من غزة إلى الضفة... شهادات فلسطينيين واعترافات جنود إسرائيليين باستخدام مدنيين دروعاً بشرية

قوات الاحتلال تصفهم بـ«البعوض» و«الدبابير»

تظهر هذه الصورة التي قدمتها منظمة «كسر الصمت» وهي مجموعة مكونة من جنود إسرائيليين سابقين، اثنين من المعتقلين اللذين استخدما بوصف أنهما درعان بشريان داخل منزل في منطقة مدينة غزة في عام 2024 (أ.ب)
تظهر هذه الصورة التي قدمتها منظمة «كسر الصمت» وهي مجموعة مكونة من جنود إسرائيليين سابقين، اثنين من المعتقلين اللذين استخدما بوصف أنهما درعان بشريان داخل منزل في منطقة مدينة غزة في عام 2024 (أ.ب)
TT

من غزة إلى الضفة... شهادات فلسطينيين واعترافات جنود إسرائيليين باستخدام مدنيين دروعاً بشرية

تظهر هذه الصورة التي قدمتها منظمة «كسر الصمت» وهي مجموعة مكونة من جنود إسرائيليين سابقين، اثنين من المعتقلين اللذين استخدما بوصف أنهما درعان بشريان داخل منزل في منطقة مدينة غزة في عام 2024 (أ.ب)
تظهر هذه الصورة التي قدمتها منظمة «كسر الصمت» وهي مجموعة مكونة من جنود إسرائيليين سابقين، اثنين من المعتقلين اللذين استخدما بوصف أنهما درعان بشريان داخل منزل في منطقة مدينة غزة في عام 2024 (أ.ب)

المرات الوحيدة التي لم يكن فيها الرجل الفلسطيني أيمن أبو حمدان مقيداً أو معصوب العينين، كانت عندما استخدمه الجنود الإسرائيليون درعاً بشرياً، وفق ما قال لوكالة «أسوشييتد برس» للأنباء.

وأوضح أبو حمدان، الذي كان يرتدي زياً عسكرياً وكاميرا مثبتة على جبهته، أنه أُجبر على دخول منازل في قطاع غزة للتأكد من خلوها من القنابل، والمسلحين.

وأشار الرجل البالغ من العمر 36 عاماً إلى أنه عندما انتهت إحدى الوحدات منه، تم نقله إلى الوحدة التالية.

وعن فترة احتجازه لمدة أسبوعين ونصف الصيف الماضي لدى الجيش الإسرائيلي في شمال غزة، قال: «ضربوني، وقالوا لي: ليس لديك خيار آخر؛ افعل هذا، وإلا قتلناك».

وأوضح ضابط إسرائيلي، طلب عدم الكشف عن هويته خوفاً من الانتقام، أن «الأوامر غالباً ما كانت تأتي من الأعلى، وفي بعض الأحيان كانت كل فصيلة تقريباً تستخدم فلسطينياً لإخلاء المواقع».

تظهر هذه الصورة التي قدمتها منظمة «كسر الصمت» وهي مجموعة مكونة من جنود إسرائيليين سابقين جنديين خلف معتقلين فلسطينيين يتم إرسالهم إلى منزل في منطقة مدينة غزة لإخلائه في عام 2024 (أ.ب)

كذلك، أكد العديد من الفلسطينيين والجنود لـ«أسوشييتد برس» أن القوات الإسرائيلية تجبر الفلسطينيين بشكل منهجي على العمل كدروع بشرية في غزة، وترسلهم إلى المباني والأنفاق للتحقق من عدم وجود متفجرات أو مسلحين، لافتين إلى أن هذه الممارسة الخطيرة أصبحت شائعة خلال 19 شهراً من الحرب.

ورداً على هذه الادعاءات، قال الجيش الإسرائيلي إنه يحظر تماماً استخدام المدنيين على أنهم دروع بشرية، وهي ممارسة طالما اتهم «حماس» باستخدامها في غزة.

وفي بيان للوكالة، أضاف الجيش أنه «يحظر أيضاً إجبار المدنيين على المشاركة في العمليات، وأن جميع هذه الأوامر تُشدد بشكل روتيني على القوات».

