لماذا خسر الحزب الحاكم في تركيا الانتخابات المحلية... وما رسائل صناديق الاقتراع؟

نتائج صادمة لإردوغان ومفاجئة للمعارضة... والوضع الاقتصادي قال كلمته

أنصار المعارضة يحتفلون خارج المبنى الرئيسي لبلدية إسطنبول مساء الأحد (د.ب.أ)
أنصار المعارضة يحتفلون خارج المبنى الرئيسي لبلدية إسطنبول مساء الأحد (د.ب.أ)
TT

لماذا خسر الحزب الحاكم في تركيا الانتخابات المحلية... وما رسائل صناديق الاقتراع؟

أنصار المعارضة يحتفلون خارج المبنى الرئيسي لبلدية إسطنبول مساء الأحد (د.ب.أ)
أنصار المعارضة يحتفلون خارج المبنى الرئيسي لبلدية إسطنبول مساء الأحد (د.ب.أ)

خرجت صناديق الاقتراع في الانتخابات المحلية في تركيا بمفاجأة ثقيلة، شكلت صدمة للرئيس رجب طيب إردوغان وحزب «العدالة والتنمية» الحاكم، كما فاجأت المعارضة ذاتها التي لم يكن أكبر المتفائلين يتوقع فوزاً كبيراً لها بعد الخسارة الكبيرة في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي جرت في مايو (أيار) الماضي، أي منذ 10 أشهر فقط.

بحسب النتائج الأولية، التي أعلنها رئيس المجلس الأعلى للانتخابات أحمد ينار، في مؤتمر صحافي الاثنين، حصل حزب «الشعب الجمهوري»، أكبر أحزاب المعارضة، على 37.7 في المائة من أصوات الناخبين، وحل حزب «العدالة والتنمية» الحاكم في المرتبة الثانية بنسبة 35.5 في المائة، ثم حزب «الرفاه من جديد» بنسبة 6.2 في المائة، يليه حزب «المساواة الشعبية والديمقراطية»، المؤيد للأكراد بنسبة 5.7 في المائة، بينما واصل حزب «الحركة القومية» شريك العدالة والتنمية في «تحالف الشعب» تراجعه محققاً 5 في المائة فقط.

وقال ينار إن نسبة المشاركة في الانتخابات المحلية، التي أجريت الأحد، بلغت 78.11 في المائة، وفاز «الشعب الجمهوري» بـ35 بلدية (15 بلدية كبرى و20 بلدية حضرية)، و«العدالة والتنمية» بـ24 (12 بلدية كبرى و12 بلدية حضرية)، و«المساواة الشعبية والديمقراطية» بـ10 بلديات كبرى، و«الحركة القومية» بـ8 بلديات كبرى، و«الرفاه من جديد» ببلديتين كبريين من بينهما شانلي أورفا أحد معاقل «العدالة والتنمية» عن طريق ترشيح قاسم غل بينار لرئاسة بلديتها بعد أن استبعده العدالة والتنمية من قائمة المرشحين، وكل من حزبي «الوحدة الكبرى» و«الجيد» ببلدية واحدة.

نتائج صادمة

شكلت النتائج بعد فرز أكثر من 99 في المائة من الأصوات صدمة بكل المقاييس لـ«العدالة والتنمية» والرئيس رجب طيب إردوغان، الذي خاض حملة انتخابية مكثفة وحشد كل وزراء حكومته الـ17 للدعاية لمرشحي الحزب، لا سيما في إسطنبول التي خسرها للمرة الثانية على التوالي.

رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو خلال الاحتفال بالفوز مساء الأحد (إ.ب.أ)

للمرة الأولى في 22 عاماً جاء «العدالة والتنمية» في المرتبة الثانية في أي انتخابات يخوضها، كما خسر جميع المدن الكبرى تقريباً وفي أنحاء البلاد أيضاً، وأظهرت النتائج الأولية تغير توجهات الناخبين في 30 ولاية تركية، ذهبت غالبيتها إلى حزب الشعب الجمهوري.

كما خسر «العدالة والتنمية» في بلديات لم يسبق له الخسارة فيها مثل بورصة، بالكسير، التي لم يفز «الشعب الجمهوري» بها منذ 47 عاماً، وأديامان، إحدى الولايات التي ضربها زلزال 6 فبراير (شباط) 2023 ومعقل جماعة «المنزل» الدينية الموالية لإردوغان، التي لم يفز بها «الشعب الجمهوري» منذ عام 1999.

