نتنياهو خطط لخطاب درامي مزلزل... فداهمته المفاجآت

حساباته تشوشت بعد مقتل جندي في غزة واندلاع مظاهرات بتل أبيب

TT

نتنياهو خطط لخطاب درامي مزلزل... فداهمته المفاجآت

متظاهرون في شمال إسبانيا يحرقون دمية على شكل نتنياهو يوم الأحد احتجاجاً على حرب غزة (إ.ب.أ)
متظاهرون في شمال إسبانيا يحرقون دمية على شكل نتنياهو يوم الأحد احتجاجاً على حرب غزة (إ.ب.أ)

بعد 30 ساعة من الانتظار وحبس الأنفاس، ونقاشات طويلة على الشاشات وفي الشبكات، تبين أن الخطاب الدرامي لبنيامين نتنياهو، مساء السبت، لم يكن إلا شعارات مكررة لتبرير استمرار الحرب على غزة. فهو لم يتطرّق للموضوع الإيراني بأكثر من جملة مهترئة، يرددها منذ 14 عاماً «لن نسمح لإيران بالتسلح النووي».

لم يأتِ بجديد في رسالته السياسية، وكما اعتاد في السنوات الأخيرة، ألقى كلمته وراء ستار حديدي، بخطاب مسجل سلفاً لا يتاح فيه للصحافيين أن يوجهوا له أي سؤال.

وإن كان هناك من جديد في الخطاب فهو أنه هاجم الصحافيين الإسرائيليين «والخبراء الذين يحللون في الاستوديوهات» فاتهمهم بأنهم يقدّمون خدمة مجانية لـ«حماس» عندما يطالبونه بإنهاء الحرب.

فلماذا فعل نتنياهو ذلك؟

بدا واضحاً أن نتنياهو أراد بالخطاب إشغال الرأي العام للتغطية على حدث آخر يتوقع أن يكون درامياً حقاً؛ وهو التصريح المشفوع بالقسم، الذي سيدلي به رئيس جهاز المخابرات العامة (الشاباك)، رونين بار، الأحد، في المحكمة. فالجنرال بار كان يستعد للكشف عما يعتبره السبب الحقيقي لقرار نتنياهو بإقالته.

نتنياهو ورونين بار في تل أبيب (أرشيفية - د.ب.أ)

بار يقول إن «السبب ليس انعدام الثقة، كما يدّعي رئيس الحكومة، بل لأنني رفضت القيام بخدمات خاصة تتناقض مع مهمتي في المخابرات». علم نتنياهو نية بار عرض سلسلة حكايات وقعت بينهما في هذا السياق، ويظهر منها أن نتنياهو طلب إقناع المحكمة بتأجيل محاكمته في قضايا الفساد؛ لأن حياته في خطر وقد رفض، كما طلب منه أن يزيد الحراسة على عائلته ورفض أيضاً، وغضب منه لأنه أمر بالتحقيق فيما يُعرف باسم قضية «قطر غيت»، التي قبض فيها عدد من مساعديه أموالاً شهرية، وغيرها من القضايا الأخرى.

«تمناه خطاباً مزلزلاً»

كان نتنياهو يخطط أن يكون لخطابه أثر زلزال؛ لأنه اتهم فيه قادة الإعلام الإسرائيلي بخدمة دعاية «حماس»، وأن يقع هذا الزلزال، عندما يكون نتنياهو يحتفل بالميمونة (الميمونة هي طريقة اليهود المغاربة في إنهاء عيد الفصح. فبعد أسبوع من الصوم عن الخبز وكل ما يحتوي على خميرة من العجائن، يخبزون مختلف أنواع الحلويات ويقيمون حلقات الرقص والأغاني).

اختار نتنياهو وزوجته الحضور إلى بيت أنسبائه؛ إذ إن عائلة خطيبة ابنه الصغير أفنير، من قرية مزور شرقي تل أبيب. وتمت دعوة 300 شخص للاحتفال، جميعهم من أنصاره من اليهود الشرقيين، والرسالة هي: هم يتخبطون ونحن نحتفل.

لكن أحداثاً عدة شوّشت وخربت خطة نتنياهو؛ فأولاً: تبين أن قوات الجيش الإسرائيلي وقعت في كمين لمقاتلي «حماس» شمالي قطاع غزة، بينما كان نتنياهو أصلاً يزور النطاق قبل أقل من أسبوع للتباهي بانتصاراته.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أثناء زيارة لشمال غزة يوم 15 أبريل 2025 (أ.ف.ب)

وفي الهجوم الذي وقع السبت، قُتل جندي (تبين لاحقاً أنه درزي بدوي من رهط) وأصيب ثلاثة جنود بينهم جنديتان بجراح قاسية.

