بزشكيان: إيران تريد عراقاً قوياً ومستقلاً

بغداد وطهران توقعان 14 مذكرة تفاهم... ونقاش حول الديون والمياه

بزشكيان يضع إكليل زهور عند موقع اغتيال سليماني في بغداد (إ.ب.أ)
بزشكيان يضع إكليل زهور عند موقع اغتيال سليماني في بغداد (إ.ب.أ)
TT

بزشكيان: إيران تريد عراقاً قوياً ومستقلاً

بزشكيان يضع إكليل زهور عند موقع اغتيال سليماني في بغداد (إ.ب.أ)
بزشكيان يضع إكليل زهور عند موقع اغتيال سليماني في بغداد (إ.ب.أ)

دشّن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان جولاته الخارجية بزيارة العراق، وتوقيع مذكرات تفاهم ركزت على الأمن والاقتصاد، في حين حاولت الحكومتان التوصل إلى آلية جديدة لتسديد الديون وتقاسم حصص المياه.

وكان بزشكيان قد وصل إلى العاصمة بغداد، ومن مطار بغداد الدولي توجه إلى موقع اغتيال قاسم سليماني القائد السابق في «الحرس الثوري»، وأظهرت مقاطع مسجلة أنه وضع إكليل ورد هناك.

وتحول هذا الإجراء المستحدث تقليداً شبه رسمي اعتاده المسؤولون الإيرانيون خلال زياراتهم إلى بغداد، منذ عام 2021.

وبثّ التلفزيون الرسمي العراقي لقطات لرئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني وبزشكيان خلال مراسم الاستقبال التي تخللها عزف للنشيدين الوطنيين. والتقى بزشكيان السوداني ورئيس الجمهورية في قصرين بالمنطقة الخضراء، وكان مقرراً أن يلتقي مسؤولين آخرين وقادة أحزاب كبيرة في البلاد، قبل أن يكمل جولته في العراق لتشمل إقليم كردستان والبصرة والنجف وكربلاء.

ومن المقرر أن ينتقل بزشكيان إلى محافظة السليمانية ويضع إكليلاً من الزهور على ضريح الرئيس الراحل جلال طالباني، وفقاً لمسؤول إيراني.

السوداني مستقبلاً بزشكيان في القصر الحكومي ببغداد (أ.ب)

علاقات «متينة»

وصف رئيس الحكومة محمد شياع السوداني، العلاقات مع طهران بـ«القوية والمتينة». وقال خلال مؤتمر صحافي مع بزشكيان: «الأجهزة الأمنية في البلدين تواصل العمل المشترك لمسك الحدود ومنع التهريب الذي يضر الأمن الداخلي».

وقال بزشكيان، إن «طهران في حاجة إلى توقيع اتفاقيات أمنية جديدة مع العراق؛ لأن العدو الذي يهدد البلدين واحد».

وكرر السوداني الحديث عن رفض حكومته استغلال الأراضي العراقية للقيام بأعمال تهدد أمن الجارة الشرقية.

وتتركز المشكلة الأمنية بين البلدين، كما تقول طهران، بتواجد مسلحين تابعين لأحزاب كردية إيرانية معارضة، في مواقع داخل إقليم كردستان.

وأخيراً، أعلنت بغداد إغلاق عشرات المقار التابعة لتلك الأحزاب، وإبعادها عن الحدود، في حين تحدث مستشار الأمن القومي، قاسم الأعرجي عن «توطين» المعارضين في بلد ثالث بالتنسيق مع الأمم المتحدة.

وفي مارس (آذار) 2023، وقّع العراق وإيران اتفاقاً أمنياً بعد أشهر قليلة على تنفيذ طهران ضربات ضد مجموعات كردية معارِضة في شمال العراق.

ومنذ ذلك الحين، اتفق البلدان على نزع سلاح المجموعات وإبعادها عن الحدود المشتركة. وتتّهم طهران هذه المجموعات بالحصول على أسلحة من جهة العراق، وبتأجيج المظاهرات التي اندلعت في أعقاب وفاة الشابة الكردية الإيرانية مهسا أميني في سبتمبر (أيلول) 2022، بعد أيام على توقيفها من جانب شرطة الأخلاق لعدم التزامها بقواعد اللباس الصارمة في إيران.

وشدد الرئيس الإيراني على أن طهران تريد «عراقاً قوياً مستقراً آمناً مستقلاً».

بزشكيان ووفد إيراني خلال اجتماع مع الحكومة العراقية (أ.ف.ب)

الحرب في غزة

تأتي زيارة بزشكيان وسط اضطرابات في الشرق الأوسط أثارتها الحرب التي اندلعت في قطاع غزة بين إسرائيل وحركة «حماس»، والتي دفعت مجموعات مسلحة المدعومة من إيران في جميع أنحاء المنطقة لدعم الفلسطينيين.

لكن في عملية توازن دقيق، تحافظ الحكومة العراقية أيضاً على علاقات استراتيجية مع واشنطن، خصوصاً من الناحية العسكرية.

وقال السوداني، إن «العراق يشدد على وقف الحرب، وجرائم الإبادة التي يرتكبها الإسرائيليون ضد الفلسطينيين العزل في غزة».