وحافظ الحزب المعارض على المدن الكبرى التي فاز بها في انتخابات 2019: إسطنبول، أنقرة، إزمير، أضنة، أنطاليا، مرسين، بينما خسر هطاي فقط بفارق بسيط جداً لصالح «العدالة والتنمية» بسبب الإصرار على ترشيح رئيس البلدية السابق لطفي ساواش، الذي أثار غضب الناخبين بسبب أدائه خلال فترة الزلزال، الذي كانت هطاي هي أكبر المدن تضرراً منه.

أنصار المعارضة يحتفلون بالفوز في أنقرة الأحد (أ.ف.ب)

ولم يكن «العدالة والتنمية» هو الخاسر الوحيد، لكن خسائره هي الأفدح، بل إن حزب «الجيد»، الذي لم يحصل إلا على 3.7 في المائة كان من أكبر الخاسرين، وباتت رئيسته ميرال أكشنار، الملقبة سابقاً بـ«المرأة الحديدية» تحت ضغط مطالبتها بالاستقالة من رئاسة الحزب بعد الخسائر المتلاحقة التي حققتها في انتخابات مايو، ثم الانتخابات المحلية.

أما أكبر الفائزين بعد «الشعب الجمهوري» فكان «الرفاه من جديد» بحصوله على 6.2 في المائة، متفوقاً على «المساواة الشعبية والديمقراطية» الكردي، الذي بعد من الأحزاب الخاسرة أيضاً بعدما حقق 5.6 في المائة.

تصويت عقابي

أثارت «الصدمة» التي خرجت بها صناديق الاقتراع، التساؤلات عن الأسباب التي أدت إلى تداعي «العدالة والتنمية» بهذا الشكل وسط توقعات بخسارة كبيرة للمعارضة بعد الهزيمة في انتخابات مايو الماضي، ولما انقلبت التوقعات بهذا الشكل؟

مرشح المعارضة لبلدية أنقرة منصور يافاس يحتفل بالفوز مع أنصاره مساء الأحد (أ.ف.ب)

يبرز العامل الاقتصادي في المقدمة أكبر أسباب خسارة إردوغان وحزبه للانتخابات والتراجع غير المسبوق في نتائج الحزب. فقد اختار الناخبون معاقبة إردوغان على التراجع المستمر في القدرة الشرائية والارتفاع المتواصل لمعدل التضخم الذي سجل بعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية ارتفاعات متكررة ليصل إلى 67 في المائة واستمرار ارتفاع الأسعار.

ولعب المتقاعدون، الذين يشكلون كتلة تصويتية كبيرة عددها يفوق 10 ملايين ناخب، دوراً بارزاً في هذه الخسارة بسبب عدم الاستجابة لمطالبهم بزيادة رواتبهم التي تقف حالياً عند 10 آلاف ليرة، بينما الحد الأدنى للأجور 17 ألف ليرة، بينما تجاوز خط الفقر 45 ألف ليرة.

وفي رأي بعض المراقبين أن الناخبين أجلوا هذا العقاب في انتخابات مايو الماضي على أمل تحسن الأوضاع، لكن استمرار الأداء الاقتصادي السيئ، دفعهم إلى إصدار تحذير شديد لإردوغان وحكومته.

أنصار المعارضة يحتفلون خارج المبنى الرئيسي لبلدية إسطنبول مساء الأحد (أ.ف.ب)

درس المعارضة

أما السبب الثاني، فهو نجاح «الشعب الجمهوري» المعارض في إحداث تغيير جذري في هياكله بعد انتخابات مايو الماضي، لدرجة أنه كان الحزب الوحيد الذي أدار عملية ديمقراطية في مؤتمره العام بعد الانتخابات التي أدت إلى تغيير رئيس الحزب كمال كليتشدار أوغلو، الذي خسر الرئاسة أمام إردوغان وأهدر مقاعد البرلمان على الأحزاب الأخرى التي شاركت في «تحالف الأمة» أو«طاولة الستة» التي استفادت من خوض الانتخابات البرلمانية على قوائمه بـ35 مقعداً، 16 لحزب «الديمقراطية والتقدم»، و10 لكل من حزبي «السعادة» و«المستقبل».

