استقالة سموتريتش... تكتيك لتعزيز «الصهيونية الدينية» 

يريد استعادة مقاعده في الكنيست من حزب بن غفير ثم العودة إلى الحكومة

وزير المالية المستقيل سموتريتش (أرشيفية من «رويترز»)
وزير المالية المستقيل سموتريتش (أرشيفية من «رويترز»)
TT

استقالة سموتريتش... تكتيك لتعزيز «الصهيونية الدينية» 

وزير المالية المستقيل سموتريتش (أرشيفية من «رويترز»)
وزير المالية المستقيل سموتريتش (أرشيفية من «رويترز»)

تُظهر الخطة التي وضعها رئيس حزب «الصهيونية الدينية» بتسلئيل سموتريتش، باستقالته من منصبيه؛ كوزيرٍ للمالية، ووزيرٍ في وزارة الدفاع، وعودته إلى الكنيست، أنه يخوض لعبة صغيرة من أجل استعادة مقاعد حزبه في الكنيست، قبل أن يعود إلى منصبيه مجدداً، لكن ذلك قد لا يبدو ممهداً بسهولة.

وكان سموتريتش قد أعلن استقالته، ليل الاثنين، وقال إنه سيعود إلى عضوية الكنيست، احتجاجاً على «خرق تفاهمات» بينه وبين رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، وإيتمار بن غفير.

وقال حزب «الصهيونية الدينية» إن قرار الاستقالة جاء «نتيجة إخلال بالاتفاقات بين سموتريتش وبن غفير ونتنياهو». ولم يوضح ما هي الخلافات، لكن وسائل إعلام إسرائيلية قالت إن بن غفير يريد الحصول على منصب وزير آخر في الحكومة لأعضاء حزبه، من أجل تمرير اتفاق استبدال النواب في الكنيست، وفق تفاهم سابق.

الوزيران المتطرفان إيتمار بن غفير (يسار) وبتسلئيل سموتريتش (أرشيفية - أ.ف.ب)

ومن أجل فهم كيف بدأت الأزمة، يجب العودة إلى البداية، عندما تم انتخاب «الصهيونية الدينية» برئاسة سموتريتش للكنيست الأخيرة بقائمة واحدة مع حزب «عوتسما يهوديت» برئاسة إيتمار بن غفير، وحزب «نوعام» برئاسة آفي ماعوز. وحصلت القائمة المشتركة على 14 مقعداً في الكنيست، وذلك حسب التوزيع التالي: 7 مقاعد لـ«الصهيونية الدينية»، و6 مقاعد لـ«عوتسما يهوديت»، ومقعد واحد لـ«نوعام».

ومع تشكيل الحكومة، تم تعيين أعضاء من «الصهيونية الدينية» و«عوتسما يهوديت» وزراء (6 وزراء).

القانون النرويجي

وبموجب «القانون النرويجي»، يتمتع الوزراء ونواب الوزراء الذين يشغلون مناصبهم كأعضاء في الكنيست بخيار الاستقالة من الكنيست، حتى يتمكنوا من التركيز على عملهم في الحكومة، على أن يحلّ مكانهم التالون في قائمة الكنيست.

وفعلاً استقال من «الصهيونية الدينية» سموتريتش من الكنيست، وعيّن وزيراً للمالية ووزيراً في وزارة الدفاع، وفي «عوتسما يهوديت» استقال عميحاي إلياهو من الكنيست، وعين وزيراً للتراث. ومع استقالة الاثنين، دخل إلى الكنيست «التالي في القائمة الموحدة»، يتسحاق كروزر من «عوتسما يهوديت»، وتسفي سوكوت من «الصهيونية الدينية». وفي الواقع تم الحفاظ على توازن القوى (الصهيونية الدينية بـ7 مقاعد في الكنيست، وعوتسما يهوديت بـ6 مقاعد).

لكن مع استقالة بن غفير ووزراء «عوتسما يهوديت» من الحكومة بعد وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حماس» في يناير (كانون الثاني)، تغير ميزان القوى بين الطرفين، فعاد الوزير عميحاي إلياهو من «عوتسما يهوديت» إلى الكنيست، وأطيح بالنائب تسفي سوكوت، وبذلك ارتفع عدد أعضاء «عوتسما يهوديت» في الكنيست إلى 7 أعضاء، وانخفض عدد أعضاء «الصهيونية الدينية» إلى 6 أعضاء.

