إردوغان: الاتفاق بين السلطات السورية والأكراد «سيخدم السلام»

الرئيس التركي حذر المعارضة من تعليقاتها بشأن أحداث اللاذقية

الرئيس السوري أحمد الشرع (يسار) يصافح الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بعد مؤتمر صحافي مشترك في أنقرة (رويترز)
الرئيس السوري أحمد الشرع (يسار) يصافح الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بعد مؤتمر صحافي مشترك في أنقرة (رويترز)
TT

إردوغان: الاتفاق بين السلطات السورية والأكراد «سيخدم السلام»

الرئيس السوري أحمد الشرع (يسار) يصافح الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بعد مؤتمر صحافي مشترك في أنقرة (رويترز)
الرئيس السوري أحمد الشرع (يسار) يصافح الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بعد مؤتمر صحافي مشترك في أنقرة (رويترز)

أعلن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، اليوم (الثلاثاء)، أن الاتفاق الذي وقَّعته السلطات السورية مع «قوات سوريا الديمقراطية» ذات الغالبية الكردية، والقاضي بدمج مؤسسات الإدارة الذاتية في إطار الدولة السورية، «سيخدم السلام».

خلال إفطار رمضاني، قال الرئيس التركي إن «التطبيق الكامل للاتفاق الذي تمَّ التوصُّل إليه سيخدم الأمن والسلام في سوريا. الفائز سيكون كل أشقائنا السوريين».

سعت السلطات السورية الجديدة، بقيادة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، إلى حلِّ الجماعات المسلحة، وبسط سيطرة الدولة على كامل أراضي البلاد منذ إطاحة الرئيس بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) بعد أكثر من 13 عاماً من النزاعات والحرب الأهلية.

الاثنين، أعلنت الرئاسة السورية التوصُّل لاتفاق مع «قوات سوريا الديمقراطية» ينصُّ على «دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرقي سوريا كافة ضمن إدارة الدولة السورية، بما فيها المعابر الحدودية، والمطار، وحقول النفط والغاز».

ومن المتوقع أن يدخل الاتفاق حيّز التنفيذ بحلول نهاية العام.

تشكِّل «وحدات حماية الشعب الكردية» العمود الفقري لـ«قوات سوريا الديمقراطية» التي أدت دوراً أساسياً في التصدي لتنظيم «داعش».

ولطالما اتّهمت تركيا، حليفة السلطة الجديدة في دمشق، «وحدات حماية الشعب الكردية» بالارتباط بـ«حزب العمال الكردستاني» الذي تصنِّفه أنقرة وأطراف غربيون «منظمةً إرهابيةً»، ويخوض منذ عام 1984 تمرّداً ضد الدولة التركية.

وتضغط تركيا التي أقامت علاقات وثيقة مع الشرع، على السلطات السورية الجديدة لإيجاد حل لقضية «وحدات حماية الشعب الكردية». وقال إردوغان، الثلاثاء، إن تركيا تولي «أهمية كبرى للحفاظ على سلامة جارتنا سوريا ووحدة أراضيها».

وأضاف: «نعدّ كل جهد لتطهير سوريا من الإرهاب خطوةً في الاتجاه الصحيح».

جاء الاتفاق بعد نحو أسبوعين على دعوة تاريخية أطلقها مؤسّس «حزب العمال الكردستاني» عبدالله أوجلان المسجون، حضَّ فيها حزبه على إلقاء السلاح وحل نفسه.

أكراد سوريون يحتفلون في القامشلي بالاتفاق بين الإدارة السورية و«قسد» (رويترز)

وبعد الاتفاق بين الشرع وقائد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)»، مظلوم عبدي، نقلت وكالة «رويترز» عن مسؤول تركي، لم تسمه، قوله إن بلاده تشعر «بتفاؤل حذر» تجاه هذا الاتفاق، وإنها تريد رؤية كيف سيتم تنفيذه.