وثانياً: ترافق مع الهجوم إخفاقات؛ إذ إن الجيش أرسل فرقة تشغيل طائرات مسيّرة في منطقة يعتبرها آمنة لجنوده بعد أن سوّاها بالأرض، لكن مجموعة مقاتلين خرجوا من أحد ثقوب الأنفاق، التي كان الجيش أعلن عن تدميرها، وأطلقوا صاروخاً على سيارة تقل القوة.

أسفر الهجوم عن إصابة 3 مقاتلات، وتم استدعاء النجدة، فحضرت قوة كبيرة، وإذا بها تقع في كمين، وانفجرت بهم عبوة ناسفة، فقتل الجندي البدوي على الفور فيما أصيب أحد مرافقيه، وتبيّن أن القوة التي حددت جراح الجنديتين على أنها خفيفة أخطأت، وتأكد لاحقاً أنها قاسية جداً، وتأخر نقلهما وبالتالي علاجهما.

لا يحتفل ولا ينتصر

كل هذا جعل نتنياهو يتلبك، فلا هو يستطيع الاحتفال، ولا الحديث عن انتصار، كما قال في خطابه المسجل. وأصبح لازماً تغيير شيء في الخطاب، الذي كان قد أرسل إلى وسائل الإعلام.

ولكن ليس هذا فحسب، بل كان هناك من شوّش على نتنياهو الوصول إلى الاحتفال أيضاً؛ وهم المتظاهرون، فقد وصل المئات منهم إلى مزور. وحاولوا اقتحام مقر الاحتفال وهم يهتفون: «من يتخلى عن المختطفين، لن يتمكن من الاحتفال كالمعتاد».

متظاهرون إسرائيليون خلال احتجاج يوم السبت دعماً لإطلاق سراح جميع الرهائن بقرية مزور في تل أبيب (رويترز)

وخاطب المنظمون نتنياهو: «هذه المقدمة فقط لحفل الزفاف القادم. لن تنعم بدقيقة واحدة من الهدوء، لا أنت ولا عائلتك. لن نسمح لكم بمواصلة الاحتفال وكأنه لا يوجد مختطفون في غزة. لن تكون احتفالات ولا زفاف ما دام المختطفون مدفونين أحياء في أنفاق (حماس)».

وقد اعتدت الشرطة عليهم بفظاظة وشكوا جميعاً من إصابات، بينهم جيران أنسباء نتنياهو، الذين فتحوا بيتهم لإسماع صوت الاحتجاج إلى أذن نتنياهو بالضبط.

ماذا كان بالخطاب المتأخر؟

خطاب نتنياهو، الذي تأخر بثه ساعتين، قد تضمن التصريحات التالية: «الحرب لها ثمن باهظ، ولكن كشعب يريد الحياة، ليس أمامنا خيار سوى الاستمرار. لن أستسلم للقتلة. فمثل هذا الاستسلام من شأنه أن يُعرّض أمن الدولة للخطر».

وأكد نتنياهو: «نحن في مرحلة حاسمة، والصبر ضروري. إذا استسلمنا الآن، فسنخسر كل مكاسبنا».

وفي هجوم مباشر على منتقديه، أكد نتنياهو: «لن ننهي الحرب حتى نهزم (حماس) ونعيد جميع الرهائن. أولئك الذين يدعون إلى إنهاء الحرب يرددون موقف (حماس) ويرفضون إطلاق سراح الرهائن».

وأضاف بلهجة اتهامية: «أي زعيم مسؤول يستطيع أن يقبل مطالب (حماس) بعد السابع من أكتوبر؟».

كما تطرق نتنياهو إلى ما وصفه بـ«خدعة (حماس)»، وقال: «(حماس) ليست غبية. إنهم يريدون ضمانات دولية ملزمة تمنع استئناف الحرب. في حالة كهذه، لن تكون لدينا بعد الآن شرعية لاستئناف القتال».

