بعد ليبيا وأذربيجان... تركيا ترسل مقاتلين سوريين إلى النيجر

بهدف «حماية مشاريع ومصالح لأنقرة فيها بينها مناجم»

مقاتلان سوريان مواليان لتركيا في معسكر للنازحين بحلب (أرشيفية - أ.ف.ب)
مقاتلان سوريان مواليان لتركيا في معسكر للنازحين بحلب (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

بعد ليبيا وأذربيجان... تركيا ترسل مقاتلين سوريين إلى النيجر

مقاتلان سوريان مواليان لتركيا في معسكر للنازحين بحلب (أرشيفية - أ.ف.ب)
مقاتلان سوريان مواليان لتركيا في معسكر للنازحين بحلب (أرشيفية - أ.ف.ب)

سافر عمر من شمال غربي سوريا للقتال في النيجر لتحسين معيشته، كما يقول، على غرار المئات من المقاتلين الموالين لأنقرة الذين تنقلهم شركة أمنية تركية خاصة إلى البلد الأفريقي، الوجهة الجديدة لمرتزقة سوريين، بعد ليبيا وأذربيجان.

ويقول الشاب (24 عاماً) المعيل لوالدته وإخوته، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» عبر الجوال من النيجر، مستخدماً اسماً مستعاراً: «السبب الرئيسي لمغادرتي هو الحياة الصعبة في سوريا، حيث لا فرص عمل سوى الانضمام إلى فصيل (مسلح) مقابل راتب لا يتجاوز 1500 ليرة تركية (46 دولاراً)».

يضيف عمر، المنضوي منذ سنوات في صفوف فصيل سوري موال لأنقرة ينشط في شمال سوريا: «هنا في النيجر، الراتب 1500 دولار، وهو راتب جيد جداً ويحسّن نوعية حياتنا، لعلني أتمكّن من فتح متجر صغير أعيش منه في سوريا وأترك القتال كلّه...لديّ أم وعائلة... أنا سندهم بعد الله».

أحمد (30 عاماً) مقاتل موال لتركيا يجلس مع ابنه في باحة قرب منزله بحلب (أرشيفية - أ.ف.ب)

ووثّق «المرصد السوري لحقوق الإنسان» إرسال ألف مقاتل سوري موالين لأنقرة على الأقل إلى النيجر، عبر تركيا، منذ العام الماضي، بهدف «حماية مشاريع ومصالح تركية فيها بينها مناجم».

كان عمر في عداد دفعة أولى ضمّت أكثر من مائتي مقاتل غادرت شمال سوريا في أغسطس (آب) إلى مطار غازي عنتاب، ومنه إلى إسطنبول، حيث أقلتهم طائرة عسكرية إلى بوركينا فاسو، قبل نقلهم بمؤازرة عسكرية إلى معسكرات على حدود النيجر.

وتنسج أنقرة، وفق محللين، علاقات متينة مع الحكم العسكري الذي تولّى قبل نحو عام السلطة في النيجر الواقعة عند الحدود الجنوبية لليبيا، حيث لتركيا مصالح كثيرة، وسبق أن أرسلت مقاتلين سوريين إليها قبل سنوات.

بعد أسبوعين من التدريب على استخدام السلاح والرماية، نُقل عمر ضمن مجموعة إلى النيجر لحراسة محيط منجم لا يعلم اسمه أو موقعه. ويوضح أن أشخاصاً في النيجر بلباس عسكري، لم يتمكّن من تحديد ما إذا كانوا جنوداً، عاونوهم في نوبات الحراسة.

أحمد (30 عاماً) مقاتل موالٍ لتركيا يطعم حمامات وبجانبه ابنه بمنزله بحلب (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشرح أنه جرى توزيع المقاتلين السوريين «على مجموعات عدة، للحراسة أو القتال»، مضيفاً «هناك مجموعة أرسلت لقتال بوكو حرام، وأخرى إلى لومي»، عاصمة توغو.

ويوجد عمر حالياً في نقطة عند الحدود بين النيجر وبوركينا فاسو. وينتظر بفارغ الصبر بعد انتهاء مهمته إعادته إلى سوريا، حيث تحصل عائلته على راتبه شهرياً، بعد اقتطاع الفصيل المنضوي ضمنه مبلغ 350 دولاراً منه.

