تركيا: سباق مُبكّر لاختيار مرشحي الرئاسة... وإردوغان لاستعادة شعبية حزبه

«الشعب الجمهوري» يختار وسط انقسامات و«الرفاه من جديد» يسبق بترشيح أربكان

إردوغان طالب خلال المؤتمر الإقليمي لفرع النساء في حزب «العدالة والتنمية» في إسطنبول الأحد بالعمل على استعادة شعبية الحزب المفقودة (الرئاسة التركية)
إردوغان طالب خلال المؤتمر الإقليمي لفرع النساء في حزب «العدالة والتنمية» في إسطنبول الأحد بالعمل على استعادة شعبية الحزب المفقودة (الرئاسة التركية)
TT

تركيا: سباق مُبكّر لاختيار مرشحي الرئاسة... وإردوغان لاستعادة شعبية حزبه

إردوغان طالب خلال المؤتمر الإقليمي لفرع النساء في حزب «العدالة والتنمية» في إسطنبول الأحد بالعمل على استعادة شعبية الحزب المفقودة (الرئاسة التركية)
إردوغان طالب خلال المؤتمر الإقليمي لفرع النساء في حزب «العدالة والتنمية» في إسطنبول الأحد بالعمل على استعادة شعبية الحزب المفقودة (الرئاسة التركية)

بينما يتحرّك بعض أحزاب المعارضة في تركيا لاختيار مرشحيها للرئاسة، استناداً إلى احتمال التوجه لانتخابات مبكرة، حثّ الرئيس رجب طيب إردوغان تنظيمات حزبه على استعادة شعبيته المفقودة، والوصول إلى نسبة 50 في المائة مجدداً.

وبعدما كشفت الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في مايو (أيار) 2023، ثم الانتخابات المحلية في 31 مارس (آذار) 2024، عن خسارة حزب «العدالة والتنمية» الحاكم الذي يقود تركيا منذ 23 عاماً شعبيته، أكّد إردوغان أنه «لا بد من العمل للوصول مجدداً إلى نسبة الـ50 في المائة في الانتخابات المقبلة عام 2028».

إردوغان يستهدف المعارضة

قال إردوغان، خلال كلمة في مؤتمر لفرع النساء بالحزب الحاكم، في إسطنبول، الأحد: «إذا لم تكن أصواتنا بالمستوى الذي نرغب فيه اليوم، فهذا يعني أننا لا نستطيع الوصول إلى النساء بشكل فعال وشرح أنفسنا وغزو الأسر من الداخل».

إردوغان متحدثاً خلال مؤتمر الفرع النسائي لحزبه في إسطنبول الأحد (الرئاسة التركية)

وقلّل إردوغان من فرص المعارضة التركية في الحصول على السلطة في الانتخابات المقبلة، قائلاً: «ما داموا لا يفكرون في مشاكل البلاد، ولا يقدّمون حلولاً للأمة»، فإنهم لن يصلوا إلى السلطة. واستهدف إردوغان زعيمَ المعارضة رئيس حزب «الشعب الجمهوري»، أوزغور أوزال، دون ذكره بالاسم، قائلاً إن «رئيس حزب (الشعب الجمهوري) يتجوّل وفي يده بطاقة حمراء يرفعها ضدنا، والرئيس السابق للحزب (كمال كليتشدار أوغلو) يحاول الدخول إلى ساحة المباراة من جديد، من خلال إظهار بطاقة صفراء له».

وعلى الرغم من تأكيد إردوغان أن الانتخابات المقبلة ستجرى في موعدها في عام 2028، فإن حملة الانتخابات المبكّرة، التي أطلقها حزب «الشعب الجمهوري»، أشعلت الأجندة السياسية للبلاد، وزادت المناقشات سخونة بعدما أعلن رئيس الحزب، أوزغور أوزال، الثلاثاء الماضي، بدء عملية لتحديد مرشح الحزب للانتخابات الرئاسية.

انقسامات «الشعب الجمهوري»

وأثار قرار أوزال البدء في عملية تحديد مرشح «الشعب الجمهوري» للرئاسة من خلال تصويت مليون و600 ألف عضو بالحزب، جدلاً واسع النطاق، وتحذيرات من انقسام قد يصب في صالح إردوغان.

أوزال أعلن خلال اجتماع الكتلة البرلمانية لحزبه الثلاثاء الماضي بدء عملية اختيار مرشح الرئاسة (موقع حزب الشعب الجمهوري)

وجاء الاعتراض الأقوى على إعلان التصويت المبكر من جانب رئيس بلدية أنقرة، منصور ياواش، الذي أعلن أوزال من قبل أنه سيتم الاختيار بينه وبين رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو.