من جانبه، شدد بزشكيان على «حشد المواقف لإنهاء الحرب ومحاسبة إسرائيل على جرائمها».

وكان بزشكيان قد حطّ في بغداد بعد ساعات قليلة من سماع دوي انفجار داخل مطار بغداد الدولي في قاعدة يشغلها مستشارون للتحالف الدولي، حسبما أفادت القوات الأمنية العراقية، في حين تحدث مسؤول أمني عن سقوط «صاروخين». وقالت القوات الأمنية في بيان إنّه «لم يتسنّ لها معرفة حقيقة ونوع الانفجار»، مؤكدة مع ذلك أنّ «حركة الطيران المدني طبيعية لجميع الرحلات». وأفادت مصادر بأن مركز الدعم اللوجيستي التابع للسفارة الأميركية كان هدفاً في الهجوم.

وكان من اللافت، أن تصدر «كتائب حزب الله» في العراق بياناً صحافياً، وصفت فيه الهجوم بأنه «محاولة للتشويش على زيارة بزشكيان».

السوداني وبزشكيان رعيا توقيع مذكرات تفاهم بين العراق وإيران (أ.ب)

14 مذكرة تفاهم

ولاحقاً خلال النهار، رعى السوداني وبزشكيان مراسم التوقيع على 14 مذكرة تفاهم، في مجالات وقطاعات مختلفة، شملت؛ الاقتصاد، والتعاون التدريبي، والشباب والرياضة، والتبادل الثقافي والفني والآثاري والتربية، والتعاون الإعلامي، والاتصالات، وفي مجال تفويج المجاميع السياحية الدينية، والتعاون في مجال المناطق الحرّة العراقية – الإيرانية، وفي الزراعة والموارد الطبيعية، والبريد، والحماية الاجتماعية، والتدريب المهني والفني، وتطوير القوى العاملة الماهرة، والتعاون بين الغرف التجارية، وفقاً لبيان عراقي.

وقال الرئيس الإيراني، إن مذكرات التفاهم التي أبرمتها بلاده مع العراق تمثل انطلاقة جديدة للتعاون بين الجانبين.

وتعد إيران أحد الشركاء التجاريين الرئيسيين للعراق بنفوذ سياسي كبير في العراق، خصوصاً على الأحزاب الشيعية الرئيسية وفصائل «الحشد الشعبي» التي باتت منضوية في القوات الرسمية العراقية. وذكر موقع الرئاسة الإيرانية الإلكتروني أن زيارة بزشكيان ستستمر ثلاثة أيام، مشيراً إلى أن الرئيس الإيراني سيعقد، بالإضافة إلى الاجتماعات الرسمية، لقاءات مع إيرانيين في العراق ومع رجال أعمال. وسيزور مدن النجف وكربلاء والبصرة، وكذلك إقليم كردستان العراق الذي تربطه بطهران علاقات متوترة. وقال بزشكيان قبل مغادرته طهران إن «هذه الرحلة ستكون جيدة وفعالة من أجل خلق وتعميق العلاقات الاقتصادية والثقافية والسياسية والأمنية مع الدول الإسلامية بدءاً بالعراق، حتى نتمكن من حل الكثير من المشاكل التي قد تكون قائمة».

وذكرت وسائل إعلام إيرانية أن حجم التجارة غير النفطية بين إيران والعراق بلغ نحو خمسة مليارات دولار بين مارس (آذار) 2024 يوليو (تموز) 2024.

وتصدّر إيران كذلك ملايين الأمتار المكعبة من الغاز يومياً إلى العراق لتشغيل محطات الطاقة. وهناك متأخرات في الدفع على العراق مقابل هذه الواردات التي تغطي 30 في المائة من احتياجاته من الكهرباء، تقدّر بمليارات الدولارات.

بزشكيان يهدي السوداني لوحة مزخرفة من المرشد علي خامنئي (أ.ف.ب)

ديون وحصص مياه

دعا الرئيس العراقي، عبد اللطيف رشيد، إيران إلى «إطلاق مياه الأنهر الحدودية المشتركة والتوصل إلى تفاهمات مُرضية للجميع حول تقاسم المياه».

وقال رشيد أيضاً، إنه بحث مع بزشكيان «تفاهمات جديدة وصيغة مناسبة لتسديد المستحقات المالية على الحكومة العراقية للجانب الإيراني وبالعكس».

وقال بزشكيان: «اتفقنا على تشكيل فريق من الخبراء بين البلدين يتولى وضع الخطط الاستراتيجية طويلة الأمد، تؤسس لتعاون وثيق لاستغلال الفرص المتاحة، ولتحقيق هذه الغاية فإننا في حاجة إلى تفعيل الاتفاقيات بين البلدين».

وتستمر الزيارة 3 أيام، وفق مسؤولين إيرانيين. ووصف علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الإيراني، زيارة الرئيس الإيراني إلى العراق بالمهمة، وقال إن اختيار هذا البلد أولى محطات بزشكيان يعود لمكانته الرفعية بالنسبة لإيران.

