الرئيس الإيراني الجديد يعزز الآمال في انفراجة دبلوماسية

بزشكيان خلال لحظة تأمل في ضريح المرشد الإيراني الأول جنوب طهران على هامش خطابه بعد فوزه بالرئاسة أمس (أ.ف.ب)
بزشكيان خلال لحظة تأمل في ضريح المرشد الإيراني الأول جنوب طهران على هامش خطابه بعد فوزه بالرئاسة أمس (أ.ف.ب)
TT

الرئيس الإيراني الجديد يعزز الآمال في انفراجة دبلوماسية

بزشكيان خلال لحظة تأمل في ضريح المرشد الإيراني الأول جنوب طهران على هامش خطابه بعد فوزه بالرئاسة أمس (أ.ف.ب)
بزشكيان خلال لحظة تأمل في ضريح المرشد الإيراني الأول جنوب طهران على هامش خطابه بعد فوزه بالرئاسة أمس (أ.ف.ب)

مع انتخاب الإصلاحي مسعود بزشكيان رئيساً، ربما تشهد إيران تخفيفاً لحدة سياساتها الخارجية «المتشددة»، بل وربما يتيح فرصة لانفراجة دبلوماسية جديدة، حسبما ذكر مسؤولون وخبراء حاليون وسابقون.

جدير بالذكر أن بزشكيان، طبيب القلب وعضو البرلمان ووزير الصحة السابق، لا يحظى بخبرة مباشرة تُذكر بمجال السياسة الخارجية، إلا أنه تعهد بتمكين دبلوماسيي إيران من النخبة والداعمين للعولمة من إدارة أجندته الخارجية، ما زاد الآمال في إقامة علاقات أكثر دفئاً مع الغرب.

في سياق متصل، عبر دنيس روس، المساعد الخاص للرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، والمفاوض المخضرم المعني بشؤون الشرق الأوسط، عن اعتقاده بأن بزشكيان «يمثل موقفاً أكثر برغماتية، وأقل صداماً تجاه الخارج والداخل»، إلا أنه استطرد بأن المرشد علي خامنئي «سيفعل الكثير لتقييد» أجندة بزشكيان الدولية.

يُذكر أن معظم صلاحيات الرئيس الإيراني تقتصر، إلى حد كبير، على القضايا الداخلية. أما خامنئي، باعتباره صاحب كلمة الفصل، فيتولى اتخاذ جميع القرارات السياسية الكبرى، خاصة ما يتصل بالشؤون الخارجية، والبرنامج النووي الإيراني.

أما القوة الرائدة الأخرى داخل النظام الإيراني؛ «الحرس الثوري»، فتتولى الإشراف على جميع الشؤون العسكرية للبلاد. ويخضع «الحرس الثوري» للمرشد الإيراني، ويملك الاثنان سلطة تقرير متى وكيف يجري استخدام القوة العسكرية، سواء عبر إطلاق العنان لوكلاء إيران داخل العراق وسوريا ولبنان واليمن، أو في تهديد إسرائيل.

ويرى دبلوماسيون ومحللون أن السياسات الخارجية الإيرانية اتخذت منحى أكثر تشدداً بشكل متزايد عبر السنوات الأخيرة، وقد يستمر هذا الاتجاه في عهد بزشكيان. ويتضمن ذلك ترسيخ التحالفات مع دول أخرى - كما فعلت إيران عبر إمداد روسيا بطائرات من دون طيار وصواريخ لمهاجمة أوكرانيا - وتصوير نفسها كقوة لا يستهان بها، في كل من الشرق الأوسط والغرب، رغم الاضطرابات الداخلية واقتصادها المضطرب.

وفي إطار تحليل كتبه مع اقتراب انعقاد الانتخابات الرئاسية الإيرانية، قال راي تقية، الخبير في الشؤون الإيرانية لدى مجلس العلاقات الخارجية: «حقق محور المقاومة الإيراني نجاحاً ملحوظاً لدرجة أنه من الصعب تصور سبب قد يدفع أي شخص إلى تعطيل السياسة التي سمحت لطهران بإظهار قوتها، مع قدر من الإفلات من العقاب».

ويرى محللون أن التأثير الأكبر للرئيس، دولياً، ربما يكمن في صياغة كيفية النظر إلى سياسات إيران حول العالم، وذلك بالاعتماد إلى حد كبير على الدبلوماسيين الذين يختارهم. وفي هذا الصدد، يبدو التناقض صارخاً بين بزشكيان، وأبرز منافسيه سعيد جليلي، المحافظ المتشدد والمناهض للغرب.

