اتصالات عقب كل جولة... ماذا تنتظر مصر من مفاوضات أميركا وإيران؟

القاهرة تدعم «تسوية سياسية متوازنة» تُخفّض التصعيد بالمنطقة

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق بالقاهرة ديسمبر الماضي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق بالقاهرة ديسمبر الماضي (الرئاسة المصرية)
TT

اتصالات عقب كل جولة... ماذا تنتظر مصر من مفاوضات أميركا وإيران؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق بالقاهرة ديسمبر الماضي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق بالقاهرة ديسمبر الماضي (الرئاسة المصرية)

في وقت تحرص فيه القاهرة على إجراء اتصالات مع أطراف المفاوضات الأميركية - الإيرانية الجارية برعاية عمانية عقب كل جولة تفاوض، قال مصدر دبلوماسي مصري وخبراء إن «مصر تستهدف عودة الملاحة في البحر الأحمر لطبيعتها وتفويت الفرصة على أي محاولات لتأجيج الصراع في الشرق الأوسط».

ومساء الأحد، أعلنت وزارة الخارجية المصرية عن اتصالات هاتفية بين الوزير بدر عبد العاطي مع كل من وزير خارجية سلطنة عمان بدر البوسعيدي، ووزير خارجية إيران عباس عراقجي، ومبعوث الرئيس الأميركي للشرق الأوسط ستيف ويتكوف.

ووفق بيان للخارجية المصرية، فإن عبد العاطي تناول في اتصالاته تطورات الأوضاع الإقليمية، خاصة فيما يتعلق بالجولة الثالثة من المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران حول الملف النووي الإيراني، التي عُقدت السبت في العاصمة العُمانية مسقط، حيث اطّلع على آخر مستجدات المباحثات بين الجانبين.

وأكد وزير الخارجية المصري دعم القاهرة الكامل لجميع المبادرات التي تستهدف التوصل لحلول سياسية عبر الحوار والتفاوض، بما يُعزز من فرص تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، وأعرب عن التطلع أن تفضي المفاوضات إلى تسوية سياسية متوازنة تُسهم في خفض التصعيد وتخفيف حدة التوترات في المنطقة، وبدء مرحلة جديدة تسهم في استعادة الاستقرار الإقليمي.

وسبق أن أجرى وزير الخارجية المصري اتصالات مماثلة بالأطراف ذاتها عقب جولتي المفاوضات السابقتين، حيث عقدت الأولى في سلطنة عمان والثانية في روما.

وقال مصدر مصري مطلع لـ«الشرق الأوسط» إن «القاهرة تجري تلك الاتصالات في إطار جهود سياسية شاملة لتقريب وجهات النظر بين الأطراف بهدف تخفيف التوتر في البحر الأحمر وعودة الملاحة لطبيعتها».

وأوضح المصدر أن «الجهود المصرية تهدف إلى عدم تأجيج النزاع بالمنطقة، وكذلك عدم استخدام الملاحة في البحر الأحمر كورقة تفاوض فيما يتعلق بالملف النووي الإيراني؛ لأن ذلك سيضر الصالح العالمي كما يضر القضية الفلسطينية، والقاهرة حريصة على عدم عسكرة الحلول لأزمات المنطقة».

وتستهدف جماعة «الحوثي» اليمنية المدعومة من إيران السفن الإسرائيلية والأميركية في البحر الأحمر كرد على الحرب الإسرائيلية في غزة، فيما ردت الولايات المتحدة بأوامر من الرئيس دونالد ترمب من خلال ضربات جوية منذ أسابيع ضد الحوثيين في اليمن وتوعد بالقضاء عليهم تماماً.

وتتهم الولايات المتحدة إيران بدعم الحوثيين لتنفيذ مخططاتها في الشرق الأوسط. وقال الخبير المصري الاستراتيجي سمير فرج لـ«الشرق الأوسط» إن «مصر يهمها تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط، ومن ثم فهي تدفع معنوياً لإنجاح المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران من أجل تحقيق المصالح المصرية والعالمية».

وأوضح أن «مصر يهمها وقف دعم إيران للحوثيين الذين يستهدفون الملاحة في البحر الأحمر، مما يضر بشدة بالملاحة في قناة السويس وأفقدها مليارات الدولارات».