وأضاف المسؤول لـ«رويترز» أن الاتفاق لم يغيِّر من عزم تركيا على مكافحة الإرهاب، وأن أنقرة ما زالت مُصرة على مطلبها، وهو تفكيك ونزع سلاح «وحدات حماية الشعب الكردية».

وعبَّرت أحزاب تركية عن ترحيبها بالاتفاق، وأملها في أن يكون بداية لـ«سوريا موحدة وديمقراطية».

وقالت نائبة رئيسة المجموعة البرلمانية لحزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»، المؤيد للأكراد، جولستان كيليتش كوتشيغيت، إنهم يرحِّبون بالاتفاق الذي تم، ويعدونه بدايةً مهمةً للغاية، وواحدةً من أهم الخطوات في بناء «سوريا الديمقراطية».

وأضافت كوتشيغيت، في تصريح بمقر البرلمان التركي، الثلاثاء، أنه «على الرغم من أن هذا الاتفاق يبدو كأنه اتفاق بين الأكراد وإدارة دمشق، فإنه في الواقع بداية مهمة للغاية من حيث مشاركة جميع الشعوب والمعتقدات التي تعيش في سوريا في الإدارة السورية، وضمان حقوقهم دستورياً».

وتابعت: «نرحب بالاتفاق، ونتوقَّع أن المناقشات المتعلقة بـ(وحدات حماية الشعب الكردية) أكبر مكونات (قسد) التي تعدّها تركيا تنظيماً إرهابياً وامتداداً لـ(حزب العمال الكردستاني) في سوريا ستُزال أيضاً من جدول أعمال تركيا».

الشرع ومظلوم عبدي خلال توقيع الاتفاق بين الإدارة السورية و«قسد» في دمشق (أ.ب)

وعلَّق زعيم المعارضة التركية رئيس حزب «الشعب الجمهوري»، أوزغور أوزال، على الاتفاق قائلاً، في تصريحات عقب اجتماع المجموعة البرلمانية، الثلاثاء، إنه «تم الإعلان، الليلة الماضية، عن اتفاق من 8 بنود، وقبل مجيئي إلى هنا، قال المتحدث باسم (قوات سوريا الديمقراطية) إن هناك خلافات بنيوية كبيرة فيما يتعلق بمحتوى الاتفاق».

وأضاف: «بحسب الاتفاق المعلن، سيتم تحويل موارد النفط إلى الحكومة المركزية في دمشق، وستنضم (قوات سوريا الديمقراطية) إلى الجيش السوري، لكن بحسب تصريح المتحدث، الذي أدلى به، الثلاثاء، فإن كل موارد النفط ستبقى معهم، ولن يدخل الجيش السوري المركزي مناطقهم أبداً، وسيتم رفع العلم السوري رمزياً في مناطقهم. هناك كثير من المواقف المختلفة، هذه القضية بحاجة إلى توضيح من مصادر موثوق بها».

إردوغان... وأحداث الساحل السوري

بالتوازي، من ناحية أخرى، قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إن تركيا لن تسمح أبداً بإعادة رسم الخرائط في سوريا.

وأضاف إردوغان أن الأحداث في منطقة الساحل السوري أصبحت تحت السيطرة إلى حد كبير مع التدخل الفعال لقوات الحكومة السورية، لكن الوضع على الأرض لا يزال حساساً، لافتاً إلى أن تركيا تتخذ التدابير لضمان عدم حدوث أي تطور ضدها. ودعا السلطات السورية إلى اتخاذ الخطوات اللازمة لتهدئة الأجواء بشكل سريع.

