المعارضة التركية تُلحق أسوأ هزيمة بإردوغان في 22 عاماً

أنصار المعارضة يحتفلون بفوز مرشحهم أكرم إمام أوغلو في إسطنبول الأحد (د.ب.أ)
أنصار المعارضة يحتفلون بفوز مرشحهم أكرم إمام أوغلو في إسطنبول الأحد (د.ب.أ)
TT

المعارضة التركية تُلحق أسوأ هزيمة بإردوغان في 22 عاماً

أنصار المعارضة يحتفلون بفوز مرشحهم أكرم إمام أوغلو في إسطنبول الأحد (د.ب.أ)
أنصار المعارضة يحتفلون بفوز مرشحهم أكرم إمام أوغلو في إسطنبول الأحد (د.ب.أ)

شكَّلت نتائج الانتخابات المحلية في تركيا ما يمكن وصفها بالهزيمة الأسوأ للرئيس رجب طيب إردوغان، وحزب «العدالة والتنمية» الحاكم على مدى 22 عاماً في حكم البلاد، وينظر إليها في الأوساط السياسية على أنها مقدمة لتغيير وجه السياسة والحكم مع أول انتخابات عامة قادمة.

وأعلن المجلس الأعلى للانتخابات فوز حزب «الشعب الجمهوري»، أكبر أحزاب المعارضة، بـ37.7 في المائة بعد فرز 99.9 في المائة من أصوات الناخبين في الانتخابات التي أُجريت الأحد، وحل «العدالة والتنمية» في المرتبة الثانية بنسبة 35.5 في المائة ليكون الحزب الثاني في البلاد للمرة الأولى.

وحصد «الشعب الجمهوري» 35 بلدية، وحزب «العدالة والتنمية» 24 بلدية، وحزب «الشعوب الديمقراطية» 10 بلديات، وحزب «الحركة القومية» 8 بلديات، وحزب «الرفاه الجديد» بلديتين، وكل من حزبي «الوحدة الكبرى» و«الجيد» بلدية واحدة، حسبما أعلن رئيس المجلس أحمد ينار، في مؤتمر صحافي، الاثنين.

وأقر إردوغان، في كلمة ألقاها على تجمع من أنصاره من شرفة حزبه في أنقرة ليل الأحد – الاثنين، بأن الحزب لم يحقق النتائج المرجوة من الانتخابات المحلية على الرغم من قيامه بحملة مكثفة عقد خلالها مؤتمرات في 52 من ولايات تركيا الـ81.

«نقطة تحول»

ورأى إردوغان أن الانتخابات المحلية ليست هي النهاية، لكنها «نقطة تحول»، قائلاً: «أظهرت الانتخابات أننا نفقد جزءاً من شعبيتنا في عموم البلاد وسنحلل النتائج ونراجع أنفسنا... سنحاسب أنفسنا وسندرس الرسائل الصادرة عن الشعب».

وأضاف: «سنحترم بالطبع قرار الأمة، وسنتجنب العناد والتصرف ضد الإرادة الوطنية والتشكيك في قوة الأمة... دورة الانتخابات التي ترجع إلى مايو (أيار) الماضي، والتي أنهكت الاقتصاد التركي انتهت الآن، وهذا في حد ذاته مكسب عظيم».

رجل يحمل صورة مرشح المعارضة منصور ياواش الفائز في أنقرة مساء الأحد (أ.ف.ب)

«تغيير وجه تركيا»

بدوره، رأى رئيس «الشعب الجمهوري» أوزغور أوزيل، أن الناخبين أرادوا تغيير وجه تركيا، قائلاً: «أظهرت نتائج الانتخابات أن الناخبين قرروا تأسيس سياسة جديدة في تركيا، وتغيير الصورة التي استمرت 22 عاماً لتركيا، وفتح الباب أمام مناخ سياسي جديد في بلادنا».

