خامنئي يوجه بمواصلة تطوير القدرات الصاروخية

شدد على تحسين دقة القذائف «الباليستية» وأثنى على رد بزشكيان ضد ترمب

خامنئي يستمع إلى مسؤول عسكري بينما يتوسط رئيس الأركان محمد باقري ووزير الدفاع عزيز نصير زاده (موقع المرشد)
خامنئي يستمع إلى مسؤول عسكري بينما يتوسط رئيس الأركان محمد باقري ووزير الدفاع عزيز نصير زاده (موقع المرشد)
TT

خامنئي يوجه بمواصلة تطوير القدرات الصاروخية

خامنئي يستمع إلى مسؤول عسكري بينما يتوسط رئيس الأركان محمد باقري ووزير الدفاع عزيز نصير زاده (موقع المرشد)
خامنئي يستمع إلى مسؤول عسكري بينما يتوسط رئيس الأركان محمد باقري ووزير الدفاع عزيز نصير زاده (موقع المرشد)

طالب المرشد الإيراني علي خامنئي، الأربعاء، بمواصلة تطوير برنامج الصواريخ الباليستية «دون توقف»، وذلك بعدما تعهد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بلجم مساعي طهران لإنتاج صاروخ عابر للقارات.

وأبدى خامنئي في خطاب أمام عدد من مسؤولي وزارة الدفاع ارتياحه من خطاب الرئيس مسعود بزشكيان في ذكرى الثورة، والذي وجه انتقادات لاذعة إلى سياسة نظيره الأميركي دونالد ترمب، بإعادة استراتيجية «الضغوط القصوى» على طهران.

ونقل موقع خامنئي الرسمي قوله إن «كلمات الرئيس كانت مفتاحاً للحلول»، عاداً مشاركة الإيرانيين في تظاهرة ذكرى الثورة «جاءت في مواجهة التهديدات السخيفة التي توجَّه ضد الشعب الإيراني، وذلك رغم الحملات الإعلامية والحرب الناعمة التي يشنها الأعداء».

تعزيز الدفاع

وأشار خامنئي إلى ضرورة استمرار تطوير القطاع الدفاعي، مؤكداً ضرورة تحسين دقة الصواريخ الإيرانية، والتركيز على الابتكار.

وقال خامنئي: «التقدم يجب ألا يتوقف، لا يمكن أن نرضى (بمستوانا الحالي). وضعنا من قبل حداً لدقة صواريخنا، لكننا نشعر الآن أن هذا الحد لم يعد كافياً. يجب أن نمضي قدماً».

في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، ذكرت مواقع إيرانية أن «طهران قد اتخذت خطوة نحو تطوير صواريخ عابرة للقارات». وأشارت تحديداً إلى إعلان كمال خرازي، كبير مستشاري المرشد الإيراني في الشؤون الدبلوماسية، عن احتمال زيادة مدى الصواريخ الباليستية؛ في إشارة ضمنية إلى زيادة الصواريخ إلى مدى يتخطى ألفي كيلومتر، وهو السقف المحدد من خامنئي.

وتقيم وزارة الدفاع معرضاً لمنتجاتها في منطقة باستور المحصنة، حيث يقع مكتب المرشد الإيراني وهيئة الرئاسة ومقر المجلس الأعلى للأمن القومي ووزارات أخرى.

وأفاد موقع المرشد الإيراني بأن المعرض يضم معدات متطورة وتقنيات حديثة في مجالات الدفاع الجوي، والصواريخ الباليستية والكروز، والذخائر الذكية، والفضاء، والطائرات المسيرة، والسفن البحرية، والطاقة.

وأشار خامنئي إلى أن «المعرض يعرض جانباً من الجهود الكبيرة المبذولة في القضايا المتعلقة بالدفاع عن الوطن»، متوجهاً بالشكر إلى القائمين عليه.

وأضاف أن «قضية الدفاع عن الوطن والدفاع عن الأمن ليست بالأمر الهين». وأضاف: «قوة الدفاع الإيرانية أصبحت مصدر فخر للأصدقاء ورهبة للأعداء»، معرباً عن اعتقاده أن «إيران تمتلك اليوم قوة دفاعية محل إعجاب الجميع».

خامنئي يلقي خطاباً أمام مسؤولي وزارة الدفاع صباح اليوم (موقع المرشد)

وافتتح الرئيس الإيراني المعرض، الأربعاء الماضي، معلناً إنتاج صاروخ «اعتماد» الباليستي بمدى 1700 كيلومتر، وهو أحدث الصواريخ المسيرة عالية الدقة.

كما كشف وزير الدفاع، عزيز نصير زاده، عن خطط لإنتاج صاروخ مخصص لحمل الأقمار الاصطناعية، يتميز بقدرته على نقل أكبر حمولة فضائية ترسلها طهران لمدار الأرض.

وتحدث خامنئي غداة إدانة سفير إيران لدى الأمم المتحدة، أمير سعيد إيرواني، لما أسماه «تصريحات متهورة وتحريضية» أدلى بها ترمب في مقابلتين مع صحيفة «نيويورك بوست»، وقناة «فوكس نيوز»، قال فيها إنه يفضل إبرام اتفاق يمنع طهران من تطوير سلاح نووي بدلاً من قصفها.

وكتب إيرواني في رسالة إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يقول فيها إن سياسة إدارة ترمب «تعزز الإجراءات القسرية غير القانونية من جانب واحد وتصعّد العداء ضد إيران».

ودخل خامنئي، الجمعة، على خط الجدل الداخلي بشأن التفاوض مع الولايات المتحدة، وقال إن المحادثات مع الإدارة الحالية «ليست من الفطنة أو الحكمة أو الشرف»، في تصريحات تفسَّر في الفضاء السياسي الإيراني بأنها أوامر لحظر أي محادثات مباشرة مع إدارة ترمب.

رفض التفاوض

وجاء خطاب بزشكيان بعد انتقادات داخلية لفريق عمله، خصوصاً محمد جواد ظريف، نائب الرئيس الإيراني للشؤون الاستراتيجية، على خلفية توجيه رسائل تؤكد رغبة طهران في التفاوض مع إدارة ترمب.