ونقلت وكالة «مهر» الحكومية عن ولايتي، أن العلاقات بين العراقيين والإيرانيين تمتد إلى ما قبل الإسلام ولم تعانِ أي مشكلات إلا من نظام صدام حسين.


مقالات ذات صلة

سوريا تتأهب لحماية حدودها مع العراق

المشرق العربي معبر اليعربية بين سوريا والعراق (أرشيفية - رويترز)

سوريا تتأهب لحماية حدودها مع العراق

أعلنت هيئة العمليات في الجيش العربي السوري حالة تأهب كاملة، في أعقاب تعرض إحدى القواعد العسكرية السورية بريف الحسكة لقصف صاروخي مصدره الأراضي العراقية

سعاد جرَوس (دمشق)
خاص أرشيفية لرئيس «الحشد الشعبي» فالح الفياض ورئيس أركانه عبد العزيز المحمداوي (إعلام الهيئة)

خاص فالح الفياض... «ماكر» نجا من صدام والأميركيين

رغم المظهر «المتواضع والهادئ» الذي يبدو عليه رئيس هيئة «الحشد الشعبي» فالح الفياض، فإن مراقبين كثيرين ينظرون إليه بوصفه شخصية «ماكرة» قادرة على «انتهاز الفرص».

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي عناصر من الحشد الشعبي في العراق يحملون نعشاً خلال تشييع لقائد عمليات الأنبار في بغداد في 24 مارس 2026 (أ.ف.ب)

العراق: واشنطن تهاجم «الحشد»... وطهران تقصف «البيشمركة»

بشكل متزامن، يتحول العراق ساحة لضربات صاروخية من طرفي النزاع الإقليمي، إذ تهاجم واشنطن أهدافاً في «الحشد» وتقصف طهران «البيشمركة» الكردية.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي صورة وثقها سكان محليون تظهر تصاعد دخان من موقعٍ قُصف في الموصل اليوم وقالوا إن الضربة استهدفت منزلاً تستخدمه قيادات في «الحشد الشعبي»

«الحشد الشعبي» يعلن مقتل قائد عمليات الأنبار مع 14 من عناصره بقصف أميركي

قالت مصادر أمنية وصحية، الثلاثاء، إن غارات جوية استهدفت موقعاً تابعاً لقوات «الحشد الشعبي» بمحافظة الأنبار في غرب العراق، ما أسفر عن مقتل 10 مقاتلين على الأقل.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
الاقتصاد يمر الناس أمام مسجد حيدر خانة في شارع رشيد بوسط مدينة بغداد (أ.ب)

أول ناقلة نفط عراقية تعبر مضيق هرمز منذ اندلاع الحرب

تمكنت ناقلة نفط عملاقة تحمل مليوني برميل من الخام العراقي من عبور مضيق هرمز بنجاح، وفق ما كشفت «بلومبرغ».

«الشرق الأوسط» (لندن)

إردوغان: نعمل على إحلال السلام في إيران

​الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (د.ب.أ)
​الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (د.ب.أ)
TT

إردوغان: نعمل على إحلال السلام في إيران

​الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (د.ب.أ)
​الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (د.ب.أ)

كشف ​الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، اليوم (الثلاثاء)، عن أن أنقرة ‌ستواصل بذل ‌كل ​ما ‌في ⁠وسعها ​من أجل إحلال ⁠السلام خلال الحرب على إيران التي ⁠أثَّرت سلباً ‌على ‌الاقتصاد التركي ​والعالم ‌بأسره.

وأضاف ‌إردوغان أن الحكومة تدرس اتخاذ تدابير ‌مختلفة لحماية الاقتصاد من الحرب الأميركية - ⁠الإسرائيلية ⁠على إيران، التي اجتاحت المنطقة، وأدت إلى ارتفاع أسعار الطاقة.

من جهته، قال وزير ​الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار للصحافيين عقب اجتماع لمجلس الوزراء، ‌اليوم، ‌إنه ​لا ‌توجد ⁠أي ​مشكلات في تدفق ⁠الغاز الطبيعي من إيران، وإن مرافق التخزين التركية ⁠ممتلئة بنسبة ‌71 ‌في المائة.

ونقلت ​وسائل ‌إعلام ‌تركية عن الوزير قوله: «لا توجد أي مشكلات ‌في تدفق الغاز من إيران».

وجاء هذا ⁠التصريح ⁠بعد أن أشار تقرير إعلامي في وقت سابق إلى توقف التدفقات.


محمد باقر ذو القدر… رجل الشبكات الصلبة في قلب «الحرس الثوري»

ذو القدر يتحدث في مقابلة صحافية مع وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» ديسمبر 2020
ذو القدر يتحدث في مقابلة صحافية مع وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» ديسمبر 2020
TT

محمد باقر ذو القدر… رجل الشبكات الصلبة في قلب «الحرس الثوري»

ذو القدر يتحدث في مقابلة صحافية مع وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» ديسمبر 2020
ذو القدر يتحدث في مقابلة صحافية مع وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» ديسمبر 2020

لم يكن محمد باقر ذو القدر اسماً طارئاً حين تولى أمانة مجلس الأمن القومي. فبعد أسبوع من مقتل علي لاريجاني، وفي ظل حرب استنزفت قسماً من الصف القيادي الأول، وقع الاختيار على شخصية خرجت من إحدى أهم حلقات الدولة العميقة التي صاغت مفاصل الحكم الصلبة في «الجمهورية الإسلامية».