«سادات» للاستشارات الدفاعية

أكد ثلاثة مقاتلين سوريين موالين لأنقرة تحدثت إليهم «وكالة الصحافة الفرنسية» في الأسابيع الأخيرة، بينهم عمر، أنهم سجّلوا أسماءهم للالتحاق بالنيجر لدى قيادة «فصيل السلطان مراد» الذي يعد الأكثر ولاءً لتركيا في شمال سوريا. ووقّعوا عقوداً لمدة ستة أشهر لصالح شركة أمن تركية.

ويوضح أحمد (30 عاماً) الذي يستخدم اسماً مستعاراً ويستعدّ للسفر إلى النيجر، أن توقيع العقد «حصل مع ضباط من شركة (سادات) الأمنية»، مضيفاً أن هؤلاء «يتولّون كلّ شيء، وتتمّ إجراءات الحماية والسفر عن طريقهم».

أطفال يلعبون خارج الخيام في معسكر للنازحين بحلب (أرشيفية - أ.ف.ب)

و«سادات» هي مؤسسة تركية للاستشارات الدفاعية، يُنظر إليها على أنها السلاح السري لأنقرة في حروب بشمال أفريقيا والشرق الأوسط، رغم نفي مالكها في مقابلة سابقة مع «وكالة الصحافة الفرنسية» وسم مؤسسته بالعمل لحساب أنقرة.

وسبق لواشنطن أن اتهمت الشركة عام 2020 بإرسال مقاتلين إلى ليبيا.

وبحسب «المركز السوري للعدالة والمساءلة»، فإن شركة «سادات»، «مسؤولة عن النقل الجوي الدولي للمرتزقة بمجرّد عبورهم» من سوريا إلى الأراضي التركية، إلى كلّ من ليبيا وأذربيجان.

ومنذ عام 2020، أرسلت تركيا آلاف المقاتلين السوريين إلى ليبيا. كذلك، أرسلت سوريين ليحاربوا إلى جانب أذربيجان في نزاعها مع أرمينيا.

وقاتل أحمد، وهو أب لثلاثة أولاد، على جبهات عدة داخل سوريا منذ عام 2014، وكان في عداد مقاتلين أمضوا ستة أشهر في ليبيا بمقابل راتب تجاوز الألفي دولار، على حدّ قوله.

بعد 13 عاماً من نزاع مدمّر، يقيم أربعة ملايين شخص، نصفهم نازحون من محافظات أخرى، في مناطق خارجة عن سيطرة الحكومة السورية في إدلب وأطراف محافظة حلب في شمال غربي سوريا، وسط ظروف اقتصادية صعبة، ويعتمدون على المساعدات الإنسانية. وينضوي عشرات الآلاف من الشبان في صفوف فصائل إسلامية وأخرى موالية لأنقرة.

عبد (30 عاماً) يرتدي قناعاً ويجلس مع أبنائه بمسكنهم بمخيم للنازحين

ويوضح أحمد الذي يخلط في حديثه بين النيجر ونيجيريا ظنّاً منه أنهما بلد واحد، أنّه تبلّغ، على غرار ما أكد مقاتلون آخرون لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أن مهمته ستكون «الخضوع لتدريبات داخل قواعد حتى يعتاد المقاتلون على الأوضاع هناك (...) وحماية معسكرات»، مضيفاً «قد تحصل معارك» مع جهات يقول إنه يجهل هويتها.

«مرتزقة» خدمة لتركيا

ويأتي إرسال مقاتلين إلى النيجر، في وقت تُعدّ تركيا، وفق محلّلين، في عداد دول تتقرّب من الأنظمة العسكرية الحاكمة في منطقة الساحل الأفريقي، وبينها النيجر حيث عيّنت أول ملحق عسكري فيها في مارس (آذار).

واستولى الجيش على الحكم في النيجر منذ أواخر يوليو (تموز) 2023 وأنهى اتفاقات أمنية ودفاعية مع دول غربية بينها فرنسا والولايات المتحدة.

وبرّر الجيش الانقلاب باحتواء هجمات دامية تشنّها تنظيمات متشددة، بينها مجموعات بايعت «تنظيم داعش»، وأخرى «تنظيم القاعدة»، لكن وتيرة الهجمات لم تتراجع.

وتقول الباحثة غابرييلا كورلينغ، من المعهد السويدي لأبحاث الدفاع، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «المكوّن الدفاعي في العلاقة القائمة بين النيجر وتركيا بات أكثر أهمية مع مرور الوقت مع توقيع اتفاقية تعاون عسكري عام 2020 وبيع تركيا طائرات مسلحة من دون طيار للنيجر».

