من الخميني إلى رئيسي... إليكم أبرز الجنازات «الضخمة» لشخصيات إيرانية

حشود غفيرة تحضر مراسم جنازة الرئيس الإيراني الراحل إبراهيم رئيسي في تبريز (رويترز)
حشود غفيرة تحضر مراسم جنازة الرئيس الإيراني الراحل إبراهيم رئيسي في تبريز (رويترز)
TT

من الخميني إلى رئيسي... إليكم أبرز الجنازات «الضخمة» لشخصيات إيرانية

حشود غفيرة تحضر مراسم جنازة الرئيس الإيراني الراحل إبراهيم رئيسي في تبريز (رويترز)
حشود غفيرة تحضر مراسم جنازة الرئيس الإيراني الراحل إبراهيم رئيسي في تبريز (رويترز)

بحضور شعبي ضخم، تجري، الثلاثاء، بدأت مراسم تشييع الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، ووزير الخارجية حسين أمير عبداللهيان، ومرافقيهما، في مدينة تبريز مركز محافظة أذربيجان الشرقية في شمال غربي إيران، حيث لقي حتفه في حادث تحطم طائرة مروحية الأحد في منطقة جبلية وعرة.

ولطالما أقامت طهران جنازات ضخمة للعديد من الشخصيات البارزة. وفي ما يلي أكبر الجنازات في إيران بدءاً من أحدثها، جنازة رئيسي:

يتجمع المشيعون حول شاحنة تحمل نعوش الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي ورفاقه (أ.ب)

3 أيام... من تبريز إلى مشهد

بحسب وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري»، تجمعت حشود في ساحة وسط تبريز ولوحت بأعلام وصور لرئيسي الذي قضى عن 63 عاماً وللقتلى السبعة الآخرين في الحادث.

ونُقلت النعوش الثمانية مغطاة بالعلم الإيراني على متن شاحنة وسط الحشود.

ووفق ما ذكرت «تسنيم»، فإن مراسم وداع رئيسي وعبداللهيان ومرافقيهما ستقام حتى مصلى مدينة تبريز، ومن هناك سيتم نقلهم إلى مشهد.

المعزون الإيرانيون يلمسون النعوش وهم يقدمون التعازي بالرئيس الراحل إبراهيم رئيسي ومساعديه خلال موكب جنازة في تبريز (أ.ب)

وبدأت مراسم التشييع في الساعة 0930 صباحاً، لكن حضور الناس كان كبيراً لدرجة أنه لم يعد هناك مكان والحشد كبير للغاية، وفقاً للوكالة.

وستقام مراسم تشييع جثامين رئيسي ومرافقيه، الثلاثاء، في تبريز وبعد الظهر في مدينة قم، كما ستقام مساءً مراسم توديع الجثامين في مصلى العاصمة طهران، وستنطلق صباح الأربعاء مراسم التشييع من جامعة طهران إلى ساحة آزادي (الحرية) بالعاصمة طهران، حيث ستقام عصراً مراسم بحضور ضيوف ووفود أجنبية في طهران، بحسب الوكالة.

الآلاف يشاركون في موكب جنازة رئيسي ومساعديه السبعة (د.ب.أ)

كما ستقام صباح الخميس مراسم التشييع في خراسان الجنوبية، وفي مساء هذا اليوم ستقام مراسم دفن جثمان رئيسي في حرم الإمام الرضا في مدينة مشهد الإيرانية، بحسب «تسنيم».

ولقي الرئيس الإيراني حتفه، برفقة وزير الخارجية، الأحد، إثر تحطم مروحية كانت تقلهما في منطقة ورزقان بمحافظة أذربيجان الشرقية في شمال غربي البلاد في أعقاب لقاء بين رئيسي ورئيس أذربيجان المجاورة إلهام علييف.

الخميني

في 3 يونيو (حزيران) 1989، في الساعة 22:20 بتوقيت غرينتش، توفي المرشد الإيراني الأول الخميني، في جماران بطهران الكبرى عن عمر ناهز الـ86 عاماً بعد أن أمضى أحد عشر يوماً في جلسة خاصة في مستشفى بالقرب من إقامته، بعد إصابته بخمس نوبات قلبية في عشرة أيام.

وأقيم للخميني جنازة رسمية ثم دُفِن في مقبرة بهشت الزهراء (جنة الزهراء) في جنوب طهران.