وأفاد مهدي طباطبائي، نائب الرئيس الإيراني لشؤون الاتصالات، الثلاثاء، بتعيين الجنرال ذو القدر خلفاً للاريجاني. وكتب على منصة «إكس» أن المرشد الجديد مجتبى خامنئي وافق على التعيين.

ويتولى المجلس الأعلى للأمن القومي، الذي يرأسه رسمياً الرئيس المنتخب مسعود بزشكيان، تنسيق الشؤون الأمنية والسياسة الخارجية، ويضم كبار المسؤولين في الجيش والمخابرات والحكومة، إضافةً إلى ممثلين عن المرشد الذي يملك الكلمة الفصل في شؤون الدولة.

وبدا التعيين ترجمة مباشرةً لأولويات الدولة في زمن الخطر. ومن المتوقع أن يصدر المرشد الجديد مرسوماً ثانياً بتسمية ذو القدر ممثلاً له في المجلس، لتمكينه من التصويت وفق الدستور.

تكمن أهمية ذو القدر في أنه لا يمثل نوع السياسيين الذين يصعدون عبر المنابر أو الانتخابات أو القدرة على مخاطبة الرأي العام. إنه من طراز آخر: رجال الشبكات التي سبقت الدولة ثم دخلتها، ورجال المؤسسة الذين راكموا النفوذ بهدوء داخل الأجهزة، لا على واجهاتها.

من هنا تبدو سيرته أقل شبهاً بمسار إداري بين مناصب متعاقبة، وأكثر شبهاً بخيط متصل بين أكثر مفاصل السلطة الإيرانية صلابة.

يكتسب صعود الجنرال ذو القدر إلى أعلى منصب أمني أهمية خاصة في هذه اللحظة. فالرجل لا يُقرأ فقط من خلال المناصب التي شغلها، بل من خلال الدور الذي أدّاه داخل بنية الحكم. خرج من الحرب بخبرة في التنظيم والعمل عبر الشبكات، وترسخ في «الحرس الثوري» داخل صلب الدولة العميقة، ثم راكم أدوات نفوذ إضافية عبر الداخلية والقضاء ومجلس تشخيص مصلحة النظام.

وعليه، يحمل تعيينه معنى يتجاوز حدود المنصب، إذ يكشف عن منطق أوسع في المؤسسة الحاكمة: في لحظات الانكماش واشتداد الضيق، يتقدم رجال البنية على أصحاب الحضور العلني والواجهة.

من «منصورون» إلى الدولة

يصعب فهم ذو القدر من دون العودة إلى البيئة السياسية التي خرج منها. فهو ينتمي إلى جيل ارتبط بحلقة «منصورون»، وهي واحدة من الشبكات المبكرة التي خرجت منها لاحقاً أسماء احتفظت بمواقع نافذة داخل «الحرس الثوري»، مثل محسن رضائي وعلي شمخاني وغلام علي رشيد والأخوين محمد وأحمد فروزنده.

والأهمية هنا لا تكمن فقط في الانتماء التنظيمي المبكر، بل في نوع التكوين الذي مثّلته هذه الحلقة: شبكة عقائدية متشددة مما قبل الثورة أعادت تموضع نفسها داخل الدولة من بوابة «الحرس».

ولم يكن صعود ذو القدر تدرجاً فردياً داخل مؤسسة قائمة، بل كان نمواً داخل شبكة من العلاقات والولاءات استقرت في قلب دولة المرشد. ومن هنا لم يظهر كعسكري مهني صرف، بل بصفته واحداً من جيلٍ جمع بين الأمن والسياسة بوصفهما مجالاً واحداً لحماية النظام. وقد منحته هذه الخلفية قدرةً نادرةً على البقاء وإعادة التموضع، فظل قريباً من المركز رغم تبدل الحكومات والوجوه والمواقع.

«رمضان» والحرب

بعد سقوط الشاه، استخدم، مثل غيره من أعضاء حلقة «منصورون»، رافعة اللجان الثورية، ثم التحق بـ«الحرس الثوري»، لكن محطته الأوضح في سنوات الحرب العراقية - الإيرانية كانت قيادة «مقر رمضان». وهذه المحطة ليست تفصيلاً عسكرياً عابراً في سيرة طويلة، بل إحدى العقد الأساسية في تكوينه السياسي والأمني.

فـ«مقر رمضان» شكَّل نواة للعمل الخارجي، وارتبط بالعمل عبر الحدود، وبالتنسيق مع جماعات كردية وشيعية عراقية معارضة لصدام حسين، وبإدارة عمليات داخل العمق العراقي، قبل أن ينبثق منه لاحقاً «فيلق القدس».

من هذا الموقع تبلورت إحدى سماته الثابتة: لم يتشكل كقائد ميداني تقليدي فقط، بل كرجل يعمل عند تقاطع العسكري والاستخباري والسياسي. ففي «رمضان» لم تكن المهمة إدارة الجبهة والحرب الكلاسيكية وحدهما، بل بناء صلات وتشغيل شبكات وتوظيف الحرب في صناعة نفوذ مستدام، وهي وظيفة ستطبع مساره لاحقاً.