ونجح الحزب في أن يتحول إلى حزب شاب وديناميكي وأكثر وصولاً إلى الشارع التركي وقياساً لنبضه، تحت رئاسة أوزغوز أوزيل، الذي علق على نتائج الانتخابات المحلية الأولية قائلاً: «لقد نجحنا في جعل الحزب الذي أسسه مصطفى كمال أتاتورك يحتل المرتبة الأولى من جديد، ونسير الآن نحو حكم البلاد في أول انتخابات عامة قادمة».

وعلى الرغم من تفكك «تحالف الأمة» المعارض عقب الانتخابات البرلمانية والرئاسية، بل والهجوم الضاري الذي تعرض له سواء من إردوغان، أو من حليفة الأمس رئيسة حزب «الجيد» ميرال أكشنار، فإن «الشعب الجمهوري» تمكن من تجاوز الحالة المعنوية السلبية الناشئة عن انتخابات مايو، وقام بحملة تغيير جددت دماءه وتبنى خطابات أكثر اعتدالاً واحتضاناً للشعب ونشاطاً في الشارع.

نصر خادع

في المقابل، ساهمت نتائج الانتخابات البرلمانية والرئاسية في مايو الماضي، في خداع «العدالة والتنمية» الحاكم، لاعتقاده بأنه لا يوجد حزب على الساحة يمكنه مقارعته في أي انتخابات، بل إن أحزاب المعارضة مجتمعة لا يمكنها أن تهزمه، ودخل إردوغان وحزبه الانتخابات المحلية بثقة كبيرة جداً في الفوز، بل بتعالٍ أيضاً، كما أجمع على ذلك الكثير من المراقبين والمحللين.

وبات واضحاً في السنوات الأخيرة أن «العدالة والتنمية» يعاني نضوباً في الكوادر، ويلجأ إلى سياسة «إعادة تدوير» في الوجوه وتنقل الأسماء ذاتها بين المناصب والترشيحات، مما أعطى رسالة للشارع التركي مفادها أن الحزب الحاكم وإردوغان لم يعد لديهما جديد لتقديمه أكثر من ذلك.

وذهب الكاتب الصحافي، مراد يتكين، إلى أن إردوغان أدار المعركة في الانتخابات المحلية على أنها معركة سياسية بينه وبين رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، وحشد كل إمكانات الدولة ووزراء حكومته بالكامل للفوز على إمام أوغلو، لكن ذلك أتى بنتيجة عكسية.

ولفت إلى أن إردوغان تغافل عن المشكلات الحقيقية في البلاد وفي مقدمتها الوضع الاقتصادي، وإهدار سيادة القانون، والقيود على الحريات، والعبث بالديمقراطية، فضلاً عن سوء الاختيارات في الترشيحات، ويعد أسوأ هذه الاختيارات مراد كوروم مرشح رئاسة بلدية إسطنبول، بعد إخفاقه عندما كان وزيراً للبيئة والتحضر العمراني في مواجهة كارثة الزلزال وبقاء ضحاياه في الخيام حتى الآن بعد أكثر من عام على الكارثة.

لعبة التحالفات

وثمة سبب ثالث للنتائج الصادمة للانتخابات المحلية، فعلى الرغم من أن «الشعب الجمهوري» لم يتأثر بتفكك تحالف المعارضة، بسبب حالة جديدة جرى فيها التصويت بعيداً عن الهوية والانتماء الحزبي واستمرار تصويت أنصار حزبي «المساواة الشعبية والديمقراطية» و«الجيد» له، فإن حفاظ إردوغان على «تحالف الشعب» مع «الحركة القومية» و«الوحدة الكبرى» لم يكن مفيداً في الانتخابات المحلية.

كما أن موقف «الرفاه من جديد»، الذي رفض الاستمرار في «تحالف الشعب» بعد انتخابات مايو كان مؤثراً بشكل كبير على معدل أصوات «العدالة والتنمية»، فقد ارتفعت نسبة أصوات الحزب من 2.8 في المائة في انتخابات مايو الماضي إلى 6.2 في الانتخابات المحلية.