إردوغان متحدثاً عقب اجتماع حكومته في أنقرة (الرئاسة التركية)

وعبَّر إردوغان، في تصريحات ليل الاثنين - الثلاثاء عقب اجتماع حكومته في أنقرة برئاسته، عن أمله في أن تنعم سوريا في أقرب وقت ممكن بالسلام والاستقرار الدائمَين اللذين تتوق إليهما منذ عقود، وثقته بأن الشعب السوري بأسره «سواء كانوا عرباً أم تركماناً أم أكراداً أم دروزاً أم علويين، سيتصرفون بحكمة، ولن يعطوا الفرصة لمَن يريدون تمزيق بلدهم وجره إلى مستنقع عدم الاستقرار».

وأثنى إردوغان على رسائل الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، التي وصفها بـ«الحازمة»، والتي تتسم بالاعتدال والتهدئة، وتؤكد عزم الحكومة على معاقبة الخارجين على القانون.

وقال إن «الشرع ينتهج سياسة شاملة منذ 8 ديسمبر الماضي دون الوقوع في فخ الانتقام، وإذا استمرت هذه القوة في التزايد، فستفسد المكائد ضد سوريا».

تحذير للمعارضة

وانتقد إردوغان بعض أحزاب المعارضة التركية وانسياقها وراء ادعاءات تعرِّض العلويين في سوريا لـ«مجزرة»، قائلاً: «مَن التزموا الصمت على مدار 14 عاماً بينما كان الأطفال الأبرياء يُقتَلون بالبراميل المتفجرة والأسلحة الكيميائية في سوريا، لا يمكنهم اليوم تجاوز حدودهم».

قوات الأمن السورية تفرض سيطرتها في منطقة الساحل بعد أحداث اللاذقية وطرطوس (د.ب.أ)

وأكد إردوغان أن «كل مَن يدعم الظالم فقط بسبب مذهبه يفقد كل قيمه الإنسانية، نحن لم نكن كذلك ولن نكون، نقف اليوم في المكان نفسه الذي وقفنا فيه عندما قُتل مليون سوري على يد نظام (البعث)».

وطالب المعارضة بأن تتصرف بمسؤولية تجاه أحداث سوريا؛ لأنها قضية حساسة، وأن تتوقف عن «صب الزيت على النار».

وتتحدَّث بعض أحزاب المعارضة عن «مجزرة» العلويين في منطقة الساحل السوري، كما تشهد مجموعة من المدن التركية، من بينها أنقرة وإسطنبول وإزمير وهطاي، مسيرات احتجاجية على ممارسات قوى الأمن السورية ضد العلويين في اللاذقية وطرطوس على خلفية الأحداث التي اندلعت في 6 مارس (آذار) الحالي.

مسيرة لعلويين أتراك في إسطنبول للتنديد باستهداف العلويين في منطقة الساحل السوري (د.ب.أ)

في المقابل، دعا رئيس حزب «الرفاه من جديد»، فاتح أربكان، الحكومة التركية إلى أن تطور العلاقات مع سوريا بحُسن نية وبخطوات بناءة بما يخدم مصالح البلدين، وأن تقدم كل مساهمة لحل المشكلات بالطرق السلمية بدلاً من الانحياز إلى أي طرف في المشكلات التي تنشأ، وأن تتخذ خطوات قوية ودائمة وودية لإرساء السلام الداخلي والأخوة في سوريا.

وقال أربكان، في بيان، الثلاثاء، إن القوى الخارجية، (لم يحددها)، تتخذ خطوات ماكرة خلف الكواليس لتسريع وتيرة الصراعات العرقية والطائفية في سوريا؛ بهدف تقسيمها، وبالتالي جرها إلى صراع داخلي على أساس عرقي وطائفي لن يخدم سوى مشروع إسرائيل في المنطقة.

ولفت إلى ضرورة الحوار والتعاون لإزالة التوترات، مؤكداً أن حل المشكلات بين الأطراف المعنية بالوسائل السلمية، في أسرع وقت ممكن، سيكون في مصلحة تركيا وسوريا والمنطقة.