وتابع: «إذا التزمنا بعدم القتال، فلن نتمكن بعد الآن من العودة للقتال في غزة. فمنذ بداية الحرب، سمعنا دعوات لإنهائها بالاستسلام، وقد تزايدت هذه الدعوات مؤخراً، خصوصاً أولئك الذين يجلسون في الاستوديوهات، ويطلقون خطاباً يثير فرح (حماس)».

وواصل: «لو رضخت، لما دخلنا رفح، ولما خلقنا الظروف التي أسقطت نظام الأسد، ولما قضينا على (محمد) الضيف، و(يحيى) السنوار، وعليه فلن لن ننهي هذه الحرب الانتقامية حتى ندمر (حماس)، ونعيد كل رهائننا، ونضمن أن غزة لم تعد تشكّل تهديداً لإسرائيل».

شهادة دفن

وفي أعقاب الخطاب توالت ردود الفعل، وغالبيتها سلبية ضد نتنياهو. واعتبرته العائلات «شهادة دفن لـ59 إسرائيلياً محتجزين في غزة». وكما قالت فيكي كوهن، والدة الجندي ألكس: «أنا أرسلت ابني ليحارب بقناعة تامة أن الجيش سيحميه ويحفظه، وإذا وقع في الأسر فسيعمل كل ما في وسعه ليعود سالماً، لم أتوقع أن يتم إهمال ابني، فلا الحكومة ولا الجيش يكترثان لأولادنا».

فيكي كوهين والدة الأسير الإسرائيلي نمرود كوهين خلال فعالية يوم الأحد للمطالبة بإطلاق سراحه جنوب إسرائيل (رويترز)

وقد أقيمت مظاهرات بمشاركة نحو 30 ألفاً في 80 مظاهرة، في جميع أنحاء إسرائيل تقريباً. وجميع الخطابات فيها جاءت صريحة واتهمت نتنياهو بإدارة حرب لمصالحه الشخصية والحزبية.

وقال الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات في جيش الاحتياط، عمرام لفين، إن «لدينا رئيس حكومة يرسل جنودنا للموت في سبيل مصلحته الشخصية. في بلاد أخرى يدخل إلى السجن. ويجب ألا نسمح له بالاستمرار».

وقالت عيناف زانجاوكر، والدة الجندي الأسير متان: «بدلاً من تحقيق اختراق من شأنه تحرير الرهائن، نواجه فشلاً آخر في المفاوضات. نتنياهو بشكل مباشر يقوم بتخريب المفاوضات لأسباب شخصية. نتنياهو يرفض إنهاء الحرب لأسباب شخصية ويدفن الرهائن في الأنفاق. يخدعنا ويخدع شعباً بأكمله من خلال اقتراح اتفاق عالمي ثم يفشله قبل المرحلة (ب) ويستأنف القتال على حساب الرهائن».

وفي بيان رسمي، توجهت العائلات إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشكل مباشر. وقال يهودا كوهين، والد أحد الرهائن: «سيدي الرئيس، لقد فشلت التجربة. لقد ضللك نتنياهو أنت وجميعنا في طريق لا يؤدي إلى أي مكان. فشل الاتفاق قبل المرحلة (ب) واستئناف الحرب لم يُفضِ إلى عودة الرهائن! تكثيف الضغط العسكري على (حماس) لم يُؤدِّ إلى تليين موقفها! (حماس) تصر على نفس الشرط: تحرير الجميع مقابل وقف الحرب». «نتنياهو باعكم الأكاذيب بينما الرهائن يعيشون في الجحيم».

فهل استفاد أحد من هذه «الخضة» الدرامية التي أشعلها نتنياهو؟ بالطبع لا. ولا حتى نتنياهو نفسه.


مقالات ذات صلة

نتنياهو: نسحق إيران و«حزب الله»

شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ب)

نتنياهو: نسحق إيران و«حزب الله»

عقد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مساء الخميس، أول مؤتمر صحافي له منذ بدء الحرب مع إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية أفراد من الشرطة الإيرانية (أرشيفية - أ.ب)

قائد الشرطة الإيرانية محذراً من التظاهر ضد النظام: أصابعنا على الزناد

حذر قائد الشرطة الإيرانية، الثلاثاء، المواطنين من التظاهر للمطالبة بتغيير النظام، بعد أن دعا رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو الإيرانيين إلى الانتفاض.