وأضاف، في كلمة أمام حشد من أنصار الحزب في أنقرة ليل الأحد - الاثنين، أن «الأمة التركية اتخذت قراراً ليس فقط حول كيفية حكم البلاد والبلديات، بل وجّه الناخبون رسالة إلى أولئك الذين يقللون من خبزهم، ويعكرون سلامهم، ويسحقون الديمقراطية، ويدمّرون حكم القانون وأكدت أنها لن تفسح المجال لسياسة لا تعترف بالحقوق والقانون والعدالة».

وقال رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، الذي خرج منتصراً للمرة الثانية من معركة شهدت تحديات عنيفة، في كلمة لأنصاره الذين احتشدوا بالآلاف أمام مبنى بلدية إسطنبول في ساعة متأخرة من ليل الأحد، إن «من لا يفهمون رسالة الشعب سيخسرون في نهاية المطاف».

عقاب على الاقتصاد

وجاءت نتائج الانتخابات أسوأ بكثير جداً مما توقعته استطلاعات الرأي، بالنسبة إلى إردوغان وحزب «العدالة والتنمية» اللذين يحكمان تركيا منذ أكثر من 20 عاماً، بسبب ارتفاع التضخم إلى ما يقرب من 70 في المائة، وسخط الناخبين المحافظين على سياسة إردوغان تجاه الحرب في غزة، وتحول نسبة منهم إلى حزب «الرفاه الجديد» بزعامة فاتح أربكان، والقبول الواسع الذي يتمتع به إمام أوغلو في المدينة الكبرى في البلاد ومركزها الاقتصادي.

أنصار المعارضة يحتفلون بفوز مرشحهم في أنقرة مساء الأحد (رويترز)

ولم يتمكن إردوغان أيضاً من استعادة العاصمة أنقرة، التي حقق فيها مرشح «الشعب الجمهوري» منصور ياواش، فوزاً كاسحاً بنسبة 60 في المائة وبفارق أكثر من 27 في المائة عن مرشح حزب «العدالة والتنمية» تورغوت ألتنوك، ليحتفظ برئاستها للمرة الثانية.

ويقول محللون، ومنهم مقربون للحكومة مثل أحمد هاكان، إن مكانة إمام أوغلو وياواش تعززت في السياسة التركية، وباتت الطريق مفتوحة أمام أي منهما لرئاسة البلاد.

«الحركة القومية» تقلل

وحاول دولت بهشلي، رئيس حزب «الحركة القومية»، الشريك في «تحالف الشعب» مع «العدالة والتنمية»، التقليل من أهمية فوز «الشعب الجمهوري». وقال بهشلي الذي حصل حزبه على 5 في المائة فقط من الأصوات في بيان نشره حسابه على منصة «إكس»، الاثنين: «أصبحت الشكاوى الاقتصادية اجتماعية وانتشرت إلى الساحة السياسية... الحكومة لم تتغير. مجلس الوزراء الرئاسي قائم و(تحالف الشعب) يتمتع بالأغلبية العددية في البرلمان».

وأضاف أن «التصرف اللاواعي الذي تقوم به الأوساط التي تنشر الشائعات كأن هناك تغييراً في السلطة، وتطالب بانتخابات مبكرة، تعاني من هفوات عقلية لا توصف إلا بكلمة واحدة: استهتار وتشويه أخلاقي، ويجب أن نعلم أن (تحالف الشعب) هو مهندس المستقبل، ومحور القرن الجديد».


مقالات ذات صلة

الرئيس الموريتاني يحسم الجدل: لا أرغب في ولاية ثالثة

شمال افريقيا جانب من لقاء الرئيس الموريتاني مع ائتلاف المعارضة في القصر الرئاسي (الرئاسة الموريتانية)

الرئيس الموريتاني يحسم الجدل: لا أرغب في ولاية ثالثة

رفض الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني أن يتدخل في جلسات التحضير للحوار الوطني، التي وصلت إلى طريق مسدود.

