الغارات الإسرائيلية التي تتوالى على سوريا ضمن خطة «حرب الدوائر الثلاث»

لممارسة ضغوط ترمي لاتفاقيات مستقبلية وفرض نزع سلاح في سوريا ولبنان وغزة

مركبات مدرعة تابعة للجيش الإسرائيلي تغلق طريقاً تؤدي إلى مدينة القنيطرة جنوب سوريا 5 يناير (أ.ب)
مركبات مدرعة تابعة للجيش الإسرائيلي تغلق طريقاً تؤدي إلى مدينة القنيطرة جنوب سوريا 5 يناير (أ.ب)
TT

الغارات الإسرائيلية التي تتوالى على سوريا ضمن خطة «حرب الدوائر الثلاث»

مركبات مدرعة تابعة للجيش الإسرائيلي تغلق طريقاً تؤدي إلى مدينة القنيطرة جنوب سوريا 5 يناير (أ.ب)
مركبات مدرعة تابعة للجيش الإسرائيلي تغلق طريقاً تؤدي إلى مدينة القنيطرة جنوب سوريا 5 يناير (أ.ب)

كشفت مصادر عسكرية في تل أبيب، عن أن الغارات التي تتوالى على سوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد، تعكس نشوء عقيدة حربية جديدة تسمى «حرب الدوائر الثلاث»، ترمي إلى فرض نزع سلاح في مناطق واسعة، من دمشق جنوباً في سوريا، واتباع نهج مماثل لما تنفذه في الجنوب اللبناني وقطاع غزة كله.

وقالت هذه المصادر، إن الجيش الإسرائيلي اتخذ قراراته بشأن هذه العقيدة وبدأ يطبقها، على الجبهات الثلاث المذكورة، مع وضع قواعد خاصة لكل جبهة. ولكن القاسم المشترك بينها هو فكرة الدوائر الثلاث: دائرة خط دفاع قوي داخل إسرائيل على حدود كل منطقة، إقامة حزام أمني على طول الحدود داخل كل الدول المجاورة، وفرض منطقة نزع سلاح عميقة.

ففي الجبهة السورية، تعزز القوات الإسرائيلية في الدائرة الأمنية الأولى، السياج الأمني وتحوّله خط دفاع حصيناً أمام الهجمات بإقامة جدار مزود بالأجهزة الإلكترونية وقناة محفورة على طول الحدود، وحشد قوات كبيرة تقام لها قواعد عسكرية في المناطق العالية تشرف على سهول الجنوب السوري.

جندي إسرائيلي يعبر لافتة تشير إلى معسكر زيواني التابع لقوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك (UNDOF) قرب معبر القنيطرة 7 ديسمبر 2024 (إ.ب.أ)

وفي الدائرة الثانية، أقامت إسرائيل حزاماً أمنياً واسعاً مؤلفاً من أكثر من 400 كيلومتر مربع، يشمل «المنطقة الحرام» التي كانت قد أقيمت بصفتها منطقةً حيادية في اتفاق فصل القوات سنة 1974 وحظر فيها وجود قوات عسكرية، وأضافت إليها مناطق أخرى لا تبعد عن دمشق أكثر من 22 كيلومتراً، وبالإضافة إليها احتلال جميع قمم جبل الشيخ المطلة على الأراضي السورية من جهة واللبنانية من جهة ثانية، وقد أقامت إسرائيل فيها تسع قواعد عسكرية.

أما الدائرة الثالثة، فهي في قلب الأراضي السورية، وتمتد من دمشق إلى الحدود مع الأردن من جهة وإلى الغرب عند المنطقة التي تحتلها إسرائيل منذ سقوط نظام الأسد.

وكانت قوات سلاح الجو الإسرائيلي قد داهمت سوريا بأكثر من 500 غارة خلال 72 ساعة من سقوط النظام في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) الماضي، تسبب في تدمير 90 بالمئة من القدرات الدفاعية وسلاحي الجو والبحرية السوريين.

ولم تكتفِ بذلك؛ إذ تواصل الغارات فوق مواقع عدة أكثر من مرة في الأسبوع. ومع أن الحجة التي تتذرع بها هي «تدمير مخازن أسلحة» أو «تحييد خلايا إرهابية» أو «منع استخدام دبابات»، إلا أن الملاحظ أن القصف يأتي بالأساس لفرض حضور إسرائيلي على الطبقة السياسية المشغولة في إنشاء سوريا الجديدة وعلى الخطط المستقبلية فيها.