وحسب الإحصاءات التي قدمتها السلطات الإيرانية حينذاك، فإن عدد المشاركين في هذه المراسم فاق الـ10 ملايين و200 ألف مشارك.

تم نقل التابوت مع جثة الخميني إلى المصلى وهي قطعة أرض شاغرة في شمال طهران وعُرضت الجثة هناك على منصة عالية مصنوعة من حاويات شحن فولاذية في علبة زجاجية مكيفة الهواء ملفوفة في كفن أبيض (متداولة)

في 5 يونيو (حزيران)، تم نقل التابوت مع جثة الخميني إلى المصلى، وهي قطعة أرض شاغرة في شمال طهران وعُرضت الجثة هناك على منصة عالية مصنوعة من حاويات شحن فولاذية، في علبة زجاجية مكيفة الهواء، ملفوفة في كفن أبيض، بقيت هناك حتى اليوم التالي. وكان مئات الآلاف من المعزين قد رأوا الجثة.

وفي 6 يونيو (حزيران)، تم إنزال الجثمان وفتح التابوت لمحمد رضا كلبايکاني لإمامة صلاة الجنازة التي استمرت 20 دقيقة. بعد ذلك، بما أن حشود المعزين قد تضخمت بين عشية وضحاها لتصل إلى ملايين عدة، كان من المستحيل تسليم الجثمان إلى المقبرة عبر طهران إلى الجزء الجنوبي من المدينة في موكب.

وفي نهاية المطاف، تم نقل الجثة إلى طائرة هليكوبتر تابعة لطيران الجيش وتم نقلها جواً إلى المقبرة.

هاشمي رفسنجاني

في 10 يناير (كانون الثاني) 2017، شارك عشرات الآلاف من الإيرانيين في تشييع جنازة الرئيس السابق علي هاشمي رفسنجاني. وأمّ صلاة الجنازة التي أقيمت في طهران آنذاك المرشد علي خامنئي.

وبدت في المشاهد التي عرضها التلفزيون الحكومي يومها أعداد كبيرة من الناس محتشدة في الشوارع المحيطة بجامعة طهران.

كان رفسنجاني من أقوى المؤيدين لروحاني وأشد المساندين للاتفاق النووي الذي أبرمته إيران مع القوى الدولية الكبرى (إ.ب.أ)

وكانت حشود المشيعين تهتف وهي تحمل صور الرئيس السابق، وقد ازدحموا في الشوارع بينما كان يُنقل النعش إلى المنطقة التي دفن فيها الخميني، حيث دفن رفسنجاني في ضريح الخميني.

حشود المشيعين يحيطون بنعش رفسنجاني (إ.ب.أ)

وتوفي هاشمي رفسنجاني في مستشفى الشهداء في العاصمة الإيرانية طهران عن عمر ناهز 82 عاماً. وكانت ولاية هاشمي رفسنجاني في الرئاسة قد انتهت قبل عشرين عاماً مضت، لكنه ظل شخصية مؤثرة في السياسة الإيرانية، وزعيماً للإصلاحيين والمعتدلين.

تدفق الآلاف الإيرانيين إلى الشوارع حول جامعة طهران للمشاركة في جنازة رفسنجاني (رويترز)

وفي ذلك الوقت، نقلت شبكة «بي بي سي» عن محللين قولهم إن جنازته تحولت استعراضاً للقوة من جانب التيار الإصلاحي المعتدل في إيران.

سليماني

في 3 يناير (كانون الثاني) 2020، قُتل قائد «فيلق القدس» الذراع الخارجية لـ«الحرس الثوري» قاسم سليماني في غارة جوية أميركية بطائرة مسيّرة من دون طيار بالقرب من مطار بغداد الدولي. وأقيمت مراسم تشييع جنازة سليماني في الفترة الممتدة من الرابع وحتى السابع من يناير (كانون الثاني) 2020.

وخرج مئات الآلاف من الأشخاص إلى شوارع طهران لحضور جنازة سليماني (إ.ب.أ)

وتمت هذا المراسم في بعض مدن العراق وعدد من مدن إيران، بما في ذلك بغداد وكربلاء والنجف والأحواز ومشهد والعاصمة طهران وكذلك في قم، وأخيراً في مسقط رأسه كرمان.

وُصفت الجنازة في الداخل الإيراني بأنها الأكبر منذ جنازة الخميني.