الشيخ محمد (نواكشوط)
شمال افريقيا من جلسة التصديق على تعديل قانون الانتخابات في الغرفة البرلمانية السفلى (البرلمان)

الجزائر تغلق منافذ السياسة في وجه «المال المشبوه»

بدأ أعضاء «مجلس الأمة» الجزائري (الغرفة العليا للبرلمان)، الخميس، مناقشة مشروع تعديل قانون الانتخابات، في خطوة تسبق استدعاء «الهيئة الناخبة».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوقع قراراً تنفيذياً في المكتب البيضاوي يُلزم الحكومة الفيدرالية بتزويد الولايات ببيانات أهلية الناخبين (إ.ب.أ)

ترمب يقرر تقييد التصويت بالبريد... والولايات تطعن

وقع الرئيس الأميركي دونالد ترمب قراراً تنفيذياً بهدف إنشاء قائمة وطنية بالمواطنين لتحديد أهلية التصويت وتقييد التصويت بالبريد رغم محدودية صلاحياته في الانتخابات

علي بردى (واشنطن)
شمال افريقيا صورة وزعها المجلس الرئاسي للقاء المنفي وتكالة في طرابلس 30 مارس الحالي

ليبيا: المنفي وتكالة يطالبان بضرورة إنهاء الانقسام المؤسسي والتمهيد للانتخابات

أكد رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، ورئيس مجلس الدولة، محمد تكالة، أهمية دعم المسارات الدستورية، والعمل على توفير بيئة آمنة لإجراء الانتخابات الليبية.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا حزب «الصواب» أكد رفضه المساس بالمواد المحصنة دستورياً التي لا تسمح للرئيس ولد الغزواني الترشح لفترة رئاسية ثالثة (أ.ب)

موريتانيا: حزب معارض يرفض مناقشة تعديل الفترات الرئاسية

قال رئيس حزب «الصواب»، المعارض في موريتانيا، إن حزبه يرفض مطلقاً المساس بالمواد المحصنة دستورياً، التي لا تسمح لرئيس الجمهورية بالترشح لفترة رئاسية ثالثة.

«الشرق الأوسط» (نواكشوط)

تقرير: إيران رفضت مقترحاً أميركياً لوقف إطلاق النار 48 ساعة

صوورة مأخوذة من شريط فيديو لقصف جسر كرج غرب طهران (أ.ف.ب)
صوورة مأخوذة من شريط فيديو لقصف جسر كرج غرب طهران (أ.ف.ب)
TT

تقرير: إيران رفضت مقترحاً أميركياً لوقف إطلاق النار 48 ساعة

صوورة مأخوذة من شريط فيديو لقصف جسر كرج غرب طهران (أ.ف.ب)
صوورة مأخوذة من شريط فيديو لقصف جسر كرج غرب طهران (أ.ف.ب)

أوردت وكالة ​«فارس» للأنباء الإيرانية شبه الرسمية نقلاً عن مصدر ‌لم ‌تسمه، ​اليوم ‌الجمعة، ⁠أن ​طهران رفضت اقتراحاً ⁠أميركياً لوقف إطلاق النار 48 ⁠ساعة.

وأضاف المصدر ‌أن ‌الاقتراح ​قُدم الأربعاء عبر دولة أخرى لم يُذكر ‌اسمها في التقرير.

في السياق نفسه، أوردت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية أن الجولة الحالية من الجهود التي تقودها دول إقليمية، وفي مقدّمها باكستان، للتوصل إلى وقف لإطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، وصلت إلى طريق مسدود، بحسب ما أفاد به وسطاء.

وقال الوسطاء إن إيران أبلغتهم رسمياً أنها غير مستعدة للقاء مسؤولين أميركيين في إسلام آباد خلال الأيام المقبلة، مؤكدة أن المطالب الأميركية غير مقبولة.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد قال في وقت سابق هذا الأسبوع عبر وسائل التواصل الاجتماعي إن إيران طلبت وقفاً لإطلاق النار، وهو ما نفته طهران. وذكر مطّلعون على الملف أن ترمب كان قد لمّح بدلاً من ذلك إلى استعداده للنظر في وقف لإطلاق النار إذا أعادت إيران فتح مضيق هرمز.

وفي مستهل هذه الجولة من الجهود الدبلوماسية، أفادت إيران بأنها لن تنهي الحرب إلا إذا دفعت الولايات المتحدة تعويضات، وانسحبت من قواعدها في الشرق الأوسط، وقدّمت ضمانات بعدم تكرار الهجوم، إلى جانب مطالب أخرى، وفق ما ذكره الوسطاء سابقاً.

