لغز «ستاكسنت»... مهندس هولندي عطّل تخصيب اليورانيوم الإيراني

تحقيق جديد: الخطة كلفت أميركا وإسرائيل مليار دولار

مفتش من الوكالة الدولية للطاقة الذرية يتفقد المحطة النووية في نطنز 20 يناير 2014 (أ.ف.ب)
مفتش من الوكالة الدولية للطاقة الذرية يتفقد المحطة النووية في نطنز 20 يناير 2014 (أ.ف.ب)
TT

لغز «ستاكسنت»... مهندس هولندي عطّل تخصيب اليورانيوم الإيراني

مفتش من الوكالة الدولية للطاقة الذرية يتفقد المحطة النووية في نطنز 20 يناير 2014 (أ.ف.ب)
مفتش من الوكالة الدولية للطاقة الذرية يتفقد المحطة النووية في نطنز 20 يناير 2014 (أ.ف.ب)

بعد 16 عاماً على أكبر عملية استهدف البرنامج النووي الإيراني، كشف تحقيق استقصائي جديد لجريدة هولندية، هوية العميل الذي أدخل الفيروس الدودي «ستاكسنت» إلى منشأة تخصيب اليورانيوم الرئيسية في نطنز وسط إيران، في عملية استغرقت سنوات من التعاون بين الولايات المتحدة وإسرائيل.

وطورت الولايات المتحدة وإسرائيل الفيروس «ستاكسنت» الذي اكتشف في 2010، بعد استخدامه لمهاجمة منشأة نطنز، في أول هجوم من نوعه يستخدم فيروس لمهاجمة معدات صناعية. وقال مسؤولون إيرانيون حينها: إن الفيروس أصاب محطة بوشهر النووية، المطلة على الخليج العربي.

ويعد الفيروس، برنامج كمبيوتر خبيثاً يهاجم أنظمة التحكم الصناعية المستخدمة على نطاق واسع التي تنتجها شركة «سيمنس ايه جي» الألمانية، ويستغل ثغرات أمنية في نظام التشغيل «مايكروسوفت ويندوز». ويقول خبراء: إن الفيروس يمكن أن يستخدم في التجسس أو التخريب.

منشأة نطنز النووية التي تبعد 322 كيلومتراً جنوب طهران (أ.ب)

واستهدف الفيروس إيران بشكل أساسي، لكنه أصاب الكثير من الدول في وقت لاحق.

وبعد سنوات من الهجوم الذي عطل البرنامج النووي الإيراني، وتسبب في توتر بين طهران والغرب، أزاحت صحيفة «دي فولكس كرانت» الستار عن تفاصيل وصول المخابرات الأميركية والإسرائيلية، إلى المنشأة الشديدة التحصين، بعدما نجح مهندس هولندي في إدخال معدات ملوثة بالفيروس، إلى شريان الحياة في نطنز، وتركيبها على مضخات مياه.

وبحسب التحقيق الذي نشرته صحيفة«دي فولكس كرانت»، فإن المهندس الهولندي إريك فان سابين، عميل جهاز المخابرات والأمن العام الهولندي (AIVD)، هو من نجح في الوصول إلى منشأة نطنز، لتنفيذ العملية السرية المذهلة التي سبتقها سنوات من الإعداد والتعاون بين وكالة المخابرات المركزية الأميركية، والموساد الإسرائيلي وتكلفة قدرها مليار دولار لتطوير الفيروس.

وفي يناير (كانون الثاني) 2011، كشفت صحيفة «نيويورك تايمز» وجود تعاون استخباراتي أميركي - إسرائيلي، لتطوير الفيروس المعلوماتي. وقالت مصادر استخباراتية للصحيفة: إن «إسرائيل اختبرت فاعلية الفيروس في مجمع ديمونة النووي».

منشأة نطنز كما تبدو من الداخل في وسط محافظة أصفهان (رويترز)

وعن دوافع الكشف عن هوية المنفذ، ذكرت صحيفة«دي فولكس كرانت»، أن وفاة المهندس «أزالت خطر الانتقام الإيراني منه»، مشيرة إلى موافقة عائلته، في ذكر اسمه ونشر صورته.