وأظهر الحزب، تحت قيادة فاتح أربكان، موقفاً صارماً في رفض التحالف مع «العدالة والتنمية»، متحدثاً عن خديعة تعرض لها في انتخابات مايو، ونجح في الضغط على الحزب الحاكم وانتزاع كتلة من أصوات قاعدة المحافظين، بمطالبته بوقف التجارة مع إسرائيل والمطالبة بزيادة رواتب المتقاعدين إلى 20 ألف ليرة، ليقدم نفسه كـ«حصان أسود» في الانتخابات المحلية واعداً بمزيد من الصعود في الانتخابات البرلمانية والرئاسية في 2028.

إردوغان يلقي كلمة لأنصاره بأنقرة بعد ظهور النتائج مساء الأحد (أ.ب)

ولا شك في أن نتائج الانتخابات المحلية ستعطى دفعة معنوية قوية للمعارضة، التي يعتقد مراقبون أنها قد تطالب بالتوجه إلى الانتخابات البرلمانية والرئاسية المبكرة، التي كان يفكر فيها إردوغان حال فوز حزبه بالانتخابات المحلية.

لكن إردوغان أعطى رسالة على عدم التوجه إلى انتخابات مبكرة، في كلمة ألقاها أمام تجمع لأنصار حزبه في أنقرة في ساعة متأخرة من ليل الأحد - الاثنين، أشار فيها إلى أن نتائج الانتخابات ستكون نقطة تحول لحزبه الذي لم يحصل على النتائج المأمولة، وأنها لن تكون النهاية، وهناك أكثر من 4 سنوات حتى موعد الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقبلة «سنعمل خلالها على استكمال النواقص وحل المشكلات وتلافي الأخطاء التي ارتكبت»، مشيراً إلى أن انتهاء ماراثون الانتخابات الذي أرهق الاقتصاد على مدى عام، هو مكسب بحد ذاته.


مقالات ذات صلة

نواب كوسوفو يفشلون في انتخاب رئيس ما يدفع البلاد إلى انتخابات جديدة

أوروبا أعضاء برلمان كوسوفو بعد فشلهم في انتخاب رئيس جديد يوم أمس (رويترز)

نواب كوسوفو يفشلون في انتخاب رئيس ما يدفع البلاد إلى انتخابات جديدة

فشل برلمان كوسوفو ليل الثلاثاء في انتخاب رئيس جديد للبلاد، ما يمهد الطريق أمام انتخابات تشريعية جديدة، ستكون الثالثة في غضون ما يزيد قليلا عن عام.

«الشرق الأوسط» (بريشتينا)
العالم العربي الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)

تمسك شيخ محمود بـ«الانتخابات المباشرة» يزيد المشهد الصومالي تعقيداً

يزداد المشهد على الساحة السياسية بالصومال تعقيداً مع تمسك الرئيس حسن شيخ محمود بإجراء الانتخابات المباشرة التي كانت مقررة هذا العام، رغم وجود معارضة لهذا التوجه

محمد محمود (القاهرة)
المشرق العربي لحظة تكليف علي الزيدي تشكيل الحكومة العراقية الجديدة (رئاسة الجمهورية)

العراق: انطلاق مشاورات لتوزيع حقائب الوزارة الجديدة

نجحت قوى «الإطار التنسيقي» في طرح علي الزيدي، مرشحاً لرئاسة الوزراء بعد يومين من دخول البلاد حالة الخرق الدستوري.

فاضل النشمي (بغداد)
شمال افريقيا التصويت على قانون الأحزاب الجديد في البرلمان الجزائري (البرلمان)

انتخابات الجزائر 2026: المعارضة تواجه «عقبة التوقيعات»

مع اقتراب موعد انتخابات البرلمان المقررة بالجزائر في الثاني من يوليو 2026 تواجه السلطات تشكيكاً كبيراً من طرف المعارضة

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
المشرق العربي فلسطينية تدلي بصوتها داخل مركز اقتراع في دير البلح وسط قطاع غزة السبت (إ.ب.أ)

دير البلح حاضرة في أول انتخابات محلية في قطاع غزة منذ 22 عاماً

شهدت مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، أول انتخابات محلية تجري في القطاع منذ 22 عاماً، على خلفية الانقسام الفلسطيني الداخلي والعدوان الإسرائيلي المتواصل.