وقال ترمب إن «رئيس النظام الجديد» في إيران طلب وقفاً لإطلاق النار، في منشور على منصته «تروث سوشال». غير أن إيران لديها مرشد أعلى جديد، لا رئيس جديد. وكتب ترمب: «سننظر في الأمر عندما يكون مضيق هرمز مفتوحاً وآمناً وخالياً»، مضيفاً: «إلى أن يحدث ذلك، نواصل ضرب إيران».


المقاتلة «إف-15 إي» الأميركية التي أُسقطت... ماذا نعرف عنها؟ وماذا تفعل فوق إيران؟

مقاتلة من طراز «إف-15 إي» تابعة لسلاح الجو الأميركي (رويترز)
مقاتلة من طراز «إف-15 إي» تابعة لسلاح الجو الأميركي (رويترز)
TT

المقاتلة «إف-15 إي» الأميركية التي أُسقطت... ماذا نعرف عنها؟ وماذا تفعل فوق إيران؟

مقاتلة من طراز «إف-15 إي» تابعة لسلاح الجو الأميركي (رويترز)
مقاتلة من طراز «إف-15 إي» تابعة لسلاح الجو الأميركي (رويترز)

قال ​مسؤول أميركي لوكالة «رويترز»، الجمعة، إن طائرة مقاتلة ‌أميركية ‌أُسقطت ​في ‌إيران.

وأنقذت القوات الأميركية أحد طيارَي المقاتلة الحربية التي سقطت، في حين تتواصل عمليات البحث عن الآخر، وفق ما أفادت به وسائل إعلام أميركية.

وحسب صحيفتي «نيويورك تايمز» و«وول ستريت جورنال»، فإن الطائرة من طراز «إف-15 إي»، وهي مقاتلة تحمل على متنها طياراً وضابط أنظمة تسليح يجلس في المقعد الخلفي.

كما أشارت شبكة «سي إن إن» إلى أن تحليل صور الحطام التي بثتها وسائل إعلام إيرانية يُظهر أنها تعود لطائرة «إف-15»، وليس لطائرة «إف-35» الشبح، كما ذكرت بعض التقارير الإيرانية.

فماذا نعرف عن الطائرات «إف-15 إي»؟ وماذا تفعل فوق إيران؟

وفق ما ذكرته صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية، فإن طائرات «إف-15 إي سترايك إيغل» هي مقاتلات متعددة المهام قادرة على إسقاط الطائرات وقصف الأهداف الأرضية، وتحلق في أجواء إيران منذ بداية الحرب.

وتستطيع هذه الطائرة، التي صنعتها في الأصل شركة «ماكدونل دوغلاس» التي اندمجت مع «بوينغ» عام 1997، حمل نحو 23 ألف رطل (نحو 10 آلاف و500 كيلوغرام) من القنابل، ما يجعلها مثالية لضرب عدة أهداف في مهمة واحدة.

ودخلت الخدمة في سلاح الجو الأميركي أواخر ثمانينات القرن الماضي، واشترتها أيضاً السعودية وكوريا الجنوبية وسنغافورة وإسرائيل.

وبينما تسلم سلاح الجو الأميركي آخر طائرة «إف-15 إي» من «بوينغ» عام 2004، فإنه يشتري الآن طرازاً أحدث منها يُسمى «إف-15 إي إكس»، يتميز بمزايا إلكترونية أكثر تطوراً وحمولة أكبر تبلغ 29 ألفاً و500 رطل (نحو 13 ألفاً و400 كيلوغرام).

ويقود طائرة «إف-15 إي» طيار يجلس في المقعد الأمامي، وضابط أنظمة تسليح يجلس في المقعد الخلفي يُعرف اختصاراً بـ«WSO».

ويُمثل إسقاط طائرة مقاتلة من طراز «إف-15 إي» الحادثة الثانية التي تتعرض لها هذه الطائرة منذ بدء الولايات المتحدة وإسرائيل شنّ غارات على إيران أواخر فبراير (شباط).