وذكر التحقيق، أن المهندس قام بمهمة محفوفة بالمخاطر للغاية في إيران، عبر تسلله إلى منشأة نطنز، في 2007، حيث ركّب أجهزة ومعدات ملوثة، قبل أن تظهر نتائج أكبر ضربة كبيرة يتلقاها البرنامج الإيراني للتسلح النووي، بعد ثمانية أشهر من تركيب المعدات. وأدى ذلك إلى تعطيل ألف جهاز مركزي في منشأة نطنز.

تساؤلات

وبحسب الصحيفة، فإن المهندس الهولندي المتزوج من إيرانية، كان يعمل في شركة نقل في دبي، وسافر مرات عدة إلى إيران. وقالت شركة النقل «تي تي إس إنترناشيونال» إنها أرسلت قطع غيار لصناعة النفط والغاز في إيران سابقاً، لكنها لم تكن على علم بالأنشطة السرية لموظفها، العميل الهولندي.

ومن غير الواضح ما إذا كان سابين استغل مهامه في الشركة لاستيراد المعدات النووية إلى إيران، أو كان يعلم أن المعدات التي أرسلها إلى نطنز، كانت تحتوي على فيروس مدمر.

وفي نهاية 2008، سافر سابين وأسرته إلى إيران، لقضاء عطلة نهاية السنة، لمدة عشرة أيام، لكنه غداة وصوله، أراد من أسرته المغادرة فوراً. وقالت زوجته: «كان منزعجاً للغاية وأصر على أن نغادر على الفور». وبعد أسبوعين من مغادرته الغامضة لإيران، توفي سابين في حادث في الشارقة بالقرب من دبي، إثر خروجه بدراجته النارية التي انقلبت به وكُسرت رقبته.

وأثارت وفاته تساؤلات لدى جهاز المخابرات الهولندي، وكانت مخاوف من أن تكون وفاته على صلة بأنشطته السرية في إيران. وقال ضابط في جهاز المخابرات والأمن العسكري: «لقد دفع ثمناً باهظاً». لا يزال الأصدقاء والعائلة يفترضون وقوع حادث مميت. وقالت الصحيفة إنها تحدثت إلى أشخاص كانوا في مكان الحادث، ولا توجد مؤشرات على أن الحادث كان متعمداً.

واستند التحقيق الذي استغرق عامين إلى شهادات 43 شخصاً، 19 منهم من جهاز المخابرات العامة والأمن الهولندي (AIVD) وجهاز المخابرات والأمن العسكري الهولندي (MIVD) وموظفين سابقين في الموساد وجهاز المخابرات العسكرية الإسرائيلية (أمان) والمخابرات المركزية الأميركية (سي آي إيه).

وهذه ثاني تحقيق استقصائي تنشره الصحيفة الهولندية، بعد تحقيق مشترك مع موقع «ياهو نيوز» في 2019، كشف عن الدور الحاسم الذي لعبه عميل لجهاز المخابرات العامة والأمن الهولندي في إدخال فيروس «ستاكسنت» إلى المجمع النووي الإيراني، دون تحديد هوية العميل.

صورة التقطها قمر «بلانيت لابس» لحفريات تحت جبل قرب منشأة طنز لتخصيب اليورانيوم وسط إيران في 14 أبريل 2023 (أ.ب)

«الحرب الرقمية»

ووصف مصدر استخباراتي هولندي، عملية فيروس «ستاكسنت» بـ«الفاشلة» لجهاز المخابرات العامة والأمن الهولندي. وقالت الصحيفة: إن إطلاق فيروس «ستاكسنت» بمثابة إعلان عن تدشين الحرب الرقمية.

وحذّر خبراء حينها من أن انتشار الفيروس سيؤدي إلى تأجيج سباق «تسلح» متسارع على الإنترنت تنخرط فيه الدول الغربية المتقدمة والقوى الناشئة، ولا سيما الصين وروسيا. وفي مارس (آذار) 2012، صرح المدير الأسبق لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، مايكل هايدن، بأن الفيروس «فكرة جيدة» لتعطيل البرنامج النووي الإيراني، لكنه يشكل سابقة خطيرة.

يثير التحقيق أسئلة حول أسباب عدم إطلاع الحكومة الهولندية، والجهازين الأساسيين للمخابرات الهولندية، واللجنة البرلمانية المعنية بالأمن العام والمخابرات على تفاصيل عملية «ستاكسنت». وأشارت الصحيفة إلى أن خبراء دوليين ينظرون إلى تخريب البرنامج النووي الإيراني على أنه «عمل من أعمال الحرب في حين أن هولندا لم تكن في حالة حرب مع إيران»، وحذرت الصحيفة من «عواقب جيو - سياسية» إذا ثبت تورط أجهزة مخابراتها.