واعترض ياواش على إعلان أوزال البدء بعملية تصويت بين أعضاء الحزب، بينما يتم انتخاب رئيس الجمهورية من خلال تصويت جميع الناخبين في البلاد البالغ عددهم نحو 60 مليوناً، إضافة إلى رؤيته التي تتمثل في أنه من المبكر الحديث عن المرشح للرئاسة.

رئيس بلدية أنقرة منصور ياواش (من حسابه في إكس)

واعتبر ياواش أنه من الخطأ أن يدخل الحزب في مناقشات داخلية في ظلّ وجود قضايا مهمة للغاية على أجندة البلاد، وقال إنه «أياً كان المرشح، فإن الإعلان عنه بينما لا تزال هناك فترة تتراوح بين عامين و3 أعوام حتى الانتخابات أمر غير مقبول، وسوف يؤدي إلى استنزاف الحزب والمرشح على حد سواء».

ونتيجة لذلك، أعلن أوزال، الذي يؤكد أن العام الحالي سيشهد انتخابات مبكرة، في تصريحات بإزمير (غرب تركيا)، السبت، أن الحزب وسع عملية اختيار المرشح إلى القواعد الشعبية من خلال توسيع تسجيل العضوية، وأن هذه الخطوة أدت إلى زيادة عدد العضويات عبر الإنترنت بنحو 10 إلى 12 ضعفاً.

أوزال يتوسط إمام أوغلو وياواش (موقع حزب الشعب الجمهوري)

وقرّرت إدارة حزب «الشعب الجمهوري» بدء عملية تحديد المرشح الرئاسي، في ظل التحقيقات المتتالية ضد إمام أوغلو، الذي ينظر إليه على أنه المنافس المحتمل الأقوى لإردوغان، واحتمال سجنه وفرض حظر سياسي عليه.

وقال أوزال إنه تمّ عقد سلسلة من الاجتماعات مع مجالس الحزب، فضلاً عن تقييم قضية الترشح مع إمام أوغلو وياواش، الذي نقلت وسائل إعلام عن مقربين منه، أنه فوجئ بطرح رئيس الحزب مسألة التصويت على اختيار المرشح من خلال الأعضاء، وأنه أكد خلال الاجتماع أنه لا توجد إمكانية لإجراء انتخابات مبكرة، و«سيكون من الخطأ تحديد مرشح الآن، وأن ذلك يصب في مصلحة شركاء (تحالف الشعب)، (حزبا العدالة والتنمية والحركة القومية ومعهما حزبا الوحدة الكبرى وهدى بار)».

ظهور كليتشدار أوغلو

يرى مقربون من رئيس حزب «الشعب الجمهوري» السابق، كمال كليتشدار أوغلو، أن صيغة الانتخابات التمهيدية لتحديد مرشح الرئاسة بتصويت أعضاء الحزب «هي خطوة لاستبعاد منصور ياواش من سباق الترشح، على الرغم من أنه يتفوق على إمام أوغلو في استطلاعات الرأي».

كمال كليتشدار أوغلو (من حسابه في إكس)

وحذّر كليتشدار أوغلو، الذي خسر رئاسة الحزب بعد فشله بالفوز بالرئاسة في مواجهة إردوغان في انتخابات 2023، أن التركيز على مرشح الرئاسة الآن يضعف المعارضة ويريح الحكومة، بينما يجب إعطاء الأولوية للانتخابات المبكرة.

وقال كليتشدار أوغلو، في مقابلة صحافية، إن بدء سباق داخلي للرئاسة في حزب «الشعب الجمهوري» سيؤدي لانقسامات داخلية ويمنح خصوم الحزب فرصة لحملات تشويه يستفيد منها إردوغان، وإنه في ظل الأزمة الاقتصادية، لا يجب أن ينشغل الحزب بصراعات داخلية واستقطاب يؤثر على فروعه، وإن طرح الجدل حول الرئاسة الآن سيجعل الحزب منفصلاً عن أولويات الناخبين، مما يضر بصورته.

وأوضح أن الفوز بالرئاسة يتطلب تحالفات واسعة، ولا يمكن للحزب اتخاذ القرار بشكل منفرد، وأن عليه إنهاء الجدل فوراً، وتأكيد أن المرشح سيُحدد في الوقت المناسب من قبل الهيئات المختصة، وليس عن طريق الاختيار من جانب أعضاء الحزب.