وأشار إلى أنه «يحقق في عدة حالات تزعم مشاركة فلسطينيين في مهام»، لكنه لم يقدم تفاصيل. ولم يُجب عن أسئلة حول نطاق هذه الممارسة، أو أي أوامر من القادة.

وفي هذا الإطار، تحدثت «أسوشييتد برس» مع سبعة فلسطينيين وصفوا استخدامهم على أنهم دروع بشرية في غزة والضفة الغربية، ومع عنصرين من الجيش الإسرائيلي قالا إنهما شاركا في هذه الممارسة التي يحظرها القانون الدولي.

وتدق جماعات حقوق الإنسان ناقوس الخطر، قائلة إنها أصبحت إجراءً قياسياً يُستخدم بشكل متزايد في الحرب.

وقال ناداف فايمان، المدير التنفيذي لمنظمة «كسر الصمت»، وهي مجموعة مُبلغين عن المخالفات من جنود إسرائيليين سابقين جمعت شهادات حول هذه الممارسة من داخل الجيش: «هذه ليست روايات معزولة؛ إنها تشير إلى فشل منهجي، وانهيار أخلاقي مروع».

وأضاف: «تُدين إسرائيل (حماس) لاستخدامها المدنيين على أنهم دروع بشرية، لكن جنودنا يصفون فعل الشيء نفسه».

في شقتها ببلدة الزبابدة المحتلة بالضفة الغربية عرضت الفلسطينية إيمان عامر صورة تقول إنها تُظهر جنوداً إسرائيليين يجبرونها على الذهاب إلى منزل أحد جيرانها بوصف أنها درع بشري في مخيم جنين للاجئين (أ.ب)

17 يوماً وهو درع بشري

وقال أبو حمدان إنه احتُجز في أغسطس (آب) بعد فصله عن عائلته، وأخبره الجنود بأنه سيساعد في «مهمة خاصة».

وأخبر أنه أُجبر لمدة 17 يوماً على تفتيش المنازل، وفحص كل حفرة في الأرض، بحثاً عن أنفاق، مشيراً إلى أن الجنود وقفوا خلفه، وبمجرد أن اتضح الأمر، دخلوا المباني لإتلافها، أو تدميرها.

وذكر أبو حمدان أنه قضى كل ليلة مقيداً في غرفة مظلمة، ليستيقظ ويفعل ذلك مرة أخرى.

الفلسطيني محمد عامر وزوجته إيمان يجلسان في شقة في بلدة الزبابدة بالضفة الغربية حيث لجآ عندما داهم الجيش الإسرائيلي مخيم جنين للاجئين (أ.ب)

«بروتوكول البعوض»

واستخدام الدروع البشرية «انتشر كالنار في الهشيم»، وبحسب جماعات حقوق الإنسان فإن إسرائيل استخدمت الفلسطينيين على أنهم دروع في غزة والضفة الغربية لعقود. حظرت المحكمة العليا هذه الممارسة عام 2005. لكن المنظمات استمرت في توثيق الانتهاكات.

ومع ذلك، يقول الخبراء إن هذه الحرب هي المرة الأولى منذ عقود التي تنتشر فيها هذه الممارسة -والنقاش الدائر حولها- على هذا النحو.

قال الجنديان الإسرائيليان اللذان تحدثا إلى لـ«أسوشييتد برس»، وثالث أدلى بشهادته لمنظمة «كسر الصمت» إن القادة كانوا على دراية باستخدام الدروع البشرية، وتسامحوا معه، حتى إن بعضهم أصدر أوامر بذلك.

وقال البعض إنه أُطلق عليه اسم «بروتوكول البعوض»، وإن الفلسطينيين أُطلق عليهم أيضاً اسم «الدبابير»، وغيرهما من المصطلحات المهينة.

وقال الجنود، الذين لم يعودوا يخدمون في غزة، إن «هذه الممارسة سرّعت العمليات، ووفرت الذخيرة، وجنبت الكلاب القتالية الإصابة، أو الموت».

وأوضح الجنود أنهم أدركوا لأول مرة استخدام الدروع البشرية بعد وقت قصير من اندلاع الحرب في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، عندما هاجمت «حماس» إسرائيل، لافتين إلى أن هذه الممارسة انتشرت على نطاق واسع بحلول منتصف عام 2024.