وتشكل الحرب الإلكترونية ضلعاً أساسياً من حرب الظل الدائرة بين إسرائيل، وإيران، خصوصاً على خلفية الملف النووي، محور النزاع الأساسي بين طهران والقوى الغربية.

ودق هجوم فيروس «ستاكسنت» جرس الإنذار في إيران من خطر اعتمادها على برمجيات مستخدمة على نطاق واسع والتكنولوجيا، وقطع الغيار المستوردة من الخارج عبر الالتفاف على العقوبات.

«تخريب صاروخي»

في نهاية أغسطس (آب) الماضي، أعلنت إيران إحباط «مؤامرة إسرائيلية» لتخريب واسعة في برنامجها لتطوير الصواريخ الباليستية، والطائرات المسيّرة، من خلال قطع غيار معيبة مستوردة من الخارج.

وقال التلفزيون الحكومي في 31 أغسطس الماضي: «أحبطت وحدة المخابرات بوزارة الدفاع واحدة من كبرى المؤامرات التخريبية لجهاز الموساد الصهيوني التي استهدفت الصناعات العسكرية للصواريخ والطيران والفضاء في البلاد».

وحسب الرواية الإيرانية، فإن وزارة الدفاع حصلت على قطع غيار ورقائق إلكترونية، تستخدم في إنتاج الصواريخ المتقدمة والمسيّرات.

وقال مهدي فرحي، نائب وزير الدفاع للتلفزيون الرسمي: إنه «لولا إحباط التخريب ولو استُخدمت قطع الغيار لتم إبطال فاعلية جميع الصواريخ». واتهم التلفزيون الرسمي «شبكة احترافية ومختصة بمساعدة بعض العناصر المتسللة» بالوقوف وراء «المؤامرة».

وقال التلفزيون الإيراني: إن نجاح الخطة الأمنية يقطع الطريق على الموساد لنقل وتوفير قطعة الغيار المذكورة، وكذلك تم تحديد جميع ضباطهم في الخارج وعناصرهم في الداخل، في الفخ الاستخباراتي.


مقالات ذات صلة

شؤون إقليمية مجمع نطنز النووي في إيران بتاريخ 7 مارس 2026 (أرشيفية - أ.ب) p-circle

واشنطن تدرس الإفراج عن 20 مليار دولار من أموال إيران المجمدة مقابل تسليم اليورانيوم

كشف موقع «أكسيوس» الإخباري الأميركي، اليوم (السبت)، عن إجراء مفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران بشأن خطة من ثلاث صفحات لإنهاء الحرب بين الجانبين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
شؤون إقليمية خاتمي خلال مراسم الذكرى السابعة لوفاة حليفه الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني في طهران الشهر الماضي (جماران)

دعوات إصلاحية في إيران لدعم المفاوضات وسط تباين داخلي

نقلت صحف إصلاحية، الخميس، عن الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي دعوته إلى دعم مسار المفاوضات الجارية مع الولايات المتحدة، بوساطة باكستانية، وتثبيت المكاسب.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير خلال مراسم إحياء ذكرى يوم الهولوكوست (ذكرى محرقة اليهود) في نصب ياد فاشيم التذكاري للهولوكوست بالقدس - 14 أبريل 2026 (أ.ب)

زامير: ينبغي ألا نسمح للإيرانيين بتحقيق مكاسب في الملف النووي أو مضيق هرمز

صرّح رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، خلال جولة على قواته في جنوب لبنان، إنه ينبغي عدم السماح للإيرانيين بتحقيق مكاسب في الملف النووي أو مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية تُظهِر هذه الصورة الملتقَطة بواسطة القمر الاصطناعي «بلياديس نيو» التابع لشركة «إيرباص للدفاع والفضاء» شاحنة محمَّلة بـ18 حاوية زرقاء تنقل يورانيوم عالي التخصيب تدخل إلى نفق داخل مجمع «مركز التكنولوجيا النووية» في أصفهان 9 يونيو 2025 (أ.ب)

«النووي الإيراني» تضرر بشدة في الحرب... لكنه لم ينتهِ بعد

نجحت إسرائيل والولايات المتحدة في إبعاد خطر امتلاك إيران سلاحاً نووياً في المدى المنظور، دون أن تتمكنا من الاستيلاء على المخزون من اليورانيوم عالي التخصيب.