وطالب رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، بزشكيان بالامتثال لتوجيهات خامنئي، محذراً من أن «المعنى الحقيقي للأوامر والوثائق التي وقَّعها ترمب هو نزع سلاح إيران في المجالات الصاروخية والنووية وغيرها من القطاعات العسكرية». وأضاف: «ترمب هو قاتل الجنرال قاسم سليماني، عندما يقول مرشد الثورة إن التفاوض مع أميركا ليس شرفاً، فهذا الواقع بالفعل».

والاثنين، انتقد بزشكيان عودة ترمب لـ«الضغوط القصوى»، متهماً واشنطن بالسعي لـ«تركيع» إيران وفرض التفاوض بشروطها، مبدياً شكوكاً في جدية واشنطن بشأن إجراء محادثات مع طهران في الوقت الذي تفرض فيه عقوبات أكثر صرامة على غرار تلك التي فرضها ترمب خلال فترة ولايته الأولى بين عامي 2017 و2021.

وتجد طهران نفسها أمام خيار التفاوض مع ترمب، وسط انتكاسات لنفوذها الإقليمي وسخط داخلي متزايد بسبب الاقتصاد. ويؤكد المحللون أن طهران مضطرة إلى التفاوض مع ترمب، خصوصاً بعد تراجع «محور المقاومة» نتيجة تفكك حلفائها، وسقوط الأسد، وضربات استهدفت «حزب الله» اللبناني.

وأضاف بزشكيان: «أحلامهم بضرب إيران ستذهب أدراج الرياح... يريدون ترسيخ فكرة ضعف إيران لدى الرأي العام، وأن هذا هو أفضل وقت لضربها».

وقال وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي: «لا تتفاوض أي دولة تحت الضغط والإكراه ما لم تكن تنوي الاستسلام، خصوصاً عندما نتذكر تاريخاً من الوعود التي لم توفِ بها واشنطن».

ضغط متزايد

وبعد أسابيع من الترقب بشأن السياسة التي ستتبعها الإدارة الأميركية الجديدة مع إيران، وقّع ترمب مذكرة لإعادة العمل باستراتيجية «الضغوط القصوى» على طهران، بهدف «الحد من تهديداتها النووية والصاروخية وأنشطتها الإقليمية المزعزعة للاستقرار».

ووصفت المذكرة إيران بأنها «الدولة الرائدة في رعاية الإرهاب عالمياً»، مشيرة إلى دعمها لجماعات مثل «حزب الله» و«حماس» والحوثيين، وإلى استخدام «الحرس الثوري» الإيراني (المصنف منظمةً إرهابية) وسائل إلكترونية وعملاء لاستهداف الأميركيين.

وحذّرت المذكرة من أن البرنامج النووي الإيراني، بما في ذلك التخصيب وإعادة المعالجة، يشكل «تهديداً وجودياً»، مشيرة إلى انتهاكات إيران لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وإعاقة عمل مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية. كما أشارت إلى تهديدات إيرانية محتملة لنمذجة حاسوبية مرتبطة بتطوير أسلحة نووية.

وأكدت الولايات المتحدة عزمها على حرمان إيران من أسلحة نووية وصواريخ باليستية عابرة للقارات، وتعطيل أنشطتها «العدوانية» في المنطقة، مع فرض عقوبات مالية وتجارية ودبلوماسية، بما في ذلك خفض صادرات النفط الإيرانية إلى الصفر. كما ستفرض عقوبات فورية على الأفراد والكيانات المنتهكة، وتعزز جهودها الدبلوماسية لعزل إيران دولياً، ومنع حرية تنقل «الحرس الثوري» ووكلائه، فضلاً عن تعطيل الشبكات المالية واللوجيستية الإيرانية.

وتوقَّع ترمب، الاثنين، اتفاقاً نووياً مع إيران، مشدداً على أنها في «موقف دفاعي ضعيف». وأكد أنه يفضل الحلول الدبلوماسية، مضيفاً أن إسرائيل لن تهاجم إيران إذا جرى التوصل إلى اتفاق. وقال إن «إيران قلقة للغاية. وهي في الحقيقة خائفة؛ لأن دفاعاتها انهارت إلى حد كبير»، وأضاف: «الجميع يعتقد أن إسرائيل، بمساعدتنا أو موافقتنا، ستدخل وتقصفهم بقوة. أنا أفضِّل ألا يحدث ذلك».

والشهر الماضي، قال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، أمام منتدى دافوس، إن إيران تُسرّع عمليات تخصيب اليورانيوم إلى درجة نقاء تصل إلى 60 في المائة، وهو ما يقترب من المستوى اللازم لصنع الأسلحة، والبالغ 90 في المائة.

وتمتلك إيران حالياً ما يكفي لتطوير 4 إلى 5 قنابل نووية إذا قرّرت رفع التخصيب إلى مستوى الأسلحة. وتقول الدول الغربية إنه لا يوجد مبرر لتخصيب اليورانيوم إلى هذا المستوى العالي، في إطار أي برنامج مدني موثوق به، وإنه لا توجد دولة وصلت إلى هذا المستوى من التخصيب، دون أن تُنتج قنابل نووية.


مقالات ذات صلة

صور أقمار صناعية تكشف أعمالاً إيرانية في مواقع صاروخية ونووية

شؤون إقليمية صور الأقمار الصناعية تُظهر أن إيران تعمل على مواقع الصواريخ والمواقع النووية

صور أقمار صناعية تكشف أعمالاً إيرانية في مواقع صاروخية ونووية

يبدو أن إيران أصلحت بسرعة عدداً من منشآت الصواريخ الباليستية التي تضررت خلال الضربات التي نُفذت العام الماضي.