ولذلك لم يكن «مقر رمضان» مجرد ساحة عمليات، بل كان نموذجاً مبكراً لطريقة اشتغال ستصبح مألوفة في النظام الإيراني: تنظيم عسكري، وعمل غير مباشر، وإدارة حلفاء وجماعات وكيلة، وتحويل الصراع إلى نفوذ. وفي هذه البيئة تكرست صورة ذو القدر كرجل ترتيب وتحكم أكثر منه رجل استعراض.

صعود في هرم «الحرس»

بعد نهاية حرب الثمانينات، أمضى ذو القدر 16 عاماً في أعلى هرم القيادة داخل «الحرس الثوري»: 8 سنوات رئيساً للأركان المشتركة، ثم 8 سنوات نائباً للقائد العام. وهذه الإقامة الطويلة في القمة المؤسسية أهم من مجرد الألقاب، لأنها هي التي صنعته رجل هيكل، لا رجل مهمة واحدة.

والفارق جوهري هنا. فقيادة الأركان ثم نيابة القائد العام تعنيان التمرس في الإدارة والتنسيق والانضباط المؤسسي، لا في العمل الميداني وحده. ومن ثم، فإن قوة ذو القدر لم تتأسس على حضور شعبوي أو كاريزما خطابية، بل على موقعه داخل ماكينة «الحرس» نفسها. كان من أولئك الذين تتعزز قوتهم كلما ازداد تعقيد الجهاز الذي يعملون داخله.

ومع مضي السنوات تكرّس موقعه داخل المعسكر المحافظ الصلب. لم يكن مجرد قائد عسكري صاعد، بل شخصية ذات موضع واضح في الاصطفافات الداخلية للنظام. وقد ازداد هذا الجانب بروزاً مع وصول إيران إلى مرحلة الإصلاحات في عهد محمد خاتمي، حين لم يعد ممكناً إبقاء التوتر بين المؤسسة العسكرية والمجال السياسي داخل حدود الصمت.

«الحرس» في مواجهة الإصلاح

خلال مرحلة الإصلاحات، برز ذو القدر ضمن الوجوه العسكرية المرتبطة بالمعسكر المحافظ داخل «الحرس الثوري». حينها حاول الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي، توسيع المجال السياسي وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، في مرحلة اتسمت بمواصلة مسار علي أكبر هاشمي رفسنجاني في إعادة الإعمار ورفع شعارات التنمية، بينما نظرت مراكز القوة الصلبة إلى هذا المسار بقلق متزايد.

في هذا السياق تحديداً، خرج ذو القدر من صورة القائد العسكري الإداري إلى صورة الضابط ذي الموقع السياسي الواضح. وارتبط اسمه في تلك المرحلة برسالة قادة «الحرس» الشهيرة إلى خاتمي، وهي إحدى أكثر الوقائع دلالةً على طريقة تدخل المؤسسة العسكرية في المجال السياسي حين ترى أن توازن النظام مهدَّد. كما ارتبط في سير وتحليلات متعددة بالمعسكر الذي اتخذ موقفاً متشدداً من مشروع الإصلاح، وبمناخ المواجهة مع الحركة الطلابية والاحتجاجات التي شهدتها أواخر التسعينات.

ولا تعود أهمية هذه المرحلة في مساره إلى وقائعها فقط، بل إلى معناها البنيوي. فهي تكشف عن أن ذو القدر لم يدخل السياسة بعد خروجه من «الحرس»، بل كان جزءاً من التسييس الذي عرفته المؤسسة نفسها في لحظة الصدام مع الإصلاحيين. ومن ثم بدا انتقاله لاحقاً إلى مواقع أمنية وتنفيذية داخل الدولة امتداداً طبيعياً لهذا الدور، لا انعطافة مفاجئة.

أحمدي نجاد ووزارة الداخلية

حين وصل محمود أحمدي نجاد إلى الرئاسة عام 2005، انتقل ذو القدر إلى منصب نائب وزير الداخلية للشؤون الأمنية. وكان هذا المنصب، في جوهره، أكثر من موقع إداري. فهو يقع في مركز حساس بين الأمن الداخلي، والإشراف على حكام المحافظات، وآليات إدارة الأزمات والاحتجاجات والتوترات المحلية. أي إنه يمثل انتقالاً من المؤسسة العسكرية إلى قلب الدولة التنفيذية، ولكن من زاوية أمنية خالصة.

وتكشف هذه المحطة عن جانب مهم من شخصيته الوظيفية. فالرجل خرج من «الحرس» إلى وزارة الداخلية من دون أن يغادر منطق الضبط. وبذلك انتقل من حماية النظام بالقوة الصلبة إلى حمايته عبر البيروقراطية الأمنية. وهذا النوع من الانتقال يفتح شبكة مختلفة من العلاقات داخل الدولة، ويمنح صاحبه معرفة بتوازنات المركز والأطراف، وبكيفية عمل المحافظات والأجهزة المحلية تحت المظلة الأمنية المركزية.