وفقاً للضابط الذي تحدث إلى «أسوشييتد برس»، فإن «أوامر (إحضار بعوضة) كانت تأتي غالباً عبر الراديو، وهي اختصار يفهمه الجميع. وكان الجنود ينفذون أوامر الضباط القادة».

وقال الضابط البالغ من العمر 26 عاماً إنه بحلول نهاية الأشهر التسعة التي قضاها في غزة، كانت كل وحدة مشاة تستخدم فلسطينياً لإخلاء المنازل قبل الدخول.

وأضاف: «بمجرد أن بدأت هذه الفكرة انتشرت كالنار في الهشيم. رأى الناس مدى فعاليتها، وسهولة تطبيقها».

ووصف اجتماعاً تخطيطياً لعام 2024، حيث قدم قائد لواء لقائد الفرقة شريحة مكتوباً عليها «إحضار بعوضة»، واقتراحاً بأنهم قد «يصطادون واحدة من الشوارع».

كتب الضابط تقريرين عن الحادث إلى قائد اللواء، يُفصّل فيهما استخدام الدروع البشرية، وقال إنهما كانا سيُرفعان إلى قائد الفرقة.

وتابع: «وثّق أحد التقارير مقتل فلسطيني عن طريق الخطأ، ولم تدرك القوات أن وحدة أخرى كانت تستخدمه على أنه درع، وأطلقت النار عليه أثناء ركضه إلى منزل. أوصى الضابط بارتداء الفلسطينيين ملابس الجيش لتجنب الخطأ في التعرف عليهم».

وقال إنه يعرف فلسطينياً آخر على الأقل توفي أثناء استخدامه على أنه درع، فقد أغمي عليه في نفق.

توسلوا لتحريرهم دون جدوى

وتحدث رقيب في الجيش الإسرائيلي، شريطة عدم الكشف عن هويته خوفاً من الانتقام، كاشفاً أن القوات استخدمت فتى يبلغ من العمر 16 عاماً، ورجلاً يبلغ من العمر 30 عاماً لبضعة أيام.

وقال إن الصبي كان يرتجف باستمرار، وكلاهما يردد «رفح، رفح»، أقصى مدينة في جنوب غزة، حيث فر أكثر من مليون فلسطيني من القتال لأماكن أخرى في تلك المرحلة من الحرب، وأضاف: «بدا أنهما يتوسلان لتحريرهما».

أما مسعود أبو سعيد، فقال إنه استُخدم على أنه درع لمدة أسبوعين في مارس (آذار) 2024 في مدينة خان يونس الجنوبية، وقال إنه توسل قائلاً: «لدي أطفال».

وروى أنه قال لجندي: «هذا أمر خطير للغاية. لدي أطفال، وأريد أن ألتقي بهم».

وأخبر الرجل البالغ من العمر 36 عاماً بأنه أُجبر على دخول منازل، ومبانٍ، ومستشفى لحفر أنفاق مشتبه بها، وتطهير المناطق. وأشار إلى أنه كان يرتدي سترة الإسعافات الأولية لسهولة التعرف عليه، وكان يحمل هاتفاً، ومطرقة، وقواطع سلاسل.

وخلال إحدى العمليات، اصطدم بأخيه الذي استخدمته وحدة أخرى على أنه درع. تعانقا، قال: «ظننت أن الجيش الإسرائيلي قد أعدمه».

كما أفاد الفلسطينيون بأنهم يُستخدمون بوصف أنهم دروع بشرية في الضفة الغربية.

الفلسطينية هزار استيتي تُقبّل ابنها نزار البالغ من العمر واحداً وعشرين شهراً والذي تحتضنه جدته نازك (أ.ب)

وقالت هزار استيتي إن الجنود أخذوها إلى منزلها في مخيم جنين للاجئين في نوفمبر (تشرين الثاني)، وأجبروها على تصوير عدة شقق داخله وإخلائها قبل دخول القوات.

وروت أنها توسلت للعودة إلى ابنها البالغ من العمر 21 شهراً، لكن الجنود لم يستمعوا.

وأضافت: «كنت خائفة للغاية من أن يقتلوني، وألا أرى ابني مرة أخرى».