صورة لإحدى الجلسات في الكنيست الإسرائيلي (إكس)

وقالت «القناة 12» إنه في إطار الاتفاقات بين الائتلاف وبن غفير، تقرر بقاء الوضع على ما هو عليه. وبعد نحو شهرين، عند عودة بن غفير ووزرائه إلى الحكومة، تم الاتفاق على أن يستقيل وزير من «عوتسما يهوديت» من الكنيست من أجل استعادة توازن القوى الأول، لكن الوزيرين بن غفير وواسرلاوف لم يفعلا ذلك عندما عادا إلى الحكومة، ولم يستقل أي منهما من الكنيست، وبقي حزب سموتريتش خاسراً لمقعده.

وأضافت القناة: «حاول مسؤولون في الائتلاف التوصل إلى اتفاق بين الرجلين، واقترحوا على بن غفير تعيين أحد أعضاء حزبه نائباً للوزير والاستقالة من الكنيست، لكنه رفض وأصرّ على تعيين وزير آخر مقابل استقالته»، وهو ما فجّر الأزمة.

ماذا سيحدث الآن؟ وهل عودة سموتريتش مضمونة؟

تدخل استقالة سموتريتش حيز التنفيذ مساء الأربعاء، بعد 48 ساعة من لحظة الإعلان عنها. وبمجرد سريان الاستقالة، سيتوقف سموتريتش عن العمل وزيراً للمالية ووزيراً في وزارة الدفاع، وسيبدأ خدمته في الكنيست. وبعد عودته إلى الكنيست، سيتوقف عضو الكنيست يتسحاق كرويزر من «عوتسما يهوديت» عن الخدمة فيها، وسيتم الحفاظ على توازن القوى بين الأحزاب.

لكن هذه هي الخطوة الأولى، وتهدف إلى استعادة المقاعد في الكنيست. أما الخطوة الثانية، وهي الأهم، فهي عودة سموتريتش إلى مناصبه.

ويستطيع سموتريتش العودة طالما أنه عضو كنيست، وتوجد أغلبية لذلك، لكن «القناة 12» قالت إن الأغلبية لإعادة تعيين سموتريتش في الكنيست ليست مضمونة حتى الآن، ولم يقرر «عوتسما يهوديت» بعد ما إذا كان سيؤيد إعادة التعيين، ويتناقش «الحريديم» حول ما إذا كانوا سيستغلون الزخم للضغط بشأن قضية التجنيد.

إيتمار بن غفير مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - د.ب.أ)

وأكد موقع «واي نت» التابع لـ«يديعوت أحرونوت» أن مسؤولين في «يهوديت هتوراة» نقلوا رسالة في الساعات الأخيرة مفادها أنهم لن يصوتوا بسهولة لصالح عودة سموتريتش إلى وزارة المالية، من دون زيادة في ميزانية التعليم الحريدي. وبحسب الموقع، فإنهم يدركون في الائتلاف بالفعل أن الفصيل الحريدي قد يطرحها على الطاولة كتهديد رسمي.

لجنة اختيار القضاة

مسألة أخرى تهددها استقالة سموتريتش، وهي لجنة اختيار القضاة.

في هذا السياق، قالت «القناة 12» إن كروزر الذي سيخسر موقعه كعضو كنيست يشغل منصب عضو في لجنة اختيار القضاة، وهذا له أهمية كبيرة بالنسبة للائتلاف المعرض لخطر فقدان ممثل واحد من أصل 3 في اللجنة المكونة من 9. وبحسب القناة، فإنهم بحاجة إلى اتفاق من أجل بديل، وإلا فإن المعارضة قد تستولي على الموقع.

وأضافت القناة أن المعارضة تدرس خياراتها الآن، وإذا نجحت في «الاستيلاء» على المقعد الشاغر فقد يؤدي إلى تعيينات في المحكمة العليا من دون أي مشكلة تقريباً.