صمويل غرانادوس (نيويورك) أوريلين بريدين (نيويورك)
شؤون إقليمية رجل يمر أمام لوحة جدارية تصور تمثال الحرية بذراعه الحاملة للشعلة وهي مكسورة ومرسومة على الجدران الخارجية للسفارة الأميركية في طهران التي تطلق عليها السلطات «وكر الجواسيس» (أ.ف.ب)

عقوبات أميركية جديدة تستهدف «أسطول الظل» الإيراني

أعلنت الولايات المتحدة، الجمعة، فرض عقوبات جديدة تستهدف تجارة النفط الإيراني، عقب جولة من المحادثات غير المباشرة بين طهران وواشنطن عُقدت في سلطنة عُمان.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن)
شؤون إقليمية مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن»، ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي، تبحر في بحر العرب، فيما تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل، في استعراض للقوة (سنتكوم) p-circle 00:37

محادثات مسقط بلا اختراق... وتفاهم أميركي - إيراني على مواصلة المسار

انتهت جولة المحادثات النووية غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة في مسقط، الجمعة، من دون اختراق حاسم، في حين وصفها وزير الخارجية الإيراني بأنها بداية جيدة.

«الشرق الأوسط» (لندن_مسقط_طهران)
الخليج صورة نشرتها الخارجية الإيرانية من وصول الوفد التفاوضي برئاسة عراقجي إلى مقر المحادثات مع ستيف ويتكوف

ترحيب خليجي بالمحادثات الأميركية - الإيرانية في مسقط

رحَّب جاسم البديوي، أمين عام مجلس التعاون الخليجي، بجولة المحادثات التي عقدت اليوم بين الولايات المتحدة وإيران، مثمناً استضافة سلطنة عُمان لها.

«الشرق الأوسط» (مسقط)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة المصرية)

مصر تؤكد أهمية التوصل إلى «اتفاق مستدام» بين أميركا وإيران

شددت مصر على أنها ستواصل دعم الجهود الهادفة للتوصل إلى اتفاق بشأن الملف النووي الإيراني؛ بما يصب في صالح طرفي المفاوضات والمنطقة بأسرها.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

صور أقمار صناعية تكشف أعمالاً إيرانية في مواقع صاروخية ونووية

صور الأقمار الصناعية تُظهر أن إيران تعمل على مواقع الصواريخ والمواقع النووية
صور الأقمار الصناعية تُظهر أن إيران تعمل على مواقع الصواريخ والمواقع النووية
TT

صور أقمار صناعية تكشف أعمالاً إيرانية في مواقع صاروخية ونووية

صور الأقمار الصناعية تُظهر أن إيران تعمل على مواقع الصواريخ والمواقع النووية
صور الأقمار الصناعية تُظهر أن إيران تعمل على مواقع الصواريخ والمواقع النووية

يبدو أن إيران أصلحت بسرعة عدداً من منشآت الصواريخ الباليستية التي تضررت خلال الضربات التي نُفذت العام الماضي، لكنها أجرت إصلاحات محدودة فقط في المواقع النووية الرئيسية التي استهدفتها إسرائيل والولايات المتحدة، وذلك وفقاً لتحليل أجرته صحيفة «نيويورك تايمز»، استناداً إلى صور أقمار صناعية.

وتُقدّم وتيرة إعادة الإعمار غير المتكافئة مؤشرات على أولويات إيران العسكرية، في وقتٍ تحشد فيه الولايات المتحدة قواتها بالقرب منها، ويوازن الرئيس الأميركي دونالد ترمب خيارات عمل عسكري جديد. وإذا ما شنت الولايات المتحدة هجوماً، فمن المرجح أن تردّ إيران بإطلاق صواريخ باليستية تستهدف إسرائيل وأصولاً أميركية في المنطقة.

وعقدت الولايات المتحدة وإيران اجتماعاً في عُمان، الجمعة؛ في محاولة لتفادي صراع جديد. ولم يكن نطاق المحادثات واضحاً، على الفور، لكن البرنامج النووي الإيراني كان مرجحاً أن يكون محوراً رئيسياً فيها.

وأكد خبراء يراقبون من كثب البرامج النووية والصاروخية الإيرانية نتائج تحليل «نيويورك تايمز»، التي فحصت صوراً لنحو عشرين موقعاً تعرضت للقصف من قِبل إسرائيل أو الولايات المتحدة، خلال الصراع الذي استمر 12 يوماً في يونيو (حزيران) الماضي. ووجدت الصحيفة أعمال بناء في أكثر من نصف هذه المواقع.

وحذّر الخبراء من أن الحجم الكامل للإصلاحات لا يزال غير واضح؛ نظراً لأن صور الأقمار الصناعية لا توفر سوى رؤية لما يجري فوق سطح الأرض.

وتشير الصور، التي راجعتها الصحيفة، إلى أن بعض الإصلاحات بدأت بعد وقت قصير من الضربات التي استهدفت عدداً من منشآت الصواريخ، ما يشير إلى أن إيران جعلت إنتاج الصواريخ أولوية قصيرة الأمد.

صور لمنشأة صاروخية قرب آمند بإيران تظهر إلى اليسار في 29 يونيو 2025 عقب غارات جوية إسرائيلية وإلى اليمين في 11 نوفمبر 2025 بعد تنفيذ أعمال إصلاح («نيويورك تايمز»)

وكتب جون ب. كيفز الثالث، الخبير الاستشاري بمركز دراسة أسلحة الدمار الشامل في جامعة الدفاع الوطني بواشنطن، في رسالة إلكترونية: «إن تهديد إسرائيل والقواعد الأميركية وحلفائهما في المنطقة بهجمات صاروخية هو أحد الخيارات القليلة المتاحة لإيران لردع تكرار الضربات على منشآتها النووية».

وعلى النقيض من ذلك، يقول الخبراء إن الصور التي تُظهر الأضرار التي لحقت المنشآت النووية الإيرانية الرئيسية لا تكشف سوى عن إصلاحات جزئية وجهود تحصين لم تتسارع إلا في الأشهر الأخيرة.

ولم يجد مسؤولون غربيون وإسرائيليون سوى مؤشرات محدودة على أن إيران أحرزت تقدماً كبيراً في إعادة بناء قدرتها على تخصيب الوقود النووي أو تصنيع رأس نووي.

تجديد ترسانة الصواريخ

تُظهر صور الأقمار الصناعية التي حللتها «نيويورك تايمز» أن أعمال إصلاح أُنجزت، خلال الأشهر القليلة الماضية، في أكثر من عشرة منشآت صاروخية، بما في ذلك مواقع إنتاج.