«الشرق الأوسط» (لندن)

تركيا تسعى لتعزيز مكانتها كممر للطاقة بالتعاون مع سوريا

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله الرئيس السوري أحمد الشرع في منتدى أنطاليا الدبلوماسي الجمعة (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله الرئيس السوري أحمد الشرع في منتدى أنطاليا الدبلوماسي الجمعة (الرئاسة التركية)
TT

تركيا تسعى لتعزيز مكانتها كممر للطاقة بالتعاون مع سوريا

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله الرئيس السوري أحمد الشرع في منتدى أنطاليا الدبلوماسي الجمعة (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله الرئيس السوري أحمد الشرع في منتدى أنطاليا الدبلوماسي الجمعة (الرئاسة التركية)

رأت تركيا أن هناك فرصة سانحة لتعزيز مركزها كممر للطاقة بالتعاون مع سوريا، بعد المشاكل التي ظهرت نتيجة إغلاق مضيق هرمز بسبب الحرب بين إيران وأميركا وإسرائيل.

وقال السفير التركي في دمشق، نوح يلماظ، إن تركيا وسوريا أمام «فرصة استراتيجية» في سوق الطاقة مع ظهور المشكلات التي بدأت في مضيق هرمز عقب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وأضاف أن توزيع الطاقة، الذي يتم عبر مضيق هرمز أو قناة السويس، قد يصل إلى نقطة يمنح فيها تركيا حصة أكبر، وأن أزمة الطاقة التي برزت مؤخراً، بسبب إغلاق مضيق هرمز، قد تدفع تدفق الطاقة نحو الخطوط البرية التي تمر من تركيا في الشمال، أو نحو الوصول المباشر إلى البحر المتوسط، أو إلى خطوط بديلة تمتد من العراق إلى سوريا.

فرصة سانحة وعوائق

وتابع يلماظ، خلال جلسة في إطار «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» في جنوب تركيا، السبت، أن «هذا يمثل في الواقع فرصة مهمة لكل من تركيا وسوريا»، عادّاً أن أقصر الطرق وأكثرها أماناً واستقراراً أماناً وأقلها تكلفة حالياً هي تركيا.

السفير التركي في دمشق نوح يلماظ خلال جلسة في منتدى أنطاليا (إعلام تركي)

ولفت إلى أن البديل الثاني نتيجة المشكلات في الخليج هو خط سوريا - العراق، وأن بعض الظروف المناسبة لهذا المسار بدأت تتشكل تدريجياً، وأنه يتطلب استقراراً سياسياً وأمنياً في سوريا يسمح باستثمارات بمليارات الدولارات.

وأوضح أن التحركات الإسرائيلية المزعزعة للاستقرار و«الأنشطة الإرهابية» تشكل عوائق أمام ذلك، وأنه يمكن لسوريا أن تصبح فاعلاً مهماً، لكن وصولها إلى هذه المرحلة سيستغرق وقتاً، ربما لا يقل عن 10 سنوات؛ لأن ذلك يتطلب استقراراً سياسياً، ثم استثمارات، وتشكيل تحالفات.

كما ذكر يلماظ أن تطوير التجارة بين تركيا وسوريا، بما يشمل الجمارك والمعابر الحدودية والاعتراف المتبادل بالوثائق الرسمية، هي عملية تستغرق وقتاً، مشيراً إلى أن المفاوضات حول بعض السلع والرسوم الجمركية تُدار بما يخدم مصالح الطرفين.

ورأى أنه مع إصلاح الطرق، ومعالجة المشكلات المادية، وإزالة مشكلات النقل، فإن التجارة بين تركيا وسوريا ستصل على الأرجح إلى أعلى مستوياتها.

مساعٍ لشراكة استراتيجية

وبدأت تركيا وسوريا في الفترة الأخيرة تحركاً باتجاه تحقيق شراكة استراتيجية تغطي جميع مجالات العلاقات بين البلدين، ودعم مرحلة إعادة الإعمار، وتحقيق الاستقرار بعد 14 عاماً من الحرب الداخلية.

وعقدت، خلال الفترة الأخيرة، سلسلة من الاجتماعات بهدف دفع التعاون بين البلدين الجارين في مختلف المجالات، حيث عقد المنتدى التركي - السوري للاستثمار في إسطنبول، في 7 أبريل (نيسان) الحالي، بمشاركة وزير التجارة التركي، عمر بولاط، ووزير الاقتصاد والصناعة السوري، محمد نضال الشعار، وتم مناقشة تعزيز التعاون في مجالات النقل والطاقة والاستثمار والتجارة والجمارك.