وهناك انقسام حاد حول لجنة اختيار القضاة.


مقالات ذات صلة

تقرير: إسرائيل تأمل في قيام الإيرانيين بانتفاضة رغم أنها ستؤدي لمجزرة

شؤون إقليمية احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في طهران (أرشيفية-أ.ب)

تقرير: إسرائيل تأمل في قيام الإيرانيين بانتفاضة رغم أنها ستؤدي لمجزرة

أبلغ مسؤولون إسرائيليون نظراءهم الأميركيين بأنهم يأملون بأن يقوم الإيرانيون بانتفاضة «رغم أنها ستؤدي إلى مجزرة»، وفقاً لبرقية صادرة عن وزارة الخارجية الأميركية

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
شؤون إقليمية رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القدس يوم 12 يوليو 2025 (د.ب.أ)

بعد أخبار عن مقتله... نتنياهو ينفي الشائعات في فيديو مع السفير الأميركي

نفى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الشائعات المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي بشأن مقتله، وسط الحرب المستمرة مع إيران.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي جنود لبنانيون وعناصر من الدفاع المدني يتفقدون مبنى احترق إثر قصف إسرائيلي على قرية مرجعيون جنوب لبنان (أ.ف.ب) p-circle

لبنان: 912 قتيلاً وأكثر من ألفي جريح حصيلة الغارات الإسرائيلية منذ بدء الحرب

ارتفعت الحصيلة الإجمالية لضحايا القصف الإسرائيلي على لبنان منذ 2 مارس (آذار) الحالي حتى اليوم الثلاثاء إلى 912 قتيلاً و2221 جريحاً.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شؤون إقليمية الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ يلقي خطاباً في تولوز بجنوب فرنسا 20 مارس 2022 (رويترز) p-circle

رئيس إسرائيل: مقتل لاريجاني فرصة للاحتجاجات في إيران

قال الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، إن مقتل أمين المجلس الأعلى للأمن القومي في إيران علي لاريجاني يفتح المجال أمام الشعب الإيراني للاحتجاج.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي لقطة عامة للسفارة الأميركية في المنطقة الخضراء ببغداد (إ.ب.أ) p-circle

تقرير: هجوم جديد على السفارة الأميركية في بغداد

دوت انفجارات في بغداد تزامناً مع وقوع هجوم على السفارة الأميركية تسبب باندلاع حريق، بحسب ما أفاد مراسلو وكالة الصحافة الفرنسية ومصدر أمني.

«الشرق الأوسط» (بغداد)

استهداف منشآت نفط في جنوب إيران

استهداف منشآت نفط في جنوب إيران
TT

استهداف منشآت نفط في جنوب إيران

استهداف منشآت نفط في جنوب إيران

ذكرت وكالة «تسنيم» للأنباء شبه الرسمية، أن بعض المنشآت التابعة لقطاع النفط في حقل بارس الجنوبي ومنطقة عسلوية في إيران تعرضت لهجوم، الأربعاء، مضيفة أن حجم الأضرار لم يتضح بعد.

وأضافت الوكالة أن منشآت بتروكيماوية في حقل بارس الجنوبي كانت من بين الأهداف.

قال التلفزيون الرسمي في إيران، الأربعاء، إن طهران استهدفت تل أبيب بصواريخ ​تحمل رؤوساً حربية عنقودية، فيما وصفته بأنه رد على قتل إسرائيل أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني.

بدوره، قال وزير الخارجية ​الإيراني عباس عراقجي إن موقف طهران ‌الرافض لصنع ‌أسلحة ​نووية ‌لن ⁠يتغير ​بشكل كبير، ⁠مشيراً إلى أن المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي لم يعبّر بعد ⁠عن رأيه ‌علناً ‌في هذا الشأن.