ففي الأيام الأولى للحرب، أسقطت طائرة «إف إيه 18» كويتية 3 طائرات أميركية من طراز «إف-15 إي» عن طريق الخطأ، وفقاً لما ذكرته صحيفة «وول ستريت جورنال» سابقاً.

كيف تدافع طائرات «إف-15 إي» عن نفسها؟

تستخدم طائرة «إف-15 إي سترايك إيغل» أنواعاً متعددة من التدابير المضادة للتهرب من الصواريخ التي تلاحقها. يشمل ذلك شرائط معدنية رقيقة تُسمى «الرقائق المعدنية» تهدف إلى إعماء أنظمة الرادار أو تعطيلها، وقنابل مضيئة لتضليل الصواريخ الموجهة بالرادار والصواريخ الحرارية.

ويُجري سلاح الجو الأميركي تحديثاً لأنظمة الحماية الإلكترونية للطائرة النفاثة، ليُصبح نظاماً يُعرف باسم نظام الإنذار السلبي الفعال للبقاء على قيد الحياة (EPAWSS). وتُصنّع هذه التقنية شركة «بي إيه إي سيستمز».

وفي تقرير اختبارات صدر عام 2020، ذكر البنتاغون أن نظام «EPAWSS» هو نظام دفاعي مُصمم لتزويد أطقم طائرات «F-15» بمعلوماتٍ وافية عن التهديدات الأرضية والجوية التي تعمل بترددات الراديو، بالإضافة إلى توفير تدابير مضادة لها.

ولم يتسنَّ التأكد على الفور مما إذا كانت طائرة «إف-15 إي» التي أُسقطت، الجمعة، مُجهزة بنظام «EPAWSS».


ترمب يلمّح للسيطرة على نفط إيران... والحرب إلى أسبوعها السادس

ضربات على بلدة خرمدشت الصناعية في طهران (شبكات التواصل)
ضربات على بلدة خرمدشت الصناعية في طهران (شبكات التواصل)
TT

ترمب يلمّح للسيطرة على نفط إيران... والحرب إلى أسبوعها السادس

ضربات على بلدة خرمدشت الصناعية في طهران (شبكات التواصل)
ضربات على بلدة خرمدشت الصناعية في طهران (شبكات التواصل)

تدخل الحرب بين الولايات المتحدة وإيران أسبوعها السادس، وسط تصعيد متزامن في الخطاب السياسي والميدان، مع انتقال التركيز من تبادل الضربات الجوية إلى صراع أوسع على مضيق هرمز والبنية التحتية وإمدادات الطاقة، في وقت تتزايد فيه المؤشرات إلى صعوبة الحسم العسكري السريع.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الجمعة، إن الولايات المتحدة قادرة، مع مزيد من الوقت، على فتح مضيق هرمز و«أخذ النفط» و«تحقيق ثروة». وجاء كلامه بعد يوم من تلويحه بضرب الجسور ومحطات الطاقة الإيرانية، وقوله أيضاً إن الجيش الأميركي «لم يبدأ بعد تدمير ما تبقى في إيران».

وجاء ذلك قبل 48 ساعة من انتهاء مهلة ترمب بشأن فتح مضيق هرمز، وإلا مهاجمة محطات الطاقة الإيرانية، في وقت لوّح فيه أيضاً بتوسيع بنك الأهداف داخل إيران، ليشمل الجسور ومحطات الكهرباء، في حين كانت الحرب تواصل إرباك الأسواق ورفع الضغوط على إدارته.

وقال ترمب، عبر «تروث سوشيال»، إن «الجسور هي التالية ثم محطات الكهرباء»، وذلك بعدما دمّرت غارات أميركية - إسرائيلية جسراً قيد الإنشاء في كرج، غرب طهران. كما قال إن واشنطن تستطيع، مع وقت إضافي، إعادة فتح المضيق المغلق فعلياً منذ أسابيع.