وزير التجارة التركي عمر بولاط متحدثاً خلال منتدى الاستثمار التركي - السوري في إسطنبول في 7 أبريل (من حسابه في إكس)

وقال بولاط، خلال المنتدي، إن تجارة الترانزيت أصبحت ممكنة الآن من خلال سوريا إلى الشرق الأوسط ودول الخليج، بعد انقطاع دام 10 سنوات.

كما وقَّع وزير النقل والبنية التحتية التركي، عبد القادر أورال أوغلو، مع نظيريه الأردني نضال قطامين والسوري يعرب بدر، في عمّان، في اليوم ذاته، اتفاقية تعاون ثلاثية في مجال النقل، بهدف تعزيز التكامل الإقليمي وتطوير البنية التحتية للنقل، وسط ظروف استثنائية تشهدها المنطقة بفعل حرب إيران وتداعياتها على سلاسل التوريد والتجارة.

انفتاح على التعاون

وقال الرئيس السوري أحمد الشرع، خلال إحدى جلسات منتدى أنطاليا الدبلوماسي، الجمعة، إن سوريا اتخذت نهجاً لإعادة الإعمار. إن العلاقات التاريخية والجغرافية مع تركيا تُسهم في تعزيز فرص الاستثمار، لافتاً إلى أن نظام الأسد تسبب في عزلة إقليمية، وأن تحرير سوريا يُمثل فرصة لإعادة بناء هذه العلاقات، خصوصاً مع تركيا التي دعمت الشعب السوري خلال السنوات الماضية.

جانب من مباحثات إردوغان والشرع على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي الجمعة (الرئاسة التركية)

وأضاف الشرع، الذي أجرى مباحثات شاملة حول العلاقات بين البلدين مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان على هامش المنتدى، أن هناك جهوداً حثيثة لإنشاء منطقة حرة سورية - تركية في إدلب؛ حيث يجري العمل على نقل بعض الصناعات وتطوير مشروعات مشتركة، وستكون هذه المنطقة نقطة وصل استراتيجية بين إدلب ومناطق أخرى، مثل حلب ودمشق، ما يُسهل عمليات التجارة والنقل.

وقال إردوغان إن أجواء الصراع في المنطقة تُعد أكبر عائق أمام السلام والاستقرار الذي يستحقه الشعب السوري، بعدما تعرّض له من ظلم على مدى ما يقرب من 14 عاماً.

وأضاف أن إعادة نهوض سوريا تتطلب دعماً بناءً ومستمراً من الفاعلين الدوليين، وأن تركيا قدّمت، وتواصل تقديم، كل ما بوسعها من دعم لأشقائها السوريين، على أساس الوحدة الوطنية وسلامة أراضي البلاد.


«اتفاق غزة»: الوسطاء يسعون لتفعيل «لجنة التكنوقراط»

أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين (أ.ف.ب)
أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين (أ.ف.ب)
TT

«اتفاق غزة»: الوسطاء يسعون لتفعيل «لجنة التكنوقراط»

أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين (أ.ف.ب)
أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين (أ.ف.ب)

تتجه الأنظار نحو «لجنة إدارة قطاع غزة» بعد 3 أشهر من تأسيسها دون بدء عملها الفعلي من القطاع، وذلك بعد حديث الممثل الأعلى لـ«مجلس السلام» بقطاع غزة، نيكولاي ملادينوف، عن بدء إزالة العقبات أمامها.

حديث ملادينوف الذي جاء بعد انتهاء «جولة محادثات بالقاهرة» لم تسفر عن تقدم لا سيما في ملفي نزع السلاح أو الانسحاب الإسرائيلي، يراه خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» بداية للتركيز على تفعيل عمل «لجنة التكنوقراط»، وأنه سيكون هدف الوسطاء المقبل لمنح اتفاق وقف إطلاق النار دفعة للأمام بعد التعثر المتواصل جراء تحفظات «حماس» وإسرائيل المتواصلة.

وتوقع الخبراء أن يمنح بدء عمل «لجنة التكنوقراط» من القطاع بالتوازي مع نشر القوات الدولية والشرطية، دفعة للاتفاق، ووضع طرفي الحرب أمام التزامات محددة دون مناورات جديدة.