تجدر الإشارة إلى أنه في أثناء فترة الرئاسة المتشددة لمحمود أحمدي نجاد، عارض جليلي، بشكل قاطع، أي اتفاق مع عدد من القوى العالمية لتقييد برنامج إيران النووي، مقابل تخفيف العقوبات الاقتصادية المؤلمة. وبدلاً من ذلك، دفع باتجاه تخصيب اليورانيوم إلى مستويات صالحة لصنع الأسلحة، حسبما كتب خبراء بـ«مركز ستيمسون»، في تحليل نشروه في يونيو (حزيران).

من ناحيته، أعلن بزشكيان عزمه على وضع سياسة لضمان التعاون الدولي، وعبر عن دعمه لتحسين العلاقات مع الغرب، بهدف إنهاء العقوبات. وقال إنه يرغب في تعزيز التواصل مع معظم الحكومات عبر أنحاء العالم - باستثناء إسرائيل - لكنه حذر كذلك من الإفراط في التعويل على التحالفات مع روسيا والصين.

في مايو (أيار)، صرح بزشكيان بأنه «إذا أردنا العمل على أساس هذه السياسة، فيجب علينا التصرف بشكل جيد مع الجميع، وإقامة علاقات طيبة مع الجميع، على أساس الكرامة والمصالح».

وأضاف: «كلما عكفنا على تحسين علاقاتنا الخارجية، اقتربنا من السياسة المذكورة، لكن كلما تفاقمت التوترات، ابتعدنا عنها وتأزم الوضع».

وكان وزير الخارجية الأسبق، محمد جواد ظريف، كبير مستشاري السياسة الخارجية لحملته، الذي توسط في جهود إبرام اتفاق نووي مع قوى عالمية عام 2015.

من ناحية أخرى، فإن الاختبار الرئيسي لاهتمام إيران بالدبلوماسية مع الغرب، سيتمثل فيما إذا كانت ستستجيب للجهود المبذولة لإحياء الاتفاق النووي الموقع عام 2015، وهي قضية زاد من تعقيدها ترشح الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب.

فنياً، ينتهي الاتفاق، الذي يهدف إلى منع إيران من تصنيع قنبلة نووية، العام المقبل. ومع ذلك، فإنه أصبح شبه ملغى منذ أن قرر ترمب انسحاب الولايات المتحدة منه عام 2018، وأعاد فرض عقوبات أميركية ضد طهران. ودفع ذلك إيران إلى تسريع وتيرة تخصيب اليورانيوم إلى درجة يقول خبراء إنها قد تكون الآن قادرة على إنتاج الوقود اللازم لإنتاج ثلاث قنابل أو أكثر في غضون أيام أو أسابيع.

من جهتها، أصرت إيران لفترة طويلة على أن برنامجها النووي سلمي، كما يقول مسؤولون أميركيون إنه لا يوجد دليل على وجود جهود حالية لتحويل اليورانيوم الإيراني إلى أسلحة نووية. في المقابل، يؤكد الإسرائيليون أن مثل هذه الجهود جارية بالفعل تحت ستار أبحاث جامعية.

من ناحيتها، عملت كاثرين أشتون، دبلوماسية بريطانية أشرفت على المحادثات النووية باعتبارها مسؤولة عن السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، عندما جرى التوصل إلى اتفاق مؤقت عام 2013، بشكل وثيق مع جليلي وظريف على طاولة المفاوضات. وقالت إن جليلي يبدو مهتماً أكثر بـ«مواصلة المفاوضات مع ضمان عدم تحقيق أي تقدم أو نتيجة حقيقية».

وأضافت أشتون أن ظريف، من ناحية أخرى، امتلك «فهماً أكبر بكثير للولايات المتحدة وأوروبا، وتصميماً على تأمين مستقبل إيران في المنطقة».

وكان خامنئي قد حذر الإيرانيين من انتخاب رئيس قد يجري النظر إليه باعتباره شديد الانفتاح على الغرب، خاصة الولايات المتحدة. وأفاد دبلوماسيون بأن تحسن العلاقات التجارية مع روسيا على مدى العقد الماضي، بعد سنوات من عدم الثقة والخلاف، ساعد إيران على التغلب على العزلة الدولية المستمرة.

وأشار خبراء «مركز ستيمسون» إلى أن الحرب الدائرة بين إسرائيل و«حماس» في قطاع غزة، أدت إلى تفاقم التوترات بين الولايات المتحدة والقوى المدعومة من إيران في لبنان وسوريا والعراق واليمن، ما قلص إمكانية التوصل إلى اتفاقيات جديدة بين الولايات المتحدة وإيران.

