو (الاتفاق الجاهز) لإضفاء جو من التفاهم، إلا إن الواقع الميداني مختلف تماماً». وقالت إن إيران «أكدت أن أي مفاوضات مستقبلية لن تعقد إلا في إطار يعترف صراحة بحقها في التخصيب».

وأضاف أن «الكرة الآن في ملعب واشنطن؛ فإذا استمرت في سياسة الضغط، فلن يكون هناك أي اتفاق، وسيتحوّل ما يُعرف بـ(اتفاق مسقط) إلى مجرد عنوان دعائي فارغ».

وقبل أسبوعين، استبعد المرشد الإيراني علي خامنئي أن تفضي المفاوضات إلى نتيجة. وقال: «خسئوا من يقولون إن على إيران وقف تخصيب اليورانيوم». وأضاف: «على الطرف الأميركي ألا يتفوه بالهراء».

وجدد الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، الجمعة، تأكيده أنه «لا يمكنهم امتلاك سلاح نووي»، مشيراً إلى أن البلدين «قريبان جداً من اتفاق».

تحالف إقليمي

وكانت إيران قد نفت في وقت سابق أن يكون مقترح تحالف إقليمي نووي من بين مقترحاتها، لكنها تركت الباب مفتوحاً أمام دخولها في تكتل نووي دون المساس ببرنامج تخصيب اليورانيوم في إيران، مبدية استعدادها لتزويد تلك الدول باليورانيوم.

وقال مسؤول أميركي ومصدر مطلع لموقع «أكسيوس» إن فكرة التحالف الإقليمي «إحدى الأفكار التي طرحتها سلطنة عُمان وتبنّتها الولايات المتحدة، وهي تدعو إلى إنشاء اتحاد إقليمي يتولى تخصيب اليورانيوم لأغراض مدنية تحت إشراف (الوكالة الدولية للطاقة الذرية) والولايات المتحدة».

وأضافت المصادر أن الولايات المتحدة تريد أن يكون موقع منشأة تخصيب اليورانيوم خارج إيران. ومن الأفكار المطروحة أيضاً في هذا الصدد، أن تعترف الولايات المتحدة بحق إيران في تخصيب اليورانيوم، مقابل أن تعلق إيران بشكل كامل عمليات التخصيب.

وقال النائب وحيد أحمدي، عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان، إن «هناك احتمالاً للتوصل إلى تفاهم مؤقت إذا خفّض الأميركيون من سقف مطالبهم».

وأوضح أحمدي أن «مواقف إيران وخطوطها الحمراء واضحة، بما في ذلك رفض وقف التخصيب». وأضاف أن «الجانب الأميركي يطرح أفكاراً، مثل وقف تخصيب اليورانيوم، وهو ما ترفضه طهران بشكل قاطع»، لافتاً إلى أن «تعنت واشنطن قد يزيد الخلافات مستقبلاً ويعقد مسار التفاوض»، وفقاً لوكالة «إيسنا» الحكومية.

وشدد على أن إيران «ترفض المطالب غير العادلة»، و«تتمسك بالتخصيب»، وأشار إلى ضرورة أن يكون رفع العقوبات «عملياً وقابلاً للتنفيذ، لا مجرد التزام نظري»، ودعا إلى إنشاء تحالف نووي يضم إيران «لضمان استفادة إيران الفعلية، وتفادي تكرار تجربة الاتفاق النووي السابقة».

بدوره، قال المحلل والدبلوماسي الإيراني السابق لدى الأمم المتحدة، كورش أحمدي، إن «المقترح إذا كان فكرة إيرانية فهو محاولة لبناء الثقة بين إيران والدول الأخرى». وأضاف في تصريح لموقع «انتخاب» الإخباري إن «المقترح بالنسبة إلى إيران يقوم على أساس إجراء عمليات التخصيب داخل الأراضي الإيرانية بمشاركة دول أخرى».

ولفت أحمدي إلى وجود «تحديين رئيسيين: أولهما: قبول الأطراف الأخرى أن تجري عمليات التخصيب داخل إيران، وهو بحد ذاته قضية حساسة ومعقدة. وثانيهما: موافقة دول إقليمية على الانضمام إلى المشروع والتعاون مع إيران، رغم أن لدى تلك الدول برامج نووية خاصة بها تسعى إلى تنفيذها بشكل مستقل».

ومنذ أبريل (نيسان) الماضي، أجرت واشنطن وطهران 5 جولات من المفاوضات بوساطة من مسقط؛ تهدف إلى التوصل إلى اتفاق جديد بشأن البرنامج النووي.

حرب إعلامية

وتتهم دولٌ غربيةٌ وإسرائيلُ إيرانَ بالسعي إلى تطوير سلاح نووي، وهو ما تنفيه طهران. وقال عراقجي، السبت، إن السلاح النووي «غير مقبول».

وقبل أيام، قال ترمب للصحافيين إنه حذر رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، من اتخاذ إجراءات قد تعطل المفاوضات النووية مع إيران. وبدا أن التعليقات تشير إلى قلق الولايات المتحدة من احتمال شن إسرائيل ضربة على المنشآت النووية الإيرانية في ظل استمرار الجهود الدبلوماسية الأميركية. وهدد ترمب مراراً بقصف المنشآت النووية الإيرانية إذا أخفقت الدبلوماسية في التوصل إلى اتفاق.

والأسبوع الماضي، قال الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، إن إيران ستكون قادرة على الصمود، وإنها لن تحتاج إلى أحد إذا انتهت المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن برنامج طهران النووي دون التوصل إلى اتفاق.

ورأت صحيفة «سازندكي»، الموالية لحكومة بزشكيان، أن القوى الغربية تشن «هجوماً نفسياً» ضد برنامج إيران لتخصيب اليورانيوم.

وتوقفت الصحيفة؛ الناطقة باسم فصيل الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني، عند الصراع الإعلامي والتكتيكات التي اتبعها كل من ويتكوف وعراقجي، وسر ظهورهما المتكرر في وسائل الإعلام.

وقالت إن طهران «التزمت نهجاً إعلامياً منظماً بقيادة عراقجي عبر تصريحات رسمية قبل وبعد كل جولة، بينما اعتمدت واشنطن على تحركات إعلامية واسعة بعد المفاوضات، يقودها ويتكوف».

وقالت إن وسائل الإعلام الأميركية «ركزت على محورين أساسيين: (التشكيك في ملف التخصيب)، عبر تقارير مسربة ومقابلات تهدف إلى التأثير على الاتفاق، مثل مزاعم عن مسودة أميركية جديدة تُطرح في الجولة المقبلة. أما المحور الثاني فهو (إلقاء الكرة في ملعب إيران)، عبر رسائل متكررة من ترمب تشير إلى أن الاتفاق ممكن، لكن طهران تسعى إلى سلاح نووي».

ويعتقد فريق التفاوض الإيراني، وعلى رأسهم عراقجي، أن «واشنطن تستخدم الإعلام لبث رسائل مضللة بهدف التأثير على المفاوضات». وقد انتقدت طهران هذا السلوك مراراً، وأشارت إلى قول ترمب إن «الاتفاق في المتناول»، وهو ما رد عليه عراقجي بأن «الحل يمر عبر طاولة المفاوضات، لا عبر الإعلام».


مقالات ذات صلة

هدوء حذر في طهران... وبهلوي يدعو الإيرانيين للنزول إلى الشوارع مجدداً

شؤون إقليمية رضا بهلوي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في بواشنطن يوم أمس (د.ب.أ)

هدوء حذر في طهران... وبهلوي يدعو الإيرانيين للنزول إلى الشوارع مجدداً

شجع رضا بهلوي، الإيرانيين على النزول إلى الشوارع مرة أخرى نهاية هذا الأسبوع، وذلك بعدما تم خنق الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد بعد مقتل أكثر من 2600 متظاهر.

شؤون إقليمية عراقجي على متن طائرة تقلّه إلى بيروت في 8 يناير الحالي (الخارجية الإيرانية)

مؤتمر ميونيخ للأمن يسحب دعوته لوزير الخارجية الإيراني

سحب مؤتمر ميونيخ للأمن الدعوة الموجهة لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، على خلفية الحملة الأمنية التي شنّتها حكومة طهران على ‌الاحتجاجات.

«الشرق الأوسط» (برلين)
شؤون إقليمية محتجون يحرقون لافتة معلقة فوق جسر للمشاة في حي بونك شمال غربي طهران الجمعة (تلغرام)

تباين بشأن حصيلة قتلى الاحتجاجات الإيرانية

أسفرت موجة الاحتجاجات التي هزّت إيران في الأسابيع الأخيرة عن مقتل الآلاف، وفقاً لمنظمات حقوقية، وتشير بعض التقديرات إلى أنه قد يصل إلى 20 ألفاً.

«الشرق الأوسط» (باريس)
تحليل إخباري مظاهرة في روما الجمعة تأييداً لرضا بهلوي ابن شاه إيران الساعي للعب دور في الحراك الحالي والرغبة في العودة إلى طهران (رويترز)

تحليل إخباري كيف تقرأ باريس الأزمة الإيرانية والسيناريوهات المحتملة؟

رغم تراجع الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن خططه لتوجيه ضربة عسكرية ضد إيران، ترى باريس أن جميع السيناريوهات لا تزال مفتوحة.

ميشال أبونجم (باريس)
شؤون إقليمية إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)

هدوء حذر في إيران وسط أجواء أمنية «فائقة»

تواجه إيران تشديداً أمنياً واسعاً بعد حملة اعتقالات وانتشار مكثف للقوات بطهران ومدن أخرى، في حين تراجعت الاحتجاجات إلى حد كبير بفعل القبضة الأمنية.

«الشرق الأوسط» (لندن-طهران)

هدوء حذر في طهران... وبهلوي يدعو الإيرانيين للنزول إلى الشوارع مجدداً

رضا بهلوي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في بواشنطن يوم أمس (د.ب.أ)
رضا بهلوي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في بواشنطن يوم أمس (د.ب.أ)
TT

هدوء حذر في طهران... وبهلوي يدعو الإيرانيين للنزول إلى الشوارع مجدداً

رضا بهلوي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في بواشنطن يوم أمس (د.ب.أ)
رضا بهلوي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في بواشنطن يوم أمس (د.ب.أ)

شجع رضا بهلوي، نجل شاه إيران المخلوع، الإيرانيين على النزول إلى الشوارع مرة أخرى في نهاية هذا الأسبوع، وذلك بعدما تم خنق الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد بعد مقتل أكثر من 2600 متظاهر على يد قوات الأمن الإيرانية.

وفي منشور على منصة «إكس»، حث نجل شاه إيران المخلوع «مواطنيه الشجعان» على «رفع أصوات غضبهم واحتجاجهم» من السبت إلى الاثنين.

وقال في المنشور، إن «العالم يرى شجاعتكم وسيقدم دعماً أوضح وأكثر عملية لثورتكم الوطنية».

وجاءت تصريحات بهلوي بعدما عادت إيران إلى الهدوء المشوب بالحذر بعد موجة من الاحتجاجات التي أدت إلى حملة قمع دموية وتحذيرات من عمليات إعدام جماعية لآلاف المعتقلين في جميع أنحاء البلاد.

سيارات تسير في وسط العاصمة الإيرانية طهران يوم أمس الجمعة (ا.ب)

وبدأت التظاهرات في إيران في 28 ديسمبر (كانون الأول) الماضي بإضراب لتجار بازار طهران على خلفية تدهور الأوضاع المعيشية، لكنها تحوّلت إلى حركة احتجاج واسعة النطاق رُفعت فيها شعارات سياسيّة من بينها إسقاط الحُكم الممسك بمقاليد البلاد منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979.وبحسب الأرقام الصادرة عن منظمة «حقوق الإنسان في إيران» التي تتّخذ من النروج مقراً، قُتل ما لا يقلّ عن 3428 متظاهراً في الاحتجاجات. لكن المنظمة نبّهت لإمكان أن يكون عدد القتلى أكبر من ذلك بكثير.

إيرانيون يسيرون في طهران بجوار لوحة إعلانية كُتب عليها بالفارسية «اعرفني.. أنا إيران» (ا.ب)

وأفادت منظمات حقوقية بأن السلطات نفذت حملات اعتقال واسعة على خلفية التظاهرات، مع تقديرات بأن عدد الموقوفين قد يصل الى 20 ألفاً.وأفادت قناة المعارضة «إيران إنترناشونال» التي تبث من الخارج، بمقتل 12 ألف شخص على الأقل، نقلاً عن مصادر حكومية وأمنية رفيعة المستوى.

وكان ترمب توعّد إيران مراراً بتدخّل عسكري أميركي في حال قتلت محتجين، وشجّع المتظاهرين الإيرانيين على السيطرة على المؤسسات الحكومية، قائلاً إن «المساعدة في طريقها» إليهم.لكن بعد مرور أسبوعين على عرضه المساعدة لأول مرة، وبعدما قتلت القوات الإيرانية، وفق تقديرات، آلاف المتظاهرين، لم يسجّل أي تحرّك أميركي، لا بل شكر ترمب الجمعة إيران على إلغائها «كل عمليات الإعدام المقرّرة» بحق متظاهرين.


تحرك روسي لكبح التوتر الإيراني ــ الإسرائيلي

إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)
إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)
TT

تحرك روسي لكبح التوتر الإيراني ــ الإسرائيلي

إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)
إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)

كثفت موسكو تحركاتها الدبلوماسية لخفض التوتر الإيراني – الإسرائيلي، بالتوازي مع تراجع المخاوف من تصعيد أميركي وشيك، وفي وقت صعَّدت السلطات الإيرانية الإجراءات الأمنية المشددة لمنع تجدد الاحتجاجات.

وأعلن الكرملين، أمس، أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أجرى اتصالين هاتفيين منفصلين مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، عارضاً مواصلة دور الوساطة وتكثيف الجهود السياسية والدبلوماسية لمنع انزلاق الأوضاع إلى مواجهة مباشرة.

جاء ذلك في وقت وصل مدير جهاز الموساد الإسرائيلي ديفيد برنياع إلى واشنطن لإجراء محادثات مع المبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف.

وشكر ترمب، الجمعة، الحكومة الإيرانية لإلغائها «كل عمليات الإعدام الـ800 المقررة الأربعاء» بحق متظاهرين.

وقال البيت الأبيض إن التحذيرات لطهران لا تزال قائمة، في حين يواصل الجيش الأميركي تعزيز جاهزيته في المنطقة تحسباً لأي تطور. وأفاد موقع «أكسيوس» عن مسؤولين إسرائيليين بأنهم يتوقعون ضربة عسكرية أميركية لإيران خلال أيام رغم إعلان تأجيلها.

ويأتي هذا في حين خفّت حدّة القلق من ضربة أميركية بعد تصريحات للرئيس ترمب أفادت بتراجع عمليات القتل المرتبطة بقمع الاحتجاجات، مع تأكيد البيت الأبيض في الوقت نفسه إبقاء «كل الخيارات على الطاولة»؛ ما أبقى المشهد مفتوحاً على احتمالات متباينة بين خفض التصعيد واستمرار الضغوط.


ما هو الوضع الراهن للمنشآت النووية الرئيسية بإيران؟

مفتش من «الطاقة الذرية» يركّب كاميرات للمراقبة بمنشأة «نطنز» في أغسطس 2005 (أ.ب)
مفتش من «الطاقة الذرية» يركّب كاميرات للمراقبة بمنشأة «نطنز» في أغسطس 2005 (أ.ب)
TT

ما هو الوضع الراهن للمنشآت النووية الرئيسية بإيران؟

مفتش من «الطاقة الذرية» يركّب كاميرات للمراقبة بمنشأة «نطنز» في أغسطس 2005 (أ.ب)
مفتش من «الطاقة الذرية» يركّب كاميرات للمراقبة بمنشأة «نطنز» في أغسطس 2005 (أ.ب)

انحسرت المخاوف الإقليمية من هجوم أميركي على إيران، بعد أن قال الرئيس دونالد ترمب إن طهران أكدت له أن المحتجين لن يتم إعدامهم، وبالرغم من ذلك قال البيت الأبيض إنه يبقي «جميع خياراته على الطاولة».

ونفّذت إسرائيل والولايات المتحدة آخر الهجمات الكبيرة على إيران في يونيو (حزيران) الماضي، واستهدفت بشكل أساسي المنشآت النووية الرئيسية.

ما هي المواقع النووية التي ​قصفت؟

تعرضت 3 محطات إيرانية لتخصيب اليورانيوم للقصف، محطتان في نطنز، وثالثة داخل جبل في فوردو، إضافة إلى مجمع واسع في أصفهان يضم منشآت مرتبطة بدورة الوقود النووي، ومنطقة تحت الأرض يقول دبلوماسيون إن جزءاً كبيراً من مخزون إيران من اليورانيوم المخصب كان مخزناً فيها.

صورة بالأقمار الاصطناعية تُظهر حُفَراً في منشأة «نطنز» لتخصيب اليورانيوم عقب الضربات الأميركية (أرشيفية - رويترز)

ما حجم الضرر الذي وقع؟

لم يسمح للوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي كانت تجري عمليات تفتيش منتظمة على المنشآت النووية قبل الهجوم، بما في ذلك نطنز وفوردو، بالوصول إلى تلك المواقع منذ قصفها.

مدخل منشأة فوردو في ضواحي مدينة قم (أرشيفية - أرنا)

وأجرت الوكالة عمليات تفتيش في منشآت أخرى لم تتضرر، لكن الحالة الدقيقة للمواقع التي تعرضت للقصف تبقى غير معروفة.

وفي تقريرها الفصلي عن إيران، الصادر في نوفمبر (تشرين الثاني)، قالت الوكالة إن 7 منشآت نووية معروفة «تأثرت بالهجمات العسكرية»، بينما لم تتأثر 13 منشأة أخرى. ولم توضح هذه التقارير حجم الأضرار التي لحقت بالمواقع المتضررة.

وبعد ‌القصف، قالت الوكالة ‌الدولية للطاقة الذرية إن أصغر محطات التخصيب الثلاث، وهي محطة التخصيب التجريبية للوقود في ‌نطنز الواقعة فوق ​الأرض، دمرت.

ورجحت ‌الوكالة أن تكون المنشآت الأكبر تحت الأرض في نطنز وفوردو قد تعرضت لأضرار بالغة على الأقل.

أما حجم الانتكاسة التي تعرض لها البرنامج النووي الإيراني فهو محل جدل. وبينما أكد ترمب مراراً أن المنشآت النووية الإيرانية دمرت، قال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، في يونيو، إن إيران قد تستأنف تخصيب اليورانيوم على نطاق محدود خلال أشهر.

أجهزة طرد مركزي في صالة لتخصيب اليورانيوم بمنشأة «نطنز» قبل تعرضها لهجوم أميركي يونيو 2025 (المنظمة الذرية الإيرانية)

ماذا حدث لليورانيوم الإيراني المخصب؟

مصير اليورانيوم المخصب ليس واضحاً تماماً. فبعضه دمر في الغارات الجوية، لكن إيران لم تقدم بعد تقريراً إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية حول ما حدث لمنشآتها التي تعرضت للقصف، ومخزون اليورانيوم المخصب، وذلك بالرغم من تأكيد الوكالة على أن ذلك أمر عاجل وتأخر. ولا يمكن للوكالة الدولية للطاقة الذرية التحقق من ذلك إلا عندما تقدم إيران التقرير.

وقال غروسي، لوكالة «رويترز»، في سبتمبر (أيلول): «أعتقد أن هناك فهماً عاماً بأن المواد لا تزال موجودة بشكل عام. ولكن، بالطبع، يجب التحقق منها. وقد يكون ‌البعض منها قد فقد». ويقول دبلوماسيون إن الوضع لم يتغير كثيراً على ما يبدو منذ ذلك الحين.

وأضاف غروسي: «ليست لدينا مؤشرات تقودنا إلى الاعتقاد بحدوث نقل كبير للمواد».

صورة أرشيفية لمركز «نطنز» للأبحاث النووية الإيرانية على بُعد 270 كيلومتراً جنوب طهران (أ.ف.ب)

وكانت إيران تخصب اليورانيوم بدرجة نقاء تصل إلى 60 في المائة قبل وقوع الضربات. ويمكن بسهولة رفع نقاء هذا اليورانيوم إلى نحو 90 في المائة تقريباً، وهي الدرجة المطلوبة لصنع الأسلحة النووية.

وتقدر الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن إيران كان لديها 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب إلى هذا المستوى عندما بدأ القصف. ويكفي هذا نظرياً، وفقاً لمقياس الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لصنع 10 أسلحة نووية، في حالة رفع درجة النقاء بشكل أكبر. ولدى إيران أيضاً يورانيوم مخصب بمستويات أقل.

ولا تعلن الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن مكان تخزين إيران لتلك المواد. ​ويقول دبلوماسيون إن إحدى منشآت التخزين الرئيسية تحت الأرض في أصفهان يبدو أنها لم تتضرر، باستثناء قصف مدخل النفق المؤدي إليها.

مفتش من «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» يجري فحصاً داخل محطة «نطنز» النووية يوم 20 يناير 2014 (أرشيفية - أ.ف.ب)

ما هي المخاوف المتبقية؟

كان أحد الأسباب التي قدّمتها الولايات المتحدة وإسرائيل لتبرير القصف هو أن إيران كانت تقترب كثيراً من القدرة على إنتاج سلاح نووي. وإذا جرى تخصيب اليورانيوم إلى درجة تسمح بصنع أسلحة، يمكن استخدام اليورانيوم لصنع نواة قنبلة نووية. كما يمكن استخدامه لتغذية محطات الطاقة النووية بمستويات تخصيب مختلفة.

وتقول القوى الغربية إنه لا يوجد مبرر مدني معقول لتخصيب إيران لليورانيوم إلى هذا المستوى الانشطاري العالي. وقالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إن ذلك يثير قلقاً بالغاً. ولم تقدم أي دولة أخرى على ذلك دون أن تتجه لإنتاج أسلحة نووية في نهاية المطاف.

وفي الوقت نفسه، وقبل الهجمات، قالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إنها ليس لديها أي مؤشر موثوق على وجود برنامج منسق لامتلاك أسلحة نووية في إيران، وكان هناك كثير من الجدل حول المدة التي ستستغرقها إيران لتطوير قنبلة نووية إذا قررت الاتجاه لذلك.

وتنفي طهران سعيها لامتلاك أسلحة نووية. وبصفتها طرفاً في معاهدة حظر الانتشار النووي، يحقّ لها تخصيب اليورانيوم لأغراض إنتاج الطاقة والأبحاث، ما دامت لا توجه هذه العملية نحو تطوير سلاح نووي.

منشأة «نطنز» لتخصيب اليورانيوم كما تبدو من الداخل في وسط محافظة أصفهان (رويترز)

وتمتلك إيران عدداً غير معروف من أجهزة الطرد المركزي، وهي الآلات التي يمكنها تخصيب اليورانيوم، مخزنة في مواقع غير معروفة. ولأن حجم مخزونها من اليورانيوم المخصب غير معروف الآن، فهناك خطر من أن ‌تتمكن إيران من دمج الاثنين معاً سرّاً وإنتاج يورانيوم من الدرجة التي يمكن استخدامها في صنع الأسلحة، في انتهاك لالتزاماتها بموجب معاهدة منع الانتشار النووي.

وفي الوقت الحالي، يبدو من المرجح أن عملية البحث عن مخزون إيران من اليورانيوم المخصب ستستمر لبعض الوقت.