وخلصت تقييمات استخباراتية إلى أن إيران أعادت، إلى حد كبير، بناء برنامجها للصواريخ الباليستية منذ الهجمات التي وقعت في يونيو.

وقال سام لاير، الباحث المشارك في مركز جيمس مارتن لدراسات عدم الانتشار في مونتيري بولاية كاليفورنيا: «إن التركيز الذي وُضع على إعادة بناء برنامج الصواريخ يتناقض مع البرنامج النووي».

وأضاف أن منشأة اختبار الصواريخ في شاهرود بدت كأنها أُعيد بناؤها بسرعة لافتة، ويُعتقد أنها عادت إلى العمل خلال أشهر من الضربات. وأشار إلى أنه عندما تساقطت الثلوج، الشهر الماضي، جرى تنظيف الطرق المؤدية إلى المنشأة بسرعة، وإزالة الثلوج عن الأسطح، ما يدل على أن الموقع نشِط.

وقال: «شاهرود هي أكبر وأحدث مصنع لإنتاج الصواريخ ذات الوقود الصلب، لذا فمن المنطقي أنها حظيت بكل هذا الاهتمام».

إعادة بناء نووية محدودة

تقول استراتيجية الأمن القومي للبيت الأبيض، التي نُشرت في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، إن الضربات «أدت إلى تدهور كبير في برنامج إيران النووي».

ويقول خبراء إنه رغم بعض الأعمال الظاهرة، فإن منشآت التخصيب الثلاث الرئيسية في إيران: أصفهان ونطنز وفوردو تبدو معطلة.

تُظهر مجموعة من صور القمر الصناعي بلانِت لابس مبنى كان مدمراً سابقاً (في الأسفل)، وسقفاً جديداً أُقيم فوقه (في الأعلى)، في موقع نطنز النووي بإيران (رويترز)

ومنذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أقامت إيران أسقفاً فوق اثنتين من هذه المنشآت، ما يجعل من الصعب تحديد ما إذا كانت تجري أعمال إعادة بناء داخل الهياكل. ويقول الخبراء إن ذلك قد يعني محاولة استعادة أصول دون أن تُرصد من الأعلى. ولا يزال كثير من الضرر فوق الأرض الناتج عن ضربات يونيو مرئياً.

وفي مجمع نطنز النووي، الواقع على بُعد نحو 140 ميلاً جنوب طهران، والذي يُعد المركز الرئيسي لتخصيب اليورانيوم في إيران، غُطي الضرر الذي كان مرئياً في أوائل ديسمبر بهيكل سقفي أبيض. وقد حدّد معهد العلوم والأمن الدولي، وهو مجموعة خاصة في واشنطن تُتابع الانتشار النووي، المبنى المتضرر على أنه منشأة التخصيب التجريبية للوقود.

وفي مجمع أصفهان النووي، دمَّرت الضربات عدة مبانٍ فوق الأرض، بما في ذلك منشآت تحويل اليورانيوم. وتُظهر صورة، التُقطت في ديسمبر، مباني مدمَّرة يبدو أنها غُطيت بسقف.

وعلى مسافة أقل من ميل واحد من منشأة أصفهان فوق الأرض، نُصبت حواجز جديدة عند أحد مداخل مجمع أنفاق جبلي قريب، يعتقد بعض الخبراء أنه قد يضم منشأة تخصيب سرية. وفي موقع جديد تحت الأرض، على بُعد أقل من ميلين من نطنز ويُعرف باسم «جبل بيكساكس»، جرى تعزيز مداخل الأنفاق في الأشهر الأخيرة.

وقال جوزيف رودجرز، الزميل في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن، الذي راقب البرنامج النووي الإيراني، إن كثيراً من النشاط الذي شوهد حول المواقع النووية حتى وقت قريب، كان موجهاً أساساً لتقييم الأضرار وتثبيت الوضع، مثل إزالة الأنقاض وملء الحفر.

تُظهر مجموعة من صور القمر الصناعي «بلانِت لابس» مبنى كان مدمراً سابقاً (في الأسفل) وسقفاً جديداً أُقيم فوقه (في الأعلى) بموقع نطنز النووي بإيران (رويترز)

وأضاف: «لم نشهد أي جهود مكثفة لإخراج المُعدات من هذه المنشآت»، مشيراً إلى أن حملة الحكومة الإيرانية على الجواسيس المشتبَه بهم بعد ضربات يونيو عطّلت أيضاً برنامجها النووي.

لكنه حذَّر من أن إيران لا تزال تمتلك مخزوناً من اليورانيوم المخصب؛ الوقود الأقرب إلى التحول لمادة صالحة لصنع قنبلة نووية. وتشير معلومات استخباراتية أميركية وإسرائيلية إلى أن اليورانيوم المخصب المدفون في المواقع الثلاثة التي تعرضت للضربات في يونيو لا يزال في مكانه، ويبدو أنه مدفون ولم يُمس.

وقال معهد العلوم والأمن الدولي، في تقرير صدر الأسبوع الماضي، إنه رصد زيادة في النشاط بمجمع أصفهان النووي خلال الأيام الماضية، كان آخِرها دفن مداخل الأنفاق بتربة جديدة.

وقال ديفيد أولبرايت، رئيس المعهد، إن تكديس التربة كان، على الأرجح، «تحسباً لهجوم، ما يعني أن هناك شيئاً ذا قيمة»، ربما يورانيوم مخصب.

صورة من قمر «بلانت لبس» ترصد إعادة بناء منشآت صاروخية في قاعدة بارشين الحساسة شرق طهران أغسطس الماضي (أ.ب)

وأضاف: «ليس من الواضح ما الذي تفعله إيران، لكن الشكوك تزداد في أنهم يعيدون تشكيل برنامج يمكّنهم من صنع أسلحة نووية. لا نعتقد أن الأمر عاجل أو وشيك بأي حال».

ويظهر تطور مهم آخر في مجمع بارشين العسكري، جنوب شرقي طهران، حيث اختبرت إيران متفجرات شديدة الانفجار يمكن استخدامها مفجرات لرؤوس نووية. وتُظهر صور من الأشهر الأخيرة أن غرفة أسطوانية كبيرة بطول نحو 150 قدماً بُنيت حديثاً في الموقع.

ولم يُستهدف الموقع في يونيو، لكنه كان هدفاً لضربة إسرائيلية في عام 2024، كما جرى تحصينه بوسائل دفاعية مثل المدفعية المضادة للطائرات، وفق تقرير حديث لمعهد العلوم والأمن الدولي.

وقال التقرير عن الغرفة الجديدة: «على الرغم من أنه لم يكن ممكناً تحديد الغرض المقصود من المنشأة الجديدة من الصور، فإن أعمال البناء الجديدة تشير إلى أهميتها الاستراتيجية».

*خدمة «نيويورك تايمز»


عقوبات أميركية جديدة تستهدف «أسطول الظل» الإيراني

رجل يمر أمام لوحة جدارية تصور تمثال الحرية بذراعه الحاملة للشعلة وهي مكسورة ومرسومة على الجدران الخارجية للسفارة الأميركية في طهران التي تطلق عليها السلطات «وكر الجواسيس» (أ.ف.ب)
رجل يمر أمام لوحة جدارية تصور تمثال الحرية بذراعه الحاملة للشعلة وهي مكسورة ومرسومة على الجدران الخارجية للسفارة الأميركية في طهران التي تطلق عليها السلطات «وكر الجواسيس» (أ.ف.ب)
TT

عقوبات أميركية جديدة تستهدف «أسطول الظل» الإيراني

رجل يمر أمام لوحة جدارية تصور تمثال الحرية بذراعه الحاملة للشعلة وهي مكسورة ومرسومة على الجدران الخارجية للسفارة الأميركية في طهران التي تطلق عليها السلطات «وكر الجواسيس» (أ.ف.ب)
رجل يمر أمام لوحة جدارية تصور تمثال الحرية بذراعه الحاملة للشعلة وهي مكسورة ومرسومة على الجدران الخارجية للسفارة الأميركية في طهران التي تطلق عليها السلطات «وكر الجواسيس» (أ.ف.ب)

أعلنت الولايات المتحدة، الجمعة، فرض عقوبات جديدة تستهدف تجارة النفط الإيراني، عقب جولة من المحادثات غير المباشرة بين طهران وواشنطن عُقدت في سلطنة عُمان.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، تومي بيغوت، في بيان، إن الرئيس دونالد ترمب «ملتزم بتقليص صادرات النظام الإيراني من النفط والبتروكيماويات غير المشروعة»، في إطار ما وصفه باستراتيجية «الضغوط القصوى» التي أعادت الإدارة الأميركية العمل بها منذ عام.

وأضاف بيغوت: «بدلاً من الاستثمار في رفاه شعبه وبناه التحتية المتهالكة، يواصل نظام طهران تمويل أنشطة مزعزعة للاستقرار في أنحاء العالم، ويكثّف قمعه داخل إيران».

وأوضحت وزارة الخارجية الأميركية أن العقوبات الجديدة تستهدف 15 كياناً وشخصَين، بالإضافة إلى 14 سفينة مرتبطة بتجارة النفط الإيراني، يرفع عدد منها أعلام تركيا والهند والإمارات.

ويأتي الإعلان بعد اجتماع وفدَيْن إيراني وأميركي في مسقط، انتهى بالتفاهم على «مواصلة المفاوضات»، حسب ما قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي.

كما يأتي في ظل تصعيد ترمب تهديداته باستخدام الخيار العسكري ضد إيران، عقب حملة قمع دامية للاحتجاجات في يناير (كانون الثاني)، بالتوازي مع نشر قوة بحرية أميركية كبيرة في منطقة الخليج.

وتنص العقوبات الأميركية على تجميد جميع الأصول التي يملكها الأفراد والكيانات المستهدفة داخل الولايات المتحدة. كما تحظر على أي شركة أو مواطن أميركي التعامل معهم، تحت طائلة الملاحقة القانونية.


محادثات مسقط بلا اختراق... وتفاهم أميركي - إيراني على مواصلة المسار

TT

محادثات مسقط بلا اختراق... وتفاهم أميركي - إيراني على مواصلة المسار

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن»، ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي، تبحر في بحر العرب، فيما تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل، في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن»، ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي، تبحر في بحر العرب، فيما تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل، في استعراض للقوة (سنتكوم)

انتهت جولة المحادثات النووية غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة في مسقط، الجمعة، من دون اختراق حاسم، في حين وصفها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، بأنها «بداية جيدة» مقرونة بتفاهم على مواصلة المسار، لكن بشروط تتصل بمشاورات العواصم.

وفي المقابل، قال وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي، إن المحادثات ساعدت في تحديد مجالات محتملة للتقدم، وأحضرت الولايات المتحدة قائدها العسكري الأعلى في الشرق الأوسط إلى طاولة المفاوضات، في خطوة فُسّرت على أنها رسالة ضغط موازية للمسار الدبلوماسي، وسط تحذيرات متبادلة وحشد عسكري متواصل في المنطقة.

واستضافت سلطنة عمان الجلسات بوساطة وزير خارجيتها، الذي تنقل بين الوفدين ونقل الرسائل، في نموذج حافظ على عدم عقد لقاء علني مباشر بين الإيرانيين والأميركيين.

وكانت هذه المحادثات الأولى بين الخصمين منذ انضمام الولايات المتحدة إلى حرب إسرائيل مع إيران في يونيو (حزيران)، عبر ضربات استهدفت مواقع نووية. كما جاءت بعد أقل من شهر على حملة قمع للاحتجاجات في إيران، قالت منظمات حقوقية إنها أسفرت عن مقتل الآلاف.

وقال البوسعيدي على منصة «إكس»، إن مسقط احتضنت «محادثات جادة للغاية» بين إيران والولايات المتحدة، مضيفاً أنها ساعدت في توضيح تفكير الجانبين وتحديد مجالات محتملة للتقدم، وأن الطرفين يعتزمان استئناف الحوار «في الوقت المناسب».

وأضاف البوسعيدي أن نتائج الجولة ستدرس «بعناية» في طهران وواشنطن، في إشارة إلى أن المحادثات لم تفضِ فوراً إلى اتفاقات نهائية؛ بل رسمت خطوطاً أولية لعملية تفاوضية قد تمتد لاحقاً. وعُقدت المفاوضات في مقر إقامة الوزير العماني.

وشهدت فترتا الصباح وبعد الظهر عدة جلسات، تنقل خلالها الوفدان ذهاباً وإياباً إلى مقر إقامة البوسعيدي، الذي بدا أنه يؤدي دور الوسيط وينقل الرسائل بين الطرفين.

إدارة الوضع الراهن

وقال عراقجي إن المحادثات «عالية المخاطر»، استمرت من العاشرة صباحاً حتى نحو السادسة مساءً، وشملت «عدة جولات» بصورة غير مباشرة، وإن الأجواء كانت «إيجابية وبناءة» بما يسمح بفتح مسار للتفاهم.

ولخّص عراقجي تقييمه بعبارة واحدة: «كان بدءاً جيداً»، موضحاً أن وجهات نظر إيران ومخاوفها ومصالحها و«حقوق الشعب الإيراني القانونية»، طرحت بوضوح بعد فترة انقطاع طويلة عن الحوار، وأنه جرى الاستماع أيضاً لمواقف الطرف الآخر.

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يصل إلى مقر المحادثات في مسقط (الخارجية الإيرانية - أ.ف.ب)

وأكد عراقجي وجود تفاهم على «مبدأ» مواصلة المفاوضات، لكنه شدد على أنها «مشروطة» بإجراء مشاورات في العواصم، وبالقرارات التي ستتخذ بشأن كيفية وآلية المضي قدماً، وأن تفاصيل التوقيت وآلية العمل ومواعيد الجلسات المقبلة ستُحدد لاحقاً عبر الوسيط العماني.

وقال عراقجي للتلفزيون الرسمي، إن «جدار انعدام الثقة» يمثل تحدياً أساسياً ينبغي تجاوزه، وإن التنسيق بشأن «كيفية المضي قدماً» سيُحسم في طهران وواشنطن، في مؤشر إلى أن الخلافات الجوهرية ما زالت قائمة. وأبدى الجانب الإيراني تفاؤلاً حذراً. ونقل التلفزيون الرسمي انطباعاً مفاده أن الأميركيين «جاءوا ليعودوا بمكاسب».

وقبيل انطلاق المحادثات، حذر عراقجي من أن بلاده «جاهزة للدفاع» عن سيادتها وأمنها القومي في مواجهة «أي مطالب مفرطة أو مغامرات» أميركية، داعياً في الوقت نفسه إلى «الاحترام المتبادل»، والوفاء بالتعهدات بوصفه أساساً لاتفاق «دائم».

وقال لوكالة «إرنا» الرسمية: «أي حوار يتطلب الامتناع عن التهديدات والضغوط»، مضيفاً أن طهران «تناقش فقط قضيتها النووية. نحن لا نناقش أي قضية أخرى مع الولايات المتحدة».

وفي بداية الجولة، أفاد الموقع الرسمي للحكومة الإيرانية بأن عراقجي قدم في لقائه الأول مع البوسعيدي «خطة تمهيدية» لإدارة الوضع الراهن بين إيران وأميركا ودفع المفاوضات، وأن الوسيط العُماني نقلها إلى المبعوث الأميركي.

خطوط حمراء

وعكست إشارات إيرانية أخرى تمسك طهران بخطوطها الحمراء؛ فقد نقلت وكالة «إرنا» الرسمية أن إيران تعتبر «حقها القانوني» في تخصيب اليورانيوم داخل أراضيها، «خطاً أحمر» في المفاوضات، وأن أي إجراءات فنية محتملة لا تُبحث إلا ضمن الاعتراف بهذا الحق.

وأشارت «إرنا» أيضاً إلى أن طهران تطالب بـ«ضمانات ملموسة» تضمن الرفع الكامل للعقوبات الاقتصادية والمالية؛ وهي نقطة تضعها إيران في صلب أي تفاهم محتمل، إلى جانب الإصرار على أن الحوار يقتصر على الملف النووي.

وفي الإطار نفسه، قال المتحدث باسم «الخارجية» الإيرانية إسماعيل بقائي، إن أي مبادرة أو «طرح إقليمي» إذا قدم فسيكون موضع بحث «مع دول المنطقة»، في إشارة إلى أن طهران لا تقبل إدراج قضايا إقليمية ضمن محادثات مسقط الثنائية.

وفي الجانب الآخر، ترأس الوفد الأميركي المبعوث الخاص إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، يرافقه جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب. وأفاد موقع «أكسيوس» بأن مستشاري الرئيس الأميركي ويتكوف وكوشنر، عقدوا خلال المحادثات اجتماعاً مباشراً مع عراقجي، وفق ما قاله مصدران مطلعان على اللقاء.

كما ضم الوفد، الأدميرال براد كوبر قائد القيادة المركزية الأميركية، بزيه الرسمي العسكري. وجاءت مشاركة كوبر بوصفها إشارة سياسية وأمنية لافتة. وأظهر فيديو نشرته «الخارجية» العمانية، وجوده ضمن وفد بلاده، بينما قالت مصادر أميركية إنه شارك رغم أن انضمام مسؤولي الدفاع لمحادثات دبلوماسية رفيعة ليس نمطاً شائعاً.

وفي استعراضٍ للقوة، نشر حساب القيادة المركزية الأميركية، صوراً تظهر مجموعة حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» وهي تبحر في بحر العرب، ترافقها سفن إمداد عسكري وقطع من خفر السواحل الأميركي، بالتزامن مع تحليق طائرات الجناح الجوي فوق التشكيل البحري.

وعلى الرغم من المحادثات، أعلنت واشنطن اليوم أنها ستفرض عقوبات على 15 كيانا و14 سفينة تابعة لأسطول الظل مرتبطة بالتجارة غير ⁠المشروعة في النفط الإيراني ومشتقاته ومنتجات البتروكيماويات، في أحدث الإجراءات الاقتصادية الأميركية التي تستهدف طهران والتجارة معها.

وترى واشنطن التخصيب داخل إيران «خطاً أحمر» من منظورها، بينما تؤكد طهران أن حق التخصيب غير قابل للتفاوض.

وذكرت «وول ستريت جورنال» في تقريرها الأول بعد ساعة من نهاية المحادثات، أن طهران تمسكت خلال محادثات الجمعة، برفضها إنهاء تخصيب الوقود النووي أو نقله إلى خارج البلاد، وأن أيّاً من الطرفين لم يبتعد كثيراً عن مواقفه الأولية، رغم الإشارة إلى الاستعداد لمواصلة الحوار.

وبحسب الصحيفة، أبلغ عراقجي نظراءه بأن إيران لن توقف التخصيب ولن تنقله إلى الخارج، رافضاً مطلباً أميركياً أساسياً، لكنه اعتبر اليوم «بداية جيدة». كما أشارت إلى أن الطرفين لم يلتقيا وجهاً لوجه؛ بل عبر دبلوماسيين عمانيين.

وأبلغ دبلوماسي إقليمي لوكالة «رويترز» إن طهران خرجت من جولة محادثات مسقط بانطباع مفاده أن المفاوضين الأميركيين أبدوا قدراً من التفهم لمواقفها الأساسية، ولا سيما في ما يتعلق بحق إيران في تخصيب اليورانيوم، مشيراً إلى أن ملف القدرات الصاروخية لم يُطرح خلال النقاشات، وأن الجانب الإيراني استبعد القبول بتصفير التخصيب، لكنه أبدى استعداداً لبحث مستواه ونقائه أو صيغ بديلة مثل تشكيل تحالف إقليمي ⁠لتخصيب اليورانيوم.

وخارج المسار النووي، ظل ملف الصواريخ حاضراً في الخلفية. واعتبرت واشنطن أن توسيع جدول الأعمال ضرورة لمعالجة «جذور» الأزمة.

وقد استبعدت طهران بشكل قاطع، إجراء محادثات حول «قدراتها الدفاعية، بما في ذلك الصواريخ ومداها». وفي هذا السياق، قال «معهد دراسة الحرب» إن تشدد إيران يحدّ من فرص الحل الدبلوماسي.

وفي استعراض للتحدي، قال التلفزيون الإيراني الرسمي قبل ساعات من المحادثات، إن «أحد أكثر الصواريخ الباليستية طويلة المدى تطوراً في البلاد، وهو (خرمشهر-4)»، قد تم نشره في «مدن الصواريخ» الضخمة التابعة لـ«الحرس الثوري» تحت الأرض.

وشبهت إسرائيل خطر الصواريخ الإيرانية ‌بخطر برنامجها النووي. وقال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في يناير (كانون الثاني) «محاولة إيران بناء أسلحة نووية وامتلاكها 20 ألف صاروخ باليستي أشبه بورمين سرطانيين».

وقال ترمب، الخميس، إن إيران «تتفاوض»، مضيفاً: «لا يريدوننا أن نضربهم، لدينا أسطول كبير يتجه إلى هناك»، في إشارة إلى مجموعة حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن»، التي وصفها مراراً بأنها «أسطول».

وأوضحت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت، أن الوفد الأميركي يعتزم استكشاف خيار «صفر قدرة نووية» لإيران، محذرة من أن لدى ترمب «خيارات عديدة» إلى جانب الدبلوماسية، بصفته القائد الأعلى للجيش الأميركي.

أما وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، فقال إن المحادثات كي تكون «ذات معنى» ينبغي أن تشمل برنامج الصواريخ الباليستية ودعم إيران لجماعات مسلحة إقليمية، إضافة إلى البرنامج النووي و«طريقة تعاملها مع شعبها»، وهو ما ترفضه طهران علناً.

«تفاوض في ظل تهديد»

وفي قراءة إيرانية داخلية، قالت «نور نيوز» إن حضور قائد «سنتكوم» إلى جانب الفريق الأميركي، بالتزامن مع تحركات عسكرية واقتراب حاملة طائرات ونقل معدات، يعكس مقاربة تمزج التفاوض بالضغط، وتحوّل الحوار إلى «تفاوض في ظل تهديد».

ورأت «نور نيوز» أن تراكم الإشارات العسكرية يهدف للتأثير في حسابات الطرف المقابل وإدارة توقعات الحلفاء وصوغ الرواية الإعلامية، لكنها شككت في جدواه، معتبرة أن تجربة إيران السابقة تُظهر أنها لا تغيّر مواقفها الاستراتيجية تحت الضغط العسكري المباشر.

مقر إقامة وزير الخارجية العماني حيث تجري المحادثات الإيرانية - الأميركية في مسقط (أ.ب)

وفي المقابل، عرضت وكالة «مهر» الحكومية مقاربة متحفظة تجاه محادثات مسقط، قائلة إن موضوعها «واضح ومحدد: الملف النووي فقط»، وإن إدخال قضايا القدرات الدفاعية أو الملفات الإقليمية من شأنه تقويض العملية الدبلوماسية برمتها.

وأضافت «مهر» أنه لا ينبغي التعامل بتفاؤل مفرط أو تشاؤم مسبق، معتبرة أن المحادثات اختبار لمدى واقعية واشنطن وقدرة الطرفين على إدارة الخلاف ضمن توازن القوى، وأن ساحة مسقط تقابل «سياسات الضغط والتهديد».

مقايضات

وعلى خط موازٍ، نقلت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية عن مصدر مطلع على مفاوضات تمهيدية، أن واشنطن تراجعت عن مطلب إدراج الصواريخ وأنشطة الحلفاء الإقليميين ضمن جدول محادثات الجمعة، وأن الطرفين اتفقا على حصر النقاش بالبرنامج النووي.

وأضافت الصحيفة أن تدخل دول إقليمية أسهم في الوصول إلى هذه الصيغة، وأن طهران أبلغت الوسطاء باستعدادها لمواجهة تصعيد إقليمي إذا رُفض إطار التفاوض الذي تشترطه، فيما لم يصدر بيان أميركي رسمي يؤكد إسقاط الملفات الإضافية.

وبحسب «هآرتس»، فإن دولاً في المنطقة «لا ترغب في جار متنمر»، لكنها تخشى في الوقت نفسه، أن أي هجوم على إيران قد يلحق أضراراً واسعة بالمنطقة. كما نقلت الصحيفة تقديراً بأن مسار المحادثات ونتائجها ما زالا غير محسومين.

أما «نيويورك تايمز» فنقلت عن دبلوماسيين من الشرق الأوسط، أن دولاً في المنطقة دفعت لحصر المحادثات في الملف النووي، خشية مأزق فوري إذا أدرجت الصواريخ ودعم الجماعات المسلحة، واقترحت تقييد التخصيب عند مستوى منخفض لا يتجاوز 3 في المائة.

وبحسب هؤلاء الدبلوماسيين، فإن سقف 3 في المائة قد يسمح لطهران بـ«حفظ ماء الوجه» في مواجهة مطلب أميركي بتصفير التخصيب، دون الاقتراب من نسبة 90 في المائة اللازمة لسلاح نووي، بما يعني عملياً النتيجة نفسها من منظور منع التسليح.

وأضاف الدبلوماسيون أن طهران قد تكون مستعدة لتعليق طويل الأمد لبرنامجها النووي، مقابل رفع العقوبات التي أسهمت في التدهور الاقتصادي، وأن الخلافات سبقت اللقاء، وشملت مكانه وصيغته قبل التوافق على مسقط بوساطة عُمانية.

لافتة دعائية في شارع وسط طهران تحمل عبارة للمرشد علي خامنئي يقول فيها: «نعتبر الرئيس الأميركي مجرماً» (أ.ف.ب)

وجاءت المحادثات اليوم، بعد أقل من شهر على ذروة موجة احتجاجات واسعة لنظام الحكم في إيران، قالت جماعات حقوقية إنها قُمعت بحملة غير مسبوقة أودت بحياة الآلاف.

وكان ترمب قد لوح في البداية بعمل عسكري ضد طهران بسبب قمع الاحتجاجات، بل قال للمتظاهرين إن «المساعدة في الطريق».

وذكرت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان (هرانا)، أن أحدث حصيلة لديها تؤكد مقتل 6495 متظاهراً، إضافة إلى 214 من عناصر الأمن و61 من المارة، لكنها ومنظمات أخرى حذّرت من أن العدد النهائي قد يكون أعلى بكثير في ظل التعتيم الناجم عن قطع شامل للإنترنت استمر أسبوعين. وأضافت الوكالة أن نحو 51 ألف شخص أُوقفوا أيضاً.

غير أن خطاب ترمب في الأيام الأخيرة انصب على كبح البرنامج النووي الإيراني، بالتوازي مع تحريك الولايات المتحدة مجموعة بحرية تقودها حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» إلى المنطقة.

ولا تزال القيادة الإيرانية تشعر بقلق بالغ من احتمال تنفيذ ترمب تهديداته بضرب إيران. وتوعدت طهران مراراً بالرد على القواعد الأميركية إذا تعرضت لهجوم. ونقل التلفزيون الرسمي، الخميس، عن المتحدث باسم الجيش الجنرال محمد أكرمي نيا، قوله: «نحن مستعدون للدفاع، وعلى الرئيس الأميركي أن يختار بين التسوية أو الحرب»، محذّراً من أن إيران يمكنها الوصول «بسهولة» إلى القواعد الأميركية في المنطقة.

دعوات لحلول دبلوماسية

وعلى هامش يوم التفاوض، تحركت ملفات ثنائية أخرى تعكس قلقاً إقليمياً من التصعيد؛ فقد توجه وزير الدفاع الإيراني عزيز نصير زاده إلى باكو، حيث استقبله الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف، وفق بيان للرئاسة الأذربيجانية.

وقالت الرئاسة الأذربيجانية إن علييف بحث مع نصير زاده، سبل تطوير العلاقات على أساس الصداقة وحسن الجوار، وتبادل الطرفان الآراء حول آفاق التعاون، لا سيما في المجال الدفاعي، في زيارة تأتي وسط توتر إقليمي متصاعد.

صورة نشرتها الرئاسة الأذربيجانية من استقبال علييف لوزير الدفاع الإيراني عزيز نصير زاده الجمعة

وأضاف البيان أن علييف تطرق إلى استمرار الحروب والنزاعات في مناطق عدة من العالم، مؤكداً أن السلام ترسخ في جنوب القوقاز بمبادرة من أذربيجان، وأن بلاده تدعم خفض التوتر الإقليمي وترغب في تعميم السلام ومنع إراقة الدماء.

وتخشى القوى العالمية والدول الإقليمية من أن يؤدي فشل المفاوضات إلى صراع آخر بين الولايات المتحدة وإيران، قد يمتد إلى بقية المنطقة.

وفي المواقف الدولية، أعرب الكرملين عن أمله في أن تسفر محادثات مسقط عن نتائج إيجابية تفضي إلى التهدئة، داعياً جميع الأطراف إلى ضبط النفس في المرحلة الراهنة، في وقت تتصاعد فيه المخاوف من انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.

وقالت الصين إنها تدعم إيران في الدفاع عن مصالحها وحقوقها المشروعة، وتعارض «التنمر أحادي الجانب»، بالتزامن مع انعقاد المحادثات، في موقف يعكس تمسك بكين بالحلول الدبلوماسية ورفض الضغوط المنفردة.

وأكدت مصر دعمها استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران في مسقط بوساطة عمانية، مشددة على ضرورة التوصل إلى «اتفاق مستدام» يجنب المنطقة التصعيد العسكري. وأوضحت «الخارجية» المصرية أن الحلول السلمية القائمة على الحوار والاحترام المتبادل هي السبيل الوحيد لمعالجة الملف النووي الإيراني. وفي هذا الإطار، أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، لنظيرته البريطانية إيفيت كوبر، أهمية تسوية توافقية تحفظ الأمن الإقليمي والاستقرار.