«الشرق الأوسط» (غزة)

«البنتاغون»: تكاليف حرب إيران 25 مليار دولار حتى الآن

جولز هيرست خلال جلسة استماع بمجلس النواب الأميركي الأربعاء (أ.ف.ب)
جولز هيرست خلال جلسة استماع بمجلس النواب الأميركي الأربعاء (أ.ف.ب)
TT

«البنتاغون»: تكاليف حرب إيران 25 مليار دولار حتى الآن

جولز هيرست خلال جلسة استماع بمجلس النواب الأميركي الأربعاء (أ.ف.ب)
جولز هيرست خلال جلسة استماع بمجلس النواب الأميركي الأربعاء (أ.ف.ب)

قال وكيل وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) للشؤون المالية بالإنابة جولز هيرست، اليوم الأربعاء، أمام جلسة استماع بمجلس النواب الأميركي، إن التكلفة التقديرية للحرب مع إيران تبلغ 25 مليار دولار، وفق ما أوردته «وكالة الأنباء الألمانية».

وأوضح هيرست أنه تم إنفاق معظم تلك الأموال على الذخائر. وأنفق الجيش أيضاً أموالاً على إدارة العمليات واستبدال المعدات.

ويبدو أن إيران والولايات المتحدة عالقتان في حالة جمود، حيث من غير المرجح أن يقبل ترمب العرض الأخير من طهران لإعادة فتح المضيق إذا أنهت الولايات المتحدة الحرب ورفعت الحصار البحري وأرجأت المحادثات النووية.

وشنت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب على إيران يوم 28 فبراير (شباط)، دون موافقة من الكونغرس.

وفشل الديمقراطيون في مجلسي النواب والشيوخ في تمرير عدة قرارات تتعلق بصلاحيات الحرب، والتي كان من شأنها أن تلزم الرئيس الأميركي دونالد ترمب بوقف القتال إلى حين حصوله على تفويض من الكونغرس لمواصلة أي إجراءات إضافية.


«وصمة العار» تعرقل التسوية في محاكمة نتنياهو

نتنياهو في أثناء جلسات سابقة من محاكمته (أ.ف.ب)
نتنياهو في أثناء جلسات سابقة من محاكمته (أ.ف.ب)
TT

«وصمة العار» تعرقل التسوية في محاكمة نتنياهو

نتنياهو في أثناء جلسات سابقة من محاكمته (أ.ف.ب)
نتنياهو في أثناء جلسات سابقة من محاكمته (أ.ف.ب)

نقلت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية، الأربعاء، أن المستشارة القضائية للحكومة غالي بهاراف ميارا، ليست مستعدة لقبول أي تسوية قضائية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، من دون أن تكون متضمنة لما يسمى بـ«وصمة عار» في القضايا التي يواجه فيها اتهامات بالفساد، وهو ما يرفضه بطبيعة الحال رئيس الحكومة.

وبحسب الصحيفة، فإن مواقف كل من بهاراف ميارا ونتنياهو في سياق المبادرة التي طرحها الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، لمناقشة التوصل إلى تسوية في محاكمته، تُظهر أن «الاتفاق بعيد المنال».

المستشارة القضائية للحكومة غالي بهاراف ميارا تصل للاجتماع الأسبوعي لمجلس الوزراء يوليو 2023 (رويترز)

وتعني وصمة العار أن نتنياهو سيغادر الحياة السياسية في هذه المرحلة، ولن يتمكن من العودة للتنافس على المنصب لسنوات طويلة (7 سنوات).

ونقلت الصحيفة كذلك أنه «حتى الآن، موقف بهاراف ميارا قاطع، وقد رفضت من قبل مقترحاً من هيئة المحكمة التي تنظر في القضية لإجراء وساطة جنائية لتقريب وجهات النظر والتوصل إلى صفقة، والآن فيما لا تجد سبباً لرفض طلب هرتسوغ، فهي ليست مستعدة بأي حال من الأحوال للتنازل عن صيغة تتضمن «وصمة عار» على نتنياهو.

ولا يبدي نتنياهو استعداداً لاعتزال الحياة السياسية، ويرى، بحسب «يديعوت»، أن فرض «وصمة العار» هو إجراء غير متناسب سيسلبه حقه الدستوري في الترشح ويسلب مؤيديه حقهم في انتخابه، كما أن نتنياهو يرفض أصلاً الاعتراف بأفعاله أو حتى تحمل المسؤولية أو الإعراب عن الندم، وهذا شرط أساسي؛ إذ يجب على المتهم الاعتراف بالجرائم أو بجرائم بديلة يتم الاتفاق عليها بين الطرفين.