«الشرق الأوسط» (طهران)
شؤون إقليمية أعضاء من فرق «الهلال الأحمر» الإيراني يوم الثلاثاء في موقع مبنى تضرر بغارة جوية أميركية - إسرائيلية في طهران (د.ب.أ) p-circle

نتنياهو يُلقي هدف «إسقاط النظام» على الإيرانيين... ويريد مواصلة الهجمات

ألقى رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو هدف «إسقاط النظام» على كاهل الإيرانيين، بينما أظهرت تحركات عسكرية إسرائيلية رغبة في المضي نحو استمرار الهجمات.

كفاح زبون (رام الله)
شؤون إقليمية نتنياهو خلال زيارة قام بها إلى المركز الوطني لعمليات الطوارئ الصحية (حساب رئيس الوزراء الإسرائيلي على «إكس») p-circle

نتنياهو: نكسر عظام النظام الإيراني… وإسقاطه «بيد الشعب»

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اليوم (الثلاثاء)، إن إسقاط النظام في إيران يقع في نهاية المطاف «بيد الشعب الإيراني».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي يتوسط وزير الدفاع يسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زامير (د.ب.أ)

نتنياهو: إسرائيل لديها الكثير من «المفاجآت» في المرحلة التالية لعملية إيران

قال بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي، اليوم (السبت)، إن إسرائيل لديها «الكثير من المفاجآت» خلال المرحلة التالية من عمليتها في إيران.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

منصة: إسرائيل تعاني من نقص حاد للغاية في مخزون الأنظمة الاعتراضية

جنود يعاينون أمس الأضرار في مشارف تل أبيب عقب هجوم صاروخي إيراني (أ.ف.ب)
جنود يعاينون أمس الأضرار في مشارف تل أبيب عقب هجوم صاروخي إيراني (أ.ف.ب)
TT

منصة: إسرائيل تعاني من نقص حاد للغاية في مخزون الأنظمة الاعتراضية

جنود يعاينون أمس الأضرار في مشارف تل أبيب عقب هجوم صاروخي إيراني (أ.ف.ب)
جنود يعاينون أمس الأضرار في مشارف تل أبيب عقب هجوم صاروخي إيراني (أ.ف.ب)

ذكرت منصة «سيمافور» الإخبارية، اليوم السبت، نقلاً عن مسؤولين أميركيين مطلعين، أن إسرائيل أبلغت الولايات المتحدة قبل أيام بأنها تعاني من نقص حاد في أنظمة اعتراض الصواريخ الباليستية مع استمرار الصراع مع إيران.

ولم يتسنَّ لـ«رويترز» التحقق من صحة التقرير حتى الآن.

وأشار التقرير إلى أن الولايات المتحدة على علم بنقص قدرات إسرائيل منذ أشهر.


مقتل 15 شخصاً في هجوم على مصنع بوسط إيران

الدخان يتصاعد عقب غارة على مدينة أصفهان (رويترز)
الدخان يتصاعد عقب غارة على مدينة أصفهان (رويترز)
TT

مقتل 15 شخصاً في هجوم على مصنع بوسط إيران

الدخان يتصاعد عقب غارة على مدينة أصفهان (رويترز)
الدخان يتصاعد عقب غارة على مدينة أصفهان (رويترز)

أفادت وكالة أنباء «فارس» التابعة «الحرس الثوري» الإيراني، السبت، بمقتل ما لا يقل عن 15 شخصاً في هجوم صاروخي استهدف مصنعاً في مدينة أصفهان بوسط إيران.

وذكرت الوكالة أن عمالاً كانوا داخل المصنع، الذي ينتج أجهزة تدفئة وثلاجات، وقت وقوع الهجوم. وحمّلت الوكالة الولايات المتحدة وإسرائيل مسؤولية الهجوم الذي قالت إنه نُفذ بصاروخ.

ووفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء، فلم يعلق الجيش الإسرائيلي على الهجوم حتى الآن.

وأطلقت إيران دفعة جديدة من الصواريخ باتّجاه إسرائيل، وفق ما أعلن التلفزيون الرسمي، مساء السبت، في اليوم الخامس عشر من الحرب التي بدأت بالهجوم الإسرائيلي - الأميركي على إيران.