لافتة رفعها الدروز السوريون «السويداء لن تكون خنجركم المسموم في ظهر سوريا» رداً على التوغلات الإسرائيلية في الأراضي السورية الثلاثاء (أ.ب)

وقد عبَّر عن ذلك بشكل صريح وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، الذي صرح في بروكسل، الثلاثاء، بأن إسرائيل تريد أن تنضم سوريا ولبنان إلى اتفاقيات إبراهيم، وتعتقد أن على سوريا أن تتحول دولة فيدرالية تضم مجموعة دويلات ذات حكم ذاتي. ويأتي هذا من باب الادعاء الإسرائيلي بأنها تحافظ على حقوق ومكانة الدروز والأكراد.

ومن اللافت، أن إسرائيل طيلة 77 عاماً، تدير سياسة تمييز عنصري ضد اليهود الشرقيين وبضمنهم الأكراد، وتدير سياسة تمييز أبشع ضد مواطنيها الدروز. ومع أنها فرضت على شبان الطائفة «المعروفية» الخدمة العسكرية، سنَّت قانون القومية الذي يمنح اليهود تفوقاً عرقياً على كل من هو غير يهودي. ولذلك؛ فإن أحداً لا يصدق أنها تحمي مصالح الأكراد والدروز في سوريا.

الرئيس السوري أحمد الشرع خلال كلمته في افتتاح «مؤتمر الحوار الوطني» بقصر الشعب في دمشق (أ.ف.ب)

الموقف الذي صدر عن مؤتمر الحوار الوطني في دمشق، الثلاثاء، كان فيه تأكيد صريح على «الحفاظ على وحدة الجمهورية العربية السورية، وسيادتها على كامل أراضيها، ورفض أي شكل من أشكال التجزئة والتقسيم أو التنازل عن أي جزء من أرض الوطن»، و«إدانة التوغل الإسرائيلي في الأراضي السورية، باعتباره انتهاكاً صارخاً لسيادة الدولة السورية، والمطالبة بانسحابه الفوري وغير المشروط، ورفض التصريحات الاستفزازية من رئيس الحكومة الإسرائيلية، ودعوة المجتمع الدولي والمنظمات الإقليمية إلى تحمل مسؤولياتها تجاه الشعب السوري والضغط لوقف العدوان والانتهاكات». ولهذا الموقف بالذات، جاء الرد الإسرائيلي بقصف ثلاثة مواقع قرب دمشق ودرعا، مساء الثلاثاء، بعد ساعات من انتهاء المؤتمر.

غزة

الخطة الإسرائيلية الحربية يتم تطبيقها أيضاً في قطاع غزة، ففي الداخل الإسرائيلي تمت إقامة قواعد عسكرية جديدة عدة وتعزيز القواعد السابقة التي كانت «حماس» قد احتلتها لساعات عدة في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وتمت إقامة حزام أمني داخل القطاع بعرض 1 – 1.5 كيلومتر على طول الحدود شمالاً وشرقاً، وفيها يُقتَل كل من يقترب من هذا الحزام. وتطالب إسرائيل اليوم بتحويل كل قطاع غزة منطقة منزوعة السلاح شرطاً لأي اتفاق حول اليوم التالي للحرب.

لبنان

أما في لبنان، فقد تم تغيير كل هيكلية الدفاع داخل المنطقة الإسرائيلية في أعالي الجليل على طول الحدود، بتغيير السياج الأمني وتعزيزه أكثر وحفر قنوات في الأرض تعيق أي محاولة للهجوم على إسرائيل.

جنود إسرائيليون ينتشرون قرب الجدار الفاصل مع لبنان (رويترز)

وفي الدائرة الثانية تمت إقامة حزام أمني على طول الحدود، وعلى الرغم من انتشار قوات الجيش اللبناني تواصل القوات الإسرائيلية الاحتفاظ بخمسة مواقع عسكرية كبيرة على رؤوس الجبال والتلال، في كل منها يتمترس مئات الجنود. وفي الدائرة الثالثة تصر إسرائيل على جعل الجنوب اللبناني من نهر الليطاني وحتى الحدود منطقة منزوعة السلاح.