أربكان أول المرشحين

وبينما يخوض «الشعب الجمهوري» عملية تصويت داخلي مثيرة للجدل لتحديد مرشحه، بادر حزب «الرفاه من جديد» بخطوة استباقية مفاجئة، معلناً اختيار رئيسه فاتح أربكان مرشحاً للرئاسة. وكتب الحزب عبر حسابه في «إكس»، ليل السبت - الأحد: «مرشحنا لرئاسة الجمهورية هو الدكتور فاتح أربكان».

وأعاد أربكان نشر تغريدة حزبه، على حسابه الشخصي في «إكس»، وكتب: «ها نحن نبدأ».


مقالات ذات صلة

تركيا: جدل واسع حول أسباب تحطّم طائرة رئيس أركان «الوحدة» الليبية

شمال افريقيا جانب من اجتماع وزير الدفاع التركي يشار غولر والوفد العسكري الليبي برئاسة رئيس الأركان محمد الحداد قبل ساعات من تحطُّم طائرتهم في ضواحي أنقرة بتاريخ 23 ديسمبر الماضي (الدفاع التركية)

تركيا: جدل واسع حول أسباب تحطّم طائرة رئيس أركان «الوحدة» الليبية

تَفجَّر جدلٌ واسعٌ في تركيا حول احتمال تعرُّض طائرة رئيس أركان الجيش في حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية، الراحل محمد الحداد لتدخل إسرائيلي.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية امرأة تبكي عند مدخل مدرسة «آيسر تشاليك» الإعدادية في كهرمان ماراش وقد نثرت عائلات ضحايا الهجوم المسلح الزهور على الدرَج وقررت السلطات إغلاقها حتى تحديد مصيرها النهائي (أ.ف.ب)

تركيا تتحرك لتشديد العقوبات على الأطفال مرتكبي الجرائم وعائلاتهم

تتهم المعارضة التركية الحكومة بالإهمال وسوء إدارة المدارس وتطالب بإقالة وزير التعليم يوسف تكين.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
آسيا تظاهر آلاف المعلمين في أنقرة الخميس مطالبين بوضع حد للعنف في المدارس واستقالة وزير التعليم التركي (أ.ف.ب)

تركيا: هجمات المدارس غير المسبوقة تفجر الحزن والغضب والاحتجاجات

وسط مشاعر مختلطة بين الحزن والغضب، شيعت تركيا جنازة ضحايا هجوم مسلح نفذه طالب يبلغ من العمر 14 عاماً داخل مدرسة إعدادية في كهرمان ماراش بجنوب البلاد.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية كردي يرفع صورة لأوجلان خلال احتفالات عيد النوروز في إسطنبول في 22 مارس الماضي (أ.ب)

تركيا: أوجلان يطلب التشاور مع قيادات «الكردستاني» بشأن «قانون السلام»

طلب زعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان تمكينه من التشاور مع قيادات الحزب في شمال العراق بشأن مشروع قانون في إطار «عملية السلام» في تركيا

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية مسعفون ينقلون القتلى والمصابين في هجوم على مدرسة في كهرمان ماراش بجنوب تركيا وسط انتشار للشرطة (إعلام تركي)

تركيا: مقتل وإصابة 24 شخصاً في هجوم على مدرسة إعدادية 

قتل 4 أشخاص وأصيب 20 آخرون على الأقل في هجوم مسلح على مدرسة إعدادية في ولاية كهرمان ماراش في جنوب تركيا.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

السلطات الأميركية توقف إيرانية بتهمة تهريب أسلحة إلى السودان لصالح طهران

أرشيفية لحركة الطائرات على مدرج في مطار لوس أنجليس الدولي (ا.ب)
أرشيفية لحركة الطائرات على مدرج في مطار لوس أنجليس الدولي (ا.ب)
TT

السلطات الأميركية توقف إيرانية بتهمة تهريب أسلحة إلى السودان لصالح طهران

أرشيفية لحركة الطائرات على مدرج في مطار لوس أنجليس الدولي (ا.ب)
أرشيفية لحركة الطائرات على مدرج في مطار لوس أنجليس الدولي (ا.ب)

أوقفت السلطات الأميركية امرأة إيرانية في مطار لوس أنجليس الدولي بتهمة تهريب أسلحة إلى السودان لصالح طهران، وفق ما أفاد مدع عام فدرالي الأحد.