وبعد الغارة الإسرائيلية على مجمع السفارة الإيرانية لدى سوريا في أبريل (نيسان)، والتي أسفرت عن مقتل العديد من القيادات الإيرانية، ردت إيران بإطلاق مئات الصواريخ والطائرات المسيّرة ضد إسرائيل، والتي جرى اعتراض معظمها. وكان ذلك بمثابة تصعيد خطير بين البلدين، والاحتمال الأكبر أنه دفع إيران إلى العمل على ضمان امتلاكها رادعاً أكثر قوة.

ومع ذلك، يدرك الإيرانيون أن الولايات المتحدة عازمة على تجنب توسيع الصراع في الشرق الأوسط، وكانت هناك رسائل عبر القنوات الخلفية بين البلدين للتأكيد على أخطار التصعيد.

وأحيا تبادل سجناء، العام الماضي، بين البلدين، الآمال في مزيد من التعاون الدبلوماسي، مثلما فعلت المحادثات غير المباشرة بشأن البرنامج النووي، إلا أن إيران تركز الآن على كيف - أو ما إذا كانت - ستتعامل مع ترمب حال إعادة انتخابه في نوفمبر (تشرين الثاني)، حسبما يفترض على نطاق واسع بين أفراد الطبقة السياسية الإيرانية.

من جانب آخر، قال روس إن الرئيس الإيراني الجديد سيكون لديه بعض المساحة التي تتيح له تعديل التوازن بين «البرغماتية أو الالتزام بالمعايير الآيديولوجية التي يضعها المرشد علي خامنئي» في اتخاذ القرارات الحكومية.

ومع ذلك، فإن هذا لن يؤثر كثيراً في تعاملات بزشكيان على صعيد السياسة الخارجية، خاصة مع الولايات المتحدة؛ إذ أقر خامنئي حدوداً واضحة. وقال روس إنه حتى عندما يتعلق الأمر بالاتفاق النووي لعام 2015، فإن خامنئي «نأى بنفسه عنه، وكان لسان حاله يقول: (لقد أخبرتك بذلك) عندما انسحب ترمب منه».

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

إيران تعزز انتشار قواتها الحدودية تحسباً لأي توغل

شؤون إقليمية أرشيفية لقارب حربي إيراني لـ«الحرس الثوري» خلال مناورة عسكرية في مضيق هرمز (إ.ب.أ)

إيران تعزز انتشار قواتها الحدودية تحسباً لأي توغل

أعلنت إيران إبقاء عشرات الوحدات القتالية والإسنادية في مواقع متقدمة على حدودها، بالتزامن مع مراجعة خططها الدفاعية وتعزيز تحصيناتها العسكرية.

«الشرق الأوسط» (طهران- لندن)
شؤون إقليمية مروحية «إس سي هوك» تُقلع من سطح المدمّرة «جون بول جونز» التي تشارك في الحصار الأميركي على إيران (سنتكوم)
p-circle

جهود روسية لتحريك مفاوضات إنهاء الحرب الإيرانية

أعلن الكرملين، السبت، أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نقل إلى نظيره الأميركي دونالد ترمب موقف إيران من اتفاق محتمل لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - لندن - موسكو)
شؤون إقليمية حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس ثيودور روزفلت» خلال تدريبات في 19 يونيو 2026 (البحرية الأميركية)

واشنطن توازن بين التصعيد العسكري وفرص التفاوض مع طهران

تتأرجح واشنطن بين إغراء توجيه ضربة عسكرية خاطفة لإيران ومكاسب التفاوض معها، في وقت لا تزال فيه فرص التسوية معلّقة على تنازلات إيرانية في الملف النووي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - لندن - طهران)
شؤون إقليمية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان (أ.ف.ب) p-circle

إيران تستبعد نجاح التفاوض مع أميركا في ظل «الضغوط والتهديدات»

اعتبر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الجمعة، أن نجاح المباحثات الرامية إلى إنهاء الحرب مع الولايات المتحدة، يبقى رهناً بغياب «الضغط والتهديدات».

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية شرطيان بريطانيان في محيط قاعدة «فيرفورد» الجوية (رويترز) p-circle

إيرانيان يدفعان ببراءتهما من تنفيذ عمليات مراقبة لصالح طهران في بريطانيا

دفع رجلان إيرانيان ببراءتهما، الجمعة، من التهم الموجهة إليهما بأنهما كُلفا من طهران لتنفيذ عمليات مراقبة استهدفت السفارة الإسرائيلية وأقدم كنيس يهودي ببريطانيا.