وقال ملادينوف في مقابلة مع قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية، مساء الجمعة، إن تفعيل دور «لجنة إدارة قطاع غزة» يتطلب خططاً دقيقة وتمويلاً مستداماً، مشيراً إلى أن الهدف الحالي هو «تمكين اللجنة من تقديم الخدمات بشكل فعال، وتحقيق تقدم ملموس على الأرض فور دخولها القطاع».

وأعرب الممثل الأعلى لـ«مجلس السلام» في سياق حديثه عن أسفه لتأخر دخول اللجنة إلى غزة بسبب «العقبات القائمة»، مؤكداً أن «العمل جارٍ بشكل يومي لتذليل هذه العوائق»، وتابع: «كنا نتمنى دخول اللجنة منذ اليوم الأول، ونعمل جاهدين لتمكين أعضائها من تولي مسؤولياتهم، وتقديم الخدمات للسكان الذين يعانون من أوضاع مأساوية».

كما أوضح أن سيطرة جيش الاحتلال الإسرائيلي على أكثر من نصف مساحة القطاع، أدت إلى تعقيد الأوضاع الميدانية والإنسانية بشكل غير مسبوق، مشدداً على أن «اللجنة» لن تتمكن من العمل بفاعلية؛ إلا إذا سُمح لها بالتحرك في جميع أنحاء القطاع من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب دون عوائق عسكرية.

صورة أرشيفية لرئيس لجنة التكنوقراط الفلسطينية المكلّفة إدارة شؤون قطاع غزة علي شعث يوقّع بيان مهمة اللجنة الوطنية لإدارة القطاع (حسابه على منصة إكس)

الخبير في الشأن الإسرائيلي بـ«مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، سعيد عكاشة، يرى أن المخرجات الحالية تشي بأنه «لا نتائج جديدة ستحدث إلا بعد اتضاح الرؤية بشأن ملف إيران وواشنطن، ومن ثم الحراك الحالي بهدف الإبقاء على اتفاق وقف إطلاق النار، بالقدر الأدنى من الاهتمامات»، مشيراً إلى أن تلك المعضلة تدفع الوسطاء للبحث عن مخرج مؤقت، وقد يكون الهدف الفترة المقبلة هو تحريك ملف «لجنة التكنوقراط» لإيجاد حلول ولو مؤقتة.

ويوضح عكاشة أن ملادينوف يحاول بوصفه دبلوماسياً سابقاً أن يعزز ذلك المسار عبر تصريحاته التي تركز عما يجب فعله الفترة المقبلة، دون التوقف عند أزمتي الانسحاب ونزع السلاح.

مشيعون يحملون جثمان فلسطيني قُتل في غارة إسرائيلية بدير البلح (أ.ف.ب)

بينما قال سفير فلسطين الأسبق لدى مصر، بركات الفرا، إنه «ليس أمام الوسطاء من حل إزاء تعثر أزمتي نزع السلاح والانسحاب الإسرائيلي؛ إلا الدفع بهذه (اللجنة) للعمل من داخل القطاع، وهذا ما نأمل أن يتحقق قريباً دون مماطلة من إسرائيل؛ لأنها التي تمنعهم حتى الآن»، مشدداً على أن «المحادثات التي استضافتها القاهرة، بذلت فيها مصر أقصى ما تستطيع، ولو كان الأمر بيدها لحلت الأمر فوراً؛ لكن العقبات لدى إسرائيل، ويجب على واشنطن إنهاؤها».

ويرى المحلل في الشأن الفلسطيني المختص بشؤون «حماس»، إبراهيم المدهون، أن «إسرائيل حتى اليوم لم تنفذ متطلبات واستحقاقات المرحلة الأولى؛ فلم تفتح المعابر، ولم تدخل المساعدات بشكل كامل، بل تمنع (لجنة التكنوقراط)»، مؤكداً أن نجاح واستمرار وقف إطلاق النار يتطلب أن يوقف الاحتلال الإسرائيلي عدوانه، ويلتزم بالمرحلة الأولى، ويسمح للجنة التكنوقراط بأن تقوم بأعمالها، ويسمح بدخولها إلى قطاع غزة، وتمكينها من العمل.