إعادة التموضع عبر «الباسيج»

ولم يطل بقاء ذو القدر في وزارة الداخلية، وخرج منها عام 2007 وسط روايات تحدثت عن تباينات مع أحمدي نجاد. لكن خروجه لم يكن تراجعاً فعلياً. ففي ديسمبر (كانون الأول) 2007 عيّنه علي خامنئي نائباً لرئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة لشؤون «الباسيج»، في منصب استُحدث يومها.

وهذه لحظة مفصلية في سيرته، لأنها تظهر أن الرجل لم يفقد ثقة المركز بعد خروجه من الحكومة، بل أعيد تموضعه سريعاً داخل ملف يتصل بأحد أكثر مفاصل النظام حساسية. فـ«الباسيج» في التجربة الإيرانية ليس مجرد تشكيل رديف، بل أداة تجمع بين التعبئة الآيديولوجية والحضور المنظم لـ«الحرس الثوري» داخل الشارع الإيراني.

ولم يكتفِ المرسوم الذي أصدره خامنئي لتعيينه في هذا الموقع بالتسمية، بل ربط المنصب نفسه بتقوية «الباسيج» كمّاً ونوعاً وتوسيع حضوره في مجالات الحياة. وهذه الصياغة وحدها توضح طبيعة المهمة.

الأمن والقضاء

منذ 2010 انتقل ذو القدر إلى السلطة القضائية، حيث شغل أولاً منصب معاون الحماية الاجتماعية والوقاية من الجريمة، ثم صار المعاون الاستراتيجي لرئيس السلطة القضائية حتى 2020.

ولا يعد هذا الانتقال قفزة من جهاز عسكري إلى عالم القانون، إذ لا يفصل في إيران بين المجالين فصلاً حقيقياً، فالقضاء جزء من أجهزة الدولة الخاضعة مباشرةً للمرشد.

وعمّقت هذه المحطة شبكته داخل الدولة. صحيح أنها أضافت طبقة جديدة إلى مساره، لكن الوظيفة بقيت نفسها: حماية النظام عبر أدوات مختلفة.

وارث رضائي...

في سبتمبر 2021 عُيّن ذو القدر أميناً لمجلس تشخيص مصلحة النظام خلفاً لمحسن رضائي. وبدا هذا الانتقال أكثر من خطوة إدارية داخل مؤسسة عليا. فهو، من جهة، استمرار لصعود رجال الجيل نفسه من قادة الحرب و«الحرس» إلى مواقع التحكيم الاستراتيجي. وهو، من جهة ثانية، انتقال من مؤسسات التنفيذ والضبط إلى مؤسسة تُستخدم لإدارة التوازنات العليا وصوغ التسويات داخل النظام.

وأمانة المجلس ليست موقعاً بروتوكولياً صرفاً. فالأمين يدير اللجان، ويشرف على العمل البيروقراطي والخبراتي للمؤسسة، ويؤدي في كثير من الأحيان دور حلقة الوصل مع مركز القرار الأعلى. وهذا الدور يناسب ذو القدر تماماً. فهو ليس سياسياً شعبوياً ولا صاحب خطاب جماهيري، بل رجل إدارة وملفات وشبكات وممرات داخلية.

وهنا أيضاً تظهر شبكة نفوذه في بعدها العائلي - المؤسسي. فذو القدر هو والد زوجة كاظم غريب آبادي، نائب وزير الخارجية الحالي للشؤون القانونية والدولية، وأحد أبرز الوجوه ذات الخلفية الأمنية في الجهاز الدبلوماسي الإيراني وفريق التفاوض النووي.

وشغل غريب آبادي قبل ذلك مواقع حساسة، بينها نيابة رئاسة السلطة القضائية ورئاسة لجنة حقوق الإنسان، بعدما شغل منصب سفير إيران لدى المنظمات الدولية في فيينا، وفي مقدمتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وفي الأوساط الإيرانية، غالباً ما يُربط بين هذا القرب العائلي والمسار الصاعد لغريب آبادي داخل القضاء والدبلوماسية، في صورة تعكس اتساع نفوذ ذو القدر عبر أكثر من مؤسسة، لا مجرد بقائه في منصب بعينه.

من لاريجاني إلى ذو القدر

حين قُتل علي لاريجاني في الحرب الأخيرة، لم يفقد النظام شخصية سياسية تفاوضية فقط، بل خسر رجلاً كان يجيد الحركة بين مراكز القوة المختلفة والتقاطعات الدقيقة بين الأمن والسياسة والدبلوماسية. والسؤال بعد غيابه لم يكن فقط عمَّن يملأ مكانه، بل عن أي نوع من الرجال يحتاج إليه النظام في هذه المرحلة.

وقد أجاب اختيار ذو القدر عن هذا السؤال بوضوح، بعد أيام من تداول اسم الجنرال حسين دهقان ثم نفي تعيينه. وكان دهقان، بحكم صلاته الوثيقة بالرئيس الأسبق حسن روحاني، اسماً متوقعاً في ضوء توجهات الرئيس الحالي مسعود بزشكيان، المدعوم من الإصلاحيين. لكنَّ وزير الدفاع الأسبق لا يملك الوزن السياسي والمؤسسي نفسه الذي راكمه ذو القدر عبر العقود.

ولا يمثل ذو القدر امتداداً للاريجاني بقدر ما يمثل انعطافاً بعده. كان لاريجاني رجل توازنات ومفاوضات وقدرة على التحرك بين المؤسسات. أما ذو القدر فهو رجل بنية وصلابة وانضباط داخلي.

وهذه ليست مفارقة شخصية فقط، بل مفارقة مرحلة. فالحرب دفعت النظام إلى البحث عن رجل مطمْئن للشبكات الأمنية والدولة العميقة، أكثر من بحثه عن رجل مرن في التفاوض أو واسع الحركة السياسية.

ومن هذه الزاوية، لا يبدو تعيينه مفاجئاً. فمن «منصورون» إلى «رمضان»، ومن قيادة «الحرس» إلى وزارة الداخلية والقضاء ومجلس التشخيص، لم يكن ذو القدر يتنقل بين مؤسسات متباعدة، بل يصعد داخل بنية واحدة متعددة الوجوه. وهو اليوم يصل إلى مجلس الأمن القومي بوصفه ابن هذه البنية ومعبّراً عنها في آن.

كان شمخاني الشخصية الأقرب إلى مواصفات ذو القدر. وقد كان يترأس لجنة الدفاع العليا، صاحبة القرار العسكري في زمن الحرب، تحت خيمة مجلس الأمن القومي. وبعد مقتل شمخاني، أصدر المرشد الجديد، في أولى خطواته، مرسوماً بتعيين محسن رضائي مستشاراً عسكرياً له. ومع تعيين ذو القدر، يحافظ أعضاء الحلقة التي توصف أحياناً بـ«القادة الجنوبيين» على دورهم في صناعة القرار العسكري والأمني في أعلى مستوياته.

قد لا يكون ذو القدر الرجل الأكثر حضوراً في المجال العام، ولا الأكثر شهرة خارج دوائر السياسة الإيرانية، لكنه من النوع الذي تحتفظ به الأنظمة للأيام الثقيلة. فكلما دخلت الجمهورية الإسلامية مرحلة اختبار وجودي، قلّ اعتمادها على رجال الواجهات، واتسع اعتمادها على رجال العقد الداخلية. وذو القدر واحد من هؤلاء. أعادته الحرب إلى الصف الأول.


مكالمة دراماتيكية بين ويتكوف وعراقجي «غيرت كل شيء»

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف (أ.ف.ب)
TT

مكالمة دراماتيكية بين ويتكوف وعراقجي «غيرت كل شيء»

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف (أ.ف.ب)

أكد مسؤولون إسرائيليون وأميركيون أن عباس عراقجي، وزير الخارجية الإيراني، وستيف ويتكوف، مبعوث الرئيس دونالد ترمب، أجريا، الخميس الماضي، اتصالاً وُصف بأنه «نقطة تحول» في الحرب الحالية، أفضى إلى إطلاق قناة محادثات قد تقود إلى اتفاق.

وبحسب تقرير نشره موقع «واي نت» التابع لصحيفة «يديعوت أحرونوت»، الثلاثاء، وكتبه محرر الشؤون الاستراتيجية رونين بيرغمان، قال عراقجي لويتكوف خلال الاتصال: «أنا هنا بعد أن حصلنا على موافقة المرشد (مجتبى خامنئي) ومباركته لإنهاء هذه القضية في أسرع وقت ممكن، ما دامت شروطنا تُلبّى».

وقال بيرغمان إن المكالمة الهاتفية، التي قد يُنظر إليها لاحقاً بوصفها نقطة تحوّل في الحرب، ترمز كذلك إلى نجاحات وإخفاقات كل طرف في هذه المعركة.

وأكد مسؤولون أميركيون وإسرائيليون، لم يشاركوا في المحادثات، حدوث الاتصال، الذي حاول خلاله عراقجي إيصال رسالة واضحة مفادها أن «في إيران نظاماً قائماً ووريثاً شرعياً يبارك الاتفاق، ويغلق الملف»، بينما كانت إسرائيل خارج المفاوضات، واكتشفتها عبر طرف ثالث.

وقال مسؤول إسرائيلي رفيع: «كان من المهم لعراقجي أن يُظهر للولايات المتحدة النظام القائم في إيران، وهو عكس ما توقعته واشنطن وتل أبيب». وأضاف: «في المقابل، كان من المهم أن يعلم الأميركيون أنه جاء بتفويض رسمي من أصحاب السلطة».

صحيفة إيرانية تحمل صورة على غلافها لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والمبعوث الأميركي للشرق الأوسط ستيف ويتكوف (رويترز)

لحظة دراماتيكية

وعلق بيرغمان بأنه لا يمكن المبالغة في وصف دراماتيكية اللحظة بالنسبة للطرفين؛ إذ اعترفت الولايات المتحدة فعلياً بحكم خامنئي الابن في إيران، بعدما كانت تراهن على إسقاط النظام أو إحداث تغيير جذري في قيادته. ووجدت نفسها في نهاية المطاف تتفاوض مع وزير الخارجية نفسه الذي تعثرت معه المحادثات سابقاً، لكنه يأتي هذه المرة بتفويض مباشر من المرشد.

وكان ويتكوف، الذي لا يعمل موظفاً حكومياً بدوام كامل، موجوداً في أماكن عامة في أثناء المكالمة، ووقف في أحدها لمدة طويلة إلى جانب جاريد كوشنير، أحد أقرب المقربين من ترمب، متحدثاً بصوت مرتفع، ورافعاً نبرته أحياناً، بما أتاح للمحيطين به سماع أجزاء من المحادثة.

وتشير تفاصيل تحوّلت لاحقاً إلى مسودات متبادلة بين الطرفين إلى أن الإيرانيين مستعدون لتقديم ما وافقوا عليه في جنيف خلال آخر جولة تفاوضية قبل الحرب، إضافة إلى استعدادهم لمناقشة نقل اليورانيوم عالي التخصيب إلى روسيا، لكنهم يرفضون التخلي عن برنامج الصواريخ الباليستية أو وقف التخصيب بالكامل داخل الأراضي الإيرانية.

وخلال الاتصال، احتد ويتكوف، رغم وجوده في مكان عام، وأبلغ عراقجي أن ترمب أعلن رفضه أي تخصيب على الأراضي الإيرانية، وأن هذا الملف «غير قابل للنقاش».

وأشار بيرغمان إلى أن الحوار، الذي استمر بعض الوقت، أوجد زخماً استمر حتى بعد الكشف عنه، مع تبادل مسودات وأفكار لإنهاء الحرب؛ ما أثار قلقاً في إسرائيل، الشريك في الحملة العسكرية، لكنها خارج مسار محادثات إنهائها، حيال مآلات الاتفاق المحتمل.

وبحسب بيرغمان، فإن تأجيل ترمب غارات مكثفة على منشآت الطاقة، إلى جانب عملية كوماندوز محتملة على جزيرة خرج وعمليات برية قيد النقاش، رغم ما عدته طهران مساساً بهيبته، يشير إلى الأهمية التي يوليها للحوار مع إيران.

ويتكوف يترجل من سيارة قبل مشاركته لدى وصوله إلى مقر المحادثات مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الخميس (أ.ف.ب)

قناة تواصل

وجاء هذا التحول رغم وجود قناة تواصل منذ اليوم الرابع للحرب، شارك فيها من الجانب الإيراني علي لاريجاني، الذي لم يتحدث مباشرة مع الأميركيين، بل أشرف على نقل الرسائل، بينما مثّل الجانب الأميركي ويتكوف وكوشنير، لكن هذه القناة بقيت مجمدة أياماً لغياب موضوعات للنقاش، قبل أن تغتال إسرائيل لاريجاني بموافقة الولايات المتحدة، في خطوة عُدت دليلاً على الرغبة في مواصلة الحرب من دون أفق واضح.

ويرى بيرغمان أن الولايات المتحدة لم تستثمر في هذه القناة في البداية؛ إذ كان هناك من يعتقد أن الحرب ستسلك مساراً مختلفاً يقود إلى سقوط سريع للنظام. وكان ترمب، وفق مصادر أميركية، آخر من تخلى عن هذا التصور.

واستند ترمب إلى تقديرات إسرائيلية رجّحت اندلاع احتجاجات واسعة بعد الحرب تنتهي بإسقاط النظام، غير أن كثيرين في إسرائيل والولايات المتحدة أساؤوا فهم خطط «الموساد»؛ إذ لم يكن مطروحاً التحريض على احتجاجات خلال الحرب، بل بعدها فقط، وفق مقربين من الجهاز.

ومع مرور الوقت، تبيّن أن رهان ترمب على تكرار «النموذج الفنزويلي» في إيران لم يتحقق، كما أن الحرب لم تحقق أهدافاً حاسمة، سواء بالاستيلاء على اليورانيوم، أو فرض الشروط الأميركية - الإسرائيلية، أو إسقاط النظام.

عزل إسرائيل

وفي موازاة ذلك، حاصرت إيران مضيق هرمز، في خطوة كانت متوقعة لدى كثير من المتابعين، لكنها فاجأت الولايات المتحدة، لا سيما قيادتها المركزية، التي لم تكن مستعدة بالكامل لهذا السيناريو.

ويؤكد بيرغمان أن الجهود الأميركية - الإيرانية تتركز حالياً على عقد اجتماع تفاوضي هذا الأسبوع، وربما اجتماعين، مع توقع تركيز إيران هجماتها على إسرائيل، بهدف تعميق الخلاف بين واشنطن وتل أبيب وعزل الأخيرة.

هل حُسم الأمر؟ وهل تم التوصل إلى اتفاق؟ الإجابة: لا. فمن الصعب تصوير 3 أطراف كفائزين في آن واحد، وهو ما يسعى إليه الجميع.

ويخلص بيرغمان إلى أن «الحيلة» التي استُخدمت سابقاً للإعلان عن «نصر كامل» لم تعد قابلة للتكرار، في ظل غياب نتائج حاسمة. ويضيف أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بدأ فعلياً تعديل أهداف الحرب، ممهداً لاحتمال تحميل سكان إيران مسؤولية فشل الخطة.