مقالات ذات صلة

مقتل 4 فلسطينيين على الأقل في غارات إسرائيلية على غزة

المشرق العربي رجل يحمل جثمان طفل أمس السب تقتل جرَّاء قصف مدفعي إسرائيلي على منازل سكنية قرب مستشفى كمال عدوان في بيت لاهيا شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

مقتل 4 فلسطينيين على الأقل في غارات إسرائيلية على غزة

قال مسؤولو صحة في قطاع غزة إن هجمات للجيش الإسرائيلي أسفرت عن مقتل أربعة فلسطينيين على الأقل اليوم الأحد.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أقام مسؤولون انتخابيون فلسطينيون مركز اقتراع في خيمة لإجراء الانتخابات البلدية بدير البلح (أ.ف.ب)

الأولى منذ اندلاع الحرب... بدء التصويت في الانتخابات البلدية بالضفة ووسط غزة

فتحت مراكز التصويت صباح اليوم (السبت)، في جميع مناطق الضفة الغربية ووسط قطاع غزة، أمام الناخبين الفلسطينيين لانتخاب المجالس البلدية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أحد عناصر هندسة المتفجرات التابعة لشرطة غزة يتعامل مع قذيفة غير منفجرة (الشرطة الفلسطينية)

الأمم المتحدة تحذّر من تهديد الذخائر غير المنفجرة في غزة لجهود إعادة الإعمار

حذّرت الأمم المتحدة، من أنّ قطاع غزة الذي دمّرته الحرب، ملوّث بشدّة بذخائر غير منفجرة تقتل المدنيين وتشوههم بانتظام، وتهدّد جهود إعادة الإعمار على المدى الطويل.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
المشرق العربي فلسطينيون يتجمَّعون حول سيارة مُدمَّرة بعد استهدافها بغارة إسرائيلية في شارع صلاح الدين جنوب مخيم البريج بقطاع غزة (أ.ف.ب)

غارات إسرائيلية تقتل 10 أشخاص في غزة

 قال مسؤولون فلسطينيون في قطاع الصحة إن نيراناً إسرائيلية قتلت ما لا يقل ​عن 10 أشخاص، بينهم شرطيان، في أنحاء قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي فلسطينيون يشيعون قتلى سقطوا في هجوم إسرائيلي أمام مستشفى الشفاء بمدينة غزة الخميس (أ.ف.ب)

«حماس» و«الجهاد» تحصيان خسائرهما البشرية خلال حرب غزة

دشنت «كتائب القسام» الجناح المسلح لـ«حماس»، صفحة عبر تطبيق «تلغرام»، للكشف عن قيادات ونشطاء ميدانيين قتلوا خلال الحرب وفي الخروق المستمرة بالقطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)

«أكسيوس»: إيران قدمت مقترحاً جديداً لأميركا لإعادة فتح هرمز وإنهاء الحرب

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
TT

«أكسيوس»: إيران قدمت مقترحاً جديداً لأميركا لإعادة فتح هرمز وإنهاء الحرب

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)

ذكر موقع «أكسيوس» الإخباري ‌نقلا عن ‌مسؤول ​أميركي ‌ومصدران ⁠مطلعان ​أن إيران ⁠قدمت عبر وسطاء باكستانيين ⁠مقترحا ‌جديدا ‌إلى ​الولايات ‌المتحدة ‌لإعادة فتح ‌مضيق هرمز وإنهاء الحرب.

ويشمل المقترح بحسب «أكسيوس»، ⁠إرجاء ⁠المفاوضات النووية إلى مرحلة لاحقة.


الهدنة على المحك عقب تعثر مسار باكستان

السلطان هيثم بن طارق لدى استقباله عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني. (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق لدى استقباله عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني. (العمانية)
TT

الهدنة على المحك عقب تعثر مسار باكستان

السلطان هيثم بن طارق لدى استقباله عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني. (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق لدى استقباله عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني. (العمانية)

وُضعت هدنة الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران أمام اختبار جديد، أمس (الأحد)، مع تعثر مسار باكستان، في وقت شدد فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الضغط على طهران، ملوحاً بخطر «القنبلة الموقوتة» لتخزين النفط وتمسكه بـ«الانتصار».