وتواجه «اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة» صعوبات كبيرة للدخول إلى القطاع، ومباشرة مهامها، نتيجة اشتراطات إسرائيلية من جانب، وتعقيدات تواجه عملها داخل غزة بفعل إجراءات «حماس»، إلى جانب التزامها ببرنامج «مجلس السلام» الذي شكّله الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن الوضع في القطاع، فضلاً عن عدم وجود موازنة مالية لمباشرة «اللجنة» مهامهم، بحسب مراقبين.

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، عقب تشكيل «لجنة إدارة غزة»، نقلت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، عن مصادر - لم تسمها - أن «حكومة بنيامين نتنياهو ترفض السماح لأعضاء (اللجنة) بدخول قطاع غزة».

وفي ظل تلك التعقيدات واستمرار السيطرة الإسرائيلية، يرى عكاشة أن السيناريوهات محدودة أمام الوسطاء في ظل عدم حسم الحرب بين إيران وواشنطن، ومن ثم سيبقى الوضع على ما هو عليه، مع تعزيز المساعدات الإغاثية، على أن تبقى الملفات السياسية عالقة لحين تفرغ البيت الأبيض للملف الغزي.


وزراء خارجية تركيا والسعودية ومصر وباكستان يبحثون جهود استئناف مفاوضات حرب إيران

وزراء خارجية تركيا والسعودية ومصر وباكستان خلال اجتماعهم في أنطاليا لمناقشة جهود وقف حرب إيران (رويترز)
وزراء خارجية تركيا والسعودية ومصر وباكستان خلال اجتماعهم في أنطاليا لمناقشة جهود وقف حرب إيران (رويترز)
TT

وزراء خارجية تركيا والسعودية ومصر وباكستان يبحثون جهود استئناف مفاوضات حرب إيران

وزراء خارجية تركيا والسعودية ومصر وباكستان خلال اجتماعهم في أنطاليا لمناقشة جهود وقف حرب إيران (رويترز)
وزراء خارجية تركيا والسعودية ومصر وباكستان خلال اجتماعهم في أنطاليا لمناقشة جهود وقف حرب إيران (رويترز)

بحث وزراء خارجية تركيا والسعودية ومصر وباكستان جهود عقد جولة جديدة من المفاوضات لوضع نهاية لحرب إيران، وذلك في حين أعلنت طهران أنه لم يتم تحديد موعد لعقد جولة جديدة للمحادثات مع الولايات المتحدة، مؤكدة أنها لا تسعى إلى وقف مؤقت لإطلاق النار بل لإنهاء الحرب بالكامل.

وعقد وزير الخارجية التركي ونظراؤه السعودي فيصل بن فرحان، والمصري بدر عبد العاطي، والباكستاني محمد إسحاق دار، اجتماعاً مساء الجمعة، على هامش الدورة الخامسة لـ«منتدى أنطاليا الدبلوماسي»، لبحث سبل إيجاد حلول للمشكلات الإقليمية، وفي مقدمتها الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، في إطار مبدأ «الملكية الإقليمية» الذي يقوم على مساعي حل مشكلات المنطقة من دون تدخل أجنبي.

وحسب مصادر في «الخارجية التركية»، أكد الوزراء دعمهم لجهود باكستان لعقد جولة جديدة من المفاوضات، وأنهم يعملون معاً من أجل التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار، وإنهاء الحرب التي تسببت في انعكاسات سلبية على المنطقة والعالم.

وسبق هذا الاجتماع، الذي كان الثالث بين الوزراء الأربعة، اجتماعان في الرياض خلال 18 مارس (آذار) الماضي، ثم في إسلام آباد 29 مارس.

اجتماعات مكثفة

صورة تذكارية لوزراء خارجية تركيا والسعودية ومصر وباكستان قبل اجتماعهم في أنطاليا (الخارجية التركية)

وعقد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان اجتماعاً موسعاً مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، يوم الجمعة، على هامش «منتدى أنطاليا الدبلوماسي»، بمشاركة وزيري الخارجية التركي والباكستاني، ووزير الدفاع الباكستاني، ورئيس المخابرات إبراهيم كالين، وعدد آخر من المسؤولين في البلدين، تم خلاله بحث تطورات حرب إيران وجهود استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة، ووضع نهاية للحرب على أساس الحوار.

وعقب لقائه مع شريف عقد إردوغان لقاء ثلاثياً ضم إلى جانب رئيس الوزراء الباكستاني، أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، لمناقشة التطورات المتعلقة بوقف إطلاق النار وجهود عقد المفاوضات الإيرانية-الأميركية وتداعيات حرب إيران على المنطقة.

