الخلافات الفرنسية - الإسرائيلية تتفاقم رغم سعي باريس لاحتوائها

ماكرون يتصل بنتنياهو بعد يوم من إعلان تل أبيب مقاضاته

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في القدس العام الماضي (أ.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في القدس العام الماضي (أ.ب)
TT

الخلافات الفرنسية - الإسرائيلية تتفاقم رغم سعي باريس لاحتوائها

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في القدس العام الماضي (أ.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في القدس العام الماضي (أ.ب)

في البيان الذي أصدره قصر الإليزيه عن الاتصال الهاتفي، الاثنين، بين الرئيس إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، غابت أي إشارة عن الخلاف المستحكم بين باريس وتل أبيب حول مشاركة الشركات الإسرائيلية في معرض الدفاع البحري «يورونافال» الذي تستضيفه فرنسا ما بين 4 و7 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل في ضاحية فيلبانت الواقعة قريباً من مطار العاصمة الدولي رواسي - شارل ديغول.

الواضح أن باريس تسعى لتفكيك هذه القنبلة التي من شأنها أن تضاعف التوتر بين الطرفين، خصوصاً أن العلاقات بينهما متوترة أصلاً على خلفية حدثين، الأول، مطالبة الرئيس ماكرون بوقف تزويد إسرائيل بالأسلحة التي تستخدمها في حربها على غزة ولبنان.

والآخر، دعوته نتنياهو «ألا ينسى دور لأمم المتحدة في ولادة دولة إسرائيل»، وهو الكلام الذي نقل عنه خلال الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء.

مآخذ إسرائيلية على باريس

وثمة «مآخذ» إسرائيلية أخرى، منها التعجب من مسارعة ماكرون للدعوة إلى مؤتمر دولي لدعم لبنان سيعقد الخميس المقبل في باريس.

وآخر ما صدر عن الجانب الإسرائيلي يتناول ملف «يورونافال» الذي مرّ في مراحل عدة، أولها ما أعلنته، بداية، الهيئة المشرفة على المعرض وفيه أنه يمنع على إسرائيل أن يكون لها جناح في المعرض أو تمكينها من عرض منتجاتها العسكرية. بالمقابل، تتاح الفرصة للشركات والأفراد أن يأتوا إلى المعرض وأن يقوموا بالاتصالات التي يرغبون فيها.

أشخاص يدعمون إسرائيل في ليون بوسط فرنسا أكتوبر 2023 (أ.ب)

وبالنظر لردة الفعل السلبية والعنيفة من الشركات ومن وزير الدفاع الإسرائيلي، لكن أيضاً من الداخل الفرنسي، عمدت باريس إلى تعديل موقفها؛ إذ أعطت الإذن للشركات الدفاعية الإسرائيلية للمشاركة في المعرض مع استبعاد «شرط ألا يكون بينها شركات استخدمت آلياتها ومعداتها العسكرية في حرب غزة أو حرب لبنان»؛ ما يعني عملياً استبعاد ما لا يقل من عشر شركات إسرائيلية ضالعة في الصناعات الدفاعية البحرية عن المشاركة في المعرض الذي يعد الثاني من حيث الأهمية في العالم.

وبما أن هذا «التنازل» لم يرضِ الطرف الإسرائيلي، فقد عمد وزيران كبيران إلى مهاجمة فرنسا.

دعوى قضائية

وزير الخارجية، يسرائيل كاتس، كتب الاثنين على منصة «إكس» ما حرفيته: «لقد أمرت وزارة الخارجية بإطلاق دعاوى قضائية ودبلوماسية ضد قرار الرئيس ماكرون بمنع الشركات الإسرائيلية من عرض منتجاتها في معرض (يورونافال) البحري». وأضاف: «إن مقاطعة الشركات الإسرائيلية للمرة الثانية وفرض شروط غير مقبولة عليها تعدّ تدابير منافية للديمقراطية وليس معمولاً بها بين الدول الصديقة. ولذا؛ أدعو الرئيس ماكرون لإلغائها كلية. إن إسرائيل موجودة في الخط الأول لمحاربة محور الشر الإيراني والإسلاموية الراديكالية. ويتعين على فرنسا وكذلك على دول العالم الحر كافة أن تقف إلى جانبها وليس العمل ضدها».