جزيرة خرج تشعل مواجهة بحرية بين واشنطن وطهران

أحد أعضاء فرق الإنقاذ التابعة لجمعية «الهلال الأحمر» الإيراني يعمل في موقع مبنى تضرر جراء غارة جوية أميركية - إسرائيلية في ميدان رسالت (د.ب.أ)
أحد أعضاء فرق الإنقاذ التابعة لجمعية «الهلال الأحمر» الإيراني يعمل في موقع مبنى تضرر جراء غارة جوية أميركية - إسرائيلية في ميدان رسالت (د.ب.أ)
TT

جزيرة خرج تشعل مواجهة بحرية بين واشنطن وطهران

أحد أعضاء فرق الإنقاذ التابعة لجمعية «الهلال الأحمر» الإيراني يعمل في موقع مبنى تضرر جراء غارة جوية أميركية - إسرائيلية في ميدان رسالت (د.ب.أ)
أحد أعضاء فرق الإنقاذ التابعة لجمعية «الهلال الأحمر» الإيراني يعمل في موقع مبنى تضرر جراء غارة جوية أميركية - إسرائيلية في ميدان رسالت (د.ب.أ)

مع دخول الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران أسبوعها الثالث، اتسع الاشتباك من الضربات الجوية المباشرة إلى التهديد الصريح بالبنية النفطية، بعدما أعلنت واشنطن قصف أهداف عسكرية في جزيرة خرج، بينما ردت طهران بتهديدات مقابلة على امتداد الخليج ومضيق هرمز.

وتداخل التصعيد العسكري مع الرسائل السياسية، من غارات أميركية وإسرائيلية على مواقع إيرانية، إلى تهديدات إيرانية باستهداف مصادر إطلاق الصواريخ ومنشآت الطاقة المرتبطة بالولايات المتحدة، بالتوازي مع تطورات ميدانية وأمنية داخل إيران والمنطقة.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن الولايات المتحدة ستكثف قصف السواحل الإيرانية، وستواصل استهداف القوارب والسفن الإيرانية وتدميرها، مضيفاً أن القوات الأميركية «ستقصف الساحل بقوة، وستُخرج القوارب والسفن الإيرانية من المياه بشكل متواصل».

وهدد ترمب بشن ضربات على البنية التحتية النفطية في جزيرة خرج إذا لم توقف طهران هجماتها على السفن في مضيق هرمز، في تحذير قال مراقبون إنه قد يزيد توتر الأسواق التي تعاني بالفعل اضطراباً غير مسبوق في الإمدادات.

وأرفق ترمب إنذاره بمنشور على وسائل التواصل الاجتماعي قال فيه إن الولايات المتحدة «دمرت تماماً» أهدافاً عسكرية في الجزيرة، وهي محطة تصدير لنحو 90 في المائة من شحنات النفط الإيرانية، وتقع على مسافة نحو 500 كيلومتر شمال غربي المضيق.

وأضاف أن الضربات الأميركية لم تستهدف البنية التحتية النفطية في جزيرة خرج، لكنه كتب: «إذا قامت إيران أو أي طرف آخر بأي شيء للتدخل في المرور الحر والآمن للسفن عبر مضيق هرمز، فسأعيد النظر في هذا القرار على الفور».

وقالت القيادة المركزية الأميركية إن قواتها «قصفت بنجاح أكثر من 90 هدفاً عسكرياً إيرانياً في جزيرة خرج مع الحفاظ على البنية التحتية النفطية»، بينما قال الجيش الأميركي إن الضربة دمرت منشآت تخزين ألغام بحرية ومخابئ لتخزين الصواريخ وعدة مواقع عسكرية أخرى.

كما قال ترمب إن الولايات المتحدة «دمرت مواقع عسكرية على جزيرة حيوية لشبكة النفط الإيرانية»، محذراً من أن البنية التحتية النفطية قد تكون الهدف التالي إذا واصلت طهران التدخل في مرور السفن عبر مضيق هرمز.

وفي منشور آخر، قال ترمب إن إيران «مهزومة تماماً وتريد إبرام اتفاق»، لكنه لن يوافق عليه، مضيفاً: «تكره وسائل الإعلام التي تنشر أخباراً كاذبة التحدث عن النتائج العظيمة التي حققها الجيش الأميركي ضد إيران».

وفي الوقت نفسه، حض ترمب دولاً أخرى على إرسال سفن حربية لتأمين مضيق هرمز، وكتب أن «دولاً عدة سترسل سفناً حربية، بالتعاون مع الولايات المتحدة، لإبقاء المضيق مفتوحاً وآمناً»، بينما كانت البحرية الأميركية تستعد لمرافقة ناقلات النفط «قريباً جداً».