وتوضح أن «انقلاب 2023 لم يعرقل العلاقات الدبلوماسية» بين البلدين، بل أسهم في توثيقها.

ويحاط إرسال تركيا لمقاتلين سوريين بسريّة تامة في النيجر.

وتمحور الوجود التركي خلال العقد الماضي غالباً على «المساعدات الإنسانية والتنمية والتجارة»، إلا أن الوضع تغيّر اليوم. وتقول كورلينغ: «يُنظر إلى تركيا بشكل إيجابي جداً، نظراً لقربها الديني، وافتقارها إلى الثقل السياسي والتاريخي» في البلاد، مقارنة مع شركاء غربيين آخرين.

وافتتح التلفزيون التركي الرسمي العام الماضي قناة تبث باللغة الفرنسية مخصّصة لأفريقيا. وتسيّر أنقرة رحلات جوية يومية إلى نيامي.

وتضيف الباحثة، التي تركز أبحاثها على منطقة الساحل: «غالباً ما تشير الحكومة العسكرية الجديدة إلى تركيا، إلى جانب روسيا والصين، بوصفهم شركاء يحترمون سيادة النيجر».

ويتهم مدير «المرصد السوري لحقوق الإنسان» رامي عبد الرحمن تركيا التي تسيطر على شريط حدودي واسع في شمال سوريا، «باستغلال وضع شباب كثر ضمن مناطق سيطرتها، وتردّي الأحوال المعيشية خصوصاً في صفوف النازحين وقاطني المخيّمات، لتجنيدهم وتحويلهم إلى مرتزقة يشاركون في عمليات عسكرية تخدم مصالحها خارج الحدود السورية».

وتبلّغ «المرصد السوري» معلومات عن مقتل نحو خمسين مقاتلاً سورياً في النيجر، غالبيتهم في هجمات شنتها مجموعات متشددة، إلا أنه تمكن من توثيق مقتل تسعة منهم فقط، أعيدت جثث أربعة منهم إلى سوريا.

وقال مصدر في فصيل يقاتل عناصره في النيجر رافضاً الكشف عن هويته، إن هناك قرابة خمسين جثة موضوعة في برادات هناك، وستعاد إلى سوريا في الأيام المقبلة.

وسبق للمرصد ومنظمات حقوقية أن وثّقت تخلّف تركيا عن الإيفاء بوعودها، لناحية دفع كامل الرواتب المتّفق عليها أو تعويضات لعائلات مقاتلين لقوا حتفهم خارج سوريا.

ويشير الرئيس التنفيذي لـ«المركز السوري للعدالة والمساءلة» محمّد العبد الله إلى توثيق منظمته «وعوداً كاذبة بمنح الجنسية التركية لمن يقاتلون تحت السيطرة التركية في نزاعات في الخارج على غرار ليبيا وأذربيجان».

ويرى أن تحويل المقاتلين السوريين إلى مرتزقة في الخارج هو «استمرار لسلوك الجانب التركي في استغلال الفقراء السوريين».

ويعتزم المقاتل عبد (30 عاماً) النازح منذ عام 2013 والمقيم مع زوجته وأطفاله في مخيم في شمال سوريا، القتال خارج بلده للمرّة الأولى، في خيار يدرك أنه محفوف بالمخاطر.

ويقول لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «أكثر ما أخاف منه هو الموت (...) يؤرقني الأمر لكنني أواسي نفسي بالقول إنه يمكن أن أموت هنا، ويمكن أن أموت هناك»، لكنني «أموت هنا مقابل ألف ليرة تركية، هناك مقابل 1500 دولار».


مقالات ذات صلة

تقارير عن «هدنة سرية» بين نيجيريا و«بوكو حرام»

أفريقيا جنود نيجيريون يمرون أمام دبابات جاهزة للانتشار في شرق البلاد (أرشيفية - رويترز)

تقارير عن «هدنة سرية» بين نيجيريا و«بوكو حرام»

نفت جماعة «بوكو حرام» ما ورد في تقارير تداولتها صحف محلية بنيجيريا بشأن إبرام اتفاق لوقف إطلاق النار مع الحكومة...

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا جنود في نيجيريا (رويترز)

مقتل 11 مدنياً في هجوم لجماعة «بوكو حرام» بنيجيريا

قُتل 11 مدنياً في هجوم لجماعة «بوكو حرام» بنيجيريا والجيش يعلن إحباط كمين استهدف دورية تابعة له.