وكان وزير الدفاع يوآف غالانت قد عدّ أن قرار ماكرون بمثابة «العار على الشعب الفرنسي وعلى القيم التي يدعي (ماكرون) الدفاع عنها».

وزير الدفاع الإسرائيلي غالانت هاجم فرنسا لمنعها مشاركة الصناعات الدفاعية الإسرائيلية (إ.ب.أ)

وبنظره، فإن حرمان الشركات الفرنسية من الحضور يعني «مدّ يد المساعدة لأعدائها في زمن الحرب». وخلاصته أن فرنسا «تنهج سياسة معادية للشعب اليهودي وليست هذه للمرة الأولى في التاريخ ونحن سنواصل القتال من أجل وجودنا ومستقبلنا مع هؤلاء (الفرنسيين) أو من دونهم».

ضغوط على ماكرون

ويبدو أن ما سبق غرضه، وفق مصادر فرنسية، «مضاعفة الضغوط على ماكرون لدفعه للتخلي عن سياسته» التي تراها تل أبيب معادية لمصالحها رغم حرص الرئيس الفرنسي المطلق الذي أكده مراراً في الأيام الماضية على «سلامة إسرائيل وأمنها».

وفي مؤتمره الصحافي ليل الجمعة الذي أعقب القمة الأوروبية في بروكسل، فنَّد ماكرون الادعاءات الإسرائيلية وكشف عن المساعدات المتنوعة التي ساهمت بها فرنسا للدفاع عن إسرائيل، بما في ذلك مساهمات لم يكن قد كشف النقاب عنها في السابق أبداً مثل العمليات الاستخبارية. أما بخصوص ملاحقته أمام القضاء، فإن الرئيس ماكرون يتمتع بالحصانة الدستورية التي تحميه من أي ملاحقة في إطار عمله الرئاسي، فضلاً عن أن أي دعاوى تستهدفه شخصياً لا يمكن أن تمرّ لدى المحاكم الفرنسية.

اللافت، أن ماكرون زاد من اتصالاته الهاتفية مع نتنياهو. فقد اتصل به الأربعاء الماضي وعاود الاتصال صباح الاثنين ولم يمنعه السقف الحاد للتجريح الذي لحقه من قِبل نتنياهو من الحرص على متابعة الاتصال به.

وأفاد البيان الصادر عن الرئاسة بأن ماكرون «أعرب عن تضامنه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي في أعقاب الهجوم غير المقبول بطائرة من دون طيار على مقر إقامته الشخصي. وكرر تمسك فرنسا بأمن إسرائيل».

فرصة ما بعد السنوار

ككل مرة، شكلت غزة ولبنان وإيران محاور المحادثة. وبخصوص غزة رأى ماكرون أن «تصفية يحيى السنوار يجب أن تُستغل بصفتها فرصةً لإطلاق مرحلة جديدة من المفاوضات من أجل التوصل لوقف إطلاق النار في غزة وتأمين إطلاق سراح جميع الرهائن وتمكين إيصال المساعدات الإنسانية على نطاق واسع».

والحال، أن المطالبة الفرنسية (والدولية) تصطدم بحائط إسرائيلي، حيث إن نتنياهو، وفق أكثر من جهة، عازم على تنفيذ مخططه في غزة ولبنان من غير أن يعير الرأي العام الفرنسي، الأوروبي أو الدولي أي أهمية ما دام أن الحليف الأميركي يغطيه في مجلس الأمن ويحميه عسكرياً ويزوّده بكل ما يحتاج إليه من سلاح ومال.

ممثل فرنسا في مجلس الأمن نيكولا دي ريفيير وممثل إسرائيل داني دنون في ختام جلسة حول لبنان أغسطس الماضي (رويترز)

وما يصح على غزة يصح على لبنان إلا أن لباريس علاقة خاصة معه، وسبق لماكرون أن طرح مبادرة مشتركة مع الرئيس الأميركي جو بايدن وبدعم غربي وعربي لإيقاف الحرب في لبنان والعودة إلى الحل الدبلوماسي، لكن نتنياهو وأدها في المهد.

ونقل قصر الإليزيه عن ماكرون أنه طلب من نتنياهو «ضمان الحفاظ على البنية التحتية وحماية السكان المدنيين وإقرار وقف إطلاق النار بأسرع وقت ممكن».

وثمة تحول في الصياغة الفرنسية لجهة المطالبة بوقف للنار «بأسرع وقت ممكن» ما هو مختلف عما كانت تنادي به باريس من «وقف فوري» للنار.

«يونيفيل»

يبقى أن باريس خائفة على سلامة وعلى مصير ودور قوة السلام الدولية (يونيفيل) في جنوب لبنان، حيث تتعرض لعملية تخويف وأعمال معادية إسرائيلية.

ولفرنسا 700 عنصر يعملون في نطاقها.

وجاء في بيان الإليزيه أن ماكرون «ندَّد بأعمال الجيش الإسرائيلي ضد قواعد (يونيفيل)، وأعرب عن رغبته في أن تقوم الأمم المتحدة بدورها الكامل في جنوب لبنان لتمكين السكان المدنيين من العودة إلى ديارهم بأمان على جانبي الحدود بين لبنان وإسرائيل».

عناصر من قوات الأمن تشتبك مع أشخاص أثناء محاولتهم إخلاء نازحين من فندق قديم وسط حي الحمرا في بيروت (رويترز)

ووسط ما يروّج من أن إسرائيل تتأهب لشنّ ضربات على إيران ردا على الصواريخ الـ181 التي أطلقتها على إسرائيل بداية الشهر الحالي، ناقش ماكرون ونتنياهو «مسؤوليات إيران في انتشار الأزمات في الشرق الأوسط»، كما أفاد بيان الإليزيه.

وأضاف أن ماكرون عازم على مواصلة الحوار «المتطلب» مع السلطات الإيرانية؛ سعياً منه للحصول على «ضمانات منها بشأن برامج إيران النووية والباليستية وسياستها الإقليمية».

يتضح مما سبق أن الهوة بين ماكرون ونتنياهو واسعة لدرجة يصعب جسرها مهما سعى الأول لتلطيف لهجته. وترى مصادر سياسية فرنسية أن إسرائيل «لم تعد تتقبل أي انتقاد من أي جهة جاءت، بما في ذلك من جهة صديقة».


مقالات ذات صلة

ماكرون يعلن وفاة جندي فرنسي ثانٍ من قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان

المشرق العربي صورة نشرها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في صفحته على «إكس» للجندي الفرنسي أنيسيه جيراردان الذي توفي الأربعاء متأثراً بجراحه بعد إصابته بكمين استهدف قوات حفظ السلام «يونيفيل» خلال مهمة بجنوب لبنان (إكس)

ماكرون يعلن وفاة جندي فرنسي ثانٍ من قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان

أعلن الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، عن وفاة جندي فرنسي ثانٍ، الأربعاء، «متأثراً بجراحه» التي أصيب بها في كمين نُصب لقوات «يونيفيل» جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (باريس)
المشرق العربي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يصافح رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام في نهاية مؤتمر صحافي مشترك عقب اجتماعهما في قصر الإليزيه الرئاسي في باريس 21 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ماكرون يدعو إسرائيل للتخلي عن «أطماعها التوسعية» في لبنان

دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الثلاثاء، إسرائيل إلى «التخلي عن أطماعها» التوسعية في لبنان.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البولندي دونالد توسك يعقدان مؤتمراً صحافياً مشتركاً في قاعة المدينة الرئيسية في غدانسك... بولندا 20 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ماكرون وتوسك يعطيان زخماً جديداً للتعاون الدفاعي بين بلديهما

أعطى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البولندي دونالد توسك زخماً جديداً لتعاون بلديهما في مجالات الردع النووي والأقمار الاصطناعية العسكرية.

«الشرق الأوسط» (غدانسك)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البولندي دونالد توسك يعقدان مؤتمراً صحافياً مشتركاً في قاعة المدينة الرئيسية في غدانسك... بولندا 20 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ماكرون يحض إيران وأميركا على خفض التصعيد على خلفية إغلاق مضيق هرمز

دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم (الاثنين)، الولايات المتحدة وإيران إلى خفض التصعيد وسط تصاعد التوتر في مطلع الأسبوع بشأن مضيق هرمز.

العالم العربي الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في مؤتمر صحافي (الرئاسة الموريتانية)

الرئيس الموريتاني يختتم زيارة دولة إلى فرنسا

اختتم الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، الأحد، زيارته إلى فرنسا والتي وصفها بأنها «خطوة مهمة» في مسار تعزيز «العلاقات القائمة على الثقة» بين البلدين.

الشيخ محمد (نواكشوط)

إيران توثق استهداف منشآتها العلمية تمهيدا لمقاضاة أميركا وإسرائيل

رجل يمر على دراجة نارية أمام جدارية مناهضة للولايات المتحدة على أحد المباني في طهران (رويترز)
رجل يمر على دراجة نارية أمام جدارية مناهضة للولايات المتحدة على أحد المباني في طهران (رويترز)
TT

إيران توثق استهداف منشآتها العلمية تمهيدا لمقاضاة أميركا وإسرائيل

رجل يمر على دراجة نارية أمام جدارية مناهضة للولايات المتحدة على أحد المباني في طهران (رويترز)
رجل يمر على دراجة نارية أمام جدارية مناهضة للولايات المتحدة على أحد المباني في طهران (رويترز)

بدأت إيران بتوثيق الهجمات الأميركية الإسرائيلية التي استهدفت مراكزها العلمية، وتعمل على إعداد ملف قانوني لملاحقتهما في المحافل الدولية، وفقاً لما ذكرته وكالة مهر الإيرانية للأنباء.

وفي تصريحات أدلى بها خلال زيارة لجامعة «الشهيد بهشتي» في طهران، قال نائب الرئيس الإيراني لشؤون العلوم والتكنولوجيا والاقتصاد القائم على المعرفة حسين أفشين إن هذا الجهد يتم تنفيذه «من خلال الدائرة القانونية في رئاسة الجمهورية»، بحسب تقرير الوكالة.

ووفقا للحكومة الإيرانية، تضررت أكثر من 20 جامعة في إيران جراء الضربات منذ بدء الحرب، كما تم استهداف أكاديميين فيما تزعم طهران أنها محاولة لإضعاف الأسس العلمية والثقافية للبلاد.

وصرح أفشين بأن «الهجمات على البنى التحتية العلمية والجامعية ليست مجرد اعتداء على الممتلكات والمعدات، بل هي هجوم على أسس إنتاج المعرفة، وتدريب الموارد البشرية الماهرة، ومستقبل التنمية في البلاد».

وأضاف أن السلطات الإيرانية تجمع «كافة الوثائق الفنية، وتقارير الخبراء، والأدلة الميدانية" تمهيدا لتقديمها "عبر القنوات القانونية المتاحة إلى الهيئات الدولية ذات الصلة»، وفقا لما ذكرته وكالة مهر.


انتشار أميركي متصاعد: حاملات الطائرات تعزز الحصار البحري على إيران

«يو إس إس بوكسر» التي تحمل قوة من مشاة البحرية (مارينز) تبحر في الشرق الأوسط (أ.ف.ب)
«يو إس إس بوكسر» التي تحمل قوة من مشاة البحرية (مارينز) تبحر في الشرق الأوسط (أ.ف.ب)
TT

انتشار أميركي متصاعد: حاملات الطائرات تعزز الحصار البحري على إيران

«يو إس إس بوكسر» التي تحمل قوة من مشاة البحرية (مارينز) تبحر في الشرق الأوسط (أ.ف.ب)
«يو إس إس بوكسر» التي تحمل قوة من مشاة البحرية (مارينز) تبحر في الشرق الأوسط (أ.ف.ب)

صعّدت الولايات المتحدة انتشارها العسكري في الشرق الأوسط مع اقتراب حاملة الطائرات «يو إس إس جورج إتش دبليو بوش» من مسرح العمليات، في وقت عادت فيه «يو إس إس جيرالد فورد» إلى المنطقة، لتنضم إلى «يو إس إس أبراهام لينكولن».

ويضع هذا التحرك ثلاث حاملات طائرات أميركية في نطاق عملياتي واحد أو على مقربة منه، مع مجموعة ضاربة ثالثة تضيف نحو 5000 عنصر وثلاث مدمرات مرافقة، في أكبر حشد بحري من هذا النوع منذ عام 2003، في سياق توسيع الحصار البحري المفروض على إيران.

وتشير المعطيات إلى أن البحرية الأميركية تعمل على تشكيل طوق بحري متدرج يمتد من البحر الأحمر إلى بحر العرب والمحيط الهندي، بما يتيح التحكم بخطوط الملاحة المؤدية إلى الموانئ الإيرانية، مع إبقاء وحدات قتالية في حالة جاهزية للتحرك السريع نحو الخليج العربي ومضيق هرمز.