وقال ترمب إن أمام إيران نحو 3 أيام قبل أن تصبح خطوط أنابيب النفط لديها معرضة لخطر الانفجار بسبب تراكم النفط ومحدودية التخزين، بعد توقف الشحنات من الموانئ الإيرانية تحت الحصار الأميركي. وأضاف أن طهران «تحت ضغط»، وأنها إذا أرادت التفاوض فعليها الاتصال بواشنطن عبر «خطوط آمنة».

وعاد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، إلى إسلام آباد بعد محادثات مع السلطان هيثم بن طارق، في مسقط، ركزت على مضيق هرمز. وقالت وسائل إعلام إيرانية إن عراقجي نقل عبر باكستان رسائل إلى واشنطن، بشأن «الخطوط الحمراء» في الملف النووي والمضيق.

وأبلغ الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، خلال اتصال، بأن طهران لن تدخل في «مفاوضات مفروضة عليها» تحت التهديد أو الحصار. وطالب بإزالة العقبات أولاً، بما في ذلك الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية، قبل وضع أسس التسوية.

وتصاعد التباين في طهران؛ إذ هاجم المتحدث باسم لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني إبراهيم رضائي، دور باكستان، قائلاً إنها «صديقة وجارة جيدة»، لكنها «ليست وسيطاً مناسباً، ولا تقول ما يخالف رغبة الأميركيين»، معتبراً أن الوسيط يجب أن يكون محايداً. بدوره، قال نائب رئيس البرلمان علي نيكزاد، إن مضيق هرمز لن يعود إلى وضعه السابق استناداً إلى أوامر المرشد مجتبى خامنئي.


واشنطن تبدأ معركة الألغام في مضيق هرمز

تظهر سفينة «إيبامينونداس» خلال احتجازها من قبل «الحرس الثوري» الإيراني في مضيق هرمز بإيران (رويترز)
تظهر سفينة «إيبامينونداس» خلال احتجازها من قبل «الحرس الثوري» الإيراني في مضيق هرمز بإيران (رويترز)
TT

واشنطن تبدأ معركة الألغام في مضيق هرمز

تظهر سفينة «إيبامينونداس» خلال احتجازها من قبل «الحرس الثوري» الإيراني في مضيق هرمز بإيران (رويترز)
تظهر سفينة «إيبامينونداس» خلال احتجازها من قبل «الحرس الثوري» الإيراني في مضيق هرمز بإيران (رويترز)

قال الرئيس دونالد ترمب إن البحرية الأميركية تعمل على إزالة ألغام إيرانية في مضيق هرمز، الممر الحيوي لشحنات النفط، الذي بات تعطّله يُهدد الاقتصاد العالمي بصورة متزايدة.

ويقول خبراء إن تمشيط المنطقة بحثاً عن متفجرات تحت الماء قد يستغرق أشهراً، رغم سريان وقف إطلاق نار هش بين الولايات المتحدة وإيران في الحرب التي تتواصل منذ أسابيع.

ووفقاً لوكالة «أسوشييتد برس»، فإن أي إعلانات مستقبلية عن قيام الولايات المتحدة بتطهير الممر المائي، الذي يمر عبره عادة نحو 20 في المائة من نفط العالم، قد تفشل في إقناع سفن الشحن التجارية وشركات التأمين بأن المضيق أصبح آمناً.

وقالت إيما سالزبري، الباحثة في برنامج الأمن القومي التابع لمعهد أبحاث السياسة الخارجية: «ليس عليك حتى أن تكون قد زرعت ألغاماً؛ يكفي أن تجعل الناس يعتقدون أنك زرعتها».

وأضافت إيما سالزبري، وهي أيضاً زميلة في مركز الدراسات الاستراتيجية التابع للبحرية الملكية: «وحتى إذا قامت الولايات المتحدة بتمشيط المضيق، وقالت إن كل شيء أصبح آمناً، فكل ما على الإيرانيين فعله أن يقولوا: حسناً، في الواقع، لم تعثروا عليها كلها بعد». وتابعت: «هناك حدٌّ لما يمكن أن تفعله الولايات المتحدة لإعادة تلك الثقة إلى الشحن التجاري».