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا عربة عسكرية تستعد لمواكبة قافلة سيارات مدنية شمال شرقي البلاد (أرشيفية- أ.ف.ب)

الجيش النيجيري يعلن مقتل أكثر من 160 إرهابياً

استعرض الجيش حصيلة عملياته العسكرية خلال الفترة ما بين 7 و13 أغسطس، مشيراً إلى القضاء على عشرات الإرهابيين، وتحرير 40 رهينة كانت ضحية الاختطاف.

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا الرئيس النيجيري بولا أحمد تينوبو لدى حضوره مهرجاناً للصيد تزامناً مع تدهور الوضع الأمني بالبلاد (إ.ب.أ)

نيجيريا: تحرير 308 رهائن ظلت 6 أشهر في قبضة «بوكو حرام»

نيجيريا: تحرير 308 رهائن ظلت لستة أشهر في قبضة «بوكو حرام» وتينوبو دعا إلى تعزيز منظومة الإنذار المبكر لتفادي الخطف الجماعي

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا الطاقم الأميركي في «مجموعة العمل المشتركة» بين نيجيريا والولايات المتحدة (رويترز)

نيجيريا: الجيش يتكبد خسائر خلال تحرير 44 تلميذاً ومعلماً من قبضة «بوكو حرام»

نيجيريا: الجيش يتكبد خسائر خلال تحرير 44 تلميذاً ومعلماً من قبضة «بوكو حرام» ومسؤول أمني يقول إن الجيش حدد هويات الخاطفين، واعتقل أقاربهم، وضغط عليهم.

الشيخ محمد ( نواكشوط)

تقرير: شهادات جنود إسرائيليين تكشف «مصنع الأهداف» في غزة

منازل مُدمَّرة في قطاع غزة كما تظهِرها صور من «غوغل إيرث»
منازل مُدمَّرة في قطاع غزة كما تظهِرها صور من «غوغل إيرث»
TT

تقرير: شهادات جنود إسرائيليين تكشف «مصنع الأهداف» في غزة

منازل مُدمَّرة في قطاع غزة كما تظهِرها صور من «غوغل إيرث»
منازل مُدمَّرة في قطاع غزة كما تظهِرها صور من «غوغل إيرث»

كشف تقرير نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية، استناداً إلى شهادات جنود إسرائيليين جمعتها منظمة «كسر الصمت» الإسرائيلية، عن تفاصيل جديدة بشأن آليات اختيار الأهداف وقواعد القصف التي اتبعها الجيش الإسرائيلي خلال الحرب في قطاع غزة، بما في ذلك تقدير أعداد المدنيين الذين قد يسقطون في بعض الغارات، والاستعانة بأنظمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحديد أهداف محتملة.

ويقدم التقرير، استناداً إلى شهادات عسكريين تحدثوا من دون الكشف عن هوياتهم، صورة عن الطريقة التي كانت تُتخذ بها قرارات القصف، وكيف جرى التعامل مع وجود المدنيين في المناطق المستهدفة، إضافة إلى الدور المتزايد للأنظمة الرقمية في جمع المعلومات وتحليلها وتحويلها قوائم بالأهداف.

ومن أبرز الوقائع التي يتناولها التقرير، الغارة الإسرائيلية على مخيم جباليا شمال قطاع غزة في 31 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، والتي استهدفت، وفق الرواية الإسرائيلية، إبراهيم بياري، قائد كتيبة في حركة «حماس»، كان موجوداً داخل شبكة من الأنفاق. وأسفر القصف، حسب الأرقام التي أوردتها «لوموند»، عن مقتل 126 فلسطينياً، بينهم 68 طفلاً، وإصابة نحو 280 آخرين.

وحسب شهادات العسكريين، كان الجيش الإسرائيلي على علم مسبق بحجم الخسائر المدنية المحتملة في تلك العملية. وقدّرت عملية التقييم الأولية، المعروفة داخل الجيش باسم «نازا»، احتمال سقوط نحو 300 ضحية. ومع محاولة تحديد موقع الهدف بصورة أكثر دقة، أدى عدم معرفة مكان القائد داخل شبكة الأنفاق إلى توسيع نطاق الضربة، لتشمل مباني ومناطق محيطة.