عودة «فورد» إلى المنطقة

عادت حاملة الطائرات «جيرالد فورد» إلى الشرق الأوسط بعد عبورها قناة السويس إلى البحر الأحمر برفقة مدمرتين، لتدخل مجدداً نطاق العمليات بعد توقف سابق بسبب حريق اندلع في مارس (آذار) في أحد مرافقها الداخلية. واستأنفت الحاملة انتشارها بعد إصلاح الأضرار، لتلتحق بالمسرح العملياتي ضمن نطاق القيادة المركزية الأميركية.

وانضمت «فورد» إلى «أبراهام لينكولن» العاملة في شمال بحر العرب، ما يعني وجود حاملتي طائرات قادرتين على تنفيذ عمليات جوية وبحرية متزامنة، تشمل الطلعات القتالية والاستطلاع والدعم اللوجيستي، إضافة إلى تغطية عمليات الحصار البحري.

«لينكولن» وغطاء بحر العرب

تواصل «أبراهام لينكولن» العمل في شمال بحر العرب، حيث تؤدي دوراً محورياً في العمليات الجوية والرقابة البحرية. وتعمل الحاملة ضمن مجموعة ضاربة تضم سفناً مرافقة وأنظمة دفاع جوي وصاروخي، ما يوفر لها قدرة على تنفيذ مهام متعددة تشمل الحماية البحرية، ومرافقة السفن، وتقديم الإسناد لعمليات الاعتراض والتفتيش.

ويتيح وجود «لينكولن» في هذا القطاع تغطية مساحات واسعة من المجال البحري الممتد بين بحر العرب والمحيط الهندي والخليج العربي، مع قدرة على دعم عمليات الحصار البحري المستمرة على الموانئ الإيرانية.

اقتراب «بوش» من مسرح العمليات

تتحرك حاملة الطائرات «جورج إتش دبليو بوش» نحو الشرق الأوسط عبر المسار الجنوبي حول رأس الرجاء الصالح، بدلاً من المرور عبر مضيق باب المندب. ويُتوقع أن تصل إلى بحر العرب خلال أيام، ما يرفع عدد حاملات الطائرات الأميركية إلى ثلاث مجموعات ضاربة في المنطقة أو على مقربة منها، بحسب ما أوردته صحيفة «فايننشال تايمز».

وترافق «بوش» ثلاث مدمرات، ما يعزز قدرات الحماية والهجوم والدفاع الجوي للمجموعة. ويتيح هذا الانتشار تغطية متداخلة للبحر الأحمر وبحر العرب والمحيط الهندي، مع قدرة على إعادة التموضع السريع نحو الخليج العربي في حال تطلبت العمليات ذلك.

وسيضيف وصولها نحو خمسة آلاف عنصر إلى المنطقة ضمن مجموعة ضاربة ثالثة، ما يرفع مستوى الحشد البحري الأميركي إلى أكبر مستوى له منذ حرب العراق عام 2003.

أظهرت بيانات التتبع عبر موقع «فلايت رادار24» تحليق طائرة لوجستية من طراز «في - 22 أوسبري» قرب جزر القمر، في مؤشر على وجود أو اقتراب الحاملة «بوش» من مسرح العمليات. وتُستخدم هذه الطائرات لنقل الأفراد والبريد والحمولات وقطع الغيار بين القواعد البرية وحاملات الطائرات في البحر.

ويُعد ظهور هذه الطائرات على أنظمة التتبع المدني مؤشراً غير مباشر على مواقع المجموعات البحرية، في ظل التزام السفن العسكرية عادةً بإجراءات تقليل البصمة الإلكترونية وعدم بث مواقعها بشكل مباشر.

قوات برمائية وانتشار بحري موسع

بالتوازي مع حاملات الطائرات، دفعت الولايات المتحدة بقوات إنزال بحرية كبيرة إلى المنطقة؛ فقد وصل نحو 3500 من البحارة ومشاة البحرية، بينهم 2200 من عناصر الوحدة الاستكشافية 31، على متن سفينة الهجوم البرمائي «يو إس إس تريبولي» والسفينة «يو إس إس نيو أورليانز»، ثم انضمت إليهما لاحقاً سفينة الإنزال «يو إس إس راشمور».

كما تتحرك مجموعة برمائية ثانية تضم نحو 4500 من البحارة ومشاة البحرية، بينهم عناصر الوحدة الاستكشافية 11، على متن مجموعة «بوكسر» التي تضم «يو إس إس بوكسر» وسفينتين مرافقتين. وكانت هذه المجموعة قد غادرت بيرل هاربر في الأول من أبريل (نيسان)، ويُتوقع وصولها إلى المنطقة في نهاية الشهر.

طائرة من طراز «في - 22 أوسبري» (أ.ب)

نفذت قوات من مشاة البحرية عمليات إنزال انطلاقاً من «تريبولي»، حيث استخدمت مروحيات لنقل عناصر سيطرت على سفينة الشحن الإيرانية «توسكا» في بحر العرب. وتعد هذه العملية أول عملية مصادرة لسفينة منذ بدء الحصار البحري على الموانئ الإيرانية.

وتوفر هذه القوات قدرة على تنفيذ عمليات صعود على متن السفن أو إنزال مباشر من البحر باستخدام مروحيات وزوارق إنزال ومركبات برمائية، بما يعزز من فاعلية الحصار البحري وقدرته على فرض السيطرة على خطوط الملاحة.

قوات برية وجاهزية تدخل

أمر البنتاغون بنشر ما يصل إلى 3000 جندي من الفرقة 82 المحمولة جواً، وهي قوة مظلية قادرة على الانتشار السريع باستخدام طائرات نقل عسكرية من طراز سي-17 وسي-130. كما تم نشر نحو 10 آلاف جندي مدربين على عمليات الاستيلاء على الأرض والاحتفاظ بها.

وتتمتع هذه القوات بقدرة على تنفيذ عمليات إنزال جوي خلال ساعات، مع إسقاط الأفراد والمركبات والمدفعية في مناطق العمليات. وتعمل هذه الوحدات بالتوازي مع القوات البرمائية، ما يوفر خيارات متعددة للانتشار الميداني.

حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» في بحر العرب 25 فبراير الماضي (رويترز)

شبكة حصار بحري متكاملة

يشمل الانتشار الأميركي مدمرات وسفن إنزال ومنصات استطلاع وطائرات دورية بحرية من طراز «بي - 8 بوسيدون»، إضافة إلى طائرات تزويد بالوقود من طراز «كيه سي - 135». وتؤدي هذه الشبكة دوراً محورياً في مراقبة السفن واعتراضها، وتأمين خطوط الملاحة، وتنفيذ عمليات الإنفاذ البحري.

ويغطي هذا الانتشار الممرات البحرية الرئيسية، بما في ذلك مضيق هرمز وخليج عمان وبحر العرب، مع قدرة على متابعة السفن الداخلة والخارجة من نطاق الملاحة المرتبط بإيران.

ويمنح وجود ثلاث حاملات أو ما يقارب ذلك الولايات المتحدة قدرة كبيرة على توزيع الطلعات الجوية ومهام الحماية البحرية والاستطلاع بعيد المدى. وتوفر الحاملات غطاءً دائماً لعمليات التفتيش والاعتراض، وتدعم القدرات اللوجستية والقتالية للقوات المنتشرة في البحر.

ومع استمرار الحصار، تتحول هذه الحاملات إلى منصات لفرض ضغط متواصل على إيران، من دون الحاجة إلى إعلان حملة هجومية جديدة. كما يسمح هذا الانتشار بالحفاظ على الجاهزية إذا فشلت المساعي السياسية واضطرت واشنطن إلى توسيع العمليات مجدداً.

زورق على متن سفينة الهجوم البرمائية «يو إس إس بوكسر» «واسب» خلال عمليات الإنزال من السفينة إلى الشاطئ في المحيط الهادئ، في 18 مارس 2026 (البحرية الأميركية)

جاهزية عملياتية مستمرة

توفر الوحدات الاستكشافية البحرية قدرة على تنفيذ إنزال سريع من السفن إلى الساحل باستخدام زوارق ومروحيات و«في - 22 أوسبري»، مع نقل الوقود والإمدادات مباشرة من البحر. وتتيح هذه القدرات استمرار العمليات لفترات ممتدة مع دعم لوجستي من السفن القريبة.

في المقابل، تعتمد قوات الفرقة 82 المحمولة جواً على إسقاط سريع مع إمدادات تكفي من يوم إلى يومين، قبل الحاجة إلى إعادة الإمداد عبر الجو أو من خلال خطوط دعم إضافية.

تؤمّن هذه التشكيلات العسكرية قدرة على تنفيذ عمليات بحرية وجوية وبرية متزامنة، تشمل الحصار البحري، وعمليات الاعتراض، والإنزال، والتدخل السريع. ومع وجود ثلاث حاملات طائرات ومجموعتين برمائيتين وقوات محمولة جواً، يكتمل انتشار عسكري متعدد الأبعاد يغطي كامل مسرح العمليات البحري المحيط بإيران، مع جاهزية مستمرة لتنفيذ المهام العملياتية المختلفة.

يأتي هذا الحشد ضمن عملية «ملحمة الغضب»، حيث بلغ عدد المصابين في صفوف القوات الأميركية 400 عنصر، بينهم 271 من الجيش و64 من البحرية و19 من مشاة البحرية و46 من سلاح الجو. كما بلغ عدد القتلى 13 عسكرياً، سقطوا في المراحل الأولى من الحرب.

وتعكس هذه الأرقام اتساع نطاق العمليات العسكرية وتعدد أذرعها البرية والبحرية والجوية، في ظل استمرار الانتشار العسكري واسع النطاق.

قدرات إيرانية ما زالت قائمة

في المقابل، تشير تسريبات من مسؤولين أميركيين نقلتها شبكة ـ«سي بي إس نيوز» إلى أن القدرات العسكرية الإيرانية لا تزال أكبر مما أعلنته الإدارة الأميركية؛ فبحسب هذه التقديرات، بقي نحو نصف مخزون الصواريخ الباليستية ومنصات إطلاقها سليماً عند بداية وقف إطلاق النار، فيما لا يزال نحو 60 في المائة من الذراع البحرية لـ«الحرس الثوري» قائماً، بما في ذلك الزوارق السريعة الهجومية.

كما يعتقد أن نحو ثلثي القوة الجوية الإيرانية لا تزال قابلة للعمل، رغم الحملة الجوية المكثفة التي استهدفت آلاف المواقع. ويعني ذلك أن الانتشار الأميركي لا يواجه فراغاً عسكرياً، بل خصماً ما زال يحتفظ بقدرات كافية لإرباك الملاحة ورفع كلفة الحصار.


إردوغان: حرب الشرق الأوسط «بدأت تُضعف أوروبا»

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان برفقة وزير الخارجية هاكان فيدان مع الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته في أنقرة يوم 22 أبريل 2026 (رويترز)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان برفقة وزير الخارجية هاكان فيدان مع الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته في أنقرة يوم 22 أبريل 2026 (رويترز)
TT

إردوغان: حرب الشرق الأوسط «بدأت تُضعف أوروبا»

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان برفقة وزير الخارجية هاكان فيدان مع الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته في أنقرة يوم 22 أبريل 2026 (رويترز)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان برفقة وزير الخارجية هاكان فيدان مع الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته في أنقرة يوم 22 أبريل 2026 (رويترز)

قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الأربعاء، خلال مكالمة هاتفية مع نظيره الألماني فرانك فالتر شتاينماير، إن الحرب في الشرق الأوسط «بدأت تضعف أوروبا»، وفق بيان صادر عن الرئاسة التركية.

وصرّح إردوغان بأن «الحرب في منطقتنا بدأت أيضاً تضعف أوروبا، وإذا لم نتدخل في هذا الوضع بنهج يخدم السلام، فإن الضرر الناجم عن النزاع سيكون أكبر بكثير»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

إلى ذلك، أفادت الرئاسة التركية، الأربعاء، بأن الرئيس رجب طيب إردوغان أبلغ الأمين ‌العام لحلف ‌شمال ​الأطلسي (ناتو) ‌مارك ⁠روته، ​خلال اجتماع في ⁠أنقرة، أن تركيا تبذل جهوداً لإحياء ⁠المفاوضات بين ‌روسيا وأوكرانيا ‌والجمع ​بين ‌زعماء الطرفين ‌المتحاربين.

وأضافت الرئاسة، في بيان حول الاجتماع، ‌أن إردوغان قال إن أنقرة تتوقع ⁠من ⁠الحلفاء الأوروبيين في حلف الأطلسي تحمّل المزيد من المسؤولية عن الأمن عبر ​الأطلسي.