«الشرق الأوسط» (لندن)

الجيش الأميركي: تعطيل سفينة شحن حاولت اختراق الحصار البحري على إيران

مقاتلة أميركية تستعد للإقلاع من حاملة طائرات في بحر العرب (سنتكوم)
مقاتلة أميركية تستعد للإقلاع من حاملة طائرات في بحر العرب (سنتكوم)
TT

الجيش الأميركي: تعطيل سفينة شحن حاولت اختراق الحصار البحري على إيران

مقاتلة أميركية تستعد للإقلاع من حاملة طائرات في بحر العرب (سنتكوم)
مقاتلة أميركية تستعد للإقلاع من حاملة طائرات في بحر العرب (سنتكوم)

قال الجيش الأميركي، السبت، إنه قام بتعطيل سفينة شحن تجارية في خليج عمان ‌بعد أن ‌تجاهلت التحذيرات ​وحاولت ‌اختراق ⁠الحصار ​البحري الحالي ⁠على إيران.

وكتبت القيادة المركزية الأميركية على موقع «إكس»: «قصفت ⁠مقاتلة تابعة للجيش الأميركي ‌مؤخرة ‌السفينة ​أوشن ‌موليكا التي ‌ترفع علم بنما (تعرف أيضا باسم أريكا صن) بذخيرة ‌دقيقة، مما أدى إلى تعطيل نظام ⁠دفع ⁠السفينة بالكامل دون إلحاق ضرر بالطاقم».

وأضافت القيادة المركزية أن السفينة حاولت عبور المياه الإقليمية بعد ​مغادرة ​ميناء إيرانيا.


«هيئة بريطانية»: إصابة ناقلة في مضيق هرمز واندلاع حريق على متنها

ناقلة نفط تبحر قرب مضيق هرمز (رويترز)
ناقلة نفط تبحر قرب مضيق هرمز (رويترز)
TT

«هيئة بريطانية»: إصابة ناقلة في مضيق هرمز واندلاع حريق على متنها

ناقلة نفط تبحر قرب مضيق هرمز (رويترز)
ناقلة نفط تبحر قرب مضيق هرمز (رويترز)

أعلنت هيئة ​عمليات التجارة البحرية البريطانية، أنها تلقت بلاغا بتعرض ‌ناقلة ‌نفط ​كانت ‌في ⁠طريقها ​للخروج من ⁠مضيق هرمز لإصابة في الجانب الأيسر ⁠بقذيفة ‌مجهولة المصدر، ‌مما ​تسبب ‌في ‌اندلاع حريق على متنها.

وأضافت الهيئة أن أفراد ‌الطاقم بخير، مضيفة أن ⁠تقييم ⁠الأضرار والتأثير البيئي لم يتضح حتى الآن.


تعثر المفاوضات يعيد موسكو إلى الوساطة

مروحية «إس سي هوك» تُقلع من سطح المدمّرة «جون بول جونز» التي تشارك في الحصار الأميركي على إيران (سنتكوم)
مروحية «إس سي هوك» تُقلع من سطح المدمّرة «جون بول جونز» التي تشارك في الحصار الأميركي على إيران (سنتكوم)
TT

تعثر المفاوضات يعيد موسكو إلى الوساطة

مروحية «إس سي هوك» تُقلع من سطح المدمّرة «جون بول جونز» التي تشارك في الحصار الأميركي على إيران (سنتكوم)
مروحية «إس سي هوك» تُقلع من سطح المدمّرة «جون بول جونز» التي تشارك في الحصار الأميركي على إيران (سنتكوم)

عاد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى واجهة الجهود الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء حرب إيران، مع استمرار الجمود في المفاوضات بين واشنطن وطهران.

وأعلن الكرملين أن بوتين نقل إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب، خلال اتصال هاتفي، وجهة نظر إيران بشأن تسوية محتملة للنزاع، بالتنسيق مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، من دون الكشف عن مضمون المقترحات.

وأشار مساعد الرئيس الروسي، يوري أوشاكوف، إلى ترحيب ترمب باستمرار الحوار غير المباشر بين واشنطن وطهران، مؤكداً أن «الخيارات الدبلوماسية لم تُستنفد، وأن التوصل إلى اتفاق ممكن وضروري».

وشدد بزشكيان على أن بلاده لا تنسحب من المفاوضات، لكنها تتمسك بحقوقها وترفض المواقف الأحادية التي تعرقل التسوية.وفي الملف النووي، جدد بوتين عرض موسكو استقبال اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب، وقال الكرملين إن ترمب أبدى اهتماماً بالمقترح.