ويُعد البحث عن الألغام من أحدث التكتيكات التي أعلنتها إدارة ترمب لإعادة حركة المرور عبر المضيق، في ظل ارتفاع أسعار الطاقة وتداعيات اقتصادية أوسع تُشكل خطراً سياسياً. كما فرضت الولايات المتحدة حصاراً على موانئ إيران، واحتجزت سفناً مرتبطة بطهران.

إزالة الألغام قد تستغرق 6 أشهر

وأبلغ مسؤولون في البنتاغون مشرّعين أن إزالة الألغام التي زرعتها إيران في المضيق ستستغرق على الأرجح 6 أشهر، وفق شخص مطلع على الوضع تحدّث شرط عدم الكشف عن هويته لمناقشة معلومات حساسة.

وقُدمت هذه المعلومات خلال إحاطة سرية للجنة القوات المسلحة في مجلس النواب، الثلاثاء. وعندما سُئل عن هذا التقدير، قال وزير الدفاع بيت هيغسيث للصحافيين، الجمعة، إن الجيش لن يتكهن بجدول زمني، لكنه لم ينفِ الأمر.

وقال هيغسيث في مؤتمر صحافي بالبنتاغون: «يُزعم أن هذا كان شيئاً قيل». وأضاف: «لكننا واثقون بقدرتنا، خلال الفترة المناسبة، على إزالة أي ألغام نحددها».

وفي وقت لاحق، قال ترمب إنه أمر البحرية بمهاجمة أي قارب يزرع ألغاماً في المضيق. وكتب الرئيس على وسائل التواصل الاجتماعي، الخميس: «إضافة إلى ذلك، فإن كاسحات الألغام لدينا تُنظف المضيق الآن». وأضاف: «آمر بموجب هذا بمواصلة النشاط، لكن بمستوى مضاعف 3 مرات».

وقال قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، الأدميرال براد كوبر، للصحافيين مؤخراً إن الجيش سيعمل على إزالة الألغام من المضيق من دون أن يُقدم تفاصيل.

ولا توجد مؤشرات إلى أن الجيش الأميركي يستخدم حالياً سفناً حربية داخل المضيق، وهي من أبرز أصوله الظاهرة في عمليات إزالة الألغام، لكنّ لدى البحرية أيضاً غواصين وفرقاً صغيرة من فنيي التخلص من الذخائر المتفجرة في المنطقة، قادرين على إزالة الألغام، وهي هدف أقل وضوحاً من سفينة حربية كبيرة. ويقول خبراء إن بعض معدات إزالة الألغام يمكن نقلها من السفن ونشرها من البر.

زرع الألغام أسهل من العثور عليها

وليس واضحاً ما إذا كان قد جرى زرع أي لغم حتى الآن. ولم تذكر إيران سوى «احتمال» وجود ألغام في المسارات التي كانت تُستخدم في المضيق قبل الحرب. وقالت إيما سالزبري من معهد أبحاث السياسة الخارجية إن تقديرات مخزونات إيران من الألغام تُشير إلى بضعة آلاف. ويُعتقد أن معظم تلك المتفجرات البحرية تعود إلى نماذج سوفياتية قديمة، فيما قد تكون بعض الأنواع الأحدث صينية الصنع أو مُنتجة محلياً.

وأضافت إيما سالزبري: «زرع الألغام أسهل بكثير من إزالتها، لذلك يمكنك حرفياً دفع هذه الأشياء من مؤخرة زورق سريع»، لكنها أشارت إلى أن الولايات المتحدة يمكنها على الأرجح رؤية ذلك. وأوضحت أن لدى إيران أيضاً غواصات صغيرة يمكنها زرع الألغام، ويصعب اكتشافها بدرجة أكبر بكثير، لافتة إلى أنها لم ترَ مؤشرات إلى تدميرها في الحرب.

وقالت إيما سالزبري إنه إذا كانت إيران قد زرعت ألغاماً في المضيق، فهي ليست الكرات الشائكة العائمة على السطح كما تُرى في الأفلام. ومن المرجح أن تكون المتفجرات مستقرة في قاع البحر أو مثبتة إليه بواسطة كابل وتطفو تحت السطح. ويمكن أن تنفجر بتغير ضغط الماء عند مرور سفينة أو بصوت محركها.

كيف تبحث واشنطن عن الألغام؟

وقال مسؤول دفاعي، رفض الكشف عن هويته، إن البحرية الأميركية لديها الآن سفينتان قتاليتان ساحليتان في الشرق الأوسط قادرتان على تمشيط الألغام.

وأضاف المسؤول أن كاسحتي ألغام أميركيتين من فئة «أفنجر»، تتمركزان في اليابان، غادرتا أيضاً إلى الشرق الأوسط، لكنهما كانتا في المحيط الهادئ حتى الجمعة.

وقال ستيفن ويلز، وهو ضابط متقاعد برتبة لفتنانت كوماندر، خدم على سفينة من فئة «أفنجر»، إن البحرية تبحث على الأرجح عن متفجرات بحرية من أجل إنشاء ممر آمن عبر المضيق. أما إزالة الألغام فهي عملية أبطأ تحدث عادة بعد النزاع.

وقال ويلز، وهو خبير في مركز الاستراتيجية البحرية التابع لرابطة البحرية الأميركية: «إن صيد الألغام يُشبه السير في حديقتك واقتلاع الأعشاب والنباتات البرية واحدة تلو الأخرى، كي تتمكن من عبور المكان بأمان من جانب إلى آخر. أما تمشيط الألغام، فيشبه جزّ العشب».

من جانبه، قال سكوت سافيتز، الباحث في مؤسسة «راند»، والمتخصص في العمليات البحرية وإزالة الألغام، إن البحرية لا تحتاج بالضرورة إلى إزالة كل لغم حتى آخر واحد. وأضاف: «لا تزال هناك مناطق لم تُطهَّر منذ الحرب العالمية الثانية، وفي بعض الحالات منذ الحرب العالمية الأولى، وذلك لأن العملية كثيفة الموارد وتستغرق وقتاً طويلاً».

وقال ويلز إن الفرق الموجودة على السفن القتالية الساحلية التابعة للبحرية يمكنها نشر مركبات غير مأهولة تعمل عن بُعد، وتستخدم السونار وتقنيات أخرى للعثور على الألغام. كما تحمل هذه المركبات شحنات لتدمير المتفجرات.

وأضاف أن سفن البحرية الأميركية قد تحمل أيضاً فرقاً للتخلص من الذخائر المتفجرة، بينها غواصون، يمكنهم البحث عن الألغام وتدميرها. ويمكن للمروحيات البحث عن الألغام باستخدام الليزر.

شركات الشحن تُقيّم المخاطر

قال سافيتز إن شركات الشحن ستكون في نهاية المطاف مستعدة لتحمل بعض المخاطر للمرور عبر المضيق، «خصوصاً بالنظر إلى مدى ربحية ذلك».

وبموجب إجراء الموافقة الإيراني الخاص بالسفن الراغبة في عبور المضيق، يجب أن تسلك السفن مساراً مختلفاً عما كان عليه قبل الحرب، إلى الشمال قرب الساحل الإيراني.

وقال ديلان مورتيمر، مسؤول مخاطر الحرب البحرية في المملكة المتحدة لدى وسيط التأمين «مارش»، إن شركات التأمين تضيف بنداً يلزم مالكي السفن بالاتصال بالسلطات الإيرانية لضمان المرور الآمن.

وأوضح مورتيمر أن هذه الشهادة لا تذكر الألغام تحديداً، وتهدف إلى الحماية من كامل طيف التهديدات، بما في ذلك هجمات الصواريخ والطائرات المسيّرة أو عمليات الاحتجاز. لكن الألغام تؤدي، في الحد الأدنى، دوراً نفسياً، وهي ظاهرة وصفها مورتيمر بأنها «شبح التهديد».

وقال مورتيمر: «هذا يصب في مصلحة الإيرانيين، لأنه سواء أكانت هناك ألغام أم لا، فإن الناس يعتقدون أن هناك ألغاماً، وسيتصرفون وفقاً لذلك».

وقد تعني هذه المخاوف أن استعادة الثقة بأن المضيق آمن قد تستغرق وقتاً أطول حتى بعد الحرب.