الأردن

وبحسب المصادر العسكرية، توجد لإسرائيل مشكلة في موضوع الحدود الشرقية. فالحدود مع الأردن، التي تعدّ أطول حدود، وتُستخدم كثيراً في السنوات الأخيرة لتهريب أسلحة وتسلل مسلحين نحو إسرائيل. لكن هناك اتفاقية سلام بين البلدين تحتم التنسيق المشترك، أيضاً في هذا المجال الأمني.

عناصر من قوات الأمن الإسرائيلية تتفقد موقع إطلاق النار قرب معبر اللنبي الحدودي مع الأردن (أ.ف.ب)

لكن الحكومة اليمينية المتطرفة التي يقودها بنيامين نتنياهو، تضم عناصر متطرفة لا تؤمن بالسلام مع أحد، بما في ذلك الأردن، وتطالب بتحويله دولة فلسطينية.

والجيش، الذي لا يوافق على هذا الطرح، يحاول تعزيز قواته ويطالب الحكومة بتنفيذ قراراتها الكثيرة السابقة ببناء جدار أمني قوي على طول الحدود، وتخصيص التمويل اللازم لذلك.


مقالات ذات صلة

«هل نريد غزّة ثانية؟»... ازدياد الاستياء الأوروبي من إسرائيل رغم تعثر معاقبتها

المشرق العربي احتجاج مصغر داعم لفلسطين قرب مقر اجتماع مجلس الشؤون الخارجية الأوروبي في لوكسمبورغ الثلاثاء (إ.ب.أ) p-circle

«هل نريد غزّة ثانية؟»... ازدياد الاستياء الأوروبي من إسرائيل رغم تعثر معاقبتها

خيَّم الإحباط على اجتماع مجلس وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، إزاء مضيّ إسرائيل في انتهاك القانون الدولي رغم التحذيرات التي تصدر عن الاتحاد والتلويح بمعاقبته.

شوقي الريّس (بروكسل)
شؤون إقليمية إيرانيان يمران أمام لوحة جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران (أ.ف.ب)

إسرائيل «تفضل» استئناف القتال على اتفاق إيراني - أميركي

رأى مستشار سابق مقرب من رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، أن «استئناف القتال مع إيران أفضل من أي اتفاق».

المشرق العربي إسرائيليون في مقبرة جبل هرتزل خلال احتفالات بذكرى القتلى العسكريين الثلاثاء (رويترز)

إسرائيل تُحيي «ذكرى الاستقلال» بمهرجانين متناقضين

تشهد إسرائيل مجموعة كبيرة من المهرجانات في ذكرى ما تسميه بـ«يوم الاستقلال»، لكن المناسبة باتت مساحة لخطابين ومهرجانين متناقضين.

نظير مجلي (تل أبيب)
أوروبا نساء يبكين خلال جنازة خميس القصاص الذي قُتل الثلاثاء بغارة جوية إسرائيلية في مستشفى ناصر بخان يونس جنوب قطاع غزة (رويترز)

انقسام داخل الاتحاد الأوروبي حول تعليق معاهدة مع إسرائيل

دعت دول أوروبية من بينها إسبانيا ‌وآيرلندا الثلاثاء إلى تعليق معاهدة تنظم علاقات الاتحاد الأوروبي مع إسرائيل لكن الاتحاد ظل منقسماً بشأن اتخاذ إجراء

«الشرق الأوسط» (لوكسمبورغ)
شؤون إقليمية رئيس جهاز «الموساد» دافيد برنياع (أرشيفية - رويترز)

مقتل العميل «م» يكشف دوراً استخبارياً في حربي إسرائيل ضد إيران

أعلن رئيس جهاز «الموساد» دافيد برنياع، الثلاثاء، مقتل عميل يُشار إليه بالحرف «م» خارج إسرائيل خلال عمليات ضد إيران.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

إيران تنقل سفينتين احتجزتهما إلى أحد موانئها

السيطرة على السفينة «إم إس سي ​فرنشيسكا» في مضيق هرمز (لقطة من فيديو)
السيطرة على السفينة «إم إس سي ​فرنشيسكا» في مضيق هرمز (لقطة من فيديو)
TT

إيران تنقل سفينتين احتجزتهما إلى أحد موانئها

السيطرة على السفينة «إم إس سي ​فرنشيسكا» في مضيق هرمز (لقطة من فيديو)
السيطرة على السفينة «إم إس سي ​فرنشيسكا» في مضيق هرمز (لقطة من فيديو)

ذكرت مصادر، اليوم الخميس، أن سفينتيْ حاويات احتجزتهما إيران قرب مضيق هرمز، وعلى متنهما نحو 40 من طاقميهما، جرى توجيههما نحو ميناء بندر عباس، وذلك بعد أن توعدت ​طهران بالرد على احتجاز القوات الأميركية سفينة إيرانية قبل ثلاثة أيام.

واحتجز «الحرس الثوري» الإيراني السفينتين، أمس الأربعاء، وإحداهما تديرها شركة «إم إس سي»، أكبر مجموعة شحن حاويات في العالم. وقالت ثلاثة مصادر إن الأخرى مستأجَرة من الشركة نفسها.

وقال قريب لأحد البحّارة المحتجَزين، لوكالة «رويترز»: «اقتحم السفينة نحو 20 إيرانياً مدججين بالسلاح. والبحّارة تحت سيطرة الإيرانيين، وحركتهم على متن السفينة محدودة، لكن الإيرانيين يعاملونهم معاملة حسنة».

وقال فيليب رادولوفيتش، وزير الشؤون البحرية في الجبل الأسود، لهيئة الإذاعة والتلفزيون «آر تي سي جي» الحكومية: «السفينة راسية على بُعد تسعة أميال بحرية ‌من الساحل الإيراني. ‌المفاوضات بين (إم إس سي) وإيران جارية، وبحّارتنا بخير».

وأضاف أن أربعة ​بحّارة ‌على متن السفينة «إم إس سي ​فرنشيسكا»، بمن فيهم القبطان، من مواطني الجبل الأسود. وأكدت وزارة الخارجية الكرواتية وجود اثنين من رعاياها على متن السفينة.

ولم تتوفر تفاصيل كاملة عن طاقم السفينة التي ترفع عَلَم بنما، لكن سفن الحاويات الكبيرة تحتاج عادةً إلى 20 فرداً على الأقل. وأحجمت «إم إس سي» عن التعليق.

ويقول خفر السواحل اليوناني إن السفينة «إيبامينونداس» التي ترفع عَلَم ليبيريا تضم طاقماً مكوناً من 21 فرداً من الأوكرانيين والفلبينيين. وكانت السفينة متجهة إلى الهند.

وأفادت التقارير بأن طاقمَي السفينتين بخير، لكن السلطات في بلديهما قالت إنها تسعى ‌للحصول على معلومات حول سلامة البحّارة وتعمل على ‌إطلاق سراحهم. ولم يجرِ الكشف عن أي معلومات حول ​الشحنة التي كانت تحملها السفينتان، إنْ وُجدت.

وجرى ‌إيقاف أنظمة التتبع في السفينتين، لكن مصادر أمنية بحرية قالت إن بيانات ‌الشحن تشير إلى أنهما قريبتان من بندر عباس.

احتجاز سفينة إيرانية

في 19 أبريل (نيسان) الحالي، أطلقت القوات الأميركية النار على سفينة الشحن «توسكا» التي ترفع العَلم الإيراني، واحتجزتها.

وقال متحدث عسكري، رداً على ذلك: «ستردّ القوات المسلّحة الإيرانية قريباً، وتنتقم من هذه القرصنة المسلّحة ‌التي ارتكبها الجيش الأميركي».

وطالبت وزارة الخارجية الإيرانية بالإفراج الفوري عن السفينة وطاقمها وعائلاتهم. ولم يجرِ الكشف عن أي تفاصيل بشأن طاقم السفينة.

أسعار النفط وتدفقه

قفزت أسعار النفط بسبب تضاؤل احتمالات إعادة فتح المضيق سريعاً، ويمر من المضيق عادةً 20 في المائة من الإمدادات اليومية العالمية من النفط والغاز الطبيعي المُسال.

وارتفعت العقود الآجلة لخام برنت القياسي 2 في المائة لتصل إلى 102 دولار للبرميل اليوم، مقارنة مع 72 دولاراً قبل اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي.

وردّت الولايات المتحدة بفرض حصار يستهدف عمليات الشحن المرتبطة بإيران في 13 أبريل. وقالت القيادة المركزية الأميركية، أمس الأربعاء، إن قواتها أمرت نحو 31 سفينة بتغيير مسارها أو العودة إلى الميناء.

وقالت وزارة الدفاع الأميركية، اليوم، إنها اعتلت الناقلة «إم تي ماجستيك» المحملة بالنفط الإيراني في المحيط الهندي، وذلك بالإضافة إلى ثلاث ناقلات جرى اعتراضها في اليوم السابق.

وقالت شركة ​تحليل البيانات «فورتيكسا» إنها أحصت ست ناقلات تحمل ​أكثر من 10 ملايين برميل من النفط الخام الإيراني تَعبر المضيق وتخرج من المنطقة المحاصَرة بين 13 و21 أبريل.


نجل شاه إيران السابق يناشد الدول الغربية تقديم الدعم

رضا بهلوي وزوجته ياسمين في برلين (أ.ف.ب)
رضا بهلوي وزوجته ياسمين في برلين (أ.ف.ب)
TT

نجل شاه إيران السابق يناشد الدول الغربية تقديم الدعم

رضا بهلوي وزوجته ياسمين في برلين (أ.ف.ب)
رضا بهلوي وزوجته ياسمين في برلين (أ.ف.ب)

ناشد نجل ‌الشاه السابق الدول الغربية الانضمام إلى الحرب ضد إيران، وانتقد قرار الحكومة الألمانية عدم مقابلته، خلال زيارته برلين، ​اليوم الخميس.

واتهم رضا بهلوي، الذي أُطيح بوالده في الثورة عام 1979، أوروبا بالوقوف مكتوفة الأيدي والسماح لحكومة طهران بمواصلة ما وصفه بالقمع الدموي للاحتجاجات التي أودت بحياة الآلاف، أواخر العام الماضي.

وقال، في مؤتمر صحافي عقده ببرلين: «السؤال ليس: ‌هل سيحدث التغيير أم لا. ​التغيير ‌آتٍ... ⁠السؤال الحقيقي ​هو: ⁠كم عدد الإيرانيين الذين سيفقدون أرواحهم بينما تكتفي الديمقراطيات الغربية بالمشاهدة».

وشهد وسط برلين خروج كل من المؤيدين والمعارضين في مظاهرات، وجرى احتجاز شخص بعد أن رشّ بهلوي، الذي ظهر بين المتظاهرين، بنوع من السوائل أحمر اللون.

زعيم محتمل؟

برز بهلوي، الذي أمضى ⁠معظم حياته في المنفى، بوصفه زعيماً محتملاً ‌للمعارضة بعد اندلاع الاحتجاجات ‌المناهضة للحكومة في طهران ومدن إيرانية ​أخرى، العام الماضي.

لكن ‌حركات المعارضة الإيرانية منقسمة بشدة، ويتوخى عدد ‌من الحكومات الغربية الحذر في إعلان تأييدها إياه؛ لأن حجم الدعم الشعبي الذي يحظى به لا يزال غامضاً بعد مرور ما يقرب من نصف قرن على الإطاحة بحكم ‌والده.

واستبعدت دول أوروبية، بما في ذلك ألمانيا، الانضمام إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، اللتين ⁠شنتا ⁠الحرب، في 28 فبراير (شباط) الماضي، بموجة من الغارات الجوية التي أسفرت عن مقتل المرشد علي خامنئي.

جاءت زيارة بهلوي لألمانيا فيما يبدو أن الجهود الرامية إلى إنهاء الصراع توقفت مع استمرار إيران والولايات المتحدة في فرض السيطرة على مضيق هرمز الحيوي الذي يمر عبره نحو خمس إنتاج النفط العالمي.

وأبدى بهلوي أسفه لأن حكومة المستشار فريدريش ​ميرتس لم تعرض عليه ​عقد اجتماع، خلال زيارته ألمانيا. وقال: «مارسوا حقكم. بصفتكم ديمقراطيات، يحق لكم التحدث مع من تشاؤون».