واشنطن تنتصر عسكرياً في إيران... ولا تضمن الحسم السياسي

ضربات جوية على منطقة فرمانية شمال طهران (شبكات التواصل)
ضربات جوية على منطقة فرمانية شمال طهران (شبكات التواصل)
TT

واشنطن تنتصر عسكرياً في إيران... ولا تضمن الحسم السياسي

ضربات جوية على منطقة فرمانية شمال طهران (شبكات التواصل)
ضربات جوية على منطقة فرمانية شمال طهران (شبكات التواصل)

مع نهاية الأسبوع الثالث من الحرب ضد إيران، تبدو الصورة أقل التباساً من الضوضاء السياسية المحيطة بها... فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا بالفعل اختراقات عسكرية هائلة: تصفية قيادات عليا، وتدمير واسع للبنيتين الصاروخية والبحرية، مع التآكل الواضح في قدرة طهران على الضرب بالحجم نفسه الذي بدأت به الحرب.

لكن هذا التقدم لم يُترجم حتى الآن إلى نهاية سياسية واضحة، لا في شكل انهيار للنظام، ولا في شكل قبول إيراني بشروط أميركية نهائية. وفي هذا التوقيت، لا تبدو طهران على وشك الانهيار، كما لا تبدو واشنطن في وارد التراجع، وفي هذه الفجوة تحديداً يتموضع السؤال الأهم: أين تقف واشنطن من تحقيق أهدافها فعلاً، وهل تضغط على طهران نحو التفاوض، أم تدفعها إلى مزيد من التشدد واستخدام مضيق هرمز سلاحاً لمساومة العالم؟

تفوق عسكري دون حسم سياسي

على المستوى العسكري، يصعب إنكار أن واشنطن تمضي بعيداً في تحقيق أهدافها المباشرة. فالحملة الأميركية - الإسرائيلية أصابت منذ يومها الأول مئات المواقع، واستهدفت القيادة العليا والبنية الصاروخية والدفاعات الجوية ومراكز «الحرس الثوري»، فيما تقول إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، إن قدرات إيران على إطلاق الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة تراجعت بشكل حاد. كما أن مقتل علي لاريجاني، الذي كان يُنظر إليه بوصفه القائد المدني الفعلي في ظروف الحرب، وغلام علي رضا سليماني قائد «الباسيج»، يمثل ضربة إضافية ثقيلة لطبقة القيادة التي تدير الأمن الداخلي والحرب معاً.

هنا يبرز ما قاله مايكل روبين، كبير باحثي شؤون إيران والشرق الأوسط في «معهد أميركان إنتربرايز»، لـ«الشرق الأوسط»: «عسكرياً، تهزم الولايات المتحدة إيران بسهولة. لكن في الرأي العام، تتفوق إيران على الولايات المتحدة عبر عملياتها المعلوماتية وحربها النفسية».

وهذه الملاحظة تصيب جوهر المرحلة الراهنة. فواشنطن، وفق روبين، «أزالت قسماً كبيراً من القيادة الإيرانية، وضربت بدقة معظم الأهداف التي أرادت إصابتها، بما يوحي بأن البنتاغون كان يجمع بنك الأهداف منذ سنوات طويلة». ويضيف روبين: «لكن هذا النجاح لم يتحول بعد إلى سردية انتصار سياسي مكتمل؛ لأن طهران لا تزال قادرة على إظهار تماسك الدولة، وعلى تصوير الحرب بوصفها معركة صمود لا هزيمة».

المشكلة أن أجهزة الاستخبارات الأميركية نفسها كانت قد قدّرت قبل الحرب أن هجوماً واسعاً لن يكون كافياً لإسقاط النظام الإيراني أو فتح الطريق سريعاً أمام بديل داخلي. وبعد أكثر من أسبوعين من القصف، لا تزال التقديرات الغربية تتحدث عن نظام أضعف؛ لكنه أشد تصلباً مع قبضة أكبر لـ«الحرس الثوري»، لا عن نظام يتداعى. بهذا المعنى، فإن واشنطن تقترب من تحقيق «سقفها العسكري» أكثر مما تقترب من إنجاز «هدفها السياسي» الأشمل، خصوصاً إذا كان هذا الهدف يتجاوز الردع وتخريب البرنامجين الصاروخي والنووي إلى إعادة تشكيل التوازنات الداخلية في إيران.