وأضاف ترمب أن إيران «يسهل عليها إرسال مسيرة أو مسيرتين، أو زرع لغم أو إطلاق صاروخ قصير المدى في مكان ما على طول الممر المائي أو داخله»، ثم قال: «بطريقة أو بأخرى، سنفتح قريباً مضيق هرمز».

جزيرة خرج نقطة حيوية

تقع جزيرة خرج على مسافة نحو 15 ميلاً من الساحل الإيراني في الخليج العربي، وتعد المركز الرئيسي للاقتصاد النفطي الإيراني؛ إذ يمر عبر منشآتها نحو 90 في المائة من صادرات النفط الإيرانية؛ ما يجعلها نقطة حيوية في تمويل الدولة والقدرة العسكرية.

وقالت «واشنطن بوست» إن إضعاف جزيرة خرج يحمل مزايا استراتيجية كبيرة بالنسبة للولايات المتحدة، في ضوء أهميتها الاقتصادية والعسكرية، وارتباطها بقدرة طهران على تصدير النفط وتمويل مؤسساتها، بما في ذلك دفع رواتب الجيش.

وفي المقابل، نقلت وكالة «نور نيوز»، منصة مجلس الأمن القومي الإيراني، عن إحسان جهانيان، نائب الشؤون الأمنية لحاكم محافظة بوشهر الجنوبية، قوله إن «عمليات التصدير والاستيراد وكذلك أنشطة الشركات الموجودة في الجزيرة» مستمرة حالياً رغم الهجوم الأميركي.

وأضاف جهانيان أن الأنشطة اليومية تسير بشكل طبيعي، وأن الضربات لم تسفر عن أي إصابات، بينما قالت وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» إن الضربات الأميركية اقتصرت على منشآت عسكرية، ولم تلحق أضراراً بالبنية التحتية النفطية في الجزيرة.

وقالت الوكالة إن ما لا يقل عن 15 انفجاراً أعقب الضربات التي استهدفت موقعاً للدفاع الجوي وقاعدة بحرية وبرج مراقبة المطار وحظيرة مروحيات لشركة نفط بحرية، مع تصاعد دخان كثيف فوق أجزاء من الجزيرة بعد الهجوم.

وقال جهانيان إن الهجوم الأميركي الذي استهدف، فجر السبت، جزيرة خرج ألحق أضراراً ببعض المنشآت العسكرية ومطار الجزيرة، لكنه لم يصب المنشآت النفطية أو يعرقل صادرات النفط من المحطة الرئيسية.

المضيق و«الأعداء وحلفاؤهم»

في غضون ذلك، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن قوات بلاده سترد على أي هجوم يستهدف منشآت الطاقة الإيرانية، مضيفاً أن مضيق هرمز «مفتوح» للملاحة، لكنه مغلق أمام ناقلات النفط والسفن التابعة لـ«الأعداء وحلفائهم».

وقال عراقجي إن طهران ستستهدف منشآت الشركات الأميركية في المنطقة أو تلك التي تمتلك الولايات المتحدة حصصاً فيها إذا تعرضت منشآتها للهجوم، مضيفاً أن الهجوم على جزيرة خرج نُفذ من أراضي دول مجاورة.

وأضاف أن الولايات المتحدة تطلق صواريخ «هيمارس» من دول في المنطقة، وأن الهجمات الأميركية التي وقعت، يوم الجمعة، انطلقت من رأس الخيمة ومن موقع قريب من دبي، مشيراً إلى أن إيران «سترد بالتأكيد» مع الحرص على عدم استهداف المناطق المكتظة، حسبما نقلت وسائل إعلام إيرانية.

وقال القيادي في «الحرس الثوري» وعضو مجلس تشخيص مصلحة النظام محسن رضائي إن «مضيق هرمز لن يعاد فتحه في الظروف الحالية»، وإنه لا يحق لأي سفينة حربية أميركية، بما فيها حاملات الطائرات، دخول الخليج.

وأضاف رضائي أن الوجود العسكري الأميركي في المنطقة يمثل السبب الرئيسي لعدم الاستقرار خلال العقود الخمسة الماضية، وأن أمن مضيق هرمز يجب أن تتولاه دول المنطقة، لا سيما إيران وسلطنة عمان بوصفهما الدولتين المشرفتين على طرفيه.

