طموحات محدودة لمؤتمر دعم لبنان في باريس

مصادر دبلوماسية: تراجع واشنطن عن مبادرتها المشتركة مع فرنسا لوقف النار يضعف رسالة المؤتمر

القادة الأوروبيون التسعة مجتمعون في باريس بمشاركة العاهل الأردني عبد الله الثاني ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين حيث الحرب في غزة ولبنان على طاولة المحادثات الجمعة (أ.ف.ب)
القادة الأوروبيون التسعة مجتمعون في باريس بمشاركة العاهل الأردني عبد الله الثاني ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين حيث الحرب في غزة ولبنان على طاولة المحادثات الجمعة (أ.ف.ب)
TT

طموحات محدودة لمؤتمر دعم لبنان في باريس

القادة الأوروبيون التسعة مجتمعون في باريس بمشاركة العاهل الأردني عبد الله الثاني ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين حيث الحرب في غزة ولبنان على طاولة المحادثات الجمعة (أ.ف.ب)
القادة الأوروبيون التسعة مجتمعون في باريس بمشاركة العاهل الأردني عبد الله الثاني ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين حيث الحرب في غزة ولبنان على طاولة المحادثات الجمعة (أ.ف.ب)

ستكون الدول الأوروبية والمفوضية حاضرة في المؤتمر، الذي دعت إليه باريس يوم 24 الحالي لمساعدة ودعم لبنان، والذي وضعت له 4 محاور رئيسية. المحور الأول محور إنساني، عنوانه مزدوج وفق ما شرحت مصادر رئاسية فرنسية، إذ سيتناول وضع القطاع الصحي والاستجابة لحاجة لبنان التمويلية المباشرة (427 مليون دولار) ودعم القطاع الصحي والاستشفائي وتوفير الأدوية.

والجانب الذي يجد لبنان نفسه عاجزاً أيضاً إزاء فداحته، يتركز على ملف النازحين، الذين تقدرهم المصادر الحكومية بـ1.4 مليون شخص اضطروا لترك منازلهم وقراهم المدمرة في غالبيتها.

وهذا التناول، في مرحلته الراهنة، لا يتناول إعادة بناء ما تهدم، إذ الحرب ما زالت دائرة رحاها، ولائحة التدمير الطويلة لم تختتم. وترى المصادر الرئاسية الفرنسية أن «هناك حاجة للتنسيق بين الدول الراغبة في تقديم المساعدات الإنسانية إلى لبنان». وليس من المستبعد أن تتشكل لجنة لهذه الغاية، علماً أن غالبية الدعم الإنساني والمالي سيأتي من الدول العربية، والخليجية على وجه الخصوص.

أولوية دعم الجيش

أما المحور الثاني فيتركز على دعم الجيش اللبناني، وهو محل إجماع نظراً للدور المنتظر منه عندما تضع المعارك أوزارها، وتتم العودة إلى القرار الدولي رقم 1701، سواء بصيغته الراهنة أم المعدلة ودور الجيش في فرض احترامه، إلى جانب قوات «اليونيفيل» الموجودة في لبنان منذ عام 1978.

بحث عن ناجين الجمعة في بيروت بعد ضربة جوية إسرائيلية هدمت بناية كاملة (أ.ب)

والحال أن القاصي والداني يعيان أن الدولة اللبنانية لا تمتلك الإمكانات لتطويع مزيد من الجنود، ولا لنشرهم، ولا لتسليحهم، فضلاً عن أن الجيش الذي يعدّ العمود الفقري للمحافظة على الدولة اللبنانية مطلوب منه اليوم القيام بمهام متعددة، من بينها المحافظة على الأمن الداخلي ومراقبة الحدود والانتشار على كل الأراضي اللبنانية.... ومع الأزمة المالية والاقتصادية التي ضربت لبنان منذ عام 2019، تهاوت رواتب العسكريين واضطرت قيادة الجيش للبحث عن موارد تمويل وهبات متعددة المصادر.

من هنا، ينتظر أن يحظى دعم القوات المسلحة اللبنانية على إجماع المؤتمرين، علماً أن السنوات الأخيرة شهدت كثيراً من المؤتمرات لدعم الجيش، وتقوم إيطاليا برئاسة لجنة مخصصة لهذه الغاية.

وفي هذا السياق، واستجابة لالتزام الحكومة اللبنانية بنشر قوات الجيش جنوب نهر الليطاني، فإن باريس أكدت بصوت مندوبها لدى الأمم المتحدة، نيكولا دو ريفيير، بمناسبة انعقاد جلسة مجلس الأمن، الخميس، العمل على «ضمان سيادة لبنان». الأمر الذي يمر بدعم القوات المسلحة اللبنانية.

وقال دو ريفيير لاحقاً: «نريد زيادة الدعم للمؤسسات اللبنانية، خاصة القوات المسلحة اللبنانية... نريد انتشار القوات المسلحة اللبنانية في الجنوب والقيام بمهمتها... ما نحتاج إلى فعله هو التأكد من أن القوات المسلحة اللبنانية مجهزة ومدربة بشكل صحيح».

وفي هذا السياق، قال نائب المندوب الأميركي روبرت وود، في إطار اجتماع مجلس الأمن: «إن على المجتمع الدولي أن يركز جهوده على تعزيز مؤسسات الدولة اللبنانية».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لدى وصوله مقر اجتماع القادة الأوروبيين مصافحاً رئيس الجمهورية القبرصية نيكوس مريستودوليديس بمناسبة قمة مجموعة التسع الأورومتوسطية (إ.ب.أ)

وأضاف وود: «حلّ هذه الأزمة ليس بإضعاف لبنان... وإنما بالذهاب إلى لبنان قوي وذي سيادة حقيقية بحماية من قوة أمنية شرعية تتمثل في القوات المسلحة اللبنانية». وبحسب مصادر دبلوماسية في باريس، فإن دعم الجيش اللبناني محل إجماع، وينتظر أن تصدر عن المؤتمرين مقررات قوية بهذا الشأن.

الفراغ الرئاسي

يقوم المحور الثالث للمؤتمر، وفق ما شرحته المصادر الرئاسية، على الدفع باتجاه معالجة الأزمة المؤسساتية التي يعاني منها لبنان منذ عامين، مع الفراغ الرئاسي من جهة، ووجود حكومة تصريف أعمال، وشلل المجلس النيابي، وضعف أداء الحكومة والإدارة، خصوصاً في ظروف الحرب التي تلفّ لبنان.

وقالت المصادر الرئاسية ما حرفيته: «إن الرسالة التي سيروج لها الشركاء الدوليون عنوانها تقديم الدعم للمؤسسات اللبنانية وتشجيع الشركاء اللبنانيين من أجل إيجاد سلطة تنفيذية، عنوانها الأول انتخاب رئيس للجمهورية».

وتجدر الإشارة إلى أن باريس تجهد، منذ ما قبل حلول الفراغ في قصر بعبدا، على القيام بوساطة تسهل انتخاب رئيس للجمهورية، بشكل منفرد أو من خلال اللجنة الخماسية، التي تضم إلى جانب فرنسا، الولايات المتحدة الأميركية والمملكة السعودية ومصر وقطر، إلا أن جهودها لم تثمر، كما أن محاولات الخماسية تدور في فراغ.

وتأخذ باريس على السياسيين اللبنانيين، كما تقول مصادر فرنسية معنية، «تغليبهم مصالحهم الشخصية والحزبية والمذهبية على المصلحة الوطنية، وانقساماتهم التي تغذي بعضها جهات خارجية». ومن المرتقب أن يلحظ البيان الختامي للمؤتمر فقرة خاصة بهذا الملف، الذي تبدو الحاجة لإغلاقه أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، بسبب حالة الحرب التي يعيشها لبنان والحاجة إلى جهات كاملة الصلاحيات تخوض التفاوض باسم لبنان، عندما تنطلق المفاوضات.

هدف واشنطن

يبقى أن كل هذه المحاور ستبقى قاصرة من غير توقف لإطلاق النار وإطلاق العملية السياسية الدبلوماسية، وتسوية الخلافات الحدودية بين لبنان وإسرائيل. والحال أن الاجتماع الأخير لمجلس الأمن اقتصر على كلمات المندوبين، ولكن لم يصدر أي بيان أو أي قرار.

ويجدر التذكير بأنه خلال أسبوع القادة، في بداية أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، توصلت الولايات المتحدة وفرنسا إلى إطلاق مبادرة دعمها كثير من الدول الأوروبية والعربية، تقوم على الالتزام بهدنة من 21 يوماً يجري خلالها البحث في العودة إلى التنفيذ الحرفي للقرار 1701 والتزام الحكومة اللبنانية بالعمل بمقتضياته، بما في ذلك إرسال قوة كبيرة من الجيش اللبناني إلى جنوب الليطاني.

خيبة كبرى

جاء التزام الحكومة اللبنانية مع ضوء أخضر من «حزب الله» بقبول وقف إطلاق النار، ما يعني عملياً فكّ الارتباط بين الجبهة اللبنانية وغزة، وهو الخط الذي سار عليه الحزب منذ 8 أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي. بيد أن هذه الجهود، وفق مصادر دبلوماسية أوروبية في باريس، أصيبت بخيبة كبرى عندما سحبت واشنطن يدها من المبادرة التي أطلقتها مع فرنسا، مفسحة المجال لإسرائيل لتحقق أهدافها من الحرب على لبنان. وبدا ذلك جلياً من خلال غياب الدعوة لوقف إطلاق النار في كلمة نائب المندوب الأميركي في مجلس الأمن، كما غابت أيضاً عن تصريحات وزير الخارجية أنتوني بلينكن من لاوس، حيث كان يشارك في اجتماع دولي لبلدان جنوب شرقي آسيا.

بيدرو سانشيز رئيس الوزراء الإسباني (يمين) ووزير الخارجية القبرصي كونستنتينوس كامبوس في مدينة بافوس القبرصية بمناسبة القمة الأورومتوسطية (رويترز)

فالمندوب الأميركي روبرت وود أفاد أن بلاده «تعمل على التوصل الى حل دبلوماسي»، لكنه لم يشر إلى وقف إطلاق النار.

وتسعى باريس إلى وقف فوري لإطلاق النار والعودة إلى المبادرة الفرنسية الأميركية، وستعمل للاستفادة من المؤتمر للدفع في هذا الاتجاه. وسوف تدل نوعية المشاركة الأميركية، التي تريدها باريس على مستوى وزراء الخارجية، على مدى الاهتمام الأميركي بالجهد الجماعي المرتقب من المؤتمر المرتقب.

وكشف المتحدث باسم الخارجية الأميركية، ماثيو ميلر، الأربعاء، عما تطمح إليه واشنطن في لبنان، بقوله: «نريد أن يقرر الشعب اللبناني هوية قادته». مضيفاً: «نحن بالتأكيد لا نريد أن نملي على الشعب اللبناني من هو زعيمهم، ولن نفعل ذلك... نريدهم أن يكونوا قادرين على القيام بذلك في غياب منظمة إرهابية تصوب مسدساً إلى رؤوسهم، وهو الوضع الذي يعيشه لبنان منذ عقود حتى الآن». وختم قائلاً: «في نهاية المطاف، نأمل أن يتم إضعاف (حزب الله) بما فيه الكفاية بحيث يصبح أقل قوة في السياسة اللبنانية».

وكان من الممكن لباريس أن تراهن على موقف أوروبي موحد. والحال أن الانقسامات، التي برزت بشأن حجب السلاح عن إسرائيل، الذي دعا إليه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نهاية الأسبوع الماضي، ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز الجمعة، تُبين عمق الانقسامات الأوروبية، وتُظهر أن الرافعة الجماعية الأوروبية معطلة، خصوصاً عندما يعلن المستشار الألماني، في الفترة عينها، معاودة بلاده تصدير الأسلحة إلى إسرائيل، بعد تجميد غير معلن، منذ بداية العام الحالي.


مقالات ذات صلة

«يونيفيل» تعلن سحب معظم عناصرها من جنوب لبنان منتصف 2027

المشرق العربي جندي إيطالي من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة يقف حارساً على طريق يؤدي إلى قاعدة تابعة لقوة الأمم المتحدة المؤقتة بلبنان (أ.ب)

«يونيفيل» تعلن سحب معظم عناصرها من جنوب لبنان منتصف 2027

تعتزم قوة الأمم المتحدة المؤقتة العاملة في جنوب لبنان «يونيفيل» سحب معظم قواتها من لبنان بحلول منتصف عام 2027.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي جانب من جولة نواف سلام على جنوب لبنان (حساب رئاسة مجلس الوزراء على «إكس»)

سلام يجول على القرى الحدودية جنوب لبنان: نعمل على توفير شروط التعافي

أعلن رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، اليوم (السبت)، عن العمل على إعادة إعمار البنى التحية واستمرار الإغاثة وتوفير شروط التعافي في جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي جنود يتبعون قوة «يونيفيل» يفحصون مبنى فجرته القوات الإسرائيلية في بلدة الخيام بجنوب لبنان (أ.ف.ب) p-circle

قتيل في غارة إسرائيلية على جنوب لبنان

قتل شخص في غارة إسرائيلية على جنوب لبنان، وفق ما أعلنت وزارة الصحة، في حين قال الجيش الإسرائيلي إنه استهدف عنصراً في «حزب الله».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي جنود من الجيش اللبناني يتفقدون موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت مبنى في قرية كفردونين بجنوب لبنان يوم 25 يناير 2026 (أ.ف.ب)

مقتل عنصرين من «حزب الله» بغارة جوية إسرائيلية في جنوب لبنان

أعلن الجيش الإسرائيلي، اليوم (الثلاثاء)، مقتل عنصرين من «حزب الله» كانا يحاولان إعادة تأهيل منشأة تحت الأرض تابعة للجماعة في جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية ترمب خلال إعلانه عن درع الدفاع الصاروخية «القبة الذهبية» في واشنطن 20 مايو 2025 (رويترز)

ترمب يصدم إسرائيل: «القبة الحديدية» مشروع أميركي

صدمت أقوال الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بأن منظومة الدفاع الصاروخي «القبة الحديدية» مشروع أميركي.

نظير مجلي (تل أبيب)

طهران تحذّر واشنطن من الهجوم وسط حراك دبلوماسي

حاملة الطائرات جيرالد فورد تصل إلى خليج سودا في جزيرة كريت أمس (رويترز)
حاملة الطائرات جيرالد فورد تصل إلى خليج سودا في جزيرة كريت أمس (رويترز)
TT

طهران تحذّر واشنطن من الهجوم وسط حراك دبلوماسي

حاملة الطائرات جيرالد فورد تصل إلى خليج سودا في جزيرة كريت أمس (رويترز)
حاملة الطائرات جيرالد فورد تصل إلى خليج سودا في جزيرة كريت أمس (رويترز)

حذرت إيران الولايات المتحدة من أن أي هجوم، حتى لو وُصف بأنه «محدود»، سيُعد عملاً عدوانياً كاملاً، وسيُواجَه برد «حاسم وشديد»، وذلك عشية الجولة الثالثة من المفاوضات غير المباشرة في جنيف.

وقال نائب وزير الخارجية كاظم غريب آبادي، إن تداعيات أي عدوان «لن تقتصر على بلد واحد»، داعياً إلى منع التصعيد، في حين نفت طهران مجدداً وجود «اتفاق مؤقت»، وأكدت تمسكها برفع العقوبات كشرط لأي تفاهم.

ويسود الترقب بشأن احتمال رد إيراني من خلال القنوات الدبلوماسية، مع تقارير عن زيارة مرتقبة لعلي لاريجاني إلى مسقط لنقل موقف طهران عبر الوساطة العُمانية، في مسار موازٍ للمفاوضات التي يقودها وزير الخارجية عباس عراقجي.

في المقابل، يدرس الرئيس الأميركي دونالد ترمب «ضربة محددة الأهداف» لإجبار إيران على تقديم تنازلات ملموسة، مع إبقاء خيار تصعيد أوسع قائماً إذا رفضت الامتثال. وتحدثت تقارير أميركية عن تفضيله «صفعة تحذيرية» تستهدف مواقع نووية أو صاروخية لتفادي حرب مفتوحة. وتؤكد دوائر في البيت الأبيض أن أي تحرك عسكري سيُحتسب بعناية في ضوء التكلفة السياسية والاقتصادية داخلياً، لا سيما مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.

وعززت واشنطن حشدها العسكري في المنطقة، مع وصول حاملة الطائرات «يو إس إس جيرالد فورد» إلى كريت اليونانية.

وفي تل أبيب، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن إسرائيل تواجه «أياماً معقدة»، محذراً من رد «لا يمكن تخيله» إذا تعرضت لهجوم.


ماذا يريد ترمب من إيران؟

حاملة الطائرات «جيرالد فورد» تصل إلى خليج سودا في جزيرة كريت الاثنين (إ.ب.أ)
حاملة الطائرات «جيرالد فورد» تصل إلى خليج سودا في جزيرة كريت الاثنين (إ.ب.أ)
TT

ماذا يريد ترمب من إيران؟

حاملة الطائرات «جيرالد فورد» تصل إلى خليج سودا في جزيرة كريت الاثنين (إ.ب.أ)
حاملة الطائرات «جيرالد فورد» تصل إلى خليج سودا في جزيرة كريت الاثنين (إ.ب.أ)

لا توفر تهديدات الرئيس دونالد ترمب بمهاجمة إيران تفاصيل كثيرة بشأن الهدف الأميركي الاستراتيجي في حال نشوب نزاع، سواء كان قصير الأمد أو ممتداً.

وقد أرسل ترمب سفناً حربية وعشرات الطائرات المقاتلة إلى الشرق الأوسط، ولديه عدة خيارات يمكن أن تزعزع استقرار المنطقة. فهل سيأمر بضربات جراحية تستهدف «الحرس الثوري» الإيراني، العمود الفقري للنظام الحاكم، أو سيحاول القضاء على برنامج الصواريخ الإيراني، أو قد يسعى إلى فرض تغيير النظام في طهران؟ وقد هددت إيران برد انتقامي شديد إذا تعرضت لهجوم.

و​قال مسؤول أميركي كبير الاثنين إن ستيف ‌ويتكوف ‌مبعوث ​البيت ‌الأبيض، ⁠وجاريد ​كوشنر صهر الرئيس ⁠الأميركي، سيلتقيان بوفد إيراني ⁠الخميس ‌في ‌جنيف.

ووصلت حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جيرالد فورد»، الأكبر في الأسطول البحري الأميركي، إلى جزيرة كريت اليونانية في البحر الأبيض المتوسط.

حاملة الطائرات «جيرالد فورد» تصل إلى خليج سودا في جزيرة كريت الاثنين (رويترز)

وبحسب مصادر عسكرية، ترسو الحاملة في خليج سودا للتزود بالإمدادات من القاعدة العسكرية الأميركية هناك. ويمكن لحاملة الطائرات الوصول إلى منطقة الشرق الأوسط خلال يوم واحد.

وأفادت وسائل إعلام إسرائيلية برصد طائرات نقل وتزويد بالوقود عسكرية أميركية في مطار بن غوريون الدولي قرب تل أبيب.

ما هي الخيارات؟

قال ترمب الخميس إنه سيقرر خلال عشرة إلى خمسة عشر يوماً ما إذا كان سيأمر بشن ضربات على إيران في حال عدم التوصل إلى اتفاق نووي. وأفاد موقع «أكسيوس» الإخباري بأن الرئيس عُرضت عليه مجموعة من الخيارات العسكرية، من بينها هجوم مباشر على المرشد علي خامنئي.

وأكد ترمب مراراً أنه يفضل المسار الدبلوماسي المؤدي إلى اتفاق يعالج ليس فقط البرنامج النووي الإيراني، بل أيضاً قدراتها الصاروخية الباليستية ودعمها لجماعات مسلحة مثل «حزب الله» و«حماس». غير أن إيران رفضت تقديم مثل هذه التنازلات.

وعقدت الولايات المتحدة وإيران جولتين من المحادثات غير المباشرة في سلطنة عُمان وسويسرا، من دون تقريب وجهات النظر، على أن تُستأنف المحادثات الخميس في سويسرا.

وقال مبعوث ترمب، ستيف ويتكوف، إن الرئيس «مندهش»؛ لأن إيران لم «تستسلم» رغم الحشد العسكري الأميركي الكبير.

ورأى أليكس فاتانكا، المحلل في «معهد الشرق الأوسط» في واشنطن، أن إدارة ترمب «ترجح على الأرجح نزاعاً محدوداً يعيد تشكيل ميزان القوى من دون الوقوع في مستنقع». وأضاف أن إيران تتوقع «حملة عسكرية قصيرة وعالية التأثير تشل بنيتها الصاروخية، وتقوض قدرتها الردعية، وتعيد ضبط ميزان القوى بعد حرب الأيام الاثني عشر مع إسرائيل في يونيو (حزيران) 2025»، حسبما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية».

ما هو المبرر؟

أصرّ ترمب على أن القوات الأميركية دمّرت البرنامج النووي الإيراني في هجمات استهدفت منشآت تخصيب اليورانيوم.

وتغيرت المعادلة مع اندلاع حركة الاحتجاج في يناير (كانون الثاني) داخل إيران، والتي قمعتها قوات الأمن بخسائر بشرية كبيرة. وهدد ترمب مراراً بالتدخل لـ«مساعدة» الشعب الإيراني، لكنه لم يُقدم على ذلك.

صورة ملتقطة بواسطة القمر الاصطناعي «بلانت لبس» تظهر مقاتلات في قاعدة موفق السلطي الجوية بالأردن (أ.ب)

ويفاخر ترمب بأنه جلب السلام إلى الشرق الأوسط، مستشهداً بوقف إطلاق النار الذي توسط فيه في غزة بين «حماس» وإسرائيل، رغم تعرضه لانتهاكات متكررة. كما يرى أن تغيير النظام في إيران سيعزز ما يسميه مساراً نحو السلام في المنطقة. لكن الديمقراطيين المعارضين يخشون أن يقود ترمب الولايات المتحدة إلى فوضى عنيفة، ويطالبونه بالتشاور مع الكونغرس؛ الجهة الوحيدة المخولة إعلان الحرب.

القوة النارية الأميركية في المنطقة

يمتلك الجيش الأميركي حالياً ثلاث عشرة سفينة حربية متمركزة في الشرق الأوسط: حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» التي وصلت أواخر الشهر الماضي، وتسع مدمرات وثلاث فرقاطات.

وهناك مزيد من السفن في الطريق. وقد جرى تصوير أكبر سفينة حربية في العالم؛ حاملة الطائرات «يو إس إس جيرالد فورد»، وهي تعبر مضيق جبل طارق لدخول البحر الأبيض المتوسط يوم الجمعة.

وبالإضافة إلى الطائرات المنتشرة على متن حاملات الطائرات، أرسلت الولايات المتحدة عشرات الطائرات الحربية إلى المنطقة، في حين ينتشر عشرات الآلاف من الجنود الأميركيين في أنحاء الشرق الأوسط، ما يجعلهم أهدافاً محتملة لأي هجوم إيراني.

إلى أي غاية؟

قال ريتشارد هاس، الرئيس السابق لمجلس العلاقات الخارجية، إنه من غير الواضح ما تأثير أي نزاع، مهما كانت مدته أو حجمه، على الحكومة الإيرانية. وكتب أن النزاع «قد يعززها بقدر ما قد يضعفها، ومن المستحيل معرفة ما الذي سيخلف هذا النظام إذا سقط».

وقال وزير الخارجية ماركو روبيو خلال جلسة استماع في مجلس الشيوخ أواخر الشهر الماضي، إنه لا أحد يعرف حقاً ما الذي سيحدث إذا سقط المرشد الأعلى، «باستثناء الأمل أن يكون هناك داخل النظام من يمكن العمل معه نحو انتقال مماثل».

صورة ملتقطة بواسطة القمر الاصطناعي «بلانت لبس» تظهر مقاتلات في قاعدة موفق السلطي الجوية بالأردن (أ.ب)

وحذرت دول المنطقة التي تربطها علاقات وثيقة بإيران، ترمب من التدخل، خشية أن تصبح هدفاً لهجمات انتقامية، ولقلقها من أي زعزعة للاستقرار في المنطقة.

وقالت مونا يعقوبيان، من «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية»، إن إيران أكثر تعقيداً بكثير من فنزويلا التي هاجمتها الولايات المتحدة في الثالث من يناير أثناء اعتقال زعيمها نيكولاس مادورو، مضيفة أن لإيران مراكز قوى أكثر تشتتاً، وأن «ضربة لقطع الرأس» قد تؤدي إلى «إطلاق فوضى حقيقية داخل إيران».


قناة «من و تو» الفارسية توقف البث من لندن إثر تهديدات إيرانية

ضباط شرطة في بريطانيا (رويترز)
ضباط شرطة في بريطانيا (رويترز)
TT

قناة «من و تو» الفارسية توقف البث من لندن إثر تهديدات إيرانية

ضباط شرطة في بريطانيا (رويترز)
ضباط شرطة في بريطانيا (رويترز)

قالت قناة «من و تو» التلفزيونية الناطقة بالفارسية، ومقرها في لندن، الاثنين، إنها أُجبرت على وقف بثها المباشر بعدما أبلغت شرطة مكافحة الإرهاب في المملكة المتحدة مالك المبنى الواقع فيه مقرها بوجود تهديد محتمل من طهران.

وقالت القناة التي أُطلقت في عام 2010، وتُعد وسيلة إعلامية معارضة وتحظى بشعبية في أوساط الجالية الإيرانية في المهجر، إن الوقف المؤقت للبث جاء في توقيت تواجه فيه إيران واحدة من «أكثر اللحظات حساسية» في تاريخها.

في الشهرين الماضيين، شهدت إيران احتجاجات شعبية حاشدة مناهضة للحكومة، في واحد من أكبر التحديات التي واجهت القيادة منذ سنوات.

ضابطا شرطة في بريطانيا (رويترز)

وجاء في بيان للقناة: «في توقيت... تتسارع فيه التطورات الداخلية والإقليمية بوتيرة غير مسبوقة، اشتدت تهديدات الجمهورية الإسلامية لحرية التعبير، والرامية إلى قمع التغطية الإعلامية المستقلة». وتابعت: «لقد أبلغَنا مالك المبنى بنيته إنهاء عقد الإيجار بعد تلقيه إخطاراً من شرطة مكافحة الإرهاب في المملكة المتحدة بشأن تهديد محتمل ضدنا من جانب نظام الجمهورية الإسلامية في إيران».

ومُنع الموظفون من دخول المبنى، ما أدى إلى وقف مؤقت للبث بانتظار إيجاد بدائل. وأضافت القناة: «إن أولويتنا هي استئناف البث المباشر من موقع آمن ومستقر في أسرع وقت ممكن».

Your Premium trial has ended