وقالت «يديعوت» إنه «بذلك، تصبح أي تسوية قضائية مثل صفقة مخففة مقابل الاعتزال، بعيدة الصلة».

واستؤنفت، الأربعاء، محاكمة نتنياهو لأول مرة منذ بداية الحرب مع إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي، وللمرة 81 منذ بدء محاكمته.

دعوات لتبكير الانتخابات

ويستعد نتنياهو لخوض الانتخابات المقبلة المقررة في نهاية أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، على رأس حزبه «الليكود»، وما زال يحتفظ بالتقدم على الآخرين في استطلاعات الرأي، على الرغم من تحالف زعيمي المعارضة نفتالي بينت، ويائير لبيد لإسقاطه.

وقالت مصادر إسرائيلية إن مسؤولي الحزب يرون أن إجراء الانتخابات في موعدها المُحدد في 27 أكتوبر بعد أسابيع قليلة من ذكرى هجوم السابع من أكتوبر 2023، قد يكلف الحزب خسارة الانتخابات. ونقل موقع «آي نيوز 24» أن مسؤولين بالحزب قالوا لنتنياهو إن «خسارة شهرين من السلطة، أفضل من خسارة ولاية كاملة».

وبحسب الموقع، فقد توصل المسؤولون في «الليكود» إلى أن «إجراء الانتخابات في أجواء إحياء هجوم 7 أكتوبر، سيجعل من الصعب استقطاب الناخبين مجدداً إلى كتلة الائتلاف». ولم يقرر نتنياهو بعد بشأن ذلك، بسبب الحرب المعلقة مع إيران.

وقالت تقارير سابقة في إسرائيل إن نتنياهو كان في أثناء الحرب يخطط لنهاية مغايرة تنتهي بانتصار واضح يلتقي بعده الرئيس الأميركي دونالد ترمب من أجل إعلان الانتصار على إيران، ومن ثم يحل الكنيست، ويعلن عن تقديم موعد الانتخابات، لكن ذلك لم يحدث.

نفي لزيارة واشنطن

وبعد إعلان صحيفة «يسرائيل هيوم»، الأربعاء، أن نتنياهو يخطط للقاء ترمب في البيت الأبيض، الأسبوع المقبل، سارع مكتبه لنفي المسألة، وقال إنه ليس من المتوقع أن يسافر إلى الولايات المتحدة، الأسبوع المقبل، للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مضيفاً أنه «يتحدث مع صديقه ترمب بشكل متكرر».

وتبرز مسألة ثانية تعزز تردد نتنياهو بشأن الانتخابات وموعدها، وهي قضية تجنيد الحريديم التي تهدد ائتلافه الحالي والتحالفات المتوقعة.

جانب من مسيرة الحريديم في القدس (رويترز)

واقتحم عشرات من المتشددين (الحريديم) منزل قائد الشرطة العسكرية في إسرائيل، العميد يوفال يامين، في مدينة أشكلون، في وقت متأخر، الثلاثاء، فيما كانت عائلته داخل المنزل، في حادثة أثارت موجة إدانات واسعة في إسرائيل.

وأعلنت الشرطة الإسرائيلية اعتقال 25 مشتبهاً به على خلفية الحادث الذي وصفه رئيس الأركان إيال زامير بأنه «تجاوز خطير لخط أحمر»، داعياً إلى تحرك حازم من جميع الأجهزة الأمنية.

وأدان نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس الحادث، مطالبين بالتعامل مع المتورطين «بأقصى درجات الحزم».

وجاءت الحادثة التي وصفتها وسائل الإعلام الإسرائيلية بأنها غير مسبوقة في ختام يوم من الاحتجاجات التي نظمها متشددون يهود ضد قانون التجنيد، واحتجاجاً على اعتقال طلاب معاهد دينية.

وتزامن هذا التصعيد مع نقاشات قانونية متواصلة بشأن تجنيد الحريديم، وجدل أوسع حول سياسات التجنيد في إسرائيل.