ولا تبدو غارة جباليا، وفق الشهادات التي أوردها التقرير، حالة منفردة. فقد تحدث أحد مشغلي الطائرات المسيّرة عن وجود مستويات مختلفة لقواعد إطلاق النار، تسمح في بعض الحالات باستهداف أشخاص يُشتبه في ارتباطهم بـ«حماس» أو «الجهاد الإسلامي» حتى أثناء وجودهم داخل منازلهم أو تحركهم في الشوارع.

كما تحدث العسكري عن وجود تقديرات مسبقة للخسائر المدنية التي يمكن أن تقع في كل عملية، تبدأ من عدم سقوط أي مدني، وقد تصل في بعض الحالات إلى عشرات الأشخاص.

سيارة مُدمَّرة بعد أن استهدفها الجيش الإسرائيلي في مدينة غزة (إ.ب.أ)

بيانات الاتصالات لتقدير أعداد السكان

ويشير التقرير إلى أن الجيش الإسرائيلي استخدم أيضاً وسائل تقنية لتقدير عدد السكان الذين بقوا في المناطق التي يخطط لاستهدافها. ومن خلال بيانات الاتصالات، كان بالإمكان تقدير مستوى الإخلاء في منطقة معينة، سواء كان 25 أو 50 أو 75 في المائة.

ويقول أحد العسكريين إن بعض المباني الكبيرة كانت تُستهدف عندما تشير البيانات إلى أن نحو 75 في المائة من سكان المنطقة غادروا بالفعل، في محاولة لتقليل عدد المدنيين الموجودين في المكان عند تنفيذ الضربة.

وخلال الأشهر الأولى من الحرب، اتخذ القصف نطاقاً واسعاً للغاية. ووفق أرقام للقوات الجوية الإسرائيلية، أُلقي أكثر من 6 آلاف قنبلة على قطاع غزة خلال الأسبوع الأول من الحرب، في حين استُخدمت قنابل ثقيلة تراوحت أوزان كثير منها بين 500 و1000 كيلوغرام.

كما لجأ الجيش إلى ما يعرف بـ«أحزمة النار»، وهي سلسلة من الضربات المتزامنة التي تستهدف مناطق واسعة؛ بهدف تدمير مواقع متعددة وتهيئة الطريق أمام القوات البرية.

الذكاء الاصطناعي في تحديد الأهداف

ومن أبرز ما يكشف عنه التقرير، الدور الذي لعبته أنظمة الذكاء الاصطناعي في عملية تحديد الأهداف. فقد طوّر الجيش الإسرائيلي أنظمة قادرة على معالجة كميات ضخمة من البيانات خلال وقت قصير، وتحويلها قوائم بأهداف محتملة.

ومن بين هذه الأنظمة «حبسورا» أو «الإنجيل»، الذي يستخدم البيانات لتحديد مواقع ومنشآت يُعتقد أنها مرتبطة بالنشاط العسكري، إلى جانب نظام «لافندر»، الذي يقدم تقييماً لاحتمال ارتباط أشخاص بأنشطة عسكرية.

ويؤكد الجيش الإسرائيلي أن هذه الأنظمة لا تتخذ قرارات القتل بصورة مستقلة، وأن القرار النهائي يبقى بيد البشر. إلا أن الشهادات التي أوردها التقرير تثير تساؤلات حول طبيعة هذا القرار، خصوصاً مع إنتاج الأنظمة الرقمية أعداداً كبيرة من الأهداف خلال فترات زمنية قصيرة.

وتقول منظمة «كسر الصمت»، التي جمعت نحو 200 شهادة منذ 7 أكتوبر 2023، إن حجم الخسائر المدنية لا يمكن تفسيره بمجموعة محدودة من الضربات الاستثنائية، بل يرتبط، وفق تحليلها، بقواعد وإجراءات تشغيلية سمحت بمستويات مرتفعة من الخسائر بين غير المقاتلين.

في المقابل، يؤكد الجيش الإسرائيلي أنه اتخذ إجراءات لتقليل المخاطر على المدنيين، بينها إلقاء المنشورات وإرسال الرسائل النصية واستخدام وسائل أخرى لتحذير السكان وحثهم على مغادرة المناطق المستهدفة. كما يقول إنه فتح تحقيقات في عدد كبير من الحوادث التي وقعت خلال الحرب.

وحسب ما نقلته «لوموند»، أحال الجيش نحو 150 حادثة إلى النيابة العسكرية للمراجعة، في حين فُتحت إجراءات جنائية في قضيتين على الأقل.