نعش سليماني (رويترز)

كما وصفت شبكة «سي إن إن» أعداد المُشيّعين الذين شاركوا في الجنازة بطهران بأنهم «بحرٌ من الناس»، في حين قدر التلفزيون الحكومي الإيراني عدد المشيعين في طهران فقط بـ7 ملايين شخص.

كانت جنازة سليماني الأضخم بعد الخميني (إ.ب.أ)

وصلّى المرشد علي خامنئي على سليماني خلال مراسم الجنازة إلى جانب الرئيس الإيراني آنذاك حسن روحاني ومسؤولين آخرين على رأسهم قائد «فيلق القدس» الجنرال إسماعيل قاآني.


مقالات ذات صلة

نافذة الوساطة تضيق بين الحصار الأميركي ورفض التنازل الإيراني

شؤون إقليمية وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)

نافذة الوساطة تضيق بين الحصار الأميركي ورفض التنازل الإيراني

لم تعد إسلام آباد تبدو، بعد مغادرة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي العاصمة الباكستانية، محطة مرشحة لاختراق وشيك في مسار وقف الحرب بين واشنطن وطهران.

إيلي يوسف (واشنطن)
شؤون إقليمية الرئيس الإيراني مسعود ‌بزشكيان (د.ب.أ)

بزشكيان يدعو الشعب الإيراني إلى ترشيد استهلاك الطاقة

دعا الرئيس مسعود بزشكيان الإيرانيين، السبت، إلى ترشيد استهلاك الكهرباء، محذّراً من سعي الولايات المتحدة وإسرائيل إلى إثارة «سخط شعبي».

«الشرق الأوسط» (طهران)
شؤون إقليمية صورة قدمها قمر «ماكسار تكنولوجيز» بتاريخ 1 يوليو 2025 تظهر نشاطاً بالقرب من المبنى المحيط بالمجمع بالإضافة إلى الحفر التي أحدثتها الغارة الجوية الأميركية التي شنت في 22 يونيو على مجمع مصنع فوردو لتخصيب الوقود (أ.ف.ب - أرشيفية)

11 طناً من اليورانيوم تعقّد اتفاق ترمب مع إيران

ترمب يواجه في مفاوضات باكستان إرث انسحابه من الاتفاق النووي، مع مخزون إيراني قد يكفي نظرياً لصنع 100 سلاح نووي.

ويليام جيه برود (واشنطن) ديفيد إي. سانغر (واشنطن)
شؤون إقليمية وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (د.ب.أ) p-circle

عراقجي سيزور باكستان مجدداً بعد عُمان

قال وزير الخارجية الإيراني، السبت، إن بلاده تنتظر لتبيان ما إذا كانت الولايات المتحدة جادة بشأن التوصل إلى تسوية دبلوماسية للحرب في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية لقطة جوية تُظهر حركة الملاحة في الخليج ومضيق هرمز وخليج عُمان (أ.ف.ب)

مضيق هرمز... وسط حصارين إيراني وأميركي

قال وزير الدفاع بيت هيغسيث، صباح الجمعة، إنَّ القوات الأميركية ستُبقي على حصار مضيق هرمز «ما دام الأمر اقتضى ذلك». وقبل ذلك بيوم، أعلن مسؤول إيراني كبير، على…

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

إسرائيل تعين أول سفير لها في أرض الصومال

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)
رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)
TT

إسرائيل تعين أول سفير لها في أرض الصومال

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)
رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)

عينت إسرائيل أول سفير لها في أرض الصومال، بعد أشهر من اعترافها رسمياً بالإقليم الانفصالي في الصومال، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية اليوم الأحد.

في أواخر ديسمبر (كانون الأول)، أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف بأرض الصومال منذ أن أعلنت استقلالها من طرف واحد عن الصومال في عام 1991 في أعقاب الحرب الأهلية.

وقالت الوزارة إن مايكل لوتم الذي يشغل حالياً منصب سفير اقتصادي متجول في أفريقيا، سيكون مبعوث إسرائيل إلى أرض الصومال.

وسبق للوتم أن شغل منصب سفير إسرائيل لدى كينيا وأذربيجان وكازاخستان.

ويأتي تعيينه عقب إقامة علاقات دبلوماسية بين الجانبين في ديسمبر 2025، وزيارة وزير الخارجية جدعون ساعر إلى أرض الصومال في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وفي فبراير (شباط)، أعلنت أرض الصومال تعيين محمد حاجي سفيراً لها لدى إسرائيل.