وتابع رضائي أن «إنهاء الحرب بيد إيران»، وأن طهران لن تنظر في إنهائها إلا بعد الحصول على تعويض كامل عن خسائرها وضمانات للمستقبل، قائلاً إن ذلك لن يتحقق من دون خروج الولايات المتحدة من الخليج.

تعزيزات أميركية

صورة ملتقطة بالأقمار الاصطناعية تُظهر المباني المتضررة في أعقاب الغارات الجوية على قاعدة هافإداريا الجوية في بندر عباس بإيران (أ.ب)

وفي موازاة ذلك، قال مسؤول أميركي إن عناصر من الوحدة الاستكشافية الحادية والثلاثين لمشاة البحرية وسفينة الهجوم البرمائي «يو إس إس تريبولي» صدرت لهما أوامر بالتوجه إلى الشرق الأوسط، بعد نحو أسبوعين من اندلاع الحرب مع الجمهورية الإسلامية.

وأوضح أن وحدات مشاة البحرية الاستكشافية تستطيع تنفيذ عمليات إنزال برمائية، لكنها تتخصص أيضاً في تعزيز أمن السفارات، وإجلاء المدنيين، وتقديم الإغاثة في حالات الكوارث، بما يعني أن نشرها لا يشير بالضرورة إلى عملية برية وشيكة.

وتتمركز الوحدة الاستكشافية الحادية والثلاثون وسفينة «تريبولي» وسفن إنزال أخرى تقل مشاة البحرية في اليابان، وكانت في المحيط الهادئ منذ عدة أيام، بينما رصدتها أقمار اصطناعية تجارية وهي تبحر قرب تايوان.

كما قال مسؤولون أميركيون إن قوة مهام جوية - برية تابعة لمشاة البحرية ستتوجه من أوكيناوا في اليابان إلى الشرق الأوسط، وتضم مراكب إنزال برمائية ومروحيات ومقاتلات إف - 35 وكتيبة مشاة تضم نحو 800 جندي.

وتتكون هذه القوة، المعروفة باسم الوحدة الاستكشافية لمشاة البحرية، من أكثر من 2200 من مشاة البحرية، إضافة إلى أكثر من 2000 فرد من البحرية الأميركية موزعين على السفينة «يو إس إس تريبولي» وسفينتين حربيتين أخريين.

وفي وقت سابق من الأسبوع، كانت 12 سفينة حربية أميركية، بينها حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» وثماني مدمرات، تعمل في بحر العرب، بينما تضم قاعدة العديد الجوية في قطر عادة نحو 8000 جندي أميركي.

«التخلي عن ضبط النفس»

على الجانب الإيراني، قال رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف إن الهجمات على الجزر الواقعة على الحدود البحرية الجنوبية لإيران ستدفع طهران إلى «التخلي عن كل أشكال ضبط النفس»، ثم قال، السبت، إن الحرب أظهرت أن القواعد الأميركية في المنطقة «لا تحمي أحداً».

وأضاف قاليباف في منشور على منصة «إكس» أن «الولايات المتحدة تضحي بالجميع من أجل إسرائيل ولا تهتم بأحد سواها»، معتبراً أن «كل من يعتمد على الولايات المتحدة كحامٍ له هو في الواقع بلا حماية».

ودعا المتحدث الأعلى باسم القوات المسلحة الإيرانية أبو الفضل شكارجي دول المنطقة إلى «الثقة بإيران»، قائلاً إن الولايات المتحدة «غير قادرة أصلاً على حماية جيشها»، وإن حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» خرجت من الخدمة بعد استهدافها.

وأضاف شكارجي أن الحاملة الأميركية اضطرت إلى الانسحاب بعد ما وصفه بـ«هزيمة تاريخية»، وأن الولايات المتحدة لم تعد قوة عالمية، داعياً إياها إلى «الانسحاب من غرب آسيا»، وقال إن إيران قادرة على إعادة إعمار ما دمرته الحرب بدعم الشعب.

من جانبه، قال نائب قائد العمليات في القوات البحرية التابعة للجيش الإيراني إن على القوات البحرية الأميركية أن «تقترب من سواحل جاسك ومضيق هرمز إذا كانت تجرؤ»، في إشارة إلى تصاعد اللهجة الإيرانية بشأن الممرات المائية الجنوبية.

كما قال متحدث باسم عمليات هيئة الأركان الإيرانية إن بلاده ستستهدف «كل البنى النفطية والاقتصادية والطاقة التابعة لشركات النفط في المنطقة التي تملك فيها الولايات المتحدة حصصاً أو تتعاون معها» إذا تعرضت البنية الإيرانية للهجوم.