مقالات ذات صلة

هدوء حذر في الحسكة... وتخصيص هاتف يسهل شكاوى الأهالي

المشرق العربي محافظ الحسكة مع المسؤول الأمني مروان العلي يتفقدون الحواجز في المدينة (مديرية إعلام الحسكة)

هدوء حذر في الحسكة... وتخصيص هاتف يسهل شكاوى الأهالي

انتشرت دوريات للأمن الداخلي، فجر الأحد، في حي الصالحية بمدينة الحسكة، بهدف تعزيز الأمن والاستقرار وضبط أي مخالفات محتملة للحفاظ على السلامة العامة.

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي شهدت مدينة الحسكة مراسم رفع علم الجمهورية العربية السورية بحضور رسمي تقدمه محافظ الحسكة وقائد الأمن الداخلي ونائب المحافظ إلى جانب عدد من الشخصيات الرسمية والبارزة (محافظة الحسكة)

العلم السوري يرفع وسط الحسكة للمرة الأولى

شهدت ساحة الحرية وسط مدينة الحسكة، اليوم الخميس، رفع العلم الوطني السوري على أعلى سارية، بحضور شعبي ورسمي غفير.

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي نساء يسرن داخل مخيم «روج» للاحتجاز المُخصَّص لأقارب مشتبه بكونهم متطرفين في شمال شرقي سوريا يوم 5 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

2200 شخص من عائلات متطرفين ما زالوا في مخيم يديره الأكراد في سوريا

يضم مخيم روج 2200 شخص من عائلات مقاتلي «داعش»، غالبيتهم أجانب، وتستمر إدارته الكردية فيما تؤكد دمشق أن نقل إدارته سيستغرق وقتاً.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
العالم العربي طفلتان تبدو عليهما بهجة العودة إلى بيتهما في رأس العين/ سري كانية (مركز رأس العين الإعلامي)

قافلة ثالثة من مخيمات الجزيرة السورية الى رأس العين

وصلت عائلات القافلة الثالثة للنازحين في الجزيرة السورية، اليوم الاثنين، إلى مناطقها الأصلية في الريف الجنوبي لرأس العين/ سري كانيه (شمال غربي محافظة الحسكة).

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي انتشار لقوى الأمن الداخلي السورية خلال مظاهرات يوم الجمعة في الحسكة (مديرية الإعلام في الحسكة)

الحسكة: «المكوّن العربي» يشكو استمرار «هيمنة قسد»

أكد نائب محافظ الحسكة السورية، أحمد الهلالي، السبت، أن مطالب الأهالي، خلال المظاهرات التي خرجت الجمعة، «مشروعة»، نافياً سيطرة «قسد» على المحافظة.

موفق محمد (دمشق)

«الحرس الثوري» يعلن انفجار ناقلة بعد اصطدامها بلغم في مضيق هرمز

أرشيفية لاندلاع حريق بناقلة نفط شرق مضيق هرمز (فارس)
أرشيفية لاندلاع حريق بناقلة نفط شرق مضيق هرمز (فارس)
TT

«الحرس الثوري» يعلن انفجار ناقلة بعد اصطدامها بلغم في مضيق هرمز

أرشيفية لاندلاع حريق بناقلة نفط شرق مضيق هرمز (فارس)
أرشيفية لاندلاع حريق بناقلة نفط شرق مضيق هرمز (فارس)

​نقلت وسائل إعلام إيرانية عن «الحرس الثوري»، اليوم (السبت)، أن ‌ناقلة ‌نفط ​تعرضت لانفجار ‌واندلعت ⁠فيها ​النيران بعد ⁠اصطدامها بلغم بحري في أثناء عبورها مضيق ⁠هرمز.

وأفاد التقرير ‌بأن الناقلة ‌كانت ​تحمل ‌أكثر ‌من مليوني برميل من النفط الخام، وكانت ‌تحاول عبور الممر المائي ⁠الاستراتيجي بشكل ⁠غير قانوني عبر مسار غير مرخص به من إيران.


ترمب يلوّح بضرب «جبل الفأس»

بزشكيان في زيارة لمنشأة أجهزة الطرد المركزي ضمن البرنامج النووي الإيراني (أرشيفية - الرئاسة الإيرانية)
بزشكيان في زيارة لمنشأة أجهزة الطرد المركزي ضمن البرنامج النووي الإيراني (أرشيفية - الرئاسة الإيرانية)
TT

ترمب يلوّح بضرب «جبل الفأس»

بزشكيان في زيارة لمنشأة أجهزة الطرد المركزي ضمن البرنامج النووي الإيراني (أرشيفية - الرئاسة الإيرانية)
بزشكيان في زيارة لمنشأة أجهزة الطرد المركزي ضمن البرنامج النووي الإيراني (أرشيفية - الرئاسة الإيرانية)

تتواصل الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران في ظلّ غياب مؤشرات واضحة على قرب التوصل إلى تسوية، وسط تصاعد التهديدات العسكرية وتبادل الاتهامات بشأن أمن الملاحة في مضيق هرمز.

وفي ظلّ هذه الأجواء، لوّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بإمكانية استهداف موقع «جبل الفأس»، في إطار مساعي واشنطن لمنع طهران من امتلاك سلاح نووي. وبرّر ترمب تصعيده قائلاً إن إيران قد تستخدم السلاح النووي «إذا تمكنت من الحصول عليه».

في المقابل، استبعد الرئيس الأميركي استخدام السلاح النووي ضد إيران، مؤكداً أن واشنطن لا تحتاج إلى مثل هذه الأسلحة لتحقيق أهدافها العسكرية. لكنه أشار إلى إمكانية اللجوء إلى أسلحة تقليدية شديدة التدمير، في إشارة إلى قنبلة «جي بي يو 43/ بي» المعروفة أيضاً باسم «أم القنابل»، والتي تُعدّ أقوى سلاح أميركي غير نووي.

من جانبه، أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، أمس، أن بلاده لا تسعى إلى امتلاك سلاح نووي، وأنها مستعدة للحوار، مشدداً على أن طهران لن تخضع للعقوبات.


إيران تلتف على الحصار الأميركي بصادرات وقود محدودة

تحاول الشركات الآسيوية تنويع مصادر نفطها جراء حرب إيران (رويترز)
تحاول الشركات الآسيوية تنويع مصادر نفطها جراء حرب إيران (رويترز)
TT

إيران تلتف على الحصار الأميركي بصادرات وقود محدودة

تحاول الشركات الآسيوية تنويع مصادر نفطها جراء حرب إيران (رويترز)
تحاول الشركات الآسيوية تنويع مصادر نفطها جراء حرب إيران (رويترز)

تمكنت إيران من تصدير شحنات محدودة من غاز البترول المسال ووقود الطائرات منذ يوليو (تموز)، رغم الحصار البحري الأميركي المفروض على صادراتها، مستفيدة من عمليات نقل الشحنات بين السفن في مياه الخليج، وفق معلومات استخباراتية بحرية ومصادر في قطاع الشحن.

وفي حين تؤكد واشنطن أن الحصار يحدّ بصورة كبيرة من صادرات الطاقة الإيرانية، تكشف هذه الشحنات عن محاولات طهران الالتفاف على القيود والحفاظ على منافذ محدودة لتصريف منتجاتها النفطية.

وقالت أربعة مصادر عاملة في مجال الأمن البحري ومتابعة تحركات النفط في الخليج لوكالة «رويترز» إن إيران تمكنت خلال الأسابيع الأخيرة من تمرير شحنات من غاز البترول المسال، عبر إخفائها ضمن عمليات متزايدة لنقل المنتجات النفطية من سفينة إلى أخرى.

ولم تكن هذه الصادرات قد ظهرت في تقارير سابقة بهذه الصورة، وهي، رغم محدودية حجمها مقارنة بصادرات إيران من الطاقة قبل فرض الحصار، تقدم مؤشرات على استمرار تدفق بعض المنتجات النفطية الإيرانية إلى الأسواق الخارجية.

وأظهر تحليل أجرته منظمة «متحدون ضد إيران النووية»، التي تراقب حركة ناقلات النفط المرتبطة بإيران باستخدام بيانات تتبع السفن وصور الأقمار الصناعية، أن ما لا يقل عن 8 ناقلات غاز محملة بغاز البترول المسال الإيراني غادرت خليج عُمان منذ منتصف يوليو.

صور الأقمار الصناعية

بزشكيان يترأس اجتماعاً حكومياً لمناقشة إدارة استهلاك الوقود بحضور وزيرَي الداخلية والنفط وقادة الشرطة الإيرانية الأحد (الرئاسة الإيرانية)

كما أظهرت صور الأقمار الصناعية وتحليلات مجموعة الاستخبارات البحرية «سينماكس» وصول ناقلة أخرى تحمل وقود طائرات إيرانياً إلى ميانمار في سبتمبر (أيلول).

ووفقاً لتحليل «رويترز» لبيانات السفن والعقوبات الأميركية، فإن 6 من ناقلات الغاز الـ8، إلى جانب ناقلة وقود الطائرات، تخضع لعقوبات أميركية بسبب نقل منتجات نفطية وبتروكيماوية إيرانية.

وقالت جميما شيلي، الباحثة في منظمة «متحدون ضد إيران النووية»، إن المنظمة رصدت عدداً محدوداً من الناقلات التي تحمل غاز البترول المسال الإيراني، في حين أعادت القوات الأميركية توجيه الغالبية العظمى من الناقلات المحملة بمنتجات إيرانية.

وأضافت أن بعض ناقلات الغاز نقلت شحناتها بالقرب من مدينتي شناص وصحار الساحليتين في عُمان، بينما انتظرت ناقلات أخرى في خليج عُمان قبل محاولة تجاوز الحصار الأميركي، الذي قالت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) إنه يمتد عبر الخليج بالقرب من الحدود الإيرانية الباكستانية.

وقدّرت شيلي إجمالي شحنات غاز البترول المسال التي رصدتها المنظمة بنحو 4.1 مليون برميل، مشيرة إلى أن هذه التحركات تبدو مدفوعة بانتهاز فرص محدودة لتصدير المنتجات، أكثر من كونها دليلاً على تحول استراتيجي واسع نحو استخدام سفن أصغر للالتفاف على القيود.

ووفقاً لتحليل المنظمة، اتجهت معظم الشحنات إلى ميناء في ماليزيا، حيث يُرجح إجراء عمليات إضافية لنقلها بين السفن، قبل وصولها إلى وجهات محتملة في الصين.

الجيش الأميركي: الحصار محكم

في المقابل، تؤكد القيادة المركزية الأميركية أن الحصار البحري لا يزال محكماً، وأن مرور بعض السفن لا يعني بالضرورة نجاحها في الإفلات من القيود.

وقال مسؤول عسكري أميركي لـ«رويترز» إن القوات الأميركية تقيّم حركة كل سفينة على حدة، من خلال إجراءات تشمل مراجعة الوثائق، مشيراً إلى أن بعض السفن قد يُسمح لها بالمرور لأسباب إنسانية.

وأوضح المسؤول أن إدراج سفينة على قوائم العقوبات الأميركية ليس العامل الوحيد الذي يحدد خضوعها للحصار، لافتاً إلى أن القوات تراقب بعض السفن عن كثب من دون اتخاذ إجراءات مباشرة ضدها لأسباب عملياتية.

وفي تحديث صدر في 13 أكتوبر (تشرين الأول)، قالت القيادة المركزية الأميركية إن قواتها عطّلت 4 سفن تجارية وأعادت 135 سفينة أخرى خلال الحصار الأخير، الذي استمر ثلاثة أشهر وفق البيان. وكانت القيادة قد ذكرت في تصريحات سابقة أنها أعادت سفناً قادمة من آسيا وصادرت بعض الناقلات.

تشكيك أميركي في البيانات

وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد (الرئاسة الإيرانية)

وشكك متحدث باسم وزارة الخزانة الأميركية في دقة بيانات الشحن التي تشير إلى نجاح سفن في تجاوز الحصار، قائلاً إن بعض السفن قد تتلاعب بمواقعها أو تستخدم هويات مزيفة أثناء عمليات التحميل، داعياً إلى التعامل مع هذه البيانات بحذر.

وأضاف أن ما وصفه بـ«الإقصاء الاقتصادي»، إلى جانب الحصار البحري، يفاقم الضغوط على إيران ويحدّ من قدرتها على تحقيق الإيرادات.

وفرضت الولايات المتحدة الحصار للمرة الأولى في 13 أبريل (نيسان)، قبل أن ترفعه في يونيو (حزيران) عقب التوصل إلى مسودة تفاهم مع إيران، ثم تعيد فرضه في 14 يوليو بعد انهيار الاتفاق، وفق المعلومات الواردة في التقرير.

وترافق الحصار مع حملة عقوبات مالية وتجارية تستهدف تقليص الإيرادات الإيرانية وقطع ما تبقى لطهران من روابط مالية خارجية. وفي هذا السياق، فرضت واشنطن الأسبوع الماضي عقوبات جديدة على 17 سفينة قالت إنها شاركت في نقل النفط الخام والبتروكيماويات والمنتجات البترولية الإيرانية.

ضغوط تدفع طهران للمجازفة

وتأتي محاولات تصدير المنتجات النفطية في وقت تواجه فيه إيران ضغوطاً اقتصادية متزايدة، وسط تراجع قدرتها على بيع النفط الخام وتزايد القيود المفروضة على تعاملاتها التجارية والمالية.

وقال توربيورن سولتفيدت، المحلل الكبير لشؤون الشرق الأوسط لدى شركة «فيريسك مابلكروفت» المتخصصة في معلومات المخاطر، إن تدهور الأوضاع الاقتصادية قد يدفع إيران إلى تحمل مخاطر أكبر في محاولة تمرير شحنات محدودة، رغم عدم وجود مؤشرات على احتمال تخفيف الحصار.

وأشار إلى أن وقود الطائرات قد يمثل خياراً مناسباً لإيران في هذه الظروف، نظراً إلى الضغوط المتزايدة التي يتعرض لها قطاع الطيران الإيراني بسبب العقوبات الأميركية، وما قد ينجم عنها من توقف عدد متزايد من الطائرات، الأمر الذي قد يترك فائضاً من وقود الطائرات في المصافي المحلية.

وفي مؤشر على حجم الضغوط التي تواجهها صادرات الطاقة الإيرانية، قالت شركة «كبلر» المتخصصة في تحليل بيانات الشحن والطاقة إن صادرات النفط الخام الإيراني انخفضت إلى الصفر في سبتمبر، في أول شهر لا تُسجل فيه أي شحنة منذ أن بدأت الشركة تتبع أنشطة إيران عام 2013.

من جانبه، قال وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، إن الحصار منع معظم مشتريات الصين من النفط الإيراني، وجعل إيران غير قادرة على توريد النفط الخام إلى عملائها.

وتشير هذه المعطيات إلى أن الحصار الأميركي يفرض قيوداً واسعة على صادرات الطاقة الإيرانية، وإن كانت الشحنات المحدودة من غاز البترول المسال ووقود الطائرات توضح أن طهران لا تزال تحاول استغلال الثغرات المتاحة في حركة الشحن البحري. لكن استمرار هذه العمليات لا يعني بالضرورة نشوء مسار بديل قادر على تعويض خسائر صادرات النفط الخام، خصوصاً في ظل تشديد العقوبات ومراقبة الناقلات وعمليات النقل بين السفن.