ووجهت إلى شميم مافي البالغة 44 عاما، تهمة «التوسط في صفقة بيع السودان طائرات مسيرة وقنابل وصواعق وملايين الطلقات النارية المصنعة في إيران»، بحسب ما أعلن مدعي عام المنطقة الوسطى لولاية كاليفورنيا، بيل عسيلي، على منصة «إكس».

وأشار عسيلي إلى أن مافي التي تقيم في ضاحية وودلاند هيلز بمدينة لوس أنجليس، «مواطنة إيرانية حصلت على الإقامة الدائمة القانونية في الولايات المتحدة عام 2016».

وألقي القبض على مافي السبت، وهي تواجه عقوبة قصوى تصل إلى السجن لمدة 20 عاما في حال إدانتها.

وأرفق عسيلي منشوره بلقطات من تحقيق تلفزيوني يتضمن صورا تظهر امرأة يُعتقد أنها مافي محاطة برجال أمن فدراليين وطائرة مسيرة على مدرج مطار وبطاقة هوية امرأة ورزما من النقود.

وحذرت الأمم المتحدة مؤخرا من أن السودان معرض لخطر الانزلاق إلى «مجاعة وانهيار شاملين»، مع دخول الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع عامها الرابع.

وقالت منسقة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في السودان، دينيس براون، إن السودان يواجه أكبر أزمة إنسانية في العالم، محملة الأسلحة التي ترد من مصادر خارجية جزءا من المسؤولية عن الأزمة.

وحضت الأمم المتحدة مرارا القوى الأجنبية على الكف عن تأجيج الحرب، لكنها لم توجه اتهامات لدول معينة.

ويحظى الجيش السوداني بدعم مصر والسعودية، وتستخدم قواته طائرات مسيرة تركية وإيرانية الصنع.

ومع ذلك غالبا ما يلقى باللوم على الإمارات التي تنفي أي دليل على إرسال أسلحة إلى قوات الدعم السريع المتهمة بارتكاب جرائم إبادة.


إيران تتهم أميركا بانتهاك وقف إطلاق النار وتتوعد بالرد على مهاجمة سفينة

جندي من مشاة البحرية الأميركية يراقب حركة الملاحة خلال حصار بحري قبالة الموانئ الإيرانية (القيادة المركزية الأميركية)
جندي من مشاة البحرية الأميركية يراقب حركة الملاحة خلال حصار بحري قبالة الموانئ الإيرانية (القيادة المركزية الأميركية)
TT

إيران تتهم أميركا بانتهاك وقف إطلاق النار وتتوعد بالرد على مهاجمة سفينة

جندي من مشاة البحرية الأميركية يراقب حركة الملاحة خلال حصار بحري قبالة الموانئ الإيرانية (القيادة المركزية الأميركية)
جندي من مشاة البحرية الأميركية يراقب حركة الملاحة خلال حصار بحري قبالة الموانئ الإيرانية (القيادة المركزية الأميركية)

اتهمت القيادة الموحدة للقوات المسلحة ​الإيرانية، المعروفة باسم «مقر خاتم الأنبياء»، الولايات المتحدة بانتهاك وقف إطلاق ‌النار من ‌خلال ​مهاجمة ‌إحدى ⁠السفن التجارية ​الإيرانية في ⁠خليج عمان، وتوعدت بالرد.

ونقلت وسائل إعلام حكومية عن متحدث ⁠باسم «خاتم ‌الأنبياء» ‌قوله اليوم ​الأحد ‌إن السفينة ‌كانت متجهة من الصين إلى إيران.

وذكر المتحدث «نحذر من ‌أن القوات المسلحة للجمهورية الإسلامية الإيرانية ⁠سترد ⁠قريبا وتنتقم من هذه القرصنة المسلحة التي ارتكبها الجيش الأميركي».


الإيرانيون يخشون من تفاقم الضغوط بعد الحرب وحملة القمع

إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)
إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)
TT

الإيرانيون يخشون من تفاقم الضغوط بعد الحرب وحملة القمع

إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)
إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)

يسعى الإيرانيون إلى الحفاظ على لمحة من مظاهر الحياة الطبيعية بعد أسابيع شهدت قصفاً أميركياً وإسرائيلياً، وحملة قمع ضد المتظاهرين أسقطت قتلى في يناير (كانون الثاني)، ولا يزالون يشعرون بالقلق إزاء المستقبل في ظل الآثار السلبية الناجمة عن الغارات الجوية وانقطاع خدمة الإنترنت.

