الاشتباكات الداخلية المستمرة في جنين... هل تتحول إلى «فوضى» أوسع؟

السلطة في مواجهة المسلحين مجدداً

عناصر الأمن الفلسطينية ينتشرون في جنين شمال الضفة الغربية بعد اشتباكات مع مسلحين (وكالة الصحافة الفرنسية)
عناصر الأمن الفلسطينية ينتشرون في جنين شمال الضفة الغربية بعد اشتباكات مع مسلحين (وكالة الصحافة الفرنسية)
TT

الاشتباكات الداخلية المستمرة في جنين... هل تتحول إلى «فوضى» أوسع؟

عناصر الأمن الفلسطينية ينتشرون في جنين شمال الضفة الغربية بعد اشتباكات مع مسلحين (وكالة الصحافة الفرنسية)
عناصر الأمن الفلسطينية ينتشرون في جنين شمال الضفة الغربية بعد اشتباكات مع مسلحين (وكالة الصحافة الفرنسية)

منذ 3 أيام متواصلة، تسيطر الاشتباكات المسلحة بين الأجهزة الأمنية الفلسطينية ومسلحين على ليالي مدينة جنين شمال الضفة الغربية، في مشهد ينذر بمزيد من الفوضى التي تغذيها، بحسب السلطة، أطراف أخرى.

واشتبك مسلحون مع عناصر السلطة، ليلة السبت - الأحد، في شوارع المدينة وحول مؤسسات أمنية، وفي محيط أحد المستشفيات؛ ما أدى إلى إصابات وأضرار، وهي اشتباكات بثتها منصات فلسطينية، اتهم بعضها السلطة بالعمل لصالح إسرائيل في ملاحقة المقاومين، واتهم بعضها الآخر المسلحين بالعمل لصالح أجندات خارجية واستنساخ تجربة الانقلاب في قطاع غزة.

عناصر الأمن الفلسطينية عند حاجز طريق في مدينة جنين بالضفة الغربية المحتلة بعد اشتباكات مع مسلحين الجمعة الماضي (أ.ف.ب)

والاشتباكات المسلحة بين عناصر السلطة ومسلحين تابعين للفصائل ليست جديدة، وكانت تندلع بين الفينة والأخرى بسبب اعتقالات أو محاولة اقتحام مخيمات، لكنها تكتسب زخماً أكبر في الأيام القليلة الماضية، وتأخذ طابعاً فيه الكثير من تبادل الاتهامات والتحدي وفرض الهيبة.

وبدأت الحلقة الأخيرة من المواجهات، نهاية الأسبوع الماضي، عندما استولى مسلحون على سيارات تابعة للسلطة الفلسطينية ورفعوا فوقها أعلام حركة «حماس» و«الجهاد الإسلامي»، وجابوا شوارع مخيم جنين بهذه السيارات، في مشهد قال مسؤولون في حركة «فتح» إنه يذكرهم بمشاهد أخرى سابقة في قطاع غزة قبل انقلاب «حماس» هناك، وكذلك في دول مثل سوريا واليمن والعراق.

وبينما حذر مسؤولو «فتح» من بوادر انقلاب، أكد المسلحون أنهم يحتجون على اعتقال مقاتلين ومصادرة أموال، قبل أن تندلع اشتباكات مسلحة واسعة مع خاطفي السيارات الذين هاجموا لاحقاً مقر الأجهزة الأمنية في جنين، ثم توالت الاشتباكات يومياً، وشهدت محاولات قتل متبادلة.

عناصر الأمن الفلسطينية عند حاجز طريق في مدينة جنين بعد اشتباكات مع مسلحين الجمعة الماضي (أ.ف.ب)

والاشتباكات بين مسلحين وقوات أمنية فلسطينية في جنين، تعد ترجمة لحرب أخرى تبدو أكثر شراسة على منصات التواصل الاجتماعي. ويمكن رصد تحريض كبير على السلطة الفلسطينية في منصة «تلغرام» بوصفها (أي السلطة) شريكاً للإسرائيليين في مواجهة المقاتلين في الضفة، وهو تحريض ترى السلطة أنه منظم وليس شعبوياً.

واتهم مسلحون السلطة، السبت، بمحاولة اغتيال أحد عناصر المقاومة، وقالوا إن السلطة أصابته ولاحقته حتى المستشفى الحكومي، وحاصرته ثم اعتقلته، ووصل الوضع ببعض المنصات بإطلاق نداءات لمهاجمة السلطة، وفك الحصار عن المصاب، لكن السلطة الفلسطينية أوضحت أنها اتهمت مسلحاً بمهاجمة دورية لها قبل أن ترد وتصيبه ثم تعتقله.