غروسي يرجح وجود غالبية اليورانيوم الإيراني في أصفهان

غروسي يتحدث خلال مقابلة خاصة في مقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا (أ.ب)
غروسي يتحدث خلال مقابلة خاصة في مقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا (أ.ب)
TT

غروسي يرجح وجود غالبية اليورانيوم الإيراني في أصفهان

غروسي يتحدث خلال مقابلة خاصة في مقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا (أ.ب)
غروسي يتحدث خلال مقابلة خاصة في مقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا (أ.ب)

قال مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، إن غالبية اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب لا تزال على الأرجح موجودة في مجمع أصفهان النووي، الذي تعرض لقصف جوي العام الماضي، وواجه هجمات أقل حدة خلال الحرب الأميركية - الإسرائيلية هذا العام.

وقال غروسي، في مقابلة لوكالة «أسوشييتد برس» الثلاثاء، إن الوكالة التابعة للأمم المتحدة لديها صور أقمار اصطناعية تظهر آثار أحدث الغارات الجوية الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران، مضيفاً أن الوكالة «تواصل الحصول على المعلومات».

وتوقفت عمليات تفتيش الوكالة في أصفهان عندما شنت إسرائيل، في يونيو (حزيران) الماضي، حرباً استمرت 12 يوماً، قصفت خلالها الولايات المتحدة ثلاثة مواقع نووية إيرانية.

ويعتقد جهاز الرقابة الأممي أن نسبة كبيرة من اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب «كانت مخزنة هناك في يونيو 2025 عندما اندلعت حرب الأيام الـ12، وهي موجودة هناك منذ ذلك الحين»، بحسب غروسي.

وقال: «لم نتمكن من التفتيش أو من استبعاد أن تكون المواد موجودة هناك، وأن الأختام (أختام الوكالة الدولية)، لا تزال موجودة هناك». وأضاف: «آمل أن نتمكن من القيام بذلك، لذا فإن ما أقوله لكم هو أفضل تقدير لدينا».

وتُظهر صور التقطها قمر اصطناعي تابع لشركة «إيرباص» شاحنة محملة بـ18 حاوية زرقاء تدخل نفقاً في مركز أصفهان للتكنولوجيا النووية في 9 يونيو 2025، قبل بدء حرب يونيو مباشرة. ومن المرجح أن تلك الحاويات، التي يُعتقد أنها تحتوي على يورانيوم عالي التخصيب، لا تزال موجودة هناك.

تفتيش جميع المواقع

قال غروسي إن جميع المواقع النووية الإيرانية يجب أن تخضع للتفتيش، مضيفاً أن الوكالة تريد أيضاً تفتيش المنشآت النووية الإيرانية في نطنز وفوردو، حيث توجد أيضاً بعض المواد النووية.

وإيران طرف في معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، التي تجري حالياً مراجعتها الخمسية في مقر الأمم المتحدة. وقال غروسي إنه بموجب أحكام المعاهدة، يتعين على إيران فتح منشآتها النووية أمام تفتيش الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

ووفقاً للوكالة، تمتلك إيران 440.9 كيلوغرام، (972 رطلاً)، من اليورانيوم المخصب بدرجة نقاء تصل إلى 60 في المائة، وهي خطوة تقنية قصيرة من مستوى 90 في المائة المستخدم في صنع الأسلحة.

ونبه غروسي بأن الوكالة تعتقد أن نحو 200 كيلوغرام، أي نحو 440 رطلاً، مخزنة في أنفاق موقع أصفهان.

وقال غروسي لوكالة «أسوشييتد برس» العام الماضي إن المخزون الإيراني من اليورانيوم عالي التخصيب يمكن أن يسمح للبلاد بصنع ما يصل إلى 10 قنابل نووية، إذا قررت تسليح برنامجها، وإذا اختارت الاندفاع نحو القنبلة.

ولطالما أصرت طهران على أن برنامجها النووي سلمي. وقال الرئيس دونالد ترمب إن أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت الولايات المتحدة إلى الحرب هو حرمان إيران من القدرة على تطوير أسلحة نووية، رغم إصراره على أن ضربات يونيو الماضي «قضت» على البرنامج النووي الإيراني.

وكانت صحيفة «نيويورك تايمز» أشارت السبت الماضي، إلى أن المخزون الإيراني الأوسع يبلغ نحو 11 طناً من اليورانيوم بمستويات تخصيب مختلفة، تتراوح تقريباً بين مستويات منخفضة و60 في المائة.