وفي ظل الخلافات الدائرة بين إيران والولايات المتحدة حول تمديد وقف إطلاق النار والاتفاق على إنهاء الصراع، فتحت المتاجر والمطاعم والمكاتب الحكومية أبوابها. وفي أيام الربيع المشمسة، تزدحم حدائق المدينة بأسر خرجت للتنزه وشبان يمارسون الرياضة، بينما يتجمع آخرون في المقاهي على جوانب الشوارع.

لكن وراء هذه المشاهد الهادئة، يتداعى الاقتصاد الإيراني، ويخشى الناس من حملة قمع جديدة من الحكومة، ويشعرون بالغضب إزاء الغارات الجوية المدمرة.

ويبدو أن الصعوبات التي أذكت اضطرابات واحتجاجات حاشدة في يناير ستزداد تفاقماً، حسب وكالة «رويترز».

وانتهت المحادثات التي جرت في إسلام آباد هذا الشهر، وهي أول مفاوضات مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران منذ سنوات، دون التوصل إلى اتفاق. ولكن مع اقتراب موعد انتهاء وقف إطلاق النار الهش الحالي يوم الأربعاء، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب اليوم الأحد إن مبعوثيه سيتوجهون إلى باكستان وإنهم مستعدون لإجراء مزيد من المحادثات.

إيرانيتان تنظران إلى هاتف ذكي عند البوابة الرئيسية لجامعة طهران الأحد (أ.ب)

خوف من ضغوط مع استمرار نظام الحكم

قالت فريبا (37 عاماً) التي شاركت في مظاهرات يناير لـ«رويترز» عبر الهاتف من إيران: «ستنتهي الحرب، لكن عندها ستبدأ مشاكلنا الحقيقية مع النظام. أخشى جداً من أن يزيد الضغط على الناس العاديين إذا توصل النظام إلى اتفاق مع الولايات المتحدة».

وأضافت: «لم ينس الشعب جرائم النظام في يناير، ولم ينس النظام أن الناس لا يريدونه. إنه يكبح نفسه الآن لأنه لا يريد القتال على الجبهة الداخلية أيضاً».

وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن القصف أودى بحياة الآلاف، منهم عشرات التلميذات في مدرسة للبنات في اليوم الأول من الصراع.

ودمر القصف أيضاً بنى تحتية في أنحاء البلاد، مما زاد من احتمالات حدوث تسريح جماعي للعمال.

ويبدو أن النظام الإيراني راسخ كما كان في الماضي، بعد أن نجا من القصف المكثف على مدى أسابيع وعرقل إمدادات النفط العالمية.

وقال أوميد ميماريان، محلل الشأن الإيراني لدى مركز الأبحاث المستقل «دون» في الولايات المتحدة: «أدرك الإيرانيون أن هذه الحرب لن تؤدي إلى إسقاط النظام، لكنها في الوقت نفسه ستجعل حياتهم أسوأ بكثير من الناحية الاقتصادية».

وأضاف: «لن يضع الجيش أسلحته. سيبقون، وسيكون الوضع دموياً. سيكون مكلفاً من دون أي أمل في مستقبل أفضل».

وفي شمال طهران، أجرت «رويترز» الأسبوع الماضي مقابلات بالفيديو مع شبان إيرانيين تحدثوا عن الحرب ومخاوفهم. وتعمل وسائل الإعلام الأجنبية في إيران بموجب المبادئ التوجيهية التي تضعها وزارة الثقافة والإرشاد، التي تنظم نشاط الصحافة والتراخيص.

الإيرانيون يستمتعون بيوم مشمس في حديقة عامة في خضم وقف إطلاق النار في طهران الأسبوع الماضي (رويترز)

وقالت مهتاب، الموظفة في شركة خاصة، التي طلبت عدم ذكر اسم عائلتها، إن الأمور يمكن أن تكون أسوأ بالنسبة للإيرانيين، بالنظر إلى تأثير الحرب والعقوبات والعزلة على مدى سنوات.

وأضافت: «لا أريد أن أقول إن الوضع طبيعي، لكن كإيرانية عاصرت كل هذا، إذ إنه ليس سيئاً للغاية. يمكننا التعايش معه».

لكن لم يكن لدى الإيرانيين الذين تواصلت معهم «رويترز» عبر الهاتف هذا الرأي، إذ أبدوا قلقاً أكبر بكثير خلال حديثهم، بشرط عدم الكشف عن هوياتهم خوفاً من التعرض للانتقام.