وتأتي هذه الشهادات في وقت لا يزال فيه دخول الصحافيين الدوليين إلى قطاع غزة مقيداً بشدة؛ ما يجعل روايات العسكريين، إلى جانب التحقيقات الصحافية وبيانات المنظمات الحقوقية، من المصادر التي تسهم في رسم صورة أكثر تفصيلاً عن طريقة إدارة العمليات العسكرية وحجم الخسائر المدنية التي خلفتها الحرب.


خطة إيران الجديدة… ما الذي تغير عن مذكرة إسلام آباد؟

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير خارجيته عباس عراقجي على هامش أعمال الجمعية العامة في نيويورك (الخارجية الإيرانية)
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير خارجيته عباس عراقجي على هامش أعمال الجمعية العامة في نيويورك (الخارجية الإيرانية)
TT

خطة إيران الجديدة… ما الذي تغير عن مذكرة إسلام آباد؟

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير خارجيته عباس عراقجي على هامش أعمال الجمعية العامة في نيويورك (الخارجية الإيرانية)
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير خارجيته عباس عراقجي على هامش أعمال الجمعية العامة في نيويورك (الخارجية الإيرانية)

يسود الغموض مصير خطة الأيام السبعة التي عرضتها إيران على الولايات المتحدة، مع تبادل الجانبين الرسائل والمقترحات عبر الوسطاء.

وتستند خطة الأيام السبعة التي عرضتها إيران على الولايات المتحدة إلى التزامات وردت في مذكرة تفاهم إسلام آباد المؤلفة من 14 بنداً. وقال وزير الخارجية عباس عراقجي، إن شروط طهران «ليست جديدة» ولا تتجاوز ما نصت عليه المذكرة. لكن الخطة تعيد ترتيب تنفيذ تلك الالتزامات وتضعها في جدول زمني مدته أسبوع.

ولم ينشر النص الرسمي للخطة. ولا تتوفر قائمة رسمية مرقمة بـ«الشروط السبعة». وتستند تفاصيل المقترح إلى تصريحات عراقجي ومسؤولين إيرانيين، وإلى تقارير صحافية نقلت عن مصادر مطلعة على الاتصالات.

وقعت مذكرة إسلام آباد في 17 يونيو (حزيران)، لكنها لم تصمد طويلاً. فقد أعادت واشنطن فرض العقوبات النفطية في 7 يوليو (تموز) بعد هجمات إيرانية على سفن في مضيق هرمز، وأعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب انتهاء التفاهم في 8 يوليو، ثم أعيد فرض الحصار البحري في 13 يوليو. واتهمت إيران الولايات المتحدة بعدم الوفاء بالتزاماتها.

كيف تعمل الأيام السبعة؟

وعرضت إيران الخطة خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، حيث شرح عراقجي تفاصيلها للصحافيين في 24 سبتمبر (أيلول)، بحضور الرئيس مسعود بزشكيان، الذي تحدث بدوره عن شروط بلاده لوسائل الإعلام الأميركية.

وقال عراقجي إن مهلة الأيام السبعة تبدأ لحظة قبول الولايات المتحدة الخطة، مضيفاً أن الإجراءات المطلوبة يمكن استكمالها خلال أربعة أو خمسة أيام، بحيث يفتح مضيق هرمز في اليوم السادس، وتدخل الولايات المتحدة في اليوم السابع من أجل الاتفاق النهائي.

رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف والوفد المرافق يجري مشاورات مع الوفد الإيراني برئاسة بزشكيان في نيويورك (الرئاسة الإيرانية)

وأضاف أن الإجراءات المطلوبة من واشنطن سبق إبلاغها بها، وأنها تقع «في إطار مذكرة التفاهم»، وقال إنه إذا توفرت الجدية لدى الجانب الأميركي «سيحدث ذلك، وسيُفتح مضيق هرمز مجدداً».

ونص البند الثالث من المذكرة على أن يتفاوض الطرفان ويتوصلا إلى الاتفاق النهائي خلال 60 يوماً كحد أقصى، قابلة للتمديد بموافقتهما. أما الأيام السبعة في المقترح الإيراني، فهي مخصصة لإجراءات متبادلة تسبق الاتفاق النهائي، لا لإنجازه.

والجديد في المقترح استعداد إيران لبدء التفاوض على ملفها النووي خلال سبعة أيام، بدلاً من الستين يوماً الواردة في التفاهم.

وقف القتال

نص البند الأول من المذكرة على «الإنهاء الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان»، والتزام الولايات المتحدة وإيران وحلفائهما بعدم بدء حرب أو عملية عسكرية ضد الطرف الآخر، والامتناع عن التهديد بالقوة أو استخدامها.

ويتضمن المقترح الجديد وقف الأعمال القتالية على الجبهات، بما فيها لبنان، بحسب المسؤولين الإيرانيين.

ناقلات نفط إيرانية قبل استهدافها بضربات أميركية وفق «سنتكوم» 8 سبتمبر 2026 (رويترز - القيادة المركزية الأميركية)

رفع الحصار البحري

نص البند الرابع من مذكرة التفاهم، على أن تبدأ الولايات المتحدة، إزالة الحصار البحري وأي عراقيل أمام إيران، وأن تنهيه بالكامل خلال 30 يوماً، على أن تسحب قواتها من جوار إيران خلال 30 يوماً بعد الاتفاق النهائي.

وفي المقترح الجديد يصبح رفع الحصار جزءاً من الإجراءات المطلوبة خلال الأيام السبعة. وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن الشروط تشمل «وقف الحصار البحري والضغط الاقتصادي الأميركي».

هرمز: اليوم السادس

نص البند الخامس على أن تتخذ إيران، ترتيبات لمرور آمن للسفن التجارية من الخليج العربي إلى بحر عمان وبالعكس «من دون رسوم لمدة 60 يوماً فقط». وكان يفترض أن تبدأ حركة السفن فوراً، وأن تستعاد بالكامل خلال 30 يوماً، مع مراعاة إزالة الألغام والعوائق الفنية والعسكرية.

أما في المقترح الجديد، فيربط عراقجي فتح المضيق بإنجاز الخطوات المطلوبة خلال الأيام الأولى، ليُفتح في اليوم السادس.

ونقلت وسائل إعلام إيرانية عن المتحدث باسم الخارجية أن الشروط الجديدة تشمل «قبول مسار آمن للملاحة استناداً إلى التفاهم بين الدولتين الساحليتين»، أي إيران وعمان، من دون إشارة إلى بقية الدول المطلة على الخليج.

وأفادت «رويترز»، في 24 سبتمبر، بأن إيران أبدت استعداداً لفصل مسألة رسوم العبور عن الاتفاق الرئيسي وإرجائها إلى ترتيبات لاحقة، لكن مصادر الوكالة قالت إن ذلك لا يعني تخلي طهران عنها نهائياً.

إعفاءات النفط

نص البند العاشر على أن تصدر وزارة الخزانة الأميركية، فور التوقيع وحتى إنهاء العقوبات، إعفاءات لصادرات النفط الخام والمنتجات والمشتقات النفطية الإيرانية والخدمات المرتبطة بها، بما فيها المعاملات المصرفية والتأمين والنقل. وأُلغيت تلك الإعفاءات في 7 يوليو.

وبحسب الخطة الجديدة تطلب إيران من الولايات المتحدة إصدار إعفاءات لصادرات النفط الإيرانية.

الأموال المجمدة

نص البند الحادي عشر على أن تتيح الولايات المتحدة، عند تنفيذ المذكرة، الأموال والأصول الإيرانية المجمدة أو المقيدة «للاستخدام الكامل»، على أن يتفق الطرفان خلال المفاوضات على إجراءات الإفراج عنها. ولم يحدد البند رقماً.

وفي البداية تحدثت تقارير إيرانية عن موافقة ترمب على الإفراج عن نحو 24 مليار دولار من أصل أكثر من 100 مليار دولار تحتجزها مؤسسات مالية في الخارج.

ويطلب المقترح الجديد، إتاحة ما لا يقل عن 12 مليار دولار من الأصول المجمدة.

الملف النووي

نص البند الثامن من مذكرة التفاهم على أن تؤكد إيران أنها لن تحصل على أسلحة نووية أو تطورها، وأن يُعالج مخزون المواد المخصبة وفق آلية متفق عليها، حدّها الأدنى خفض مستوى التخصيب داخل إيران تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مع إحالة مسألة التخصيب إلى الاتفاق النهائي.

ونص البند التاسع على الإبقاء على الوضع القائم إلى حين الاتفاق النهائي: تحافظ إيران على الوضع الحالي لبرنامجها النووي، ولا تفرض واشنطن عقوبات جديدة ولا تنشر قوات إضافية.