تحظى أرض الصومال بموقع استراتيجي على خليج عدن، ولها عملة وجواز سفر وجيشها الخاص، لكنها تواجه صعوبة في الحصول على اعتراف دولي، وسط مخاوف من استفزاز الصومال وتشجيع الحركات الانفصالية الأخرى في أفريقيا.

وأثارت زيارة ساعر إلى أرض الصومال إدانة من الصومال الذي وصفها بأنها «توغل غير مصرح به».


نافذة الوساطة تضيق بين الحصار الأميركي ورفض التنازل الإيراني

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
TT

نافذة الوساطة تضيق بين الحصار الأميركي ورفض التنازل الإيراني

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)

لم تعد إسلام آباد تبدو، بعد مغادرة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي العاصمة الباكستانية، محطة مرشحة لاختراق وشيك في مسار وقف الحرب بين واشنطن وطهران.

فالمشهد الذي بدأ بإشارات أميركية إلى توجُّه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى باكستان، أملاً في استئناف مسار تفاوضي مباشر أو غير مباشر، انتهى عملياً إلى جولة إيرانية على المسؤولين الباكستانيين، وتسليم موقف طهران ومطالبها، ثم مغادرة من دون لقاء مع الموفدين الأميركيين اللذين ألغيا سفرهما إلى إسلام آباد.

وبذلك انتقلت الأزمة من مرحلة «اختبار إمكان الجولة الثانية» إلى مرحلة أكثر قتامة: الوسيط الباكستاني تلقى الرسائل، لكنه لم ينجح في جمع الطرفين، ولا حتى في تثبيت صيغة واضحة لمحادثات غير مباشرة فورية، حتى الآن.

هذا التطور لا يعني انهيار الدبلوماسية بالكامل، ولا يعني العودة الفورية إلى الحرب مثلما أكَّد الرئيس الأميركي نفسه دونالد ترمب، لكنه يكشف أن نافذة التفاوض تضيق بسرعة.

وقبل توجه عراقجي إلى إسلام آباد، فقد أكَّدت إيران، وفق تقارير عدة، أنها لا تخطط لاجتماع مباشر مع الأميركيين، وأنها ستنقل مواقفها عبر باكستان. ونقلت وكالة «رويترز» أن عراقجي رفض «المطالب القصوى» الأميركية، وأن طهران ما زالت تفضِّل قناة باكستانية غير مباشرة، بينما أفادت وكالة «أسوشييتد برس» بأنه لا توقعات بلقاء مباشر بين المسؤولين الإيرانيين والأميركيين رغم الحراك الدبلوماسي في إسلام آباد.

لقاء مستبعد

المعوق الأول أمام الانفراجة لم يعد في تفاصيل الطاولة فقط، بل في غياب الطاولة نفسها. فبعدما كان احتمال حضور ويتكوف وكوشنر إلى باكستان يفتح الباب أمام اجتماع مباشر أو رسائل متزامنة بين الوفدين، جاءت مغادرة عراقجي لتجعل هذا الاحتمال غير مطروح عملياً في هذه الجولة.

وغادر الوزير الإيراني إسلام آباد بعد لقائه رئيس الوزراء شهباز شريف وقائد الجيش عاصم منير ومسؤولين باكستانيين، بعدما شرح موقف بلاده من وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب.

عراقجي خلال اجتماعه مع قائد الجيش الباكستاني عاصم منير في إسلام آباد (أ.ب)

هنا تكمن دلالة التحول. فإيران لم تكتفِ بنفي الاجتماع المباشر، بل تصرفت كما لو أن مهمتها في باكستان تقتصر على تسليم مطالبها للوسيط، لا التفاوض عليها مع واشنطن. أما الإدارة الأميركية، التي أرادت تقديم توجُّه مبعوثيها بوصفه دليلاً على أن الضغط العسكري والبحري فتح باب الدبلوماسية، فوجدت نفسها أمام طرف يرفض إضفاء شرعية على تفاوض يجري تحت الحصار.