جزيرتا أبو موسى وقشم

منظر جوي لجزيرة قشم المفصولة عن البر الإيراني الرئيسي بمضيق كلارنس في مضيق هرمز (رويترز)

وهددت عمليات هيئة الأركان الإيرانية بمهاجمة مدن في الإمارات العربية المتحدة، قائلة إن الولايات المتحدة استخدمت «موانئ وأرصفة ومخابئ داخل مدن إماراتية» لشن الضربات على الجزر الإيرانية، ودعت السكان إلى إخلاء المناطق التي قالت إن القوات الأميركية تستخدمها.

وقال متحدث باسم الهيئة إن إيران تعد استهداف مصادر إطلاق الصواريخ الأميركية التي استهدفت جزيرة بوموسي «حقاً مشروعاً»، مضيفاً أن الصواريخ أُطلقت من مواقع داخل مدن وموانئ في دولة الإمارات.

وأضاف أن طهران «تحتفظ بحق استهداف مواقع إطلاق الصواريخ الأميركية في الموانئ والأرصفة البحرية وأماكن تمركز القوات الأميركية داخل بعض المدن الإماراتية»، ودعا سكان الإمارات إلى «الابتعاد عن الموانئ والأرصفة والمواقع التي توجد فيها القوات الأميركية».

وفي جزء آخر من التصعيد البحري، قال حاكم جزيرة قشم إن هجوماً أميركياً - إسرائيلياً استهدف «أرصفة سياحية ومرافئ صيد» في الجزيرة، مضيفاً أن أرصفة الركاب والسياحة في منطقة شهاب تعرضت لقصف صاروخي.

وقال إن هذه الأرصفة مخصصة للاستخدام السياحي والصيد فقط، وتشكل جزءاً مهماً من اقتصاد سكان المنطقة، مضيفاً أن «العدو، خلافاً لادعاءاته، استهدف المدنيين واقتصادهم ومعيشتهم» في واحدة من الهجمات على البنية غير العسكرية.

وتقع جزيرة قشم في مضيق هرمز عند مدخل الخليج، وتعد أكبر جزيرة إيرانية، وتضم موانئ ومرافق سياحية وصيد تشكل جزءاً مهماً من اقتصاد المنطقة؛ ما يضيف بعداً مدنياً واقتصادياً إلى الضربات الجارية.

ضربات إسرائيلية - أميركية

ميدانياً، قال الجيش الإسرائيلي إن سلاح الجو نفذ ضربة دقيقة في طهران أسفرت عن مقتل مسؤولين بارزين في مديرية الاستخبارات التابعة لمقر عمليات هيئة الأركان الإيرانية.

وأوضح الجيش في بيان أن الضربة، التي نُفذت، الجمعة، استناداً إلى معلومات استخباراتية دقيقة، استهدفت عبد الله جلالي نسب وأمير شريعت، وهما من كبار مسؤولي مديرية الاستخبارات في مقر عمليات هيئة الأركان الإيرانية.

وأضاف البيان أن جلالي وشريعت عُينا في منصبيهما بعد مقتل رئيس مديرية الاستخبارات صالح أسدي في الضربة الافتتاحية لعملية «زئير الأسد» في 28 فبراير (شباط)، مشيراً إلى أن المسؤولين كانا من الشخصيات البارزة في منظومة الاستخبارات الإيرانية وعلى صلة وثيقة بقيادة النظام.

وقالت وسائل إعلام إيرانية إن أصوات انفجارات سُمعت في مدينتي يزد وأصفهان دون تحديد مواقعها بدقة، فيما تحدثت تقارير أخرى عن انفجارات شديدة في أصفهان وبندر عباس، وعن دوي انفجارات في محيط تبريز صباح، السبت.

وأظهرت صور متداولة، مساء السبت، استهداف مركز الطيران التابع للقوات الجوية في أصفهان بضربة جوية، بينما تحدثت تقارير ميدانية في طهران عن سقوط 3 صواريخ في القطاع الشمالي، وهجمات بطائرات مسيّرة في القطاعين الغربي والشمالي الغربي، وانفجار عند المدخل الغربي للعاصمة. وقُتل ما لا يقل عن 1230 شخصاً في إيران منذ بدء الحرب في 28 فبراير، وفقاً للسلطات الإيرانية.