لاريجاني لدى تقديم أوراق ترشحه لانتخابات الرئاسة بمقر الانتخابات الإيرانية في طهران خلال مايو 2024 (أ.ف.ب)

إضعاف للنظام أم دفعه لمزيد من التشدد؟

اغتيال لاريجاني مهم ليس فقط لرتبته، بل لدلالته. الرجل كان يوصف في تغطيات أميركية بأنه من أكبر الشخصيات قدرة على الجمع بين البراغماتيين والمتشددين، كما كان يمثل، في نظر بعض التقديرات، شخصية يمكن أن تتكلم مع الغرب بلغة سياسية أعلى مرونة من كثيرين داخل الحلقة الصلبة. لذلك؛ فإن مقتله يضعف، دون شك، القدرة المؤسسية للنظام، لكنه قد يدفع أيضاً نحو نتيجة معاكسة: تقوية الجناح الأكبر تشدداً وارتباطاً بـ«الحرس الثوري»، أي الجناح الأقل استعداداً لتقديم تنازلات سريعة.

وتعزز التقارير الأميركية والإسرائيلية الأخيرة هذا الاستنتاج؛ فـ«واشنطن بوست» نقلت عن تقديرات استخبارية أميركية أن النظام الإيراني يرسخ سلطته رغم الخسائر، وأن الاحتمال الأرجح هو بقاء الجمهورية الإسلامية، ولكن في صيغة أكبر تشدداً وتغولاً أمنياً، بينما أشارت تقارير أخرى إلى أن الرهان الإسرائيلي على انتفاضة شعبية سريعة يصطدم بواقع أن أجهزة القمع لا تزال ممسكة بالأرض، وأن أي حراك واسع قد يتعرض لمذبحة أكثر من تحوله إلى تغيير نظام.

وهنا يبرز رأي باراك بارفي، الباحث في «نيو أميركا»، خلال حديث مع «الشرق الأوسط»، بوصفه النقيض المباشر بشكل شبه كلي لقراءة روبين. يقول: «مع كل يوم يمر، تزداد مغالطات هذه الحرب اتضاحاً، كما يزداد اتضاحاً عجز الإدارة عن إيجاد مخرج منها. وبينما يتباهى الرئيس بأن الحرب تسير بشكل رائع، فإن الواقع أنه لا يملك مخرجا آمناً لإنهائها». يذهب بارفي أبعد من ذلك حين يعدّ أن الإيرانيين هم من سيحددون توقيت نهاية الحرب، لا ترمب. قد يكون في هذا الرأي قدر من المبالغة إذا قيس بحجم التدمير العسكري الذي لحق بإيران، لكنه يلتقط عقدة أساسية: طهران لم تعد تراهن على كسب الحرب في الميدان، بل على إفشال ترجمة الإنجاز الأميركي إلى تسوية سياسية مريحة لواشنطن. وهذا فرق جوهري.

ناقلة نفط راسية في مسقط بعد تعطل حركة الملاحة بمضيق هرمز (رويترز)

مضيق هرمز لم يُحسم

إذا كان ميزان النار يميل بوضوح إلى واشنطن، فإن ميزان الضغط السياسي والاقتصادي لا يزال أشد تعقيداً. فمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط البحرية العالمية، تحول إلى عقدة الحرب الأساسية.

واللافت أن الولايات المتحدة، رغم سيطرتها الجوية وضرباتها المكثفة، لم تنجح حتى الآن في تحويل هذه السيطرة إلى «أمن ملاحي» كامل. تقارير أميركية وصفت المضيق بأنه أشبه بـ«صندوق قتل» بفعل الصواريخ المتحركة والزوارق السريعة والألغام والطائرات المسيّرة، فيما تباطأت حركة الشحن وارتفعت أسعار النفط العالمية بقوة.

هنا أيضاً تتكشف حدود القوة الأميركية. فترمب صعّد هجومه على الأوروبيين وحلفاء «حلف شمال الأطلسي (ناتو)» بعدما رفضت دول أساسية إرسال قوات بحرية للمشاركة في فتح المضيق، بينما شدد قادة أوروبيون على أن هذه ليست حربهم، وأن الـ«ناتو» تحالف دفاعي لا يُلزمهم بالانضمام إلى حرب اختيارية في الشرق الأوسط.