لذلك لم تعد الجولة الثانية مسألة جدول أعمال مؤجَّل، بل مسألة ثقة مفقودة في الإطار نفسه: هل يجلس الطرفان للتفاوض، أم يكتفيان بإدارة حرب الرسائل عبر الوسطاء؟

حصار هرمز

العقدة الثانية هي الحصار البحري الأميركي ومضيق هرمز. فقد جعلت طهران رفع الحصار عن موانئها ووقف التهديدات الأميركية شرطاً جوهرياً للعودة إلى أي تفاوض فعلي. وفي المقابل، تتمسك واشنطن بأن الحصار سيبقى حتى فتح هرمز والتوصل إلى اتفاق يلبي مطالبها.

هذه ليست مشكلة إجرائية، بل معادلة ردع متقابلة: إيران تقول إنها لن تفاوض وهي مخنوقة اقتصادياً وبحرياً، والولايات المتحدة تقول إنها لن ترفع الخنق قبل أن تلمس تنازلات.

ونقلت وسائل إعلام عن عراقجي أنه سلَّم باكستان مطالب طهران، وفي مقدمها رفع الحصار البحري الأميركي عن الموانئ الإيرانية، ووقف التهديدات واستمرار الحرب، والتراجع عن شروط تعدُّها إيران «مبالغاً فيها»، بينها التخلي الكامل عن تخصيب اليورانيوم.

مدمرة أميركية تقترب من سفينة إيرانية تم اعتراضها بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)

كما نقلت أن القوات المسلحة الإيرانية، عبر مقر «خاتم الأنبياء»، هدَّدت بالرد إذا استمر الجيش الأميركي في «الحصار والقرصنة»، مؤكدة أنها تراقب تحركات الخصوم وتواصل السيطرة على مضيق هرمز الاستراتيجي.

هذا التصعيد يغيِّر طبيعة الوساطة، فبدلاً من أن تكون باكستان قناة لتقريب المواقف، باتت شاهدة على تصلب مزدوج: إيران تستخدم هرمز والحصار كورقة سيادية واقتصادية، وواشنطن تستخدم الحصار لإجبار طهران على تقديم تنازلات.

وواصلت كذلك سياسة الضغط بالعقوبات، بما في ذلك استهداف شبكات شحن وكيانات مرتبطة بتجارة النفط الإيراني، في رسالة مفادها أن الدبلوماسية لن تعني وقف أدوات الإكراه.

النووي أصل الأزمة

رغم أن هرمز والحصار يحتلان واجهة الأزمة، يبقى الملف النووي مركز الثقل الحقيقي. فواشنطن لا تريد فقط وقفاً للنار أو فتحاً للمضيق، بل اتفاقاً يمنع إيران من إعادة بناء قدرتها النووية والصاروخية، ويعالج مخزون اليورانيوم وآليات التفتيش ومستقبل التخصيب.

أما طهران، فتتعامل مع طلب التخلي الكامل عن التخصيب بوصفه إعلان استسلام لا بنداً تفاوضياً. ورأت صحيفة «نيويورك تايمز» أنه لهذه الأسباب تبدو الفجوة واسعة. فالإدارة الأميركية ترفع سقف مطالبها إلى حد وقف طويل أو غير محدود للتخصيب، وإخراج أو تخفيف المخزون، وربط أي تخفيف للعقوبات بتعهدات قابلة للتحقق.

لكن إيران ترى أن قبول هذه الشروط تحت الحصار سيجردها من ورقة سيادية واستراتيجية، وسيظهرها داخلياً كمن خسر الحرب واستسلم. ومن هنا جاء تشديد المصادر الإيرانية، على أن طهران «مستعدة للتفاوض، ولكنها لن تستسلم»، وأنها لن تقبل الجلوس إلى طاولة تطرح فيها واشنطن خطوطها الحمراء كأوامر مسبقة.

وترى الصحيفة أن المشكلة أن أي اتفاق محدود لن يكفي واشنطن سياسياً، وأي اتفاق شامل لن يكون سهلاً على طهران داخلياً. فكلما وسَّعت الولايات المتحدة لائحة المطالب لتشمل التخصيب والصواريخ وهرمز وسلوك إيران الإقليمي، أصبح الاتفاق أثقل من أن يحمله وسيط واحد في جولة قصيرة.

وكلما ربطت طهران التفاوض برفع الحصار مسبقاً، منحت واشنطن ذريعة للقول إن الضغط لم يبلغ غايته بعد.

طهران انقسام أم تصلب موحد؟

العقدة الرابعة تتصل بقراءة القرار الإيراني. هل فشل إسلام آباد ناجم عن انقسامات داخل طهران، أم عن موقف موحد يرفض التنازل؟ وفي هذا الصدد قال صحيفة «وول ستريت جورنال» إن ثمة صراعاً بين تيارين، الأول أكثر براغماتية ويريد وقف النزف الاقتصادي، والثاني متشدد ويرفض تقديم تنازلات نووية أو بحرية.

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أميركيين وإسرائيليين قولهم إن المشكلة ليست في وجود تصدع حاسم، بل في عدم استعداد النظام، بمختلف أجنحته، لتقديم التنازلات المطلوبة.

بزشكيان يجتمع مع رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ورئيس القضاء غلام حسين محسني إجئي (الرئاسة الإيرانية)

وهذا الفارق مهم. فإذا كانت إيران منقسمة فعلاً، يستطيع الوسطاء البحث عن صيغة تحفظ ماء الوجه للتيار الذي يريد صفقة. أما إذا كانت متماسكة في رفضها للشروط الأميركية، فإن مهمة باكستان تصبح شبه مستحيلة.

تصريحات عراقجي في إسلام آباد، ومغادرته من دون لقاء الأميركيين، توحيان بأن طهران تريد أن تثبت أمرين في وقت واحد: أنها لا تغلق باب الوساطة، لكنها لا تقبل تحويل الوساطة إلى قناة لإملاء الشروط.

واشنطن تريد طاولة تؤكد أن الحصار والحرب دفعا إيران إلى التراجع، بينما طهران تريد قناة تثبت أنها ما زالت قادرة على فرض شروط الدخول إلى أي مسار. وبين هذين المنطقين، تراجعت احتمالات الجولة الثانية من مفاوضات فعلية إلى مجرد تبادل مواقف عبر باكستان.


جواب عراقجي ينسف «مواعيد» إسلام آباد

رئيس الأركان الباكستاني عاصم منير يلتقي وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي ، والوفد المرافق له في إسلام آباد أمس (إ.ب.أ)
رئيس الأركان الباكستاني عاصم منير يلتقي وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي ، والوفد المرافق له في إسلام آباد أمس (إ.ب.أ)
TT

جواب عراقجي ينسف «مواعيد» إسلام آباد

رئيس الأركان الباكستاني عاصم منير يلتقي وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي ، والوفد المرافق له في إسلام آباد أمس (إ.ب.أ)
رئيس الأركان الباكستاني عاصم منير يلتقي وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي ، والوفد المرافق له في إسلام آباد أمس (إ.ب.أ)

أنهى وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، أمس، زيارته لإسلام آباد، فيما كان العالم يترقب وصول مبعوثي الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى العاصمة الباكستانية لإجراء مفاوضات غير مباشرة بين الطرفين، في إطار المساعي الدبلوماسية للتوصل إلى تسوية في حرب إيران.

ونسف جواب عراقجي ومغادرته إسلام آباد «المواعيد» التي كان يعد لها الوسيط الباكستاني لجلسة ثانية من المفاوضات، مساء أمس، رغم أن الوفد الإيراني كان قد أعلن أن زيارته ليست للتباحث مع أميركا بل تأتي في إطار جولة تشمل سلطنة عُمان وروسيا. وكان لافتاً أن وكالة «إيرنا» الرسمية ذكرت ليلاً أن عراقجي يعتزم زيارة باكستان مجدداً بعد انتهاء زيارته إلى مسقط، وقبل توجهه إلى موسكو.

والتقى عراقجي نظيره الباكستاني إسحق دار، ورئيس الوزراء شهباز شريف، وقائد الجيش عاصم منير الذي يؤدي دوراً محورياً في الوساطة. وقال إنه سلَّمهم رد إيران على المقترح الأميركي للتوصل إلى اتفاق، مضيفاً: «علينا أن نرى ما إذا كانت واشنطن جادة فعلاً بشأن الدبلوماسية».

من جانبه، أعلن ترمب أنه ألغى الزيارة المرتقبة لمبعوثيه، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، إلى إسلام آباد، مؤكداً أن ذلك لا يعني حكماً باستئناف الحرب مع إيران.

وقال ترمب إن أحداً لا يعرف من يتولى زمام القيادة حالياً في طهران، مضيفاً على منصته «تروث سوشيال» أن «هناك اقتتالاً داخلياً هائلاً وحالة من الإرباك داخل ما يُسمى بالقيادة لديهم».