وقال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي إن مصر تبذل جهداً كبيراً إلى جانب باكستان للتوصل إلى «اتفاق نهائي» بين الولايات المتحدة وإيران خلال الأيام المقبلة.

وأضاف عبد العاطي، خلال جلسة ضمن «منتدى أنطاليا الدبلوماسي»: «إننا نعمل بجد بالتعاون مع باكستان، وبالتنسيق مع السعودية وتركيا، من أجل خفض التصعيد والتوصل إلى اتفاق نهائي بين الولايات المتحدة وإيران، ونأمل تحقيق ذلك خلال الأيام المقبلة».

وكان وزير الخارجية التركي هاكان فيدان قد أكد، في كلمة خلال افتتاح المنتدى يوم الجمعة، قدرة بلاده على التواصل مع جميع الأطراف والاضطلاع بدور الوساطة على أساس الثقة.

وأكد أن المهمة الأولى والعاجلة بشأن الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران هي «إطفاء النار»، معرباً عن أمله في تنفيذ وقف إطلاق النار بشكل كامل.

إيران تريد انتهاء الحرب

جانب من اجتماع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ورئيس وزراء باكستان شهباز شريف على هامش «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» (الرئاسة التركية)

في السياق ذاته، نفى نائب وزير الخارجية الإيراني، سعيد خطيب زاده، تحديد موعد لجولة مفاوضات مقبلة مع الولايات المتحدة، مشدداً، في الوقت ذاته، على أن واشنطن لا يمكنها فرض إرادتها ومحاصرة مضيق هرمز.

وأعلنت إيران، السبت، إغلاق مضيق هرمز في تصعيد جديد للتوتر المتصاعد أصلاً في المنطقة. وذكر «الحرس الثوري» الإيراني أن المضيق «سيظل تحت سيطرة صارمة» ما لم تضمن الولايات المتحدة حرية الملاحة الكاملة للسفن المتجهة من وإلى إيران، دون تقديم تفاصيل إضافية حول آليات التنفيذ أو مدة الإغلاق.

وقال خطيب زاده، في تصريحات على هامش «منتدى أنطاليا الدبلوماسي»، إنه «لا يمكن للأميركيين فرض إرادتهم لمحاصرة إيران، فيما تحاول طهران بحسن نية تسهيل المرور الآمن عبر مضيق هرمز». ولفت إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب «يكثر من منشوراته ويتكلم كثيراً».

وخلال حديثه في جلسة بالمنتدى مساء الجمعة، قال زاده إن طهران ترفض أي وقف مؤقت لإطلاق النار، وتسعى إلى إنهاء شامل للحرب في المنطقة، مؤكداً أن أي وقف لإطلاق النار يجب أن يشمل جميع مناطق النزاع، من لبنان إلى البحر الأحمر، واصفاً ذلك بأنه «خط أحمر» بالنسبة إلى إيران.

سعيد خطيب زاده متحدثاً خلال جلسة في إطار «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» جنوب تركيا (أ.ب)

وأضاف خطيب زاده أن وساطة باكستان تهدف إلى تحقيق هذا الهدف، وحمّل الولايات المتحدة وإسرائيل مسؤولية إثارة عدم الاستقرار في المنطقة، لافتاً إلى أن تصرفاتهما أثرت سلباً على التجارة العالمية والاقتصاد بشكل عام.

وأكد أن إيران لا تزال ملتزمة بإبقاء مضيق هرمز مفتوحاً، لكنه أشار إلى إمكانية وضع ترتيبات جديدة في ضوء الوضع الراهن، بما في ذلك اعتبارات تتعلق بالأمن والمرور الآمن والاعتبارات البيئية.

وقال زاده إن التوصل إلى حل دائم للنزاع، إلى جانب ما وصفه بتراجع الولايات المتحدة عن «مواقفها المتشددة»، من شأنه أن يضمن بقاء مضيق هرمز ممراً آمناً للتجارة العالمية.

ودعا زاده خلال لقاء مع وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية والسلام، روزماري ديكارلو، على هامش المنتدى، الأمم المتحدة إلى اتخاذ رد فعال وحازم على «الانتهاك الصارخ» والمستمر للقوانين والحقوق الدولية الناجم عن الهجوم على إيران.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended