تركيا: عامان من الحزن والغضب مرّا على كارثة زلزال 6 فبراير

انتقادات متبادلة بين الحكومة والمعارضة... وتحذيرات من زلازل قائمة دون استعدادات للمواجهة

نصب تذكاري لضحايا الزلزال في مدينة أنطاكيا التابعة لولاية هطاي بجنوب تركيا وقد كتبت عليه عبارة «لم ولن يُنسى» (أ.ب)
نصب تذكاري لضحايا الزلزال في مدينة أنطاكيا التابعة لولاية هطاي بجنوب تركيا وقد كتبت عليه عبارة «لم ولن يُنسى» (أ.ب)
TT

تركيا: عامان من الحزن والغضب مرّا على كارثة زلزال 6 فبراير

نصب تذكاري لضحايا الزلزال في مدينة أنطاكيا التابعة لولاية هطاي بجنوب تركيا وقد كتبت عليه عبارة «لم ولن يُنسى» (أ.ب)
نصب تذكاري لضحايا الزلزال في مدينة أنطاكيا التابعة لولاية هطاي بجنوب تركيا وقد كتبت عليه عبارة «لم ولن يُنسى» (أ.ب)

أحيت تركيا، الخميس، بدموع لم تجف وأحزان لا تزال تتجدد، الذكرى الثانية لكارثة زلزال 6 فبراير (شباط) 2023 المزدوج الذي ضرب 11 ولاية في شرق وجنوب شرقي تركيا وأجزاء في شمال غربي سوريا المجاورة.

في غضون دقائق من الزلزال العنيف الذي وقع على هيئة هزتين متتابعتين في مركزين مختلفين بولاية كهرمان ماراش جنوب تركيا في الساعة 4:17 فجراً (01:17 تغ) السادس من فبراير 2023، دُمرت آلاف المباني في كارثة غير مسبوقة سماها الرئيس رجب طيب إردوغان (كارثة القرن).

انهارت البيوت وتحولت مدن بأكملها إلى أنقاض وفقد 53 ألفاً و737 شخصاً في تركيا، ونحو 6 آلاف آخرين في سوريا المجاورة، حياتهم، فضلاً عن آلاف المصابين.

مسيرة حاشدة للناجين وأهالي ضحايا الزلزال (أ.ف.ب)

وعند الساعة نفسها التي وقع فيها الزلزال المدمر، خرج مئات الآلاف من أقارب الضحايا والناجين من الكارثة في مسيّرات صامتة في العديد من المدن التي تضررت بشدة من جراء الزلزال، ومنها كهرمان ماراش وأديامان وهطاي وغازي عنتاب، لإحياء ذكرى الكارثة التي غيبت أحباءهم خلال دقائق من الرعب الذي لا ينسى.

حزن وغضب

لسان حال الكثيرين ممن شاركوا في التجمعات والمسيرات ومن توجهوا إلى قبور أبنائهم وإخوانهم وأقاربهم كان: «مر عامان لكن مشاعرنا لم تزل كما لو كان الزلزال يحدث الآن».

مسعود هانتشر، الذي يتذكر العالم صورته التي أدمت القلوب وهو ممسك بيد ابنته «إيرماك» تحت الأنقاض في كهرمان ماراش لأيام، محاولاً إخراجها من تحت الأنقاض، زار قبرها، بعد عامين من فقدها، محدقاً بعينين تملأهما الدموع عن الألم الذي لا يزال يسكن جوارحه.

صورة التركي مسعود هانتشر ممسكا بيد ابنته التي فقدت حياتها تحت الأنقاض في زلزال كهرمان ماراش التي أبكت العالم (أرشيفية - إعلام تركي)

وقال هانتشر: «6 فبراير لن ينتهي أبداً، الأمر يزداد سوءاً، نحن نزداد سوءاً يوماً بعد يوم. أنتظر ابنتي من كل مكان. إنها دائماً في أذهاننا ونعتقد أنها ستأتي... أزور قبر ابنتي باستمرار، إنه أمر صعب للغاية، والألم لا يزول أبداً».

مشاعر الحزن جاءت مختلطة بغضب لا يزال باقياً في صدور من فقدوا العائلة والمأوى ومن لا يزالون يسكنون الحاويات... ولذلك لم تخل المسيرات الصامتة من احتجاجات ورفض للحواجز التي أقامتها الشرطة في الشوارع لتنظيم الحشود، ووقعت بعض المصادمات، واعتقلت الشرطة 3 أشخاص في أنطاكيا التابعة لولاية هطاي، التي كانت أكثر المناطق تأثراً بالزلزال.

حاجز للشرطة في أنطاكيا بولاية هطاي جنوب تركيا في أثناء مسيرة للناجين وعائلات ضحايا الزلزال (أ.ب)

واستخدمت قوات الأمن الغاز المسيل للدموع لتفريق محتجين غاضبين هتفوا مطالبين باستقالة الحكومة لعدم الوفاء بوعودها في تسليمهم منازلهم وإعادة إعمار مناطقهم التي فقدت معالمها في الكارثة.

وتعهد الرئيس رجب طيب إردوغان، في خطاب ألقاه في أديامان، الخميس، بحضور العديد من وزراء حكومته وقيادات حزب العدالة والتنمية الحاكم وأهالي الضحايا والناجين من الزلزال، بأن تواصل حكومته بـ«إرادة فولاذية» جهود البناء حتى تعيد جميع مدن الزلزال إلى ما كانت عليه.

إردوغان تعهد خلال خطاب في أديامان الخميس بالعمل الجاد لتسليم المنازل لباقي المتضررين من الزلزال (الرئاسة التركية)

وانتقد إردوغان، الذي تحدث في التجمع تحت شعار: «سنكون معاً»، أحزاب المعارضة، ولا سيما حزب الشعب الجمهوري، أكبر تلك الأحزاب، قائلاً: «في تلك الأيام الصعبة»، رددنا بقوة على أولئك الذين سألوا «أين الدولة؟» بغرض كسب الاهتمام السياسي، بقولنا: «الدولة هنا مع شعبها».

وقال إردوغان إنهم سيبنون 453 ألف منزل حتى بداية العام المقبل، ولن يتركوا مواطناً واحداً إلا دخل منزله أو وصل إلى مكان عمله، مضيفاً: «نعمل حالياً على تجديد خطوط مياه الشرب والصرف الصحي ومياه الأمطار، التي يتجاوز طولها 11 ألف كيلومتر، في كامل منطقة الزلزال، وانتهينا من بناء 524 مدرسة و7500 فصل دراسي، وسنبني 1241 مدرسة جديدة و19784 فصلاً دراسياً، ونطور 3119 فصلاً دراسياً، وسنعمل على زيادة سعة الفصول الدراسية إلى أكثر من سعتها قبل الزلزال».

وأضاف أنه «تم إنجاز 110 مرافق صحية تضم 5588 سريراً، ويجري العمل على بناء 92 منشأة صحية بإجمالي 5750 سريراً، وقدمنا ​​14 ملياراً و755 مليون ليرة لـ15 منطقة صناعية منظمة و17 مشروعاً لموقع صناعي في الولايات الـ11 المتضررة من الزلزال».

تعهدات الحكومة وانتقادات المعارضة

وكانت الحكومة تعهدت ببناء 650 ألف منزل، بحسب ما وعد إردوغان في الأسابيع التي أعقبت الزلزال الذي جاء قبل 3 أشهر من الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في مايو (أيار) 2023، وقالت إنها قامت بتسليم 319 ألفاً في غضون عام. لكن إردوغان قال عقب اجتماع لمجلس الوزراء، يوم الاثنين الماضي: «نحن محظوظون بتسليم 201 ألف و431 وحدة سكنية مستقلة لأصحابها المستحقين بعد أقل من عامين من وقوع الزلزال».

ركام بيوت مهدمة في الزلزال في أنطاكيا بولاية عطاي جنوب تركيا لم تتم إزالته بعد (إعلام تركي)

وقال وزير البيئة والتطوير العمراني، مراد كوروم، إنه تم إنفاق 75 مليار دولار على إعادة البناء في أنحاء المنطقة المتضررة من الزلزال، وإن المراحل الشديدة الأهمية لإعادة الإعمار اكتملت، ومشروعات الإسكان والأعمال تتقدم بسرعة، وإعمار مناطق الزلزال هي مسألة «شرف وكرامة» بالنسبة للحكومة.

نحو 760 ألف متضرر من الزالزال لا يزالون يعيشون في حاويات (أ.ب)

وبعد مرور عامين على الكارثة ما زال 670 ألف شخص يعيشون في حاويات، وينتظر كثير منهم أن يتم اختيارهم ليتمكنوا من الانتقال إلى منازل بنتها الحكومة. وقال كوروم إنه من المتوقع تسليم أكثر من 220 ألف وحدة أخرى بحلول نهاية العام الحالي. وتقول المعارضة إن الحكومة لم تف بتعهداتها، وأهدرت ملايين الدولارات التي جمعتها من ضريبة الزلازل وفشلت في اختبار كارثة كهرمان ماراش.

رئيس حزب الشعب الجمهوري أوزغور أوزال انتقد الحكومة خلال لقاء مع عائلات ضحايا الزلزال في كهرمان ماراش الخميس (موقع الحزب)

وانتقد رئيس حزب الشعب الجمهوري، أوزغور أوزال، خلال كلمة له أمام تجمع من عائلات الضحايا والناجين في كهرمان ماراش التي كانت مركز الزلزال الخميس، حكومة إردوغان، قائلاً: «لقد كنت في السلطة لمدة 21 عاماً، وجمعت 40 مليون دولار من ضرائب الزلازل فقط». ولفت إلى أن الحكومة أصدرت عفواً للمباني المخالفة في مناطق الزلزال 8 مرات، ولم تتخذ الاحتياطات اللازمة لمنع الكارثة.

وصدرت أحكام بالسجن على 189 شخصاً، أدين العديد منهم بتهمة «الإهمال» في تشييد المباني، منذ وقوع زلزال 6 فبراير، وتجري حالياً 1342 محاكمة تشمل 1850 متهماً، بحسب ما أعلنت وزارة العدل التركية.

أتراك يبكون عند قبور من فقدوهم في زلزال كهرمان ماراش قبل عامين (أ.ب)

وقال أوزال: «في حملة انتخابية كبرى عقب الزلزال، قال إردوغان إنهم وحدهم قادرون على بناء منازل مقاومة للزلازل، وإنهم يتمتعون بمهارة عالية في مجال البناء، ولم يتم الوفاء حتى الآن إلا بنحو 30 في المائة مما تعهد به». وأضاف: «أدعو إردوغان مرة أخرى إلى إنشاء وزارة للزلازل، دعونا نعين الشخص الأفضل تدريباً بصفته خبيراً في الزلازل، دعونا نجعل تركيا مستعدة للزلزال، قلنا ذلك من قبل ولم نتلق إجابة وننتظر منه رداً».

خطر قادم وتحذيرات

ولا تزال التحذيرات تتوالى من زلازل محتملة، لا سيما في منطقتي بحري إيجة ومرمرة بالقرب من إسطنبول في غرب البلاد. وقالت رئاسة إدارة الكوارث والطوارئ التركية (آفاد) إن سلسلة من الهزات ضربت بحر إيجة، فجر اليوم الخميس، تراوحت قوتها بين 4.6 و4.1 درجة على مقياس ريختر، وذلك ضمن سلسلة هزات متواصلة منذ 28 يناير الماضي. ومنذ أيام، تشهد منطقة جزر سيكلاديز، وبخاصة سانتوريني اليونانية الواقعة جنوب بحر إيجة زلازل متكررة أثارت مخاوف من احتمال ارتباطها بنشاط بركاني.

وحذر وزير البيئة والتحضر التركي، مراد كوروم، من تداعيات زلزال كبير في إسطنبول، التي تبعد شواطئها الجنوبية نحو 15 كيلومتراً فقط عن صدع شمال الأناضول، ولا تزال تعيش على ذكريات أليمة لزلزال «غولجوك» المدمر، الذي بلغت شدته 7.4 درجة، وتسبب في مقتل 17 ألف شخص، من بينهم ألف في إسطنبول، ووقع في 17 أغسطس (آب) 1999.

زلزال غولجوك الذي ضرب ولايات في غرب تركيا بينها إسطنبول 17 أغسطس 1999 (ارشيفية)

ولا تزال مئات آلاف المنازل في إسطنبول غير مستوفية للمعايير المضادة للزلازل... وقال كوروم، الثلاثاء، إن إسطنبول لن تكون لديها القدرة على مقاومة زلزال جديد قوي، لافتاً إلى أن الملايين من سكانها يعيشون في 600 ألف منزل معرض للانهيار. وحذر خبير الزلازل التركي الدكتور ناجي غورور من زلازل محتملة في تركيا وأن نحو 100 ألف مبنى عرضة للانهيار الكامل في إسطنبول، ومن الممكن أن يلقى مئات الآلاف حتفهم.

وأشار الخبراء إلى أن التأثير المالي لمثل هذه الكارثة يمكن أن يصل إلى مليارات الدولارات. ولفت غورور إلى أن السلطات والسكان لا يدركون الخطورة، مشيراً إلى أن الإجراءات التي تم اتخاذها لجعل المدن في تركيا مقاومة للزلازل غير كافية. وكانت بلدية إسطنبول، التي يرأسها أكرم إمام أوغلو، بدأت حملة لإعادة بناء المنازل المعرضة لخطر الانهيار في إسطنبول لكن لا تزال استجابة السكان لعمليات الإحلال والتجديد بطيئة.


مقالات ذات صلة

مقتل 8 أشخاص وإصابة طفل جراء زلزال ضرب أفغانستان

آسيا زلزال سابق في أفغانستان (أرشيفية-رويترز)

مقتل 8 أشخاص وإصابة طفل جراء زلزال ضرب أفغانستان

قالت الهيئة المعنية بإدارة الكوارث في أفغانستان إن ثمانية أشخاص لقوا حتفهم وأُصيب طفل واحد، اليوم الجمعة، عندما انهار منزل في العاصمة كابل عقب زلزال.

«الشرق الأوسط» (كابل )
آسيا أشخاص يتفقدون مبنى تضرر جراء زلزال ضرب مانادو في شمال سولاويزي في إندونيسيا (إ.ب.أ)

مقتل شخص على الأقل في زلزال قوته 7.4 درجات في شرق إندونيسيا

ضرب زلزال بحري بقوة 7,4 درجات شرق إندونيسيا، وفق ما أفادت هيئة المسح الجيولوجي الأميركية فيما أصدر مركز أميركي تحذيرا من احتمال حدوث «موجات تسونامي

«الشرق الأوسط» (جاكرتا)
أوروبا علم إيطاليا مرفرفاً (أرشيفية - رويترز)

زلازل تهز جزراً إيطالية في البحر المتوسط

هزت زلازل عدة جزر إيطالية بالبحر المتوسط في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت).

«الشرق الأوسط» (روما )
أميركا اللاتينية صورة تُظهر جانباً من مدينة سانتياغو في تشيلي (رويترز-أرشيفية)

زلزال بقوة 6.6 درجة يضرب وسط تشيلي

قال المركز الألماني لأبحاث علوم الأرض إن زلزالاً بقوة 6.6 درجة ضرب وسط تشيلي، يوم الخميس.

«الشرق الأوسط» (سانتياغو)
آسيا مرشد سياحي في منطقة باهالغام بالشطر الهندي من كشمير (أرشيفية - أ.ب)

قتيل وأضرار جراء زلزال بقوة 6 درجات في شمال باكستان

لقي شخص حتفه وانهارت منازل عدة بعدما ضرب زلزال بقوة ست درجات ‌كشمير بشمال ‌باكستان، الاثنين، ⁠حسبما ​أفاد ‌مسؤول والمركز الأوروبي المتوسطي لرصد الزلازل.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)

ترمب لن يحضر «احتفالات الاستقلال» في إسرائيل ولن يتسلم جائزته الخاصة

ترمب يتحدث إلى الصحافة خارج المكتب البيضاوي في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
ترمب يتحدث إلى الصحافة خارج المكتب البيضاوي في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
TT

ترمب لن يحضر «احتفالات الاستقلال» في إسرائيل ولن يتسلم جائزته الخاصة

ترمب يتحدث إلى الصحافة خارج المكتب البيضاوي في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
ترمب يتحدث إلى الصحافة خارج المكتب البيضاوي في البيت الأبيض (أ.ف.ب)

أفادت وسائل إعلام إسرائيلية، الثلاثاء، بأن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لن يشارك في احتفالات «الاستقلال» في إسرائيل ولا حتى عبر خطاب بالفيديو، وسيغيب عن حفل «جائزة إسرائيل» في ظل الجدول الزمني لوقف إطلاق النار مع إيران.

وبناءً على ذلك، تم تأجيل عرض الفنانة الإسرائيلية الشهيرة، نوعا كيريل، التي كان يفترض أن تغني تكريماً له برفقة حفيداته. وقالت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية إن ترمب لن يصل إلى إسرائيل في عيد الاستقلال، وقد تقرر منحه الجائزة لاحقاً، عند وصوله إلى البلاد.

وحسب «يديعوت أحرونوت» فإنه حتى مع عدم إعلان البيت الأبيض، فإن ترمب لن يأتي إلى إسرائيل، لكن في تل أبيب يدركون بالفعل أنه في ظل الجدول الزمني لوقف إطلاق النار مع إيران ونهايته في 21 أبريل (نيسان)، فإن فرصة وصوله تقترب من الصفر، حيث من المفترض أن يُقام الحفل في 22 أبريل الحالي.

وكان المسؤولون الإسرائيليون يأملون بمشاركة ترمب في حفل «جائزة إسرائيل»، التي خصصت له، كأول زعيم غير إسرائيلي يحصل عليها.

وقالت «يديعوت أحرونوت» إنه ستتم الإشارة إلى فوز ترمب عبر مقطع فيديو، ولكن سيتم تأجيل منح الجائزة إلى حفل خاص يُقام على شرفه عند وصوله إلى إسرائيل لاحقاً.

وتحتفل إسرائيل في 22 من الشهر المقبل بذكرى ما يسمى «يوم الاستقلال» وهو اليوم الذي يمثل نكبة للشعب الفلسطيني، وخلال ذلك سيقام حفل الجائزة الأرفع في إسرائيل «جائزة إسرائيل». ويحيي الفلسطينيون «يوم النكبة» في 15 مايو (أيار) من كل عام.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)

وفي ديسمبر (كانون الأول) الماضي، قرّرت لجنة «جائزة إسرائيل» منح ترمب الجائزة الرسمية الأرفع في فئة «الإسهام الفريد للشعب اليهودي» بسبب جهوده الفريدة «في مكافحة معاداة السامية، ومساهمته في تعزيز عودة المختطفين إلى إسرائيل، والاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إليها ودعمه الثابت لحق دولة إسرائيل في الدفاع عن نفسها ومواجهة تحديات أمنية معقدة منها التهديد النووي الإيراني».

وتعد جائزة إسرائيل «أرفع وسام مدني وثقافي تمنحه دولة إسرائيل».

وكان وزير التربية والتعليم يوآف كيش، اتصل بترمب وأبلغه بالقرار آنذاك وشكره ترمب، وقال له إنه سيفكر جدياً في القدوم لتسلُّم الجائزة، وعلق رئيس الوزراء نتنياهو حينها: «قررنا كسر العرف ومنح ترمب جائزة إسرائيل لمساهمته في تعزيز أمن إسرائيل ومكانة وهوية الشعب اليهودي. لم نمنحها قط لغير إسرائيلي. إنها تعكس تقدير الإسرائيليين له، وهو تعبير عن الشكر والامتنان».

ومع عدم وصول ترمب، تقرر كما يبدو تسجيل حفل «جائزة إسرائيل» مسبقاً تحسباً لاستئناف الحرب، مما قد يتعذر معه إقامة الحفل بحضور جمهور وبثه على الهواء مباشرة، ومن المتوقع أن يحضر رئيس الدولة إسحاق هيرتسوغ ورئيس الكنيست أمير أوحانا مراسم تسجيل الحدث، وسيلقي كيش وحده خطاباً في الحفل، كما يبدو أن رئيس الوزراء لن يشارك في الحفل تماماً كما حدث العام الماضي.

وقالت «يديعوت» إنه ثمة أسباب لقرار ترمب عدم الحضور «وفقاً لما تم تسجيله في إسرائيل: التخوف من انتقادات داخل الولايات المتحدة بشأن وصوله إلى إسرائيل. والتوقيت، وهو اليوم الأخير من وقف إطلاق النار الذي أُعلن لمدة أسبوعين، الأمر الذي قد يشكل مخاطرة أمنية بالنسبة له».

وبخلاف ترمب سيصل إلى إسرائيل في احتفالات «الاستقلال» رئيس الأرجنتين خافيير ميلي، الذي اختارته أيضاً وزيرة المواصلات ميري ريغيف لإيقاد شعلة. وتم الاتفاق على وصوله قبل وقف إطلاق النار مع إيران، ومن المتوقع أن يهبط في إسرائيل في 18 أبريل، خلال يوم السبت.

الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي خلال زيارته إلى القدس 6 فبراير 2024 (أ.ب)

ويأتي ميلي إلى إسرائيل لافتتاح سفارة الأرجنتين في القدس، حسب «يديعوت» وهو «الحدث الأبرز في احتفالات عيد الاستقلال الثامن والسبعين».

وكان ميلي أعلن العام الماضي أنه سينقل هذا العام سفارة بلاده في إسرائيل إلى القدس، لكن بداية هذا العام أفادت القناة «12» الإسرائيلية بأن الأرجنتين جمّدت ذلك جراء أزمة دبلوماسية متصاعدة.

ونقلت القناة عن مصادر سياسية إسرائيلية لم تسمها قولها إن التجميد جاء نتيجة توتر حاد في العلاقات بين إسرائيل والأرجنتين على خلفية أنشطة تنقيب عن النفط تقوم بها شركة إسرائيلية في منطقة بحرية متنازع عليها قرب جزر فوكلاند (تخضع لحكم بريطاني وتطالب بها الأرجنتين)، وهو ما تعتبره بوينس آيرس مساساً بسيادتها.


وزير المالية الإسرائيلي يهاجم ميرتس بسبب انتقاداته للمستوطنات

وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش (د.ب.أ)
وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش (د.ب.أ)
TT

وزير المالية الإسرائيلي يهاجم ميرتس بسبب انتقاداته للمستوطنات

وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش (د.ب.أ)
وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش (د.ب.أ)

انتقد وزير المالية الإسرائيلي اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش بشدة المستشار الألماني فريدريش ميرتس بسبب تصريحاته بشأن سياسة الاستيطان الإسرائيلية في الضفة الغربية، وهو ما أثار انتقادات من سفير إسرائيل لدى ألمانيا، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

وكتب سموتريتش، مساء الاثنين، على منصة «إكس»، في إشارة إلى حكم الاشتراكيين الوطنيين الألمان خلال الحرب العالمية الثانية: «سيدي المستشار، الأيام التي كان الألمان يملون فيها على اليهود الأماكن المسموح لهم أو المحظور عليهم العيش فيها قد انتهت، ولن تعود». وقتل نحو 6 ملايين شخص على يد النظام النازي.

المستشار الألماني فريدريش ميرتس (رويترز)

وأضاف سموتريتش: «لن تجبرونا على العيش في الأحياء اليهودية مرة أخرى، وبالتأكيد ليس في أرضنا».

وكان ميرتس قد حذر من الضم الجزئي للضفة الغربية. وكتب: «أشعر بقلق عميق إزاء التطورات في الأراضي الفلسطينية. وفي اتصالي الهاتفي مع رئيس الوزراء (بنيامين) نتنياهو، أوضحت أنه يجب ألا يكون هناك ضم فعلي للضفة الغربية».


خياران لحصار «هرمز»... تنازل وصفقة أو حرب جديدة

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان
صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان
TT

خياران لحصار «هرمز»... تنازل وصفقة أو حرب جديدة

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان
صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان

لم يعد السؤال الأساسي هو ما إذا كانت واشنطن وطهران ستعودان إلى التفاوض، بل أي تفاوض هذا الذي يمكن أن يصمد تحت حصار بحري وتهديدات عسكرية متبادلة؟

فإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب بدء حصار يستهدف حركة السفن المرتبطة بالموانئ الإيرانية، بالتوازي مع حديث عن جولة ثانية محتملة من المحادثات خلال أيام، يكشف عن أن الإدارة الأميركية لا تتحرك على مسار دبلوماسي خالص، بل على مسار مزدوج: إبقاء باب التفاوض مفتوحاً، مع رفع كلفة الرفض الإيراني إلى أقصى حد.

لكن هذا النهج لا يضمن اختراقاً سريعاً، بقدر ما ينقل الصراع إلى ساحة جديدة عنوانها اختبار القدرة على الاحتمال السياسي والاقتصادي، في واشنطن كما في طهران.

وتشي تفاصيل العرض الأميركي الأخير، والرد الإيراني عليه، إلى أن فجوة الخلاف ما زالت عميقة، حتى لو بدت اللغة العلنية أقل انسداداً مما كانت عليه في ذروة الحرب.

رئيس مجلس النواب الإيراني محمد باقر قاليباف ونائب الرئيس الأميركي دونالد ترمب جي دي فانس

تفاوض دون اختراق

المؤشرات المتاحة حتى الآن تدعم فرضية أن جولة ثانية من التفاوض ممكنة، لكنها لا تدعم بعد فرضية قرب التوصل إلى اتفاق. فوكالتا «رويترز» و«أسوشييتد برس» أشارتا إلى اتصالات قائمة لترتيب جولة جديدة بعد محادثات إسلام آباد، فيما قال جي دي فانس إن واشنطن حققت «تقدماً كبيراً» لكن الكرة الآن في ملعب طهران.

غير أن جوهر الخلاف لم يتغير: الولايات المتحدة طرحت تعليقاً للنشاط النووي الإيراني لمدة 20 عاماً، بينما تمسكت إيران بعرض أقل كثيراً، تراوح في التسريبات بين خمس سنوات وأقل من عشر، مع رفض إخراج مخزون اليورانيوم عالي التخصيب من البلاد.

هذه ليست فجوة تقنية فقط، بل فجوة سياسية وسيادية: واشنطن تريد صيغة تمنع إعادة إنتاج أزمة لطالما هاجمها ترمب في اتفاق 2015، فيما تسعى طهران إلى تجنب أي تنازل يبدو استسلاماً دائماً لشروط الحرب.

لهذا، يبدو الحديث عن «صفقة قريبة» مبالغاً فيه. ما يجري أقرب إلى تفاوض تحت الإكراه، لا إلى تفاوض ناضج عن تسوية مكتملة. وتكفي قراءة التسريبات عن العُقد الأخرى؛ من إعادة فتح مضيق هرمز إلى مصير اليورانيوم المخصب والدعم الإيراني للفصائل الإقليمية، لفهم أن النووي ليس سوى العقدة المركزية داخل حزمة أوسع بكثير من الشروط المتشابكة. لهذا أيضاً، قد تكون المحادثات المقبلة استمراراً لشراء الوقت أكثر من كونها جسراً سريعاً إلى اتفاق نهائي، خصوصاً أن كل طرف يعتقد أن بإمكانه تحسين شروطه قبل التوقيع.

فانس خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماعه مع ممثلين لباكستان وإيران ويستمع إليه جاريد كوشنر صهر الرئيس الأميركي والمبعوث الخاص إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف في إسلام آباد (أ.ف.ب)

الحصار أداة تفاوض

ترمب يتصرف هنا على أساس أن الحصار البحري يمكن أن يحقق ما لم تحققه الضربات وحدها: خنق شريان الإيرادات النفطية، وإظهار أن كلفة التعنت الإيراني لن تقتصر على الخسائر العسكرية، بل ستصل إلى قلب الاقتصاد والدولة.

وقد ربط البيت الأبيض صراحة بين «فاعلية» الحصار وزيادة «يأس» الإيرانيين من أجل إبرام اتفاق، بينما ذهب ترمب إلى حد التهديد بتدمير أي زوارق إيرانية سريعة تقترب من خط الحصار.

لكن هذا التصعيد يكشف في الوقت نفسه عن أن واشنطن لا تزال غير واثقة من أن إيران ستستجيب سريعاً للضغط، ولذلك تحاول رفع منسوب الردع الميداني مع إبقاء قناة التفاوض مفتوحة.

في حديث خاص لـ«الشرق الأوسط»، يقول فرزين نديمي، كبير الباحثين في الشأن الإيراني في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، إن مشاركة الإيرانيين والأميركيين في جولة أخرى «مرجحة»، لكن بلوغ اتفاق «لا يبدو مرجحاً جداً الآن»، مضيفاً أنه يرى «عملية لوجيستية عسكرية أميركية غير مسبوقة» لنقل مزيد من الأصول العسكرية إلى الشرق الأوسط، قد تشمل «مكوناً برياً» في حال استئناف العمليات ضد النظام الإيراني.

أهمية هذا التقدير لا تكمن فقط في تشاؤمه التفاوضي، بل في أنه يربط بين استمرار الدبلوماسية وتراكم الاستعدادات العسكرية؛ أي أن التفاوض هنا ليس بديلاً عن القوة، بل غطاء لإمكان العودة إليها على نحو أوسع.

هذا هو جوهر المعادلة الحالية: الحصار ليس نهاية الحرب، بل طريقة لتغيير شكلها؛ فبدلاً من القصف اليومي المكثف، تنتقل المواجهة إلى حرب خنق اقتصادي واختبار إرادة، مع بقاء احتمال الانزلاق مجدداً إلى القتال المباشر قائماً في أي لحظة، بحسب نديمي.

سفينة تنقل غاز البترول المسال في ميناء مومباي بالهند بعد عبورها مضيق هرمز... 1 أبريل 2026 (رويترز)

النفط مقابل السياسة

المسار الحالي يقوم على رهانين متقابلين؛ واشنطن تراهن على أن خنق النفط الإيراني سيُرغم طهران على التراجع. أما إيران فتراهن على أن ترمب نفسه لن يتحمل الكلفة السياسية المترتبة على إطالة هذا المسار. فكلما طال أمد الحصار، زاد خطر ارتفاع أسعار النفط والطاقة، وتضخم الأثر على الأسواق والمستهلك الأميركي، خصوصاً مع حساسية هذا الملف في الداخل الأميركي. لذلك، لا تنظر طهران إلى المواجهة الحالية فقط بوصفها اختباراً عسكرياً أو دبلوماسياً، بل أيضاً بوصفها اختباراً لقدرة الرئيس الأميركي على تحمّل الألم الاقتصادي والسياسي.

وهذا بالضبط ما يشرحه أليكس فاتنكا، الباحث في معهد الشرق الأوسط، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»؛ فهو يرى أن الحصار «من غير المرجح أن ينتج اختراقاً سريعاً»، لكنه سيُبقي الدبلوماسية حية تحت ضغط أكبر. فإيران، بحسب تقديره، لا تبتعد عن المحادثات، وتوجد إشارات إلى استمرار الانخراط غير المباشر وربما جولات جديدة قريباً، لكنها في الوقت نفسه غير مستعدة للتنازل في القضايا الجوهرية: التخصيب، وتخفيف العقوبات، والضمانات.

لذلك، فإن الحصار، في رأيه، لا يحل النزاع بل «يُقسيه»، وينقل الصراع إلى اختبار للتحمل الاقتصادي والسياسي. واشنطن تراهن على الضغط على النفط الإيراني، بينما تراهن طهران على قدرتها على رفع الكلفة على الولايات المتحدة، عبر أسواق الطاقة وأوراقها الإقليمية، بسرعة أكبر مما يستطيع البيت الأبيض تحمله سياسياً. النتيجة، بحسب فاتنكا، ليست صفقة قريبة، بل مساومة طويلة وهشة تتقدم فيها الدبلوماسية والتصعيد معاً.

لقطة تُظهر شاحنة في الزاوية العلوية اليسرى يعتقد المحللون أنها كانت تنقل يورانيوم عالي التخصيب إلى نفق في مجمع مركز أصفهان للتكنولوجيا النووية بإيران (أ.ب)

أخطار المسار الحالي

أخطر ما في هذا المسار أنه لا يقف عند حدود الضغط التفاوضي؛ فإذا لم ينتج الحصار تنازلاً إيرانياً فقد يتحول إلى منصة لتوسيع الصراع. نديمي يحذر، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، من مجموعة أخطار واضحة: استمرار «المستنقع» في مضيق هرمز والخليج، واحتمال استئناف القتال على بعض الجبهات أو جميعها، ثم العودة إلى الحرب مع استهداف أكثر حزماً للبنية التحتية الاقتصادية في المنطقة، فضلاً عن خطر تمدد الأزمة إلى باب المندب، سواء عبر الألغام أو أدوات غير مباشرة لا تستلزم تورطاً معلناً.

هذه القراءة تعني أن فشل التفاوض في ظل الحصار لن يعيد الوضع فقط إلى ما كان عليه قبل المحادثات، بل قد يفتح مرحلة أكثر خطورة على الممرات المائية وأسواق الطاقة والاستقرار الإقليمي.

كما أن خطر سوء الحساب يبقى مرتفعاً للغاية؛ فالمفاوضات قد تستمر شكلياً، فيما التوتر العسكري يتصاعد ميدانياً، وهو ما يجعل أي حادث بحري، أو أي اعتراض لسفينة، أو أي محاولة إيرانية لاختبار حدود الحصار، شرارة محتملة لتوسيع المواجهة. وإضافة إلى ذلك، فإن بقاء الملفات الأخرى معلقة؛ من حرية الملاحة إلى مخزون اليورانيوم والعقوبات والدعم الإقليمي للفصائل المسلحة، يعني أن أي تقدم جزئي سيبقى هشاً وقابلاً للانهيار السريع.

في المحصلة، يبدو الأرجح أن إيران ستعود إلى طاولة التفاوض، لكن ليس لأن الحصار حسم أمرها، بل لأنها تريد تجنب الأسوأ، وكسب الوقت، ومحاولة إدارة التصعيد بشروط أقل كلفة. وفي المقابل، يبدو الأرجح أيضاً أن ترمب لن يحصل سريعاً على «الصفقة الكاملة» التي يريدها. ما نحن أمامه إذن ليس اختراقاً حاسماً، بل مرحلة جديدة من عضّ الأصابع: واشنطن تضغط على شريان النفط، وطهران تضغط على أعصاب السياسة والأسواق. وبينهما تبقى الدبلوماسية ممكنة، لكنها شديدة الهشاشة، تسير هذه المرة فوق مياه مضيق هرمز الملتهبة لا فوق أرض تفاهم صلبة.