وأعلن الناطق باسم المؤسسة الأمنية الفلسطينية، العميد أنور رجب، الأحد، القبض على عدد من الخارجين عن القانون، وإعادة فرض النظام في مدينة جنين، بعد أحداث إطلاق النار على المستشفى الحكومي والأجهزة الأمنية، الليلة الماضية.

وأضاف رجب في اتصال هاتفي مع «وفا» أن الأجهزة الأمنية تمكنت في ساعات متأخرة من الليلة الماضية من فرض النظام في المدينة والمستشفى الحكومي، بعد تسبب الخارجين عن القانون في حريق ضخم داخل المستشفى وتعطيل محطة توليد الأكسجين، وأكد أن المؤسسة الأمنية ستواصل ملاحقة الخارجين عن القانون للحفاظ على السلم الأهلي والأمن المجتمعي، وحماية وصون حقوق المواطن، ودمه، وممتلكاته، لا سيما أن هؤلاء يحاولون المس بحياة المواطنين وممتلكاتهم، وبالمؤسسات التي تقدم الخدمات للمواطنين، مثل: المدارس، والمستشفيات، ومقرات الأجهزة الأمنية.

حاجز للأمن الفلسطيني وسط شارع في مدينة جنين الجمعة الماضي (رويترز)

وردت «كتيبة جنين» ببيان عدَّت فيه أن الأجهزة الأمنية في السلطة الفلسطينية «تغرّد خارج السرب والصف الوطني»، واتهمت «كتيبة جنين»، الأجهزة الأمنية بإطلاق النار على الأهالي في مخيم جنين واقتحام مستشفى ابن سينا في المدينة، واختطاف أحد الجرحى. وطالبت «كتيبة جنين» بوقف ما سمته «عدوان الأجهزة الأمنية على أبناء الشعب» وردع ممارساتها.

والمجاهرة في تحدي السلطة الذي يصل إلى بث بيانات مرئية لمسلحين مكشوفي الوجه، يأتي في وقت تحاول فيه السلطة استعادة الهيبة والردع وإثبات حضورها وجاهزيتها لتحمل المسؤولية في قطاع غزة كذلك، وليس فقط الضفة الغربية.

واندلعت اشتباكات مع السلطة خلال الشهور الماضية في مناطق أخرى منها طولكرم ونابلس والخليل ما أثار مخاوف حول إمكانية تمدد الفوضى.

وقالت مصادر أمنية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن ما يحدث في جنين وشمال الضفة بشكل عام ليس تصرفات فردية، بل إن «ثمة من يحرك بعض المسلحين. بالنسبة لنا هناك أصابع خفية دعمت في السابق انقلاباً بغزة وتريد فوضى الآن في الضفة».

وخلال عام الحرب هاجمت الرئاسة و«فتح»، إيران أكثر من مرة، واتهمتها بالتدخل في الشأن الفلسطيني ومحاولة جلب حروب وفتن وفوضى، وجاءت الاتهامات في أعقاب اشتباكات مع مسلحين. ولا تريد السلطة أي مواجهة مع إسرائيل حتى بعد حرب 7 أكتوبر (تشرين الأول) التي عمقت من أزمتها الوجودية إلى حد ما.

وبينما تحاصر إسرائيل السلطة سياسياً ومالياً وتسعى إلى تفكيكها، فهي (السلطة) متهمة في الشارع الفلسطيني بمساعدة إسرائيل على مواجهة المسلحين في الضفة ومنع العمليات، في مفارقة لافتة. وثمة نقاش داخلي في السلطة حول الطريقة التي يجب أن تدار بها الأمور على الأرض.

وقال مصدر مطلع لـ«الشرق الأوسط» إن السلطة تراعي الظروف المعقدة، ولا تريد أن تظهر في مواجهة أي أحد في وقت الحرب. ومشكلة السلطة الرئيسية أنها متهمة بالعجز في مواجهة إسرائيل، والتقصير في إدارة شؤون الفلسطينيين الداخلية مثل الأمن وانتظام الرواتب وحل مشاكل التعليم والصحة والمرور وتقوية الاقتصاد.