إيرانياً، جاءت الردود سريعة وحادة. وقال الرئيس مسعود بزشكيان إن التهديد بإرسال شعب كامل إلى «العصر الحجري» لا يعني سوى التهديد بارتكاب جريمة حرب واسعة، مضيفاً أنه أثار هذه النقطة مع نظيره الفنلندي بصفته رجل قانون، وأن التاريخ مليء بأمثلة من لزموا الصمت إزاء الجناة فدفعوا ثمناً باهظاً.

وقال رئيس لجنة الدفاع العليا في مجلس الأمن القومي، علي أكبر أحمديان، إن إيران لن تتراجع تحت التهديد أو ما وصفه بـ«الاستعراضات الفارغة»، مضيفاً أن المنطقة هي «ساحة إيران»، وأن الردود فيها تقوم على حسابات «عقلانية وواقعية». وأضاف أن «الثورة الإسلامية» أخرجت الولايات المتحدة من إيران، وأن «الخطوة الثانية» هي إخراجها من المنطقة.

وقال وزير الخارجية عباس عراقجي إن قصف المنشآت المدنية، بما في ذلك الجسور غير المكتملة، لن يرغم الإيرانيين على الاستسلام. وفي الاتجاه نفسه، قال إمام جمعة طهران محمد حسن أبو ترابي إن الولايات المتحدة «ليست جديرة بالثقة للتفاوض»، وإن «المسألة لا تتعلق بأمن إيران فقط، بل بأمن المنطقة ومحور المقاومة».

في غضون ذلك، نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال»عن مصادر دبلوماسية قولها إن الجهود التي تقودها دول إقليمية، وعلى رأسها باكستان، للتوصل إلى وقف لإطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران وصلت إلى طريق مسدود، بعدما أبلغت طهران الوسطاء رفضها لقاء مسؤولين أميركيين في إسلام آباد واعتبارها المطالب الأميركية غير مقبولة.

وأضافت المصادر أن تركيا ومصر تبحثان عن مخرج جديد، عبر مواقع بديلة للمحادثات مثل الدوحة أو إسطنبول، إلى جانب مقترحات جديدة لتجاوز الجمود.

ضربات تطول موانئ وبنية تحتية

وفي الميدان، اتسعت الضربات داخل إيران خلال اليومَين الأخيرَين على نحو شمل بنى نقل ومرافئ ومنشآت لوجيستية ومواقع يُشتبه بارتباطها بالدفاعات أو الذخيرة، وفق إفادات محلية متقاطعة وصور ومقاطع متداولة، إلى جانب بيانات إيرانية رسمية عن بعض المواقع المستهدفة.

وفي نطاق طهران الكبرى، برزت كرج بوصفها إحدى أبرز ساحات الضربات بعد استهداف جسر قيد الإنشاء على الطريق الشمالي، مساء الخميس. وأظهرت صور ومقاطع متداولة أضراراً جسيمة في الجسر، فيما تحدثت إفادات محلية عن انفجارات متلاحقة في المنطقة التي تنتشر فيها قواعد صاروخية، وسط تقارير عن هجوم متكرر للمقاتلات.

وامتد هذا الحزام إلى غرب العاصمة وشرقها وشمالها الشرقي، مع سماع انفجارات أو نشاط للدفاعات الجوية في طهران بارس، وإشارات إلى دوي انفجارات في لواسان. كما وردت تقارير عن ضربة قرب الطريق القديم بين قم وكاشان، فيما بدا امتداداً لمحور الضغط حول العاصمة.

وفي الجنوب، غلب على الضربات طابع لوجيستي. ففي بندر عباس، تحدثت إفادات عن انفجار قوي قرب منشآت قيل إنها مرتبطة بالدفاعات أو بمحيط مجمع «ستاره» النفطي. وفي ميناء تشارك قبالة جزيرة كيش التجارية، طالت غارتان الرصيف التجاري ومنشآت مرتبطة بحركة النقل البحري. واتسع القوس الجنوبي ليشمل بهبهان وعبادان وبرازجان. وفي بهبهان شمال شرق محافظة الأحواز، تكرر ذكر محيط قاعدة بخرديان ومنشآت في اتجاه بيدبلند، في حين ارتبطت إفادات عبادان، المحاذية لشط العرب، بانفجارات ليلية متقطعة. وفي برازجان، تحدثت روايات محلية عن ضربات قرب موقع وُصف بأنه صاروخي، بالتزامن مع تحليق للمقاتلات.