ونقلت الصحيفة عن تقديرات خبراء أن مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة قد يكفي نظرياً، إذا قررت طهران تسليح برنامجها، لإنتاج نحو 10 قنابل نووية، بينما يمكن للمخزون الإجمالي، إذا خضع لمزيد من التخصيب، أن يتيح نظرياً إنتاج ما بين 35 و55 سلاحاً وفق تقدير، أو 50 إلى 100 قنبلة وفق تقدير آخر، مع بقاء ذلك مرتبطاً بقدرة إيران على استكمال المراحل التقنية والتسليحية الأخرى.

نقل اليورانيوم إلى الخارج

قال غروسي إن الوكالة الدولية ناقشت مع روسيا ودول أخرى إمكانية إرسال اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب إلى خارج البلاد، وهي عملية معقدة تتطلب إما اتفاقاً سياسياً أو عملية عسكرية أميركية كبيرة في أرض معادية.

وأضاف: «ما سيكون مهماً هو أن تغادر تلك المواد إيران»، أو أن يتم خلطها لتقليل درجة تخصيبها.

ولفت غروسي إلى أن الوكالة شاركت في الجولة الأخيرة من المحادثات النووية بين الولايات المتحدة وإيران في فبراير (شباط)، لكنها لم تشارك في مفاوضات وقف إطلاق النار الأخيرة التي توسطت فيها باكستان. وأضاف أن الوكالة تجري محادثات منفصلة مع الولايات المتحدة ومحادثات غير رسمية مع إيران.

وينص أحدث اقتراح من إيران على تأجيل المناقشات حول برنامجها النووي، لكنه ينهي قبضتها على مضيق هرمز، وهو ممر بحري حيوي لشحنات النفط والغاز الطبيعي، إذا رفعت الولايات المتحدة حصارها وأنهت الحرب.

تُظهر هذه الصورة الملتقَطة بواسطة القمر الاصطناعي «بلياديس نيو» التابع لشركة «إيرباص للدفاع والفضاء» شاحنة محمَّلة بـ18 حاوية زرقاء تنقل يورانيوم عالي التخصيب تدخل إلى نفق داخل مجمع «مركز التكنولوجيا النووية» في أصفهان 9 يونيو 2025 (أ.ب)

ووصف غروسي ذلك بأنه مؤشر على أن إيران تريد ترتيب كيفية تعاملها مع الأهداف التي فرضتها الولايات المتحدة، بما في ذلك كبح برنامج الصواريخ الباليستية، والتعامل مع وكلائها «حزب الله» في لبنان و«حماس» في غزة والحوثيين في اليمن.

وشدد غروسي على أن برنامج إيران النووي: «ما لا غنى عنه هو أن نتعامل مع هذا الأمر».

«إرادة سياسية»

قال غروسي إن التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران يتطلب «إرادة سياسية» من طهران، مشدداً على أن «إيران يجب أن تقتنع بأهمية التفاوض».

وقال إن قادة إيران يقولون إنهم مستعدون للتفاوض، وكذلك الرئيس الأميركي الجمهوري، لكن «مصدر الإحباط، على ما يبدو بالنسبة لكليهما، هو أنهما لا يبدوان متفقين، أو على مستوى واحد، بشأن ما يجب القيام به أولاً، أو كيفية القيام به».

ووصف غروسي نفسه بأنه مفاوض يحب أن يرى «بصيص أمل»، مشيراً إلى أن «أحد الأمور المهمة هو أنه يبدو أن هناك رغبة من كلا الجانبين للتوصل إلى اتفاق».

غروسي يتحدث خلال مقابلة خاصة في مقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا (أ.ب)

وقال وزير الخارجية ماركو روبيو لقناة «فوكس نيوز» هذا الأسبوع إن منع إيران من الحصول على سلاح نووي «لا يزال القضية الأساسية» التي يجب مواجهتها.

ورداً على سؤال عما إذا كان يعتقد أن الإيرانيين جادون في التوصل إلى اتفاق، قال روبيو إنهم مفاوضون ماهرون يسعون إلى كسب الوقت، وإن أي اتفاق يجب أن يكون «اتفاقاً يمنعهم بشكل قاطع من الاندفاع نحو الحصول على سلاح نووي في أي وقت».

وقال غروسي إنه في أي اتفاق سياسي، يجب إجراء عمليات تفتيش كاملة من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية على المنشآت النووية الإيرانية.