هذا الرفض ليس تفصيلاً دبلوماسياً؛ إنه مؤشر إلى أن واشنطن تريد تدويل تكلفة إدارة الأزمة بعدما انفردت شبه كلياً بقرار إشعالها. كما أنه يفسر جانباً من نبرة ترمب الغاضبة: هو يريد من الحلفاء تخفيف الضغط الاقتصادي الذي قد يرغمه هو نفسه على إنهاء الحرب قبل أوانها السياسي المرغوب.

لكن القراءة الأخرى، الأقرب إلى منطق ترمب، تقول إن الرجل يحاول تحويل هرمز من نقطة ضعف إلى أداة ابتزاز استراتيجية. فما دام أن العالم - من أوروبا إلى الصين واليابان وكوريا الجنوبية - يحتاج إلى انسياب الطاقة عبر هذا الممر، فإن واشنطن تستطيع أن تستخدم الأزمة لفرض اصطفافات جديدة وتحصيل أثمان سياسية وأمنية من الجميع.

غير أن هذه المقاربة، حتى لو صحت، تبقى محفوفة بالمخاطر؛ لأن استمرار إغلاق المضيق أو اضطرابه لا يضغط على إيران وحدها، بل يضغط أيضاً على الاقتصاد العالمي وعلى الداخل الأميركي نفسه قبل انتخابات التجديد النصفي.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع مع أعضاء مجلس أمناء مركز «جون إف كيندي» للفنون المسرحية في واشنطن (إ.ب.أ)

هل اقتربت طهران من المفاوضات؟

الجواب الأدق عن هذا السؤال هو: اقتربت من الاختبار التفاوضي، لا من التسوية بعد... فالمعطيات المتوفرة تشير إلى إعادة تفعيل قناة اتصال مباشرة بين المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، وفق «أكسيوس»، في أول تواصل معروف منذ اندلاع الحرب. لكن طهران سارعت إلى النفي، وكرر عراقجي أن التفاوض لا يكون تحت التهديد.

ولا يعني هذا التناقض أن التواصل غير موجود بالضرورة، بل يعني أن ما يجري لا يزال في مرحلة جس النبض ومحاولة استكشاف الشروط، لا في مرحلة تفاوض رسمي على وقف دائم للحرب.

المؤشر الأهم هنا أن واشنطن نفسها لا تبدو واثقة بمن يملك قرار التفاوض داخل طهران بعد سلسلة الاغتيالات، وأنها تشك في أن عراقجي مخول فعلاً حسم المسائل الكبرى. وفي المقابل، تقول التقديرات الأميركية إن النظام لا يزال متماسكاً بما يكفي لرفض «استسلام» سريع، فيما يفضّل استخدام هرمز والصمود الداخلي لرفع تكلفة الحرب على خصومه. لذلك؛ يبدو أن إيران تريد التفاوض من «موقع مَن لم يسقط»؛ لا من «موقع مَن هُزم بالكامل»، وأنها تسعى أولاً إلى ضمانات أقوى من مجرد هدنة تسمح لواشنطن وإسرائيل بإعادة التموضع.


إسرائيل تعلن اغتيال وزير الاستخبارات الإيراني

وزير الاستخبارات الإيراني إسماعيل خطيب (إرنا)
وزير الاستخبارات الإيراني إسماعيل خطيب (إرنا)
TT

إسرائيل تعلن اغتيال وزير الاستخبارات الإيراني

وزير الاستخبارات الإيراني إسماعيل خطيب (إرنا)
وزير الاستخبارات الإيراني إسماعيل خطيب (إرنا)

أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الأربعاء، أن الدولة العبرية اغتالت وزير الاستخبارات الإيراني إسماعيل خطيب، وذلك غداة قتل أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني، وقائد قوات «الباسيج» التابعة لـ«الحرس الثوري» غلام رضا سليماني.

وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس (أ.ب)

وقال كاتس، في بيان: «ليلة أمس، جرى أيضاً القضاء على وزير استخبارات إيران إسماعيل خطيب».