وفي الوسط، بدت أصفهان الأكثر وضوحاً من حيث اتجاه الضربات. وتكررت الإفادات عن انفجارات منذ الفجر في محيط بهارستان وسباهان شهر، مع تداول مقطع يشير إلى استهداف مخزن ذخيرة أو موقع عسكري قرب منطقة «15 خرداد». كما ظهرت شيراز وتبريز في مرتبة تالية من حيث كثافة المؤشرات، لكن بأهداف أقل وضوحاً.

وقال «الحرس الثوري» إن الوحدتَين البحرية والصاروخية نفّذت موجات من الهجمات الصاروخية والمسيّرة ضد أهداف أميركية وإسرائيلية، شملت قاعدة «رامات ديفيد» الجوية، وأكثر من 50 نقطة في تل أبيب، مضيفاً أن وحداته وصّلت «الهجمات الدقيقة والواسعة».

محور حاسم

وفي قلب هذه المواجهة، بقي مضيق هرمز محوراً حاسماً؛ فقد أغلقت إيران المضيق فعلياً منذ بدء الحرب، وباتت إعادة فتحه أولوية للحكومات والأسواق مع مرور نحو خُمس النفط العالمي عبره في الظروف العادية. وانخفضت حركة الملاحة عبر المضيق بنحو 90 في المائة منذ بدء الحرب، حسب بيانات ملاحية.

ومن بين السفن القليلة التي عبرت المضيق خلال الأسابيع الماضية، كانت الغالبية مرتبطة بإيران أو بدول مثل الصين والهند وباكستان. وفي أول عبور معروف لسفينة مرتبطة بمجموعة شحن أوروبية كبرى منذ مطلع مارس (آذار)، عبرت السفينة «كريبي» التابعة للشركة الفرنسية المضيق إلى خارج الخليج، وفق بيانات «مارين ترافيك».

وفي السياق نفسه، عُثر على رفات بشرية على متن سفينة تايلاندية كانت قد أُصيبت قرب مضيق هرمز في 11 مارس، في واقعة تعكس اتساع أخطار الملاحة في المنطقة. كما تضررت مصفاة ومرفق لتحلية المياه في الكويت، وأُغلق مجمع غاز في أبوظبي بعد سقوط حطام ناتج عن اعتراض هجوم.

تقديرات أميركية

في الأثناء، أظهرت التقديرات الأميركية المنشورة خلال الساعات الماضية صورة أكثر حذراً من خطاب الحسم. ونقلت شبكة «سي إن إن» عن مصادر مطلعة أن التقييمات الاستخبارية الأميركية تُظهر أن نحو نصف منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية لا يزال سليماً، وأن آلاف الطائرات المسيّرة الهجومية أحادية الاتجاه ما زالت ضمن الترسانة الإيرانية، بما يعادل نحو 50 في المائة من قدرات البلاد في هذا المجال.

وأضافت المصادر أن إيران لا تزال تحتفظ أيضاً بعدد كبير من الصواريخ، وأن نسبة كبيرة من الصواريخ الجوالة الساحلية لا تزال سليمة، مما يُبقي قدرة طهران على تهديد الملاحة في مضيق هرمز قائمة. كما قالت إن التقدير الأميركي قد يشمل منصات إطلاق دُفنت تحت الأرض بفعل الضربات من دون أن تُدمَّر.

ونقلت الشبكة عن مصدر مطلع أن التقديرات الإسرائيلية تضع عدد منصات الإطلاق الإيرانية العاملة عند مستوى أدنى، يتراوح بين 20 و25 في المائة، مشيرة إلى أن إسرائيل لا تحتسب ضمن المنصات المتبقية تلك التي دُفنت أو بات الوصول إليها متعذراً داخل الكهوف والأنفاق.