كواليس القرار العسكري الأميركي الإسرائيلي في الحرب على إيران

قائد «سنتكوم» الأميرال براد كوبر خلال زيارة إلى إسرائيل بدعوة من رئيس الأركان إيال زامير لتعزيز التنسيق العسكري والشراكة الدفاعية بين الجانبين الأحد (الجيش الإسرائيلي-إكس)
قائد «سنتكوم» الأميرال براد كوبر خلال زيارة إلى إسرائيل بدعوة من رئيس الأركان إيال زامير لتعزيز التنسيق العسكري والشراكة الدفاعية بين الجانبين الأحد (الجيش الإسرائيلي-إكس)
TT

كواليس القرار العسكري الأميركي الإسرائيلي في الحرب على إيران

قائد «سنتكوم» الأميرال براد كوبر خلال زيارة إلى إسرائيل بدعوة من رئيس الأركان إيال زامير لتعزيز التنسيق العسكري والشراكة الدفاعية بين الجانبين الأحد (الجيش الإسرائيلي-إكس)
قائد «سنتكوم» الأميرال براد كوبر خلال زيارة إلى إسرائيل بدعوة من رئيس الأركان إيال زامير لتعزيز التنسيق العسكري والشراكة الدفاعية بين الجانبين الأحد (الجيش الإسرائيلي-إكس)

كشفت مصادر إسرائيلية كواليس القرار الذي قاد إلى الحرب على إيران، مشيرة إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اتخذا القرارات النهائية بشأن الحرب والهدنة، في حين برزت ثلاث شخصيات عسكرية بوصفها الأكثر تأثيراً بعدهما: رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير، ورئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية دان كين، وقائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر.

ووفق تحقيق حصري، لصحيفة «جيروزاليم بوست»، كان زامير عاملاً أساسياً في إقناع كين وكوبر بأن الحرب ممكنة وقابلة للتنفيذ، بما دفعهما إلى دعمها أو عدم معارضتها. ثم لعب كين دوراً حاسماً في إقناع ترمب بإمكانية خوض الحرب، رغم شكوكه بشأن جوانب مهمة منها. كما ارتبط موقفه بقرارات ترمب المتكررة بإعلان وقف إطلاق نار أحادي، خشية كلفة التصعيد على الأرواح الأميركية والموقع السياسي.

وكان نتنياهو، خلال زيارة طارئة إلى واشنطن في 12 فبراير (شباط) الماضي، قد عرَضَ على ترمب خطة من أربع خطوات هي: اغتيال المرشد علي خامنئي وكبار المسؤولين العسكريين والاستخباراتيين، وتدمير قدرات إيران الصاروخية والطائرات المُسيرة، وإثارة انتفاضة داخلية ثم تحويلها إلى تغيير النظام، وهجوم بري محتمل من قِبل الأكراد الذين يعيشون على الحدود بين إيران والعراق.

غير أن أياً من القادة الثلاثة لم يؤمن فعلياً بالخطوتين الثالثة والرابعة، مع استعداد زامير للمخاطرة بهما، مقابل تركيز كين وكوبر على الخطوتين الأوليين. ودفع هذا التباين نحو تغيير النظام ومحاولة تجنب الانخراط المباشر فيه، دون إعلان معارضة، كان له أثر مباشر على مسار الحرب.

وفي توزيع الأدوار، كلّفت إسرائيل باستهداف القادة ومراكز «الحرس الثوري» و«الباسيج» والقدرات العسكرية، في حين ركزت الولايات المتحدة على القدرات الإيرانية. وأبقى ترمب، بتأثير من كين وبدعم من كوبر، بلاده خارج الانخراط المباشر في تغيير النظام، رغم دعواته اللاحقة العلنية لذلك.

كما أشار التحقيق إلى أن الجهود الإسرائيلية للتأثير على قرار الحرب ركزت، بشكل خاص، على كين، من خلال زيارات زامير ومدير «الموساد» ديفيد برنياع، ورئيس الاستخبارات العسكرية شلومي بيندر، إلى واشنطن.

وفي المقابل، كان كوبر أقل تدخلاً في قرار الذهاب إلى الحرب، وركز على بناء خياراتها، مع دور رئيسي في تقسيم الأهداف جغرافياً بين إسرائيل والولايات المتحدة.

رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير مع قائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر والمبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر (الجيش الإسرائيلي)

منطق التوقيت

وتطرقت المصادر إلى الحجة الأساسية لزامير في تسريع توقيت الحرب، فقد أقر بإمكانية تأجيل المواجهة نظرياً، إذ لم تتجاوز إيران بعدُ العتبة الحرجة من الصواريخ الباليستية، خصوصاً أن الخطة الإسرائيلية الأصلية كانت تستهدف البرنامج الصاروخي، في وقت لاحق من عام 2026.

لكن زامير حذّر من أن إيران تتقدم بسرعة كبيرة، وأن التأجيل سيضر الجهود العسكرية لاحقاً. ووفق الأرقام الواردة، كانت إيران تنتج بين 200 و300 صاروخ باليستي شهرياً، وقد عوَّضت نحو نصف خسائرها في حرب يونيو (حزيران) الماضي من الصواريخ ومنصات الإطلاق خلال ثمانية أشهر، لتصل إلى نحو 2500 صاروخ.

ووفق هذا التقدير، كان الانتظار ستة أشهر قد يرفع العدد إلى ما بين 3700 و4300 صاروخ، في حين قد يصل بعد عام إلى ما بين 4900 و6100 صاروخ.

ويرى التحقيق أن هذه الزيادة الكبيرة كانت ستؤدي إلى ارتفاع كبير في الخسائر والأضرار، وربما إلى تقليص العمليات العسكرية في وقت مبكر.

كما ربط زامير توقيت الحرب باستغلال احتجاجات داخلية في إيران خلال يناير (كانون الثاني) الماضي، وعَدَّ فبراير لحظة مناسبة للتحرك، إضافة إلى التحذير من نقل الأصول النووية إلى مواقع تحت الأرض، ما يصعّب استهدافها لاحقاً.

إخفاق الصواريخ وهرمز

في المقابل، حمّل التحقيق زامير وكين وكوبر مسؤولية إخفاقين رئيسيين؛ الأول يتعلق بعدم وقف الهجمات الصاروخية الإيرانية. فرغم إعلان انخفاضها بنسبة 70 إلى 90 في المائة خلال الأيام الأولى، لم تتراجع إلى مستويات ضئيلة، كما كان متوقعاً.

ويعزو التحقيق ذلك إلى قدرة إيران على إعادة تشغيل منصات إطلاق الصواريخ بسرعة، عبر فِرق جرافات وتقنيات كشفت مواقع الإطلاق التي تعرضت لانهيارات خلال أقل من يوم، إضافة إلى توزيع الأطقم الصاروخية في أنحاء البلاد، وتعديل أكثر من 70 في المائة من الصواريخ لتشمل ذخائر عنقودية، ما زاد صعوبة التصدي لها.

أما الإخفاق الثاني فيتعلق بمضيق هرمز. ورغم تحميل ترمب المسؤولية الأساسية بسبب ضعف آليات القرار، أشار التحقيق إلى أن كين وكوبر لم يرفعا مستوى التحذير بما يكفي بشأن المخاطر المحتملة، واكتفيا بتقديم مشورة محايدة.

ويضيف أن تأخر نشر القوات القادرة على التعامل مع سيناريو هرمز لأسابيع عدة شكّل خطأ استراتيجياً، إذ كان يمكن نشرها منذ بداية الحرب، بدلاً من التركيز أولاً على استهداف «البحرية» الإيرانية.

وخلص التحقيق إلى أن الحملة العسكرية نجحت أكثر مما كان متوقعاً، لكنها لم تحقق أهدافها كاملة، خصوصاً في ملفي الصواريخ وهرمز، بينما بقيت مسألة ترجمة المكاسب العسكرية إلى نتائج استراتيجية في يد القادة السياسيين والدبلوماسيين، لا العسكريين.

كما أشار إلى أن خيار التدخل البري ظل مطروحاً نظرياً، سواء في مضيق هرمز أم جزيرة خرج، لكن دان كين وبراد كوبر شددا على كلفته العالية، في حين بدا إيال زامير أكثر ميلاً إلى المخاطرة في بعض المسارات.