وقالت سارة (27 عاماً)، وهي مدرسة خاصة، طلبت عدم الكشف عن اسم عائلتها أو مكان إقامتها: «نعم، الناس يستمتعون بوقف إطلاق النار في الوقت الحالي... لكن ماذا سيحدث بعد ذلك؟ ماذا يُفترض بنا أن نفعل مع نظام أصبح أكثر قوة؟».

خيارات قليلة

قُتل الآلاف عندما قمعت السلطات احتجاجات استمرت أسابيع في يناير، وقال حينها ترمب إنه سيأتي لمساعدة الإيرانيين.

ولم ترد بعثة إيران الدائمة لدى الأمم المتحدة في جنيف بعد على طلبات للتعليق على هذه القصة. وكانت قد ألقت سابقاً باللوم في أعمال العنف التي وقعت في يناير على «إرهابيين مسلحين» مرتبطين بإسرائيل والولايات المتحدة.

وقال ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في بداية الحرب إنهما يريدان الإطاحة بالحكام، لكن هذا الهدف تلاشى مع استمرار القصف.

وقال ميماريان إن الغضب من القمع جعل كثيراً من الإيرانيين يأملون في تولي حكام جدد السلطة، لكن سرعان ما تحولت مشاعر الغضب إلى الحرب ضد بلادهم.

وأضاف: «أعتقد أنه أصبح أكثر وضوحاً لكثير من الإيرانيين أن هذه الحرب ليست مصممة، أو لا تهدف، إلى مساعدة الشعب الإيراني».

إيرانيات يمررن بجانب ضابط شرطة يقف حراسة في ساحة تجريش شمال طهران الأربعاء الماضي (رويترز)

ولم تكن مهتاب ولا النساء الأخريات الجالسات في مقهى شمال طهران يرتدين الحجاب الإلزامي المفروض منذ عقود في إيران. وصارت قواعد الزي العامة أكثر مرونة عقب الاحتجاجات الشعبية في عام 2022، ومنها مظاهرات رفعت مطالب تتعلق بحقوق المرأة، التي قمعتها السلطات، وخففت بعدها ضمنياً تطبيق بعض قواعد الزي.

وقال المحلل السياسي الإيراني المستقل المقيم في بريطانيا حسين رسام إنه أصبح واضحاً في يناير أن السلطات لن تتراجع بسهولة مجدداً، وأنها لن تنهار في مواجهة الهجوم العسكري.

وجعلت الحرب الإيرانيين أكثر انقساماً من ذي قبل، لكن مع خيارات قليلة. وقال رسام: «هذه لحظة حاسمة للإيرانيين لأنهم في النهاية، وخاصة الإيرانيين داخل البلاد، يدركون أنهم بحاجة إلى العيش معاً. لا مكان يذهبون إليه».

نار تحت الرماد

يخشى كثيرون من تفاقم القمع الآن. وقال أرجانج، وهو أب لطفلين يبلغ من العمر 43 عاماً، لـ«رويترز» عبر الهاتف من شمال طهران: «في الشوارع، تتجول النساء دون حجاب، لكن ليس واضحاً ما إذا كانت هذه الحريات ستستمر بعد التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة. سيزداد الضغط 100 في المائة، لأنه بمجرد التوصل إلى سلام مع واشنطن، لن يواجه النظام الضغط الخارجي نفسه».

ولم تحدث احتجاجات بداية العام أي تغيير ملموس في حياة الناس، بل دفعت السلطات إلى فرض قيود صارمة على استخدام الإنترنت؛ وهو ما أثر كثيراً على الشركات والمواطنين العاديين الذين كانوا في حاجة ماسة إلى المعلومات أثناء الحرب.

إيرانيات يستقللن مركبة عسكرية أثناء مشاركتهن في مسيرة مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران الجمعة (إ.ب.أ)

وقالت فائزة (47 عاماً)، وهي تلعب الكرة الطائرة مع أصدقائها في حديقة شمال طهران: «حتى أصغر الأمور، مثل التواصل مع أفراد عائلتنا الذين يعيشون خارج البلاد، باتت مستحيلة».

وقال ميماريان إن الاستياء الشعبي قد يتصاعد بعد انتهاء الحرب، وإن الناس أصبحوا أقل خوفاً حيال اتهامهم بالخيانة.

وأضاف: «هناك الكثير من النار تحت الرماد».