الرئيسان المصري والإيراني ووفدا البلدين على هامش قمة «بريكس» في روسيا أكتوبر الماضي (الرئاسة المصرية)

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد صرح في وقت سابق بأن قناة السويس فقدت نحو 6 مليارات دولار منذ تأجج الصراع في منطقة الشرق الأوسط على خلفية الحرب في غزة واستهداف الملاحة في البحر الأحمر.

وكيل المخابرات المصرية السابق، اللواء محمد رشاد، قال لـ«الشرق الأوسط» إن «إيران تستخدم الحوثيين كورقة قوية في يديها لحين تحقيق اتفاق يرضيها بشأن برنامجها النووي، ومصر تعلم ذلك ويهمها أن يحدث الاتفاق من أجل استعادة الهدوء في المنطقة، وخاصة في البحر الأحمر».

ويرى رشاد أن «الضربات التي تنفّذها أميركا هناك لن تقضي على الحوثيين»، وأن المسألة «لن تحل إلا باتفاق، وهو ما تدفع مصر نحوه»، كما أن هناك أطرافاً أخرى أيضاً مهتمة بنجاح الاتفاق مثل أوروبا.

والسبت، نقلت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية «إرنا» أن الجولة الثالثة من المفاوضات غير المباشرة بين وفدي التفاوض الإيراني والأميركي، التي جرت بوساطة سلطنة ‌عمان في مسقط، وفقاً للجدول الزمني المحدد لها، ضمت خبراء فنيين من البلدين، بينما الجولتان السابقتان من المحادثات دارت بشكل أساسي على معايير المفاوضات.

ووصفت كل من الولايات المتحدة وإيران المحادثات السابقة بأنها إيجابية، رغم تهديد ترمب بشن ضربات عسكرية أميركية وإسرائيلية على المواقع النووية الإيرانية في حال عدم قبول طهران بالتوصل إلى اتفاق.

وتصر واشنطن على عدم امتلاك إيران سلاحاً نووياً وتفكيك منظومة الصواريخ الباليستية، بينما تصر طهران على أن قدراتها الدفاعية لن تكون محل نقاش.

بينما قال المحلل السياسي عضو مجلس الشيوخ المصري، عماد الدين حسين، لـ«الشرق الأوسط»، إن «مصر تهدف لاستعادة الاستقرار في المنطقة عبر إنجاح المفاوضات بين واشنطن وطهران؛ لأن هذا الاستقرار سيفشل أي مخطط إسرائيلي لضرب المنشآت النووية الإيرانية وجر المنطقة والعالم لعواقب وخيمة».

وشدد على أن «الاتفاق الإيراني الأميركي حال حدوثه سيحقّق الهدوء الذي سينعكس على الكثير من القضايا، ومنها القضية الفلسطينية، كما سيحاصر مخططات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لإشعال المنطقة».


مقالات ذات صلة

تقرير: روسيا تساعد إيران سراً في تطوير صواريخ فرط صوتية لاستهداف السفن الأميركية

شؤون إقليمية لحظة إطلاق صاروخ إيراني في مكان لم يكشف عنه (أرشيف - رويترز)

تقرير: روسيا تساعد إيران سراً في تطوير صواريخ فرط صوتية لاستهداف السفن الأميركية

أكد تقرير صحافي أن روسيا تساعد إيران سراً في تطوير صواريخ كروز فرط صوتية، قادرة على تهديد السفن الحربية الأميركية في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
تحليل إخباري بحّار أميركي يوجّه إقلاع مروحية من سطح السفينة الهجومية البرمائية «يو إس إس بوكسر» في أثناء إبحارها في بحر العرب ضمن الحصار على إيران (البحرية الأميركية) p-circle

تحليل إخباري حتى الانتخابات... واشنطن بين «جزّ العشب» وتجنب الحرب مع إيران

لم يعد السؤال في واشنطن ما إذا كان الضغط على إيران سيتصاعد، بل إلى أي حد يمكن رفعه من دون إعادة الحرب إلى ذروتها؟

إيلي يوسف (واشنطن)
شؤون إقليمية سفن تعبر مضيق هرمز قبالة ساحل بندر عباس جنوب إيران الأربعاء 26 أغسطس 2026 (رويترز) p-circle

هل طورت إيران ألغاماً بحرية تطلق بالصواريخ؟

استهدفت غارات جوية أميركية على إيران منصتي إطلاق صواريخ كانتا قيد التجهيز لإطلاق صواريخ قادرة على إسقاط ألغام بحرية صغيرة في المياه

جون إيسماي (واشنطن)
شؤون إقليمية مشاة يسيرون أمام جدارية للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي على طول أحد شوارع وسط طهران 31 أغسطس 2026 (أ.ف.ب)

الإعدام لامرأتين في إيران لمشاركتهما في احتجاجات بداية العام

أصدر القضاء الإيراني حكماً بالإعدام بحق امرأتين بتهمة المشاركة في الاحتجاجات المناهضة للحكومة في يناير (كانون الثاني).

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية سفن في مضيق هرمز قبالة شاطئ بندر عباس جنوب إيران... 26 أغسطس 2026 (رويترز)

العثور على عشرة صيادين إيرانيين في الإمارات بعد أسابيع من فقدانهم

أعلنت إيران العثور على عشرة من صياديها في الإمارات بعدما فقدوا رفقة ثلاثة صيادين آخرين قبالة ساحلها قبل أسابيع.

«الشرق الأوسط» (طهران)

بيسنت: شركات الطيران والأصول الرقمية قد تكون أهدافاً لعقوبات مرتبطة بإيران

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت (أرشيفية-رويترز)
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت (أرشيفية-رويترز)
TT

بيسنت: شركات الطيران والأصول الرقمية قد تكون أهدافاً لعقوبات مرتبطة بإيران

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت (أرشيفية-رويترز)
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت (أرشيفية-رويترز)

قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، لقناة «فوكس نيوز»، اليوم الأربعاء، إن شركات الطيران والقطاع البحري والأصول الرقمية ربما تكون أهدافاً محتملة للعقوبات، وذلك في وقت تُواصل فيه إدارة الرئيس دونالد ترمب مساعيها لخنق الاقتصاد الإيراني.

وأطلقت الولايات المتحدة حملة تهدف إلى «خنق» اقتصاد إيران، تتضمن عقوبات على كل مَن يتعامل تجارياً مع طهران.

ودعت السلطات الإيرانية مواطنيها، الثلاثاء، إلى خفض استهلاك البنزين، في ظل صعوبات الاستيراد بسبب الحصار الأميركي على موانئها.

نُسخ من صحيفتيْ «همشهري» و«جام جم» الإيرانيتين تحمل صورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وعنواناً باللغة الفارسية «بندقية العقوبات الفارغة» (إ.ب.أ)

تأتي هذه التطورات في ظل تعثر العملية الدبلوماسية بعد انهيار مذكرة تفاهم وقّعتها واشنطن وطهران في يونيو (حزيران) الماضي.

ودعا الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الثلاثاء، الولايات المتحدة إلى استئناف المحادثات والعودة إلى التزام مذكرة التفاهم، مؤكدا أن إيران ستستأنف، في هذه الحال، الوفاء بالتزاماتها «فوراً».

Your Premium trial has ended


كاتس يهدد بالرد بـ«قوة كبيرة» على أي هجوم إيراني

وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس (د.ب.أ)
وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس (د.ب.أ)
TT

كاتس يهدد بالرد بـ«قوة كبيرة» على أي هجوم إيراني

وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس (د.ب.أ)
وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس (د.ب.أ)

توعّد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إيران، الأربعاء، بأن الدولة العبرية مستعدّة للرد «بقوة كبيرة» على أي هجوم قد تشنّه عليها، في ظل تجدد التصعيد بين واشنطن وطهران.

وقال كاتس، خلال مؤتمر استضافه موقع «واي نت» وصحيفة يديعوت أحرونوت: «في الوقت الحالي، هم يشنون ضربات في أنحاء المنطقة باستثنائنا... لكن هناك احتمالاً بأن يهاجمونا. ونحن مستعدّون لذلك دفاعياً».

وحذّر من أنه في حال حصول ذلك، فإن إسرائيل ستردُّ «بقوة كبيرة، بشكل مستقل عن أي طرف آخر»، مضيفاً: «طائراتنا مستعدّة للإقلاع».

وشنّت إيران، الأربعاء، هجمات على قواعد عسكرية أميركية في الخليج، بعد انتهاء جولة من الضربات التي شنّتها واشنطن ضدها، في توسيع لدائرة التصعيد مع تعثر الجهود الدبلوماسية للخروج من الحرب التي بدأت بهجوم أميركي إسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي.

صورة نشرها التلفزيون الرسمي الإيراني لإطلاق صواريخ باليستية في بداية الحرب (أ.ف.ب)

وتوصلت واشطن وطهران إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في أبريل (نيسان). ورغم تبادل الجانبين الضربات مراراً، منذ ذلك الحين، بقيت إسرائيل بقيت بمنأى عن المشاركة في العمليات.

وتحدّث كاتس عن احتمال أن تستغل إيران فترة الأعياد اليهودية التي تبدأ منتصف سبتمبر (أيلول) الحالي، لشنّ هجمات على الدولة العبرية.

وقال إن الإيرانيين «يحبّون الهجوم في الأعياد اليهودية لأنهم يكرهون اليهود... لكننا مستعدّون دفاعياً وهجومياً، بالتنسيق مع الولايات المتحدة في هذا الجانب».

Your Premium trial has ended


ما خيارات إيران للرد مع تجدد الحرب مع أميركا؟

جنود أميركيون ينفذون عمليات طيران ليلية على متن حاملة الطائرات «جورج واشنطن» خلال إبحار السفينة في المياه الإقليمية لدعم العمليات بالشرق الأوسط (سنتكوم)
جنود أميركيون ينفذون عمليات طيران ليلية على متن حاملة الطائرات «جورج واشنطن» خلال إبحار السفينة في المياه الإقليمية لدعم العمليات بالشرق الأوسط (سنتكوم)
TT

ما خيارات إيران للرد مع تجدد الحرب مع أميركا؟

جنود أميركيون ينفذون عمليات طيران ليلية على متن حاملة الطائرات «جورج واشنطن» خلال إبحار السفينة في المياه الإقليمية لدعم العمليات بالشرق الأوسط (سنتكوم)
جنود أميركيون ينفذون عمليات طيران ليلية على متن حاملة الطائرات «جورج واشنطن» خلال إبحار السفينة في المياه الإقليمية لدعم العمليات بالشرق الأوسط (سنتكوم)

شنت الولايات المتحدة موجة جديدة من الهجمات على إيران في وقت متأخر الثلاثاء، بعد ستة أشهر من صراع وصل إلى طريق مسدود، وردت طهران بإطلاق صواريخ وطائرات مسيرة على ما قالت إنها أهداف أميركية في المنطقة.

وفيما يلي أبرز الخيارات التي قد تلجأ إليها إيران إذا استمر التصعيد العسكري أو شددت واشنطن حملتها الرامية إلى خنق الاقتصاد الإيراني.

توسيع نطاق الهجمات

شنت إيران منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) هجمات متكررة على أهداف في دول مجاورة، قائلة إنها تستهدف قوات ومنشآت أميركية، وهددت برد «مزلزل» على أي طرف يشارك في الضغط العسكري والاقتصادي عليها.

وطالت بعض الهجمات منشآت للطاقة وبنى تحتية أخرى، رغم تأكيد طهران أن أهدافها الأساسية عسكرية أميركية.

وقد يؤدي توسيع الهجمات على منشآت النفط والغاز إلى دفع أسعار الطاقة إلى مزيد من الارتفاع، بما يزيد الضغوط السياسية والاقتصادية على إدارة الرئيس دونالد ترمب، ويجعل احتواء تداعيات المواجهة أكثر صعوبة.

كما يمكن أن يؤدي استهداف منشآت حيوية، مثل محطات توليد الكهرباء وتحلية المياه، إلى توسيع نطاق الأضرار المدنية والاقتصادية الناجمة عن الحرب.

سفن بالقرب من مضيق هرمز كما تُرى من مسندم بعُمان (رويترز)

توسيع الحرب غير المتكافئة

وتملك إيران خيار توسيع الضغط عبر الجماعات المسلحة المتحالفة معها. فقد دخل الحوثيون الحرب، كما شارك حزب الله وفصائل عراقية موالية لطهران في المواجهة، ما يمنحها القدرة على توزيع الهجمات على أكثر من ساحة بدلاً من حصر الرد بالقوات الإيرانية النظامية.

ويقوم هذا النهج على أدوات الحرب غير المتكافئة التي طورتها إيران منذ سنوات، وتشمل الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق السريعة والألغام، إلى جانب جماعات مسلحة تستطيع مهاجمة القوات أو طرق الملاحة من خارج الأراضي الإيرانية.

خيار الاستنزاف وإطالة الحرب

قد تراهن طهران أيضاً على إطالة أمد المواجهة بدلاً من البحث عن ضربة حاسمة. وكان محمد رضا نقدي، القيادي في «الحرس الثوري»، قد تحدث في أغسطس (آب) عن إمكان «إطالة الحرب حتى نهاية ولاية ترمب»، معتبراً أن الولايات المتحدة تخوض «حرباً بلا استراتيجية».

ويتفق ذلك مع خطاب عسكري إيراني يقوم على إعادة بناء القدرات بين جولات القتال. وقال رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف هذا الأسبوع إن القوات المسلحة تستغل «كل فرصة» لإعادة بناء قدراتها، وإن إيران ستكون في الجولات المقبلة «أكثر تفوقاً، نوعياً وكمياً».

هذه إضافة قوية لأن الخيار الإيراني يصبح: رفع كلفة حرب طويلة على واشنطن بدل محاولة الانتصار عليها عسكرياً في مواجهة مباشرة.

خفض تدفقات النفط

يظل رهان طهران لتعطيل صادرات النفط من أبرز أوراق الضغط الإيرانية منذ بداية الحرب.

وهدد محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، بوقف صادرات النفط إذا استمرت ما تسميه طهران «الحرب الاقتصادية»، قائلاً إنه لن يتم تصدير «قطرة واحدة» من النفط، سواء عبر مضيق هرمز أو من أي مكان آخر في الخليج العربي.

وفي الصدد، يشكل تهديد الملاحة ومساعي إغلاق مضيق هرمز من أبرز أدواة إيران لتعزيز موقفها التفاوضي. وقال رضائي إن المضيق سيظل مغلقاً حتى قبول شروط إيران، فيما أعلن قاليباف أن «المضيق لن يُفتح ما لم تُنفذ التزامات أميركا» في مذكرة تفاهم إسلام آباد.

وقال قاليباف إن واشنطن إذا لم تنفذ تعهداتها فإن طهران «سترغمها بلغة القوة على تنفيذها»، في صيغة تجمع بين الضغط العسكري والمخرج التفاوضي.

وبعد الضربات الأميركية الأخيرة، قال «الحرس الثوري» إن الهجمات ستجعل إغلاق مضيق هرمز «أكثر إحكاماً».

وأدت الهجمات والتهديدات الإيرانية ضد السفن إلى توقف معظم حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، الذي أصبح شبه مغلق بعدما كان يمر عبره قبل الحرب نحو خُمس إمدادات الطاقة العالمية.

ورغم عبور بعض ناقلات النفط خلال الأسابيع الماضية، لا تزال حركة الشحن أقل بكثير من مستوياتها السابقة.

وتسببت الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة والزوارق السريعة على ناقلات حاولت العبور في ارتفاع أسعار النفط مراراً خلال الأشهر الستة الماضية.ولا تحتاج إيران بالضرورة إلى وقف كل سفينة بالقوة لإحداث أثر اقتصادي. فقد استخدمت خلال الحرب مزيجاً من الألغام والصواريخ المضادة للسفن والمسيّرات والزوارق، بما يرفع المخاطر أمام شركات الشحن والتأمين ويجبر الولايات المتحدة على تأمين الممر باستمرار.

وأظهرت المواجهة الأخيرة بعد ضربة جزيرة لارك أن واشنطن باتت تستهدف أيضاً قدرات زرع الألغام والرادارات ومنصات الصواريخ التي تعيد إيران بناءها حول المضيق، وهو ما يفتح الباب أمام دورة متكررة من إعادة البناء ثم الضرب.

وفي مسار موازٍ، فرض الحوثيون المتحالفون مع إيران قيوداً على الملاحة في البحر الأحمر من خلال هجمات على سفن تجارية تمر عبر مضيق باب المندب.

وفي البداية، لم توقف الهجمات سوى جزء من حركة الشحن، وظل أكثر من نصف السفن يعبر حتى منتصف أغسطس (آب)، لكن شركات شحن بدأت لاحقاً تغيير مساراتها بعيداً عن باب المندب مع ارتفاع المخاطر.

سفن قرب مضيق هرمز كما تبدو من محافظة مسندم العُمانية، الأربعاء 2 سبتمبر 2026 (رويترز)

الكابلات البحرية

لوحت إيران أيضاً خلال الحرب بأن الكابلات البحرية العابرة لمضيق هرمز تمثل نقطة ضعف للاقتصاد الرقمي، ما أثار مخاوف من احتمال اتساع المواجهة إلى البنية التحتية للاتصالات.

ويمثل المضيق نقطة اختناق رقمية إلى جانب أهميته لشحنات الطاقة، إذ تمر في قاعه كابلات ألياف ضوئية تربط الهند وجنوب شرقي آسيا بأوروبا عبر الشرق الأوسط ومصر.

وتنقل الكابلات البحرية نحو 99 في المائة من حركة بيانات الإنترنت العالمية، بحسب الاتحاد الدولي للاتصالات، كما تحمل الاتصالات بين الدول وتدعم الخدمات السحابية والاتصالات عبر الإنترنت.

وقالت اللجنة الدولية لحماية الكابلات إن عدد أعطال الكابلات ظل عند نحو 150 إلى 200 حالة سنوياً رغم الزيادة الكبيرة في أطوال الشبكات البحرية بين 2014 و2025.

ويعود ما بين 70 و80 في المائة من الأعطال إلى أنشطة بشرية عرضية، خصوصاً الصيد ومراسي السفن، لكن اللجنة وخبراء يقولون إن التخريب المدعوم من دول يظل أحد الأخطار التي تواجه هذه الشبكات.

وتشمل المسارات الرئيسية العابرة لهرمز كابل «آسيا-أفريقيا-أوروبا 1»، الذي يربط جنوب شرقي آسيا بأوروبا عبر مصر، وشبكة «فالكون» التي تربط الهند وسريلانكا بالشرق الأوسط والسودان ومصر، فضلاً عن منظومة «جسر الخليج الدولي».

وأي تعطيل متعمد لهذه الشبكات يمكن أن يمتد أثره إلى حركة البيانات والاتصالات والخدمات الرقمية على نطاق يتجاوز المنطقة.

مارة يعبرون أمام لوحة دعائية في طهران تُظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب تحت الماء وسط انفجارات وتحمل عبارة «انتصار عظيم! مضيق هرمز»... الاثنين 24 أغسطس 2026 (أ.ب)

هجمات خارج المنطقة

ورغم أن معظم الدول الغربية تقع خارج مدى الصواريخ الإيرانية الرئيسية، يمتلك «الحرس الثوري» وسائل أخرى يمكن استخدامها لنقل المواجهة إلى خارج الشرق الأوسط.

واتهمت بريطانيا متسللين إلكترونيين مرتبطين بإيران بالتسبب في تعطيل محطة كهرباء صغيرة، بينما قال مسؤولون أميركيون إن طهران تقف على الأرجح وراء هجمات إلكترونية استهدفت محطات مياه في ولاية مينيسوتا. ولم تعلق إيران على تلك الاتهامات.

كما اتهمت أجهزة أمن غربية إيران بتجنيد أشخاص محليين لتنفيذ هجمات أو محاولات اغتيال في دول غربية، وهي اتهامات تنفيها طهران.

ومع تجدد الضربات الأميركية، تملك إيران بذلك مجموعة من خيارات الرد تتراوح بين توسيع هجماتها العسكرية، وتشديد الضغط على حركة النفط والملاحة، وتهديد البنية التحتية الرقمية، وصولاً إلى عمليات إلكترونية أو غير مباشرة خارج المنطقة.

لافتة تحمل صورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بجوار منظومة صواريخ إيرانية في ساحة آزادي بطهران (رويترز)

إبقاء باب التفاوض مفتوحاً تحت الضغط

وفي مقابل خيارات التصعيد، أبقت طهران على مخرج تفاوضي مشروط. وعرض الرئيس مسعود بزشكيان العودة فوراً إلى تنفيذ مذكرة تفاهم إسلام آباد إذا استأنفت الولايات المتحدة التزاماتها بموجب الاتفاق.

وقال وزير الخارجية عباس عراقجي إن الحل «واضح ومحدد تماماً» ويتمثل في عودة واشنطن إلى التزاماتها، بينما قدم قاليباف صيغة أكثر تشدداً تقوم على إجبار الولايات المتحدة على تنفيذ الاتفاق بـ«لغة القوة».

وهنا توجد مفارقة قوية مع تصريح ترمب الجديد الذي قال إنه لا يحاول إجبار إيران على طاولة المفاوضات، بعدما كان وزير الخزانة سكوت بيسنت قد أعلن قبل يومين أن هدف العقوبات تحديداً هو «تهيئة الظروف التي تجعل إيران راغبة في الجلوس إلى طاولة المفاوضات».