وقالت المصادر المطلعة لـ«سي إن إن» إن قدرة إيران على العمل من تحت الأرض تمثّل سبباً رئيسياً في عدم إضعاف منصات الإطلاق بدرجة أكبر. وأوضحت أن طهران أخفت منذ سنوات منصاتها داخل شبكات واسعة من الأنفاق والكهوف، كما أنها نجحت في إطلاق المنصات المتنقلة ثم تحريكها سريعاً، بما يصعّب تعقبها.

ونقلت الشبكة عن مصدر اطلع على التقييم الاستخباري الأميركي أن هدف إنهاء العمليات الأميركية خلال أسبوعَين إلى ثلاثة أسابيع «غير واقعي»، بالنظر إلى حجم القدرات التي لا تزال متاحة لإيران لاستخدامها. وأضاف المصدر نفسه أن قدرات الصواريخ الجوالة الساحلية ربما لا تزال سليمة إلى حد كبير، لأنها لم تكن محور الحملة العسكرية الأميركية.

أما مجلة «بوليتيكو» فنقلت عن مسؤولين أن الولايات المتحدة بدأت تنفد من الأهداف ذات القيمة الاستراتيجية في إيران، وأن ما تبقى من البرنامج الصاروخي الإيراني أصبح أصعب كثيراً على الاستهداف. وأضافت أن المواقع العسكرية المتاحة الآن قليلة، ما لم يتم اللجوء إلى غزو بري.

وحسب مسؤول سابق في إدارة ترمب، فإن مخزونات الصواريخ الباليستية الإيرانية المتبقية «أصبحت أصعب فأصعب على الاستهداف، لأن ما تبقى منها يوجد على الأرجح داخل ملاجئ محصّنة»، مضيفاً: «لولا ذلك لكان قد تم القضاء عليها بالفعل». كما نقلت المجلة عن مسؤولين أن تكثيف الهجمات حول جزيرة خرج لا يعني سهولة السيطرة عليها.

وحول جزيرة خرج، قالت «بوليتيكو» إن القوات الأميركية يمكنها تكثيف الهجمات حولها بوصفها مركز تصدير النفط الرئيسي لإيران، من دون استهداف مباشر للبنية التحتية النفطية نفسها. لكنها أضافت أن السيطرة على الجزيرة أو تأمينها سيتطلبان على الأرجح قوات برية، مع ما ينطوي عليه ذلك من مخاطر وخسائر.

مقاربات مخرج الحرب

وفي خضم هذا المشهد، برزت أيضاً مقاربات مختلفة لمخرج الحرب؛ فقد دعا وزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف، في مقال نشرته مجلة «فورين أفيرز»، إلى اتفاق يقوم على رفع جميع العقوبات مقابل قيود على البرنامج النووي الإيراني وإعادة فتح مضيق هرمز، مع طرح معاهدة عدم اعتداء متبادلة وترتيبات أوسع للتعاون الاقتصادي والأمن الإقليمي.

وفي المقابل، وصف المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، ويليام بيرنز، الحرب بأنها «حرب اختيار»، محذراً من أنها ربما عززت العناصر الأكثر تشدداً داخل النظام الإيراني بدلاً من إضعافها. كما رأى أن أي محاولة برية للسيطرة على خرج أو على أراضٍ بمحاذاة المضيق تنطوي على مخاطر كبيرة.

إنسانياً، تتزايد كلفة الحرب مع اتساع الضربات؛ فقد تحدثت إيران عن مقتل ما لا يقل عن 1973 شخصاً منذ بدء الحرب. وقالت منظمة «أكليد» إن معظم الحوادث التي أسفرت عن ضحايا مدنيين وقعت بعد غارات على مواقع أمنية أو عسكرية في مناطق مكتظة بالسكان، لا نتيجة قصف عشوائي شامل للأحياء الحضرية.

وفي موازاة ذلك، حذرت منظمة العفو الدولية من أن تجنيد إيران أطفالاً لا تتجاوز أعمار بعضهم 12 عاماً في «قوات الباسيج» يشكّل جريمة حرب. وقالت إن شهود عيان وتحليل فيديوهات أظهرا نشر أطفال في نقاط التفتيش والدوريات، بعضهم مسلح ببنادق هجومية من طراز «كلاشنيكوف».