مداخل أنفاق في «جبل الفأس» قرب منشأة نطنز النووية بإيران 30 يونيو الماضي (رويترز - فانتور)

واشترط البند الثالث عشر لبدء مفاوضات الاتفاق النهائي بدء تنفيذ خمسة بنود واستمرار تنفيذها، هي وقف القتال (البند 1)، ورفع الحصار (البند 4)، وتأمين الملاحة في هرمز (البند 5)، وإعفاءات النفط (البند 10)، وإتاحة الأموال المجمدة (البند 11). وهذه العناصر نفسها تشكل معظم ما كشف من خطة الأيام السبعة.

وفي 23 سبتمبر، قال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي لقناة «خبر» الإيرانية، إن على الولايات المتحدة أن تنفذ شروط طهران أولاً، مضيفاً أنه إلى أن يحدث ذلك «لن نفتح مضيق هرمز، ولن تكون هناك مفاوضات». وقال إن الشروط سبق حسمها وإبلاغها عبر الوسطاء، ولا يطرح حذف أي منها أو الإضافة إليها.

ترمب وبزشكيان يظهران في لقطتين منفصلتين خلال توقيع مذكرة تفاهم لإنهاء الحرب (أ.ف.ب)

أين يكمن الفارق؟

ويقول مسؤولون إيرانيون إن الفارق الرئيسي بين الخطة الجديدة ومذكرة يونيو (حزيران) هو سرعة التنفيذ، إذ تُضغط الإجراءات الأولى في أسبوع يبدأ بقبول واشنطن.

ويرتبط فتح هرمز في الخطة الجديدة بإنجاز تلك الإجراءات في اليوم السادس، بعدما نصت المذكرة على بدء الملاحة فور التوقيع. وتضمنت المعلومات المتاحة عن الخطة أيضاً تحديد حد أدنى للأموال المجمدة قدره 12 مليار دولار، وإمكان تأجيل مسألة رسوم العبور، وحصر ترتيبات الملاحة بتفاهم إيراني - عماني.


إصابة 3 سفن بمقذوفات في مضيق هرمز

سفن شحن ترسو في مضيق هرمز قبالة بندر عباس - الاثنين (أ.ب)
سفن شحن ترسو في مضيق هرمز قبالة بندر عباس - الاثنين (أ.ب)
TT

إصابة 3 سفن بمقذوفات في مضيق هرمز

سفن شحن ترسو في مضيق هرمز قبالة بندر عباس - الاثنين (أ.ب)
سفن شحن ترسو في مضيق هرمز قبالة بندر عباس - الاثنين (أ.ب)

أصيبت 3 سفن بمقذوفات «غير محددة» أثناء عبورها مضيق هرمز، الثلاثاء، وفق ما أفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، الأربعاء.

وقالت الهيئة، التي تتابع حركة الملاحة، إنها تلقت بلاغاً متأخراً عن إصابة ناقلة نفط وسفينة أخرى وناقلة للغاز الطبيعي المسال بمقذوفات وصفتها بأنها «غير محددة».

ويشكل مضيق هرمز إحدى أبرز نقاط الخلاف في الحرب الأميركية - الإيرانية المستمرة منذ أكثر من سبعة أشهر. وتغلق إيران المضيق بشكل شبه كامل، بالألغام أو باستهداف السفن التي تحاول العبور من دون التنسيق معها، بحسب «فرانس برس»، فيما ردت واشنطن بفرض حصار على الموانئ الإيرانية.

وقبل اندلاع الحرب بضربات أميركية وإسرائيلية على إيران أواخر فبراير (شباط)، كان الممر البحري معبراً لنحو خُمس إمدادات العالم من النفط والغاز الطبيعي المسال.

واستؤنفت الأسبوع الماضي المحادثات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، بعد جمود دبلوماسي طويل.

وتقول طهران إنها نقلت إلى واشنطن سبعة شروط لإنهاء الأعمال القتالية وإعادة فتح المضيق. وتراجعت حدة القتال خلال الأسابيع الأخيرة، لكن إيران واصلت استهداف سفن في هرمز.

وقال المتحدث باسم «الحرس الثوري» حسين محبي للتلفزيون الرسمي، الأربعاء: «منذ فترة، نستهدف السفن في مضيق هرمز، وتحديداً السفن الصغيرة التي ذكرتها والتي تحاول المرور. نمنع عبورها، ومع ذلك لم ترد الولايات المتحدة منذ مدة».