عناصر الأمن الفلسطينية عند حاجز طريق في مدينة جنين الجمعة الماضي (أ.ف.ب)

لكن لا تنوي السلطة الاستسلام، وتعتقد أنها في معركة «تكون أو لا تكون»، ويعمل الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، منذ ما قبل الحرب على إحداث أوسع تغيير ممكن في السلطة الفلسطينية، استجابة لمطالب دولية بإجراء إصلاحات وتغييرات تمكن السلطة من تسلم قطاع غزة. وأجرى عباس خلال الشهور الماضية تغييراً حكومياً، وعيَّن محافظين جدد، وأجرى تنقلات لقادة الأجهزة الأمنية، وفي السفارات الفلسطينية، وأصدر مرسوماً يحدد فيه مَن يتسلم منصبه في حال شغوره فجأة.

وكان عباس يريد كذلك اختيار قيادة جديدة لـ«فتح» عبر عقد المؤتمر الثامن للحركة الذي كان يفترض أن ينتهي باختيار لجنة مركزية جديدة، ومجلس ثوري في إطار ترتيبات داخلية تضمن انتقالاً سلساً للسلطة، لكن هجوم السابع من أكتوبر الذي نفذته «حماس»، وجر حرباً طاحنة على قطاع غزة خلط كل الأوراق. ويعتقد أن تدفع أحداث جنين السلطة إلى التحرك بشكل أكبر، بعدما بدأت تشعر بأن مسلحين بدأوا يدخلون إلى الفراغ ويهددون بقاءها.

وأكد الناطق الأمني، العميد رجب، أن لدى المؤسسة الأمنية قراراً بملاحقة كل من تسول له نفسه العبث بالأمن ومقدرات المواطنين، واتخاذ المقتضى القانوني بحقهم، حفاظاً على المجتمع والسلم الأهلي، وأضاف: «هذه المجموعات وتحت عناوين مضللة تقوم بزرع عبوات في الشوارع العامة وبجانب المدارس، والمستشفيات، وهو ما عرض حياة المواطنين للخطر أكثر من مرة»، وأردف: «الأجهزة الأمنية ستبذل كل جهد ممكن في ملاحقة هؤلاء الخارجين عن القانون وتقديمهم للعدالة».


مقالات ذات صلة

تحريض إسرائيلي واسع على السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية

المشرق العربي فلسطينيون يتفقدون الأضرار في قرية دير الحطب بالضفة الغربية بعد هجوم مستوطنين (إ.ب.أ) p-circle

تحريض إسرائيلي واسع على السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية

رفع مسؤولون إسرائيليون مستوى التحريض ضد السلطة الفلسطينية إلى معدَّل غير مسبوق؛ وزعم وزير سابق أن عناصر الأجهزة الأمنية «قد يشنّون 7 أكتوبر جديداً».

كفاح زبون (رام الله)
شؤون إقليمية فلسطيني يحمل ابنه يوم الثلاثاء في رام الله بالضفة الغربية قبل حلول عيد الفطر  (رويترز)

«العالم مشغول».... حرب إيران تعمق الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية

عمّقت الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية؛ إذ لم تستطع دفع أكثر من 50% من رواتب موظفيها قبل عطلة عيد الفطر.

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي الطفل الفلسطيني مصطفى الذي أصابه جنود إسرائيليون وقتلوا والديه وشقيقيه بعدما هاجموا بالرصاص السيارة التي كانت تقلهم يوم الأحد (أ.ف.ب)

«القتل السهل في الضفة»... مقتل أب وأم وطفليهما للاشتباه في سرعة سيارتهم

الجيش يقتل عائلة فلسطينية لمجرد شبهة أن السيارة مسرعة والمستوطنون قتلوا شاباً حاول الدفاع عن بلدته ونكلوا به أمام أبيه في تصعيد كبير يظهر استسهال القتل بالضفة.

كفاح زبون (رام الله)
شؤون إقليمية مستوطنون مسلحون في بلدة حوارة في الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

بن غفير يقرر تسليح 300 ألف يهودي في القدس

بن غفير يمنح 300 ألف يهودي في القدس حق الحصول على سلاح إضافة إلى آخرين، ما يعني تسليح كل اليهود في المدينة في خطوة أخرى نحو تشجيع إرهاب المستوطنين المنظم.

كفاح زبون (رام الله)
شؤون إقليمية الرئيس الفلسطيني محمود عباس (رويترز)

السلطة الفلسطينية تتموضع أعمق في المحور العربي المعتدل

السلطة تعزز تموضعها في المحور العربي المعتدل عبر سياسة أكثر وضوحاً خلال هذه الحرب ضد إيران ووكلائها في المنطقة

كفاح زبون (رام الله)

«الطاقة الذرية» تؤكد خروج مجمّع للماء الثقيل عن الخدمة في إيران إثر ضربات إسرائيلية

«مفاعل آراك للأبحاث» الذي يعمل بالماء الثقيل على مشارف قرية خنداب الإيرانية جنوب طهران (أ.ف.ب)
«مفاعل آراك للأبحاث» الذي يعمل بالماء الثقيل على مشارف قرية خنداب الإيرانية جنوب طهران (أ.ف.ب)
TT

«الطاقة الذرية» تؤكد خروج مجمّع للماء الثقيل عن الخدمة في إيران إثر ضربات إسرائيلية

«مفاعل آراك للأبحاث» الذي يعمل بالماء الثقيل على مشارف قرية خنداب الإيرانية جنوب طهران (أ.ف.ب)
«مفاعل آراك للأبحاث» الذي يعمل بالماء الثقيل على مشارف قرية خنداب الإيرانية جنوب طهران (أ.ف.ب)

أعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن مجمع خنداب للماء الثقيل في إيران توقف عن العمل بعدما استهدفته غارات إسرائيلية الأسبوع الماضي.

وخلصت الوكالة الأحد بعد تحليل مستقل لصور من أقمار صناعية إلى أن موقع خنداب (الاسم الجديد لمفاعل أراك) «تعرض لأضرار جسيمة ولم يعد يعمل»، مضيفة أن «المنشأة لا تحتوي على أي مواد نووية معلن عنها».

وكان الجيش الإسرائيلي أكد الجمعة استهدافه مفاعل أراك للماء الثقيل في وسط إيران، مؤكدا أنه موقع «رئيسي لإنتاج البلوتونيوم المستخدم في الأسلحة النووية».


الجيش الإسرائيلي يشن ضربات على طهران ويتصدى لهجوم صاروخي من إيران

نظام الدفاع الجوي الإسرائيلي (القبة الحديدية) يطلق النار لاعتراض الصواريخ الإيرانية فوق تل أبيب (أ.ب)
نظام الدفاع الجوي الإسرائيلي (القبة الحديدية) يطلق النار لاعتراض الصواريخ الإيرانية فوق تل أبيب (أ.ب)
TT

الجيش الإسرائيلي يشن ضربات على طهران ويتصدى لهجوم صاروخي من إيران

نظام الدفاع الجوي الإسرائيلي (القبة الحديدية) يطلق النار لاعتراض الصواريخ الإيرانية فوق تل أبيب (أ.ب)
نظام الدفاع الجوي الإسرائيلي (القبة الحديدية) يطلق النار لاعتراض الصواريخ الإيرانية فوق تل أبيب (أ.ب)

أعلن الجيش الإسرائيلي، صباح اليوم (الاثنين)، أنه يشنّ ضربات على بنى تحتية عسكرية إيرانية في العاصمة طهران قبل أن يعلن أنه يتصدى لهجوم صاروخي انطلق من إيران، مع دخول الحرب في الشرق الأوسط شهرها الثاني.

وقال عبر تطبيق «تلغرام» «الجيش الاسرائيلي يضرب حاليا بنى تحتية عسكرية تابعة للنظام الإرهابي الإيراني في أنحاء طهران».

وأضاف لاحقاً إنه «رصد منذ قليل صواريخ أُطلقت من إيران باتجاه الأراضي الإسرائيلية»، مضيفا أن منظوماته الدفاعية تعمل «لاعتراض التهديد».


«الطاقة الذرية»: محطة خنداب النووية في إيران خرجت من الخدمة

شعار الوكالة الدولية للطاقة الذرية في مقر الوكالة بفيينا (إ.ب.أ)
شعار الوكالة الدولية للطاقة الذرية في مقر الوكالة بفيينا (إ.ب.أ)
TT

«الطاقة الذرية»: محطة خنداب النووية في إيران خرجت من الخدمة

شعار الوكالة الدولية للطاقة الذرية في مقر الوكالة بفيينا (إ.ب.أ)
شعار الوكالة الدولية للطاقة الذرية في مقر الوكالة بفيينا (إ.ب.أ)

قالت الوكالة ​الدولية للطاقة الذرية، الأحد، إن محطة ‌إنتاج ‌الماء ​الثقيل ‌الإيرانية ⁠في ​خنداب لحقت بها ⁠أضرار جسيمة، وتوقفت عن العمل.

وأعلنت ⁠إيران ‌قبل يومين ‌تعرض ​المحطة ‌لهجوم. وأضافت ‌الوكالة في منشور أن المحطة ⁠لا تحتوي